المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مرحبا بالزائر الكريم


صلاح الدين
04 Sep 2008, 03:29 AM
مرحبا بالزائر الكريم


? محمد سيف العديني:
[02/09/2008]

صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه إذا رأى الهلال قال: «ربي وربك الله هلال خير ورشد، اللهم أهله علينا بالسلامة والإسلام والأمن والإيمان».
ورمضان أشرف الشهور، وأيامه أحلى الأيام، يعاتب الصالحون رمضان لقلة الزيارة، وطول الغياب، فيأتي بعد شوق، ويفد بعد فراق، فيحييه لسان الحال قائلا:
مرحبا أهلا وسهلا بالصيام
يا حبيبا زارنا في كل عام
قد لقيناك بحب مفعم
كل حب في سوى المولى حرام
فاقبل اللهم ربي صومنا
ثم زدنا من عطاياك الجسام
لا تعاقبنا فقد عاقبنا
قلق أسهرنا جنح الظلام
والعجيب أن هذا الضيف يصلح الله بمقدمه القلوب، ويغفر بزيارته الذنوب، ويستر بوصوله العيوب، فحي هلا وسهلا به. إن الزائر الكريم جاء ليضعف الشهوة وخطرات السوء وواردات المعصية فتشرق الروح، وجاء يذكر الصائم بإخوانه الصائمين من الجائعين المحتاجين والفقراء والمساكين، فيرحمهم ويعطف عليهم ويمد يده بالعون إليهم.
يا صائما ترك الطعام تعففا
أضحى رفيق الجوع واللأواء
أبشر بعيدك في القيامة رحمة
محفوفة بالبر والأنداء
والزائر يمثل مدرسة لتربية النفس، وتزكية القلب، وغض البصر، وحفظ الجوارح، والزائر يمثل السر بين العبد وبين المعبود سبحانه، ففي الصحيح أن الله عز وجل يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به»، لأن الصوم لا يطلع عليه إلا الله تعالى بخلاف الصلاة والزكاة والحج.
عرف السلف الصالح الصيام الزائر بأنه قربة لله عز وجل، ومضمار للسباق، وموسم للخيرات، فبكوا فرحا لاستقباله، وبكوا حزنا عند فراقه.
ولقد عرف السلف الصالح الصيام فأحبوا رمضان واجتهدوا في رمضان، وبذلوا نفوسهم في رمضان، فجعلوا من لياليه قياما وركوعا وسجودا ودموعا وخشوعا، وجعلوا من نهاره ذكرا وتلاوة وتعليما ودعوة ونصحا.
وعرف السلف الصالح الصيام بأنه قرة عين وراحة نفس، وانشراح صدر، فربوا أرواحهم بمقاصده، وزكوا قلوبهم بتعاليمه، وهذبوا نفوسهم بحكمه.
وكان السلف الصالح -كما صح عنهم- يجلسون بمصاحفهم في المساجد، يتلون ويبكون، ويحفظون ألسنتهم وأعينهم عن الحرام. لعلمهم بأن الصيام -يا صائمين- وحده للمسلمين، يصومون في زمن ويفطرون في زمن، جاعوا معا، وأكلوا معا، ألفة وإخاء، وحب ووفاء. الصيام كفارة للخطايا ومذهب للسيئات، صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «الجمعة إلى الجمعة، والعمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، كفارات لما بينها ما لم تؤت كبيرة».
والصيام صحة للجسم، لأنه يستفرغ المواد الفاسدة، ويريح المعدة ويصفي الدم ويطلق عمل القلب، فتشرق به الروح، وتصفو به النفوس، وتهذب به الأخلاق فمن صام ذلت نفسه، وانكسر قلبه، وخفت مطامعه، وذهبت شهوته، ولذلك تكون دعوته مستجابة لقربه من الله عز وجل.
لأن الصيام سر عظيم، وهو امتثال عبودية الله عز وجل، والإذعان لأمره والتسليم لشرعه، وترك شهوة الطعام والشراب والجماع لمرضاته.
والصيام انتصار للمسلم على هواه، وتفوق للمؤمن على نفسه، فهو نصف الصبر، ومن لم يستطع الصيام بلا عذر فلن يقهر نفسه ولن يغلب هواه.
والصيام تجربة هائلة للنفس، لتكون على استعداد تام لتحمل المشاق والقيام بالمهام الجسام من جهاد وبذل وتضحية وإقدام، ولذلك لما أراد طالوت أن يقاتل أعداءه ابتلى الله قوم طالوت بنهر، وقال لهم طالوت «فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين».
فنجح أهل الصبر وفاز منهم من غلب هواه، وتخلف عن الجهاد عبدة الشهوات المقهورون تحت سلطان طبائعهم.
ولعل بعض حكم الصوم تتلخص في أنه تقوى الله عز وجل، وامتثال لأمره وقهر للهوى، وانتصار على النفس، وتهيئة للمسلم في مواقف التضحية وضبط للجوارح، وكبح للشهوات، وصحة للجسم، ومكفر للسيئات، وألفة وإخاء، وشعور بجوع الجائعين، وحاجة المحتاجين، والله أعلم.
وجاء هذا الزائر ليقيم موسم التوبة والمغفرة، والسماح والعفو فهو زمن أغلى من كل غال وأنفس من كل نفيس.
لما صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها».
والإساءات منها كثيرة، والعفو منه أكثر، الخطأ منا كبير، ورحمته أكبر، الزلل منا عظيم، ومغفرته أعظم:
سبحان من يعطي دائما
ولم يزل مهما هفا العبد عفا
يعطي الذي يخطي ولا يمنعه
جلاله عن العطا لذي الخطا
قال تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).
لم يصروا أبدا، أخطأوا فاعترفوا وأذنبوا فاستغفروا، وأساءوا فندموا فغفر الله لهم. ولقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «رغم أنف من أدركه رمضان فلم يغفر له».
إنها فرصة لا تتكرر أبدا، ولا تعود إلا نادرا، فهل من مجتهد حريص، وبفضل هذا الزائر ذنوب العام كل العام تمحى لمن صدق مع الله في رمضان إذا اجتنب الكبائر، النقص طيلة السنة، والعيوب المتراكمة تصحح في رمضان.
ولقد صح في الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول: «يا عبادي إنكم تذنبون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم».
ومن طبيعتنا الذنوب، ولكن منا من يتوب وينيب ويستغفر مولاه، ومنا من يصر ويستمر ويكابر، وهذا هو المغبون المخذول عن طريق الهداية.
أتوب إليك يا رحمن مما
جنت نفسي فقد كثرت ذنوب
وأشكو يا إلهي من معاص
أصابتني وآذتني عيوب
وصح في الحديث القدسي أن الله -تعالى- يقول: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي».
ومن علامات قبول الصائمين الصدق في التوبة، والعزم على عدم العودة، والندم على ما فرط العبد في جنب الله عز وجل، ويقول سبحانه «وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون». وصح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم».
متى يتوب من لم يتب في رمضان؟ ومتى يعود إلى الله من لم يعد في رمضان؟
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.