المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مؤتمر ماردين»: فتوى ابن تيمية عن الجهاد أيام المغول غير قابلة للتطبيق في هذا الزمان


عمـــــر
17 Apr 2010, 08:56 PM
«مؤتمر ماردين»: فتوى ابن تيمية عن الجهاد أيام المغول غير قابلة للتطبيق في هذا الزمان


ترى من الذي جمعهم وأشرف على جمعهم ومول جمعهم ليطعنوا في شيخ الإسلام وإجتهاده ؟؟!! وما الغاية من جمعهم ؟؟!!

باريس - (رويترز)
أعاد علماء دين مسلمون بارزون صياغة فتوى الامام ابن تيمية بشأن الجهاد قائلين: إن الفتوى التي كثيرا ما يسوقها الإسلاميون المتشددون لتبرير القتل "لا يمكن أن تطبق في عالم يحترم حرية الاعتقاد والحقوق المدنية". وقال العلماء إنه لا بد من النظر إلى هذا الرأي في سياقه التاريخي حين كان المغول يغيرون على أراضي المسلمين.
وأعلن مؤتمر عقد في ماردين بجنوب شرق تركيا أنه لم يعد هناك مجال لتطبيق فتوى ابن تيمية الذي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي التي تقضي بالعنف المتشدد ولا لتقسيم المسلمين في القرون الوسطى للعالم إلى "دار إسلام" و"دار كفر".
وقال المؤتمر مشيرا إلى فتوى ابن تيمية "إن من يلتمس العون من هذه الفتوى لقتل المسلمين أو غير المسلمين ضل في تفسيره".
وأضاف البيان الصادر باللغة العربية في ختام المؤتمر يوم الأحد أنه لا يجوز لأي فرد مسلم أو جماعة مسلمة أن تعلن الحرب أو تنخرط في الجهاد من تلقاء نفسها.
وكان 15 عالما بارزا من علماء الدين من دول من بينها المملكة وتركيا والهند والسنغال والكويت وإيران والمغرب وإندونيسيا اجتمعوا في مؤتمر ماردين. وقالوا إن ظهور الدول المدنية التي تحمي الحقوق الدينية والعرقية والقومية اقتضى إعلان العالم كله كمكان للتسامح والتعايش السلمي بين جميع الفصائل والجماعات الدينية

عمـــــر
17 Apr 2010, 09:01 PM
وهنا كلام رائع للدكتور أكرم حجازي تناول في هذا المؤتمر المشبوه وعلق على ما صدر منه


مراجعات ابن تيمية

د. أكرم حجازي

10/4/2010


[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]



قدم خمسة عشر عالما من بلدان إسلامية مختلفة قراءتهم حول فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في ختام مؤتمر عقدوه في مدينة ماردين جنوب شرق تركيا «27 – 28 / 3 / 2010». وقد نظم المؤتمر المركز العالمي للتجديد للترشيد (لندن) بالتعاون مع مؤسسة كانوبوس الإسلامية للاستشارات (لندن) وجامعة أرتوكلو ( ماردين). وقد شارك في المؤتمر كل من تركيا والسعودية والإمارات وإندونيسيا والبوسنة والمغرب ونيجيريا والهند وألبانيا واليمن والسنغال والكويت وموريتانيا، وحضر ستة من مشايخ السعودية هم: عبد الله عمر نصيف، وعبد الوهاب الطريري، وعبد الله البراك، وناصر الحنيني، وعايض الدوسري، وحسان فلمبان إلى جانب كل من الشيخ عبد الله بن بيه - الرئيس التنفيذي للمركز العالمي للتجديد والترشيد، ومفتي البوسنة الشيخ مصطفى سيريتش، والقاضي الشيخ عبد الله ولد أعلى سالم رئيس المجلس الدستوري الأعلى بموريتانيا، والشيخ الحبيب علي الجفري من اليمن وآخرين. أما محاور المؤتمر فقد ناقشت:

• فتوى ماردين: الزمان والمكان والظروف والملابسات؛
• مفهوم الموطن والمقر في الفقه التقليدي وفي ضوء العولمة والاتصالات الحديثة؛
• أهمية الفتوى في سياق التاريخ الإسلامي؛
• فهم الجهاد: ظروف القتال المسلح وقواعد الاشتباك، كما تم تعريفها من قبل ابن تيمية وميثاق الأمم المتحدة.

ولا شك أن المتابع لردود الفعل سيجد أن أكثر الذين رحبوا بفتوى ماردين هم العلمانيين والملاحدة والرافضة والصوفية والقبوريين واليهود والصليبيين ووعاظ السلاطين والمعادين لتيار الجهاد العالمي وحتى المغفلين! فهل ثمة ما يبرر كل هذه الضجة حول المؤتمر؟ وما هي حقيقة محتوى البيان الختامي الذي صدر عنه؟

أول ما يلفت الانتباه في البيان الختامي الصادر عن المؤتمر هو الصيغة الإخبارية عن هوية المؤتمر وموضوعه ومنطلقاته وأهدافه.

• هوية المؤتمر: فقد أطلق البيان على المؤتمر اسم « مؤتمر قمة السلام»؛
• موضوع المؤتمر: « تدارس إحدى أهم أسس العلاقات بين المسلمين وإخوانهم في الإنسانية؛ وهي تصنيف الديار في التصور الإسلامي وما يرتبط به من مفاهيم كالجهاد والولاء والبراء والمواطنة والهجرة »؛
• هدف المؤتمر: « تأصيل التعايش السلمي والتعاون على الخير والعدل بين المسلمين وغيرهم »؛ في ضوء: « الواقع المعاصر الذي ارتبط فيه المسلمون بمعاهدات دولية يتحقق بها الأمن والسلام لجميع البشرية وتأمن فيه على أموالها وأعراضها وأوطانها واختلط فيه المسلمون بناء على ذلك بغيرهم اختلاطا غير مسبوق في كثير من جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولحاجة المسلمين إلى الرؤية الشرعية الصحيحة التي لا تخالف النصوص الشرعية وتتوافق مع مقاصد الشريعة وتتكيف مع الواقع المعاصر».
• منطلقات المؤتمر: « فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في تصنيف مدينة ماردين في عصره منطلقا للبحث لما تختزنه من دلالات علمية وحضارية ورمزية متميزة ».

مناقشات عامة

أولا: أجندة سياسية

بحسب تصريحاته لموقع « الإسلام اليوم – 4/4/2010 » قال الشيخ عبد الله بن بيه أن: « اجتماع مختلف الطيف الإسلامي هو عبارة عن محاولة جمع المسلمين على رؤية واحدة في قضايا تُهم مصيرهم، وهي قضايا الاحتراب الداخلي» مضيفا: « نحن في المركز العالمي دعونا مجموعات متخصصة في شيخ الإسلام من مشارب ومذاهب مختلفة؛ حتى تكون هذه الوحدة حول قضايا الأمة، حتى يُقنع بعضنا بعضًا، وكذلك جامعة ماردين»، لكن كل الذين حضروا المؤتمر هم من مدرسة سياسية واحدة تصب في خانة النظام السياسي والدولي القائمين بصورة مباشرة لا مواربة فيها، وبالتالي فإن فتواهم أقرب لِأنْ تكون سياسية من كونها دينية. وإلا !! فما الذي يجمع هؤلاء الذين ينتمون إلى مدارس عقدية من المفترض أنها متناقضة ومتصارعة في عقائدها كالسلفية والصوفية والشيعية والعلمانية إلا أن تكون مصالحهم وأهدافهم واحدة في استهدافها لتيارات المقاومة والجهاد؟ وبأي حق يجوز لهم الاختلاف العقدي، على خطورته، وفي نفس الوقت يتفقون على تجاوز فتوى ابن تيمية!؟ هل باتوا، بين ليلة وضحاها، على مسافة واحدة من ابن تيمية!!!؟

أما تسمية المؤتمر بـ « مؤتمر قمة السلام» فلا تخلوا من دلالة على أن المؤتمر إما أنه عقد بموجب أجندة دولية أو بما يستجيب للأطروحة الغربية بشكل مباشر! خاصة، وعلى حد تعبير أحد المراقبين، أن تنسيقا بين الحكومتين البريطانية والتركية سبق انعقاده.

الطريف في المؤتمر أن أحدا من علماء الدول أو الشعوب المحتلة أو المضطهدة أو المهددة بالزوال لم يحضر المؤتمر ولم يُمَثَّل فيه لا من قريب ولا من بعيد. وكأنهم ليسوا جز من علماء الأمة. أو أن شعوبهم وبلادهم انتسيت وانتزعت من الوجود الإنساني. من هؤلاء الغائبين المغيبين علماء تركستان الشرقية وفلسطين وأفغانستان والشيشان وجامو وكشمير وتايلند ونيجيريا ... ، بل أن من حضر المؤتمر هم من خططوا له ولأهدافه ولمخرجاته سلفا. ثانيا: التعايش السلمي

لم تكن فتوى ابن تيمية هي الهدف بحد ذاتها خاصة وأن المؤتمر نفسه أعلن أنها منطلق لأعماله وتوجهاته، بل هدم فكرة تقسيم العالم الإسلامي إلى دارين (دار إسلام ودار حرب)، وهذه فكرة لم يأت بها وحده ابن تيمية بل هي جزء من العقيدة الإسلامية. لكن المؤتمرين يعتقدون، بحسب البيان الختامي، أن: « تصنيف الديار في الفقه الإسلامي تصنيف اجتهادي أملته ظروف الأمة الإسلامية وطبيعة العلاقات الدولية القائمة حينئذ. إلا أن تغير الأوضاع الآن ووجود المعاهدات الدولية المعترف بها وتجريم الحروب غير الناشئة عن رد العدوان ومقاومة الاحتلال وظهور دولة المواطنة التي تضمن في الجملة حقوق الأديان والأعراق والأوطان استلزم جعل العالم كله فضاء للتسامح والتعايش السلمي بين جميع الأديان والطوائف في إطار تحقيق المصالح المشتركة والعدالة بين الناس ويأمن فيه الناس على أموالهم وأوطانهم وأعراضهم وهو ما أقرته الشريعة ونادت به منذ هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووضع أول معاهدة تضمن التعايش بين جميع الطوائف والأعراق في إطار العدالة والمصالح المشتركة ولا يسوغ التذرع بما يشوبها من نقص أو خرق دول معينة لها للتنكر لها وافتعال التصادم بينها وبين الشريعة السمحة».

إذن الأصل في التغيرات التي طرأت على البشرية استلزمت جعل العالم كله فضاء للتسامح والتعايش السلمي! وبالتالي فالنظم السياسية والدولية والشرعيات الدولية وكل منظوماتها صحيحة وشرعية ومتفق عليها بين الأمم والشعوب ومعترف بها! هذا التسامح والتعايش والعدل والأمن والأمان بدا واضحا في الصومال والعراق وفلسطين والسودان والجزائر ولبنان وباكستان وأفغانستان والبوسنة والشيشان وتركستان الشرقية وتايلاند وكشمير والفلبين ونيجيريا. أما النقص والخرق لهذا التعايش فقد قامت به فقط دول معينة مثل الولايات المتحدة التي غزت العراق مع 32 دولة بدون قرار من مجلس الأمن، وأوروبا الغربية وبعض الدول الآسيوية، وأثيوبيا، وإسرائيل، وروسيا وشرطة نيجيريا التي ذبحت آلاف المسلمين في الشوارع، والصين التي تقرض شعب تركستان الشرقية منذ أكثر من مائتي سنة حتى قاربت البلاد على الزوال. وهذا الخرق لا يؤثر على حالة التعايش السلمي والتسامح!!!

تعايش ممل بين الأديان والأعراق والأوطان تجاهل الحروب الطاحنة على الإسلام والمسلمين وتشويه سمعتهم وصورتهم والاعتداء على نبيهم ومنع بناء المساجد والمآذن وحظر النقاب ومحاربة الحجاب وإطلاق الرصاص على القرآن الكريم أو فرمه، ونهش لحوم المسلمات وقتل الأبرياء. هذا النوع من التعايش لم يرد في البيان، ولم يعرفه، ولم تتحمل فيه الشرعية الدولية ولا أية دولة معتدية أي شكل من أشكال المسؤولية، بل أن اسمها لم يرد في البيان أصلا.

أما أحمد أوزل المحاضر في معهد الدراسات الإسلامية في إسطنبول، فكان صريحا حين أشار في حديث لصحيفة «توداي زمان» إلى أن: « الإعلان النهائي للمؤتمر يخاطب العالم الغربي أكثر من العالم الإسلامي»، وهو ما عبّر عنه قيام صحافيين أتراك بترجمة فورية لأعمال المؤتمر إلى اللغة الإنكليزية وتوزيعها على عدد من وسائل الإعلام الغربية. ولو قرأنا تصريحات مصطفى سيريتش مفتي البوسنة الذي ذبح شعبها بالأمس القريب لاتضحت الصورة أكثر ولزال العجب، فماذا يقول: « ليس علينا أن ننظر إلى الليبرالية العلمانية على أنها عدو للإسلام، بل علينا أن ندفع باتجاه أن يصبح النموذج العلماني الغربي أكثر استيعاباً للقيم الدينية في الحياة اليومية والاجتماعية»، ويضيف سماحته: « لم يعد هناك معنى لكلمة دولة إسلامية، بدليل أن المسلمين غالباً ما يجدون حريات دينية وحقوقاً في الدول الغربية، أكثر بكثير مما هو متوافر في أي من الدول الإسلامية. لم يعد التمييز بين دولة إسلامية وأخرى غير إسلامية، بل بين دول توفّر العدالة والحرية والأمن، ودول لا تفعل ذلك». خلاص! هذه هي حقيقة المؤتمر، ولا داعي للحديث عن خلافة ولا عن حكم إسلامي ولا عن مسلمين وغير مسلمين ولا عن دعوة تضررت أو دعوة انتصرت، ولا منهج صحيح ولا آخر عقيم. فالصراع الآن مع الغرب يجري في إطار البحث عن مخارج للعلاقة معه تقوم على استرضائه والقبول بنموذجه مقابل استيعابه للمسلمين. ثالثا: إسقاط الجهاد

يرى البيان الختامي للمؤتمر أن: « المسؤولية تقع على علماء الأمة في إدانة كل أشكال العنف في التغيير أو الاحتجاج داخل المجتمعات المسلمة وخارجها بوضوح وصراحة وجرأة في قول الحق منعا للالتباس وإزالة للغموض»، أما فيما يتعلق بـ: « القتال في سبيل الله» فقد: « أناط الشرع صلاحية تدبيره وتنفيذه بأولي الأمر (الدولة) باعتباره قراراً سياسياً تترتب عنه تبعات عظيمة»؛ لذا: « فلا يجوز للفرد المسلم ولا لجماعة من المسلمين إعلان حرب أو الدخول في جهاد قتالي من تلقاء أنفسهم درءا للمفاسد واتّباعاً للنصوص الواردة في هذا الشأن».

لا شك أن هذه اللغة لا تمت لفتوى ابن تيمية بصلة تذكر. فقد سبقهم إليها الكثير ولم يكن للفتوى شأن يذكر. وكل ما في الأمر من أوله إلى آخره أن منظمة المؤتمر الإسلامي سبق لها وأن أسقطت مفهوم الجهاد د من على جدول أعمال قمتها السنوية ابتداء من قمة العاصمة السنغالية داكار في 23/12/1991 التي انعقدت غداة انتهاء حرب الخليج الثانية. وفي مقالتنا الثانية عن سلسلة « خريف غزة العاصف - إسقاط الجهاد واغتصاب المقاومة 21/1/2009 » توقفنا عند الموقف الرسمي من الجهاد وكافة أشكال المقاومة، وقلنا أن قرار مؤتمر داكار بإسقاط الجهاد يعني أن حكام العرب والمسلمين:

• لن يعلنوه في يوم ما لأنه لم يعد موجودا على أجندتهم السياسية، ولأنهم لم يلتزموا به حتى نظريا وبالتالي فما من حاجة لِأن يلتزموا به عمليا.
• إذا كانوا قد تجرؤوا على الجهاد كفريضة دينية وغيبوا الحكم الشرعي عن القضية الفلسطينية رسميا فما من شيء سيمنعهم من التجرؤ على المقاومة كخيار شعبي لا يساوي شيء مقارنة بالخيار العقدي.
• سيسعون إلى إحلال ثقافة « السلام » في العقل السياسي العربي الرسمي، على الطريقة الأمريكية، بشكل جذري بديلا عن ثقافة المقاومة ناهيك عن ثقافة الجهاد.
• لن يتقبلوا أية حركة جهادية، بقدر ما سيوظفون لها كل أسباب الإدانة والفشل إن لم تلحق بركب سياساتهم.
• سيحولون دون الاعتراف بأية راية جهادية أو مقاومة، وعلى النقيض من ذلك سيكون أي تدخل أمريكي في المنطقة ضد الجماعات الجهادية مرحب به بما أنها باتت جماعات إرهابية!
• سيتخذون أقسى الإجراءات ضد كل ثقافة عقدية ابتداء من منع الدعاء على اليهود والصليبيين مرورا بتنظيف المساجد من الخطباء والدعاة « المحرضين » والتضييق عليهم وحتى الزج في العلماء المعارضين في السجون أو تهميشهم والعبث في مناهج التربية والتعليم وانتهاء بطب ترخيص حكومي يسمح بدعاء القنوت.

الثابت أنه لم يسبق لأولياء الأمور أن أعلنوا الجهاد بناء على فتوى ماردين أو غيرها، ولم يسبق لهم أن أسقطوه بناء عليها! ولسنا ندري كيف يكون الجهاد منوطا بولي الأمر وهو من أسقطه شرعيا وسياسيا بكل أشكاله حتى الوطنية منها. لكن بما أن الفتوى تتحدث أصلا عن التعايش والسلم والأمن فمن الطبيعي أن يلجأ المؤتمرون إلى تعليق الجهاد على ذمة ولي الأمر. بمعنى أن الفتوى جاءت منسجمة كل الانسجام مع الموقف الرسمي الذي تخلى عن الجهاد والمقاومة. وهذا وحده كاف لإسقاط شرعية الفتوى من أساسها كونها لم تأخذ بعين الاعتبار إلا المعطى السياسي الراهن.

ثم من هو ولي الأمر المقصود؟ وما هي عقيدته؟ وما مدى شرعيته؟ وماذا لو كان من صنع العدو نفسه؟ وماذا عن سياساته وموالاته للغرب واستعانته به؟ بل ما هو الموقف الشرعي إذا كان بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي الأول للعراق يُعتبر بعرف بعض المشايخ والعلماء ولي أمر وقعت له الغلبة ووجبت طاعته؟ وأين موقع الجهاد إذا كان ولي الأمر هو الغازي المحتل؟ وما هو حال البلاد المحكومة بقوانين الاحتلال ودساتيره؟ وما هو الموقف الشرعي لما يكون التأمل عند مشايخ آخرين واجب حتى لو داهم الاحتلال الديار؛ فمتى يكون الجهاد واجبا؟

العصمة التي أسقطها فقهاء ماردين على ولي الأمر ونزعوها عن خصومه لم تأخذ بعين الاعتبار شروط الولاية، ولم تأت على الإطلاق على أي من الحالات الشرعية التي يتوجب فيها على الأمة خلع الولي وتجريده من ولايته. فالولي يمكن أن يخون ويرتد ويتحالف مع الأعداء، وهذا له نماذج في التاريخ الإسلامي كثيرة؛ فما حكمه؟ ثم ما هو موقف علماء ماردين من الحكم على زعماء عرب سبق وأن حكم عليهم علماء سابقون بالردة والكفر؟ فهل نسخت فتوى ماردين تلك الأحكام!!؟ ألا يجعل مثل هذا المنطق حتى من الفراعنة أولياء أمور شرعيين!

إذا كان من واجب العلماء أن يدينوا كل أشكال العنف والتغيير والاحتجاج في الداخل والخارج وإدانة كل جماعة تخرج عن أمر الولي في إعلان الجهاد، واعتبار فتوى ابن تيمية غير صالحة لهذا الزمان؛ فما هو حكم العنف الذي يمكن أن يمارسه ولي الأمر على العامة من الناس في الداخل والخارج؟ هل كانت جبهة الإنقاذ التي فازت في انتخابات الجزائر (1990)، مثلا، تمارس العنف الدموي لما انقلب عليها العسكر وأمعنوا قتلا في المجتمع؟ ما هو حكم الانقلابيين في الشرع؟ وهل دفعوا بانقلابهم مفسدة أعظم؟ عجبا!!!

وإذا كانت كل أفعال ولي الأمر واقعة في الإطار الإسلامي فما هو حكم المعارضة إذا ما تحالفت مع العدو الأجنبي غير المسلم واستدعت في يوم ما القوات الأجنبية للتخلص منه كما حصل في العراق؟ وما هو الحكم الشرعي إذا كان ولي الأمر ومعارضيه ممن يستعينون بالأجنبي ضد بعضهما؟ وما هي حقيقة الطائفة المنصورة؟ هل وجودها من عدمه منوط بولي الأمر؟ تناقضات عجيبة في إعلان ماردين الذي لم يتجاوز أنف اللحظة الراهنة التي يعيشها الحاكم على وجه التحديد. ولم يقدم أي تأصيل بقدر ما قدم مواقف سياسية. رابعا: الولاء والبراء

أحال فقهاء ماردين الولاء والبراء، « ما لم يكن مرتبطاً بعقيدة كفرية»، وهي غير واردة في أية حالة بموجب البيان، إلى الأحكام التكليفية الخمسة وهي: « الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة»، لا لشيء إلا لتبرير القبول بالشرعية الدولية والمعاهدات وعلاقات المواطنة والحقوق والواجبات التي يتحدث عنها البيان الختامي. لذا من الطبيعي أن يتراجع المفهوم إلى أدنى مستوياته حتى تستقيم الدعوة إلى السلم وحبس الجهاد بيد ولي الأمر.

وعلى حد علمنا أن أبرز العلماء المعاصرين أفتوا باعتبار الشرعية الدولية وكافة القوانين الوضعية شرائع كفرية، لكنها بحسب البيان « معترف بها »! فمن الذي أقر شرعيتها؟ ومن الذي قال غير الشيخ عبد الله بن بيه ومن يؤيده أنه: « لا يوجد تباينٌ كبير بين المواثيق الدولية وبين الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بقانون الحرب والسلام؛ ... وأن الوضع الآن يمتاز بوجود معاهداتٍ دولية تحكم العالم بأسره »؟ ومن قال غير د. حسن بن محمد سفر أن تقسيم العالم إلى دار حرب ودار سلام: « ليس من الشريعة الإسلامية في شيء»، و « إن الأصل في قيام العلاقات بين الدول هو العلاقات السلمية، وهو ما يتفق مع المنهج الإسلامي الذي أرساه الرسول، صلى الله عليه وسلم، بمكاتبة ملوك وأمراء الدول المعاصرة لقيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، التي دعتهم إلى السلم والسلام، وأعلمتهم بقيام الدولة الإسلامية»؟ لمن هذه الرسائل إذن التي اشتملت على العبارة الشهيرة: « أسلم تسلم»؟

• رسالته صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس
« فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك ».
• رسالته إلى المقوقس عظيم مصر
« فإني أدعوك بدعوة الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين».
• رسالته إلى هرقل ملك الروم
« فإنى أدعوك بدعوة الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين ، فإن توليت فعليك إثم جميع الآريسيِّين».

لو أن الفتوى والتصريحات اللاحقة لروادها بنيت على العجز الصريح الذي تعانيه الأمة لقلنا أن الجماعة معذورون، بل ويتمتعون بشجاعة عز نظيرها وهم يصارحون الأمة، لكنها جاءت على العكس من ذلك في محاولة محمومة للالتفاف على الحكم الشرعي في الوقت الذي يتهم فيه الشيخ عبد الله بن بيه أتباع بن تيمية بكونهم اجتزؤوا أقواله وتنقصوها أو زادوا عليها. في تطبيق الحكم الشرعي.

المشكلة أن الإطاحة بالجماعات الإسلامية ذات التوجه العالمي وتجريدها من شرعية فتوى ابن تيمية كما يقول الطريري! باعتبارها جماعات تكفيرية وإرهابية وخارجة عن الملة لم تعد سوى شماعة للإطاحة بالدين واسترضاء الغرب، لكن بعدها سيصار إلى العمل على الإطاحة الشرعية ببقية الجماعات، وهو واقع على كل حال، ومن ثم الإطاحة بأسس وأركان الدين، وحينها لا وجود لكفرة ولا تكفيريين. فقد سمعنا خطابات رسمية ترى في اليهود والنصارى مؤمنين، واطلعنا على فتاوى لعلماء يرون بأنهم مؤمنين بدرجة ما! وراقبنا احتجاجات مسعورة على إطلاق حكم الكفر على من جاهر به، وقرأنا لكتّاب تغنوا في الكفر وتطاولوا على الله عز وجل، ونشرت كتبهم ورواياتهم ووزعت في البلدان العربية، ولم يقل فقهاء ماردين بكفر أمثال هؤلاء ولا أتوا على ذكر أمثالهم كحالات شائعة في الأمة. أما لماذا هذا التجاهل فلأنهم ليسوا هدفا للمؤتمر. فإذا كان المطلوب هو إلغاء حكم التكفير من الإسلام بحيث لا يتبقى إلا المؤمنين في الأرض والمعاهدات الدولية فما قيمة الأديان إذن؟ وما جدوى بعث الأنبياء والرسل؟ وما قيمة المؤمن إنْ لم يكن ثمة كافر؟ ومن هم الكفرة الذين تحدث عنهم القرآن الكريم؟ وبماذا كفروا؟ وإذا كان الله عز وجل قد خلق الجنة للمؤمنين والخيرين؛ فلمن خلق النار؟ ثم على أي أساس يوصف أهل الجهاد العالمي بالتكفيريين في حين يتم تجاهل الكفرة أو نفي الكفر عنهم بل والانتصار لهم بحجة الإبداع وحرية التعبير!!؟ هل ثمة قبح أكثر من هذا؟ أخيرا

تُذكر فتوى ماردين بموجة مراجعات السجون لمعتقلي تيارات السلفية الجهادية. ورغم أنه أسلوب استهلكه أصحابه والداعين إليه إلا أننا نشهد تصعيدا في الأمر، وهذه المرة من قبل علماء استحضروا علماء الأمة من التاريخ كي يخضعوهم لمراجعات من طراز فريد. ليس هذا فحسب؛ بل الدعوة إلى وجوب إجراء مراجعات تشمل فقهاء وعلماء آخرين كالعز بن عبد السلام والشاطبي وغيرهما، وليس بعيدا أن نشهد لاحقا مراجعات لابن كثير والبخاري ومسلم وابن هشام وابن القيم الجوزية والذهبي والطبري وحتى لأئمة المذاهب الأربعة وصولا إلى مراجعات تمس القرآن الكريم بحجة أن بعض الآيات لم تعد مناسبة للغة العصر! وقد حصل مثل هذا سابقا من لدن كثير من الزنادقة الذين قرأنا لهم واطلعنا على أطروحاتهم في وقت مبكر حيث لم يكن ثمة سلفية جهادية ولا غيرها.

بالتأكيد فلسنا ضد مراجعة التراث من قبل علماء الأمة المشهود لهم كلما لزم الأمر، وبما يواكب العصر بحيث تجيب الاجتهادات على أسئلة مطروحة وتقف عند النوازل الكبرى التي يصعب على علماء الأمة قديما اكتشافها أو التنبؤ بها، فالاجتهاد رحمة للأمة. لكننا لن نقبل بمراجعات تحوم حولها آلاف التساؤلات والشبهات بينما الأحكام الشرعية والاجتهادات الفقهية تفيض عن الحاجة بخصوصها. العجيب أننا الوحيدون الذين يتراجعون. والأعجب أننا حين نتراجع لا نعود إلى حيث بدأنا بل إلى حيث يريد النظام السياسي والغربي أن نكون. وهذا انهيار وليس مراجعة ولا اجتهاد.

لذا فنحن فعلا بحاجة إلى وقف التراجع عبر تأصيلات شرعية تتمتع بالإجماع لتجديد الموقف الشرعي بخصوص قضايا غدت مثار تأويل ومنازعات كحال الكثير من ديار المسلمين والقيم الغربية، والصلح مع إسرائيل وليس مع اليهود، والتحالف مع الأعداء أو الاستعانة بهم، والشرائع الدولية ومؤسساتها، ونظم الحكم، وولاية الأمر، والجهاد، وحوار الأديان، والقواعد العسكرية في بلادنا، ونهب ثروات الأمة والعبث بمواردها، والخور والعجز والإرجاف والتنطع والتحريف والبدع والخرافات والشعوذات السياسية، والاقتصاد، والتجارة، والتنمية، والثقافة، والعلاقة مع الحضارات وبقية الأمم، ومحاربة الإسلام، وقتل المسلمين بلا ذنب، وملاحقتهم ومطاردتهم، وتشويه الإسلام والمسلمين، والتضييق عليهم، والعنصرية، والاعتداء على العقيدة والرسول صلى الله عليه وسلم، والتطاول على الله.

*****************************

ملاحق 1) نص البيان الختامي لمؤتمر ماردين إعلان ماردين دار السلام
الثلاثاء ٣٠ مارس ٢٠١٠ - ١٥ ربيع الثاني ١٤٣١

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد،

فقد انعقد بعون الله وتوفيقه مؤتمر قمة السلام (ماردين دار السلام) في مدينة ماردين التركية وفي حضن جامعتها (أرتوكلو) يومي السبت والأحد 11-12 ربيع الثاني 1431 هـ / 27 – 28 مارس 2010م برعاية المركز العالمي للتجديد للترشيد (لندن) وبالتعاون مع كانوبوس للاستشارات (لندن) وجامعة أرتوكلو ( ماردين) وبمشاركة ثلة مباركة من علماء الأمة الإسلامية من مختلف التخصصات ذات العلاقة لتدارس إحدى أهم أسس العلاقات بين المسلمين وإخوانهم في الإنسانية؛ وهي تصنيف الديار في التصور الإسلامي وما يرتبط به من مفاهيم كالجهاد والولاء والبراء والمواطنة والهجرة؛ لأهمية هذا التصور الفقهي في تأصيل التعايش السلمي والتعاون على الخير والعدل بين المسلمين وغيرهم إذا أحسن فهمه وفقا لنصوص الشريعة الإسلامية السمحة وقواعدها ومقاصدها العليا.

وقد اختار منظمو المؤتمر فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في تصنيف مدينة ماردين في عصره منطلقا للبحث لما تختزنه من دلالات علمية وحضارية ورمزية متميزة. ذلك أن ابن تيمية بما ألهمه الله من فهم للشريعة وفقه للواقع تجاوز في تصنيفه لمدينة ماردين تقسيم الديار الشائع بين فقهاء المسلمين إلى دار إسلام الأصل فيها السلم ودار كفر الأصل فيها الحرب ودار عهد الأصل فيها المعاهدة والمهادنة - إلى غير ذلك من التقاسيم- ليخصها بتصنيف مركب يمتنع بموجبه فتنة المسلمين في دينهم وتصان فيه دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وتتحقق فيه العدالة بينهم وبين غيرهم.

وهي فتوى متميزة في طرحها مشابهة في واقعها إلى حد كبير لعصرنا حيث اختلف الواقع السياسي للعالم عن واقع الفقهاء السابقين الذي كان مناطا لتقسيمهم للديار على هذا الأساس وهو ما راعاه ابن تيمية في فتواه وهو ما يقتضي أن يعيد الفقهاء المعاصرون النظر في هذا التقسيم لاختلاف الواقع المعاصر الذي ارتبط فيه المسلمون بمعاهدات دولية يتحقق بها الأمن والسلام لجميع البشرية وتأمن فيه على أموالها وأعراضها وأوطانها واختلط فيه المسلمون بناء على ذلك بغيرهم اختلاطا غير مسبوق في كثير من جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولحاجة المسلمين إلى الرؤية الشرعية الصحيحة التي لا تخالف النصوص الشرعية وتتوافق مع مقاصد الشريعة وتتكيف مع الواقع المعاصر.

وفي ضوء ذلك تدارس الحاضرون بحوث وأوراق عمل المؤتمر التي ناقشوها وخلصوا إلى النتائج والتوصيات التالية:

أولا: النتائج:

• إن فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في ماردين لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون متمسكاً ومستنداً لتكفير المسلمين والخروج على حكامهم واستباحة الدماء والأموال وترويع الآمنين والغدر بمن يعيشون مع المسلمين أو يعيش معهم المسلمون بموجب علاقة مواطنة وأمان بل هي فتوى تحرم كل ذلك فضلا عن كونها نصرة لدولة مسلمة على دولة غير مسلمة وهو في كل ذلك موافق ومتبع لعلماء المسلمين في فتاويهم في هذا الشأن ولم يخرج عنهم. ومن استند على هذه الفتوى لقتال المسلمين وغير المسلمين فقد اخطأ في التأويل وما أصاب في التنزيل.

• إن تصنيف الديار في الفقه الإسلامي تصنيف اجتهادي أملته ظروف الأمة الإسلامية وطبيعة العلاقات الدولية القائمة حينئذ. إلا أن تغير الأوضاع الآن ووجود المعاهدات الدولية المعترف بها وتجريم الحروب غير الناشئة عن رد العدوان ومقاومة الاحتلال وظهور دولة المواطنة التي تضمن في الجملة حقوق الأديان والأعراق والأوطان استلزم جعل العالم كله فضاء للتسامح و التعايش السلمي بين جميع الأديان والطوائف في إطار تحقيق المصالح المشتركة والعدالة بين الناس ويأمن فيه الناس على أموالهم وأوطانهم وأعراضهم وهو ما أقرته الشريعة ونادت به منذ هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ووضع أول معاهدة تضمن التعايش بين جميع الطوائف والأعراق في إطار العدالة والمصالح المشتركة ولا يسوغ التذرع بما يشوبها من نقص أو خرق دول معينة لها للتنكر لها وافتعال التصادم بينها وبين الشريعة السمحة.

من الأولويات التي على علماء الأمة ومؤسساتها العلمية الاضطلاع بها التحليل والتقويم للأفكار المسوغة للتطرف والتكفير والعنف باسم الإسلام؛ فالتدابير الأمنية مهما كانت عادلة لا تقوم مقام البيان بالحجة والبرهان. ومن ثم تقع المسؤولية على علماء الأمة في إدانة كل أشكال العنف في التغيير أو الاحتجاج داخل المجتمعات المسلمة وخارجها بوضوح وصراحة وجرأة في قول الحق منعا للالتباس وإزالة للغموض.

• إن علماء الإسلام ما فتئوا يؤكدون عبر العصور أن الجهاد الذي يعتبر ذروة سنام هذا الدين ليس نوعا واحدا بل هو أنواع متعددة منها القتال في سبيل الله وهذا النوع أناط الشرع صلاحية تدبيره وتنفيذه بأولي الأمر (الدولة) باعتباره قراراً سياسياً تترتب عنه تبعات عظيمة؛ ومن ثم فلا يجوز للفرد المسلم ولا لجماعة من المسلمين إعلان حرب أو الدخول في جهاد قتالي من تلقاء أنفسهم درءا للمفاسد واتّباعاً للنصوص الواردة في هذا الشأن.

• وأصل مشروعية الجهاد أن ما كان دفعاً لعدوان (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) أو نصرة للمستضعفين (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ...) أو دفاعاً عن التدين (أذن للذين يُقاتَلون...) وليس ناشئاً عن اختلاف في الدين أو بحثاً عن المغانم.

• إن شأن الفتوى في الإسلام خطير ولهذا شدد العلماء في شروط المفتي ومنها أن يكون ذا أهلية علمية كاملة وفي شروط الفتوى خاصة تحقيق المناط في المكان والزمان والأشخاص والأحوال والمآل .

• إن مفهوم الولاء والبراء لا يكون مُخرجاً من الملة ما لم يكن مرتبطاً بعقيدة كفرية، وما سوى ذلك فهو أنواع تتناولها الأحكام التكليفية الخمسة، وبناء عليه لا يجوز حمله على معنى واحد يكفر به المسلمون.

ثانياً: التوصيات :

يوصي المؤتمرون بالتوصيات التالية:

• عقد مؤتمر سنوي في أوروبا لتعميق البحث في التصور الإسلامي للسلام والتعايش السلمي بين الأمم والأديان.

• تأسيس مركز "ماردين" لدراسة النظرية السياسية في الإسلام.

• إحداث شعب وأقسام دراسية في الجامعات والمعاهد الإسلامية العليا تعنى بالبحوث والتدريب والتأهيل في مجال الإفتاء في القضايا العامة للأمة.

• تشجيع الدراسات العلمية النظرية والتطبيقية في مجال تنقيح المناط ودراسة علاقة الزمان والمكان والأشخاص والأحوال بتغير الفتوى.

• تشجيع الدراسات والبحوث العلمية الأكاديمية التي تعنى بدراسة الظروف والملابسات التاريخية لفتاوى أئمة الإسلام.

• بذل مزيد من الجهد في مراجعة وتحقيق ودراسة تراث شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- وتراث العلماء المقتدى بهم باعتبار أثرهم في الأمة وما يرجى من فهم تراثهم فهما سليما من ترشيد وتوجيه للعامة والخاصة.

• رفع هذا البيان إلى المجامع الفقهية في العالم الإسلامي لإثرائه وتعميق النقاش حوله وتعميم الفائدة منه.

وفي الختام يتقدم منظمو المؤتمر والمشاركون فيه بأسمى آيات الشكر والتقدير لكل من ساهم في إنجاح أعماله: وعلى رأسهم حضرة والي مدينة ماردين، وسعادة رئيس جامعة أرتكلو وفضيلة مفتي ماردين.


وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وآله وصحبه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
موقع مؤتمر ماردين دار السلام


2) نص فتوى ابن تيمية:

«« وسئل رحمه الله عن بلد (ماردين) هل هي دار حرب أو بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر، وساعد أعداء المسلمين بنفسه وماله، هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه أم لا؟

فأجاب:

الحمد لله. دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها. وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين أو غيرهم. والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه. وإلا استحبت ولم تجب.

ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريقة أمكنتهم. من تغيب أو تعريض أو مصانعة، فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت.

ولا يحل سبهم عموماً ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم.

وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، وليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام بكون جندها مسلمين (يقصد أن جندها غير مسلمين). ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار (ففيها سكان مسلمون كثيرون)؛ بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه". انتهى كلامه رحمه الله. (الفتاوى: 28 / 240 ـ 241) »».
نشر بتاريخ 10-04-2010

عمـــــر
17 Apr 2010, 09:04 PM
وهنا رد الشيخ حامد العلي

الردُّ المبين على المؤتمرين في ماردين
،
حامد بن عبدالله العلي





السؤال: فضيلة الشيخ قرأت في الأخبار أن مؤتمر في مدينة ماردين ألغوا فيه تقسيم البلاد كما في كتب الفقه إلى دار إسلام ، ودار الكفر ، ودعوا إلى أنه يناقض إحترام العهود والمواثيق في القانون الدولي ، وحقوق الإنسان ..إلخ فما هو الرد ، مع بيان معنى دار الكفر ودار الإسلام ، وعلى أيّ أساس بني أحسن الله إليكم




الحمد لله ، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد ، وعلى آله وصحبه ، وبعد :


أنصح المؤتمرين في ماردين أن يدرسوا كتاب ( سادة العالم الجدد ) لجان زيغلر ، ليعلموا كيف أنهم وظّفـوا في مشروع ( المركز والهامش ) !


بإختصار .. بعيدا عن تفاصيـل ما ذكـروه، والتي لن يقرأها 99% من المسلمين ، ولن يعبأ بها المناهضون لمشروع الهيمنة الغربـي ، مشايخنـا طيبون ، وصالحون ، ولكن المؤتمـر مجرد إضافة نقاط من الزيت لتسهيل بعض التروس الصغيرة أثناء دوران الماكنة الضخمـة للّيبرالية الإستعمارية الجديدة التي تريد السيطرة على العالم ، وتطحـن الشعوب بلا رحمة ، مختفية وراء شعارات السلام العالمي ، وحقوق الإنسان ، والتعايش السلمي ..إلخ


( نحن في مركز الدائرة ، ونريد أن نبقى في المركز ، وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تقود العالم ) جيسي هيلمز رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ 1995_2001م ، كتاب سادة العالم الجدد ص 32


دول المركز _ وفق التصور الغربي _ هي أمريكا ، وحلفاؤها الغربيون ، والعالم الإسلامي يقع في أدنى الهامش .


( ويبسط السادة سلطانهم على العالم بواسطة الأيدلوجيات التي يدعون إليها ، وأيضا بواسطة الضغط الإقتصادي ، والعسكري الذي يمارسونه ، أمـّا الإيدلوجية التي تقود ممارساتهم فتحمل إسما بريئـا " تفاهـم واشنطن " ) سادة العالم الجدد ص 47


PNAC) ) هي الحروف التي تختصر المشروع الذي منحت به أمريكا نفسها الحـقّ ، في تجاوز كلّ المعاهدات الدولية ، وإنتهاك كلّ حقوق الإنسان ، للوصول إلى هدف الهيمنة على العالم ، وهو مما يُسمـَّى : (The Project for the New American Century) أي مشروع القرن الأمريكي ، ويهدف إلى :


American leadership is good both for America and for the world; and that such leadership requires military strength, diplomatic energy


أي تحقيق قيادة أمريكا للعالم التي هي خير لأمريكا ، وللعالم ، وتتطلب هذه القيادة قوة عسكرية ، وجهود دبلوماسية.


ولهذا إتخذت أمريكا نهج الحرب الإستباقية أي البدء بالضربة العسكرية ، أو احتلال الدول _ كما احتلت العراق وأفغانســتان _ لإزالة أي عائق يحول دون تحقيق مشروع القرن الأمريكي.


" الولايات المتحدة قد دأبت منذ وقت طويل على خيار الأعمال الاستباقية لمواجهة تهديدات الأمن القومي" . " الولايات المتحدة الأمريكية سوف تقوم بأعمال استباقية إذا اقتضت الضرورة ذلك ". النصَّان من وثيقة الأمن القومي الأمريكي


" قد أدخل معك في يوم ما في حرب ، وفي الوقت الراهن أتمتـّع بالقوّة ، في حين تفتقر إليها، لذا فإنني سوف أشن الحرب حالياً ".جراهام أليسون أحد منظري مفهوم الحرب الإستباقية الأمريكية


قال الشاعر عن عهود الإستعمار الإنجليزي القرن الماضي :


والعهد بين الإنجليـز وبيننـا ** كالعهد بين الشاة والرئبال
من ذا رأى ذئب الذئاب مصافحا ** بتودد حمْلا من الأحمال
لكنهم خافوا انفكاك قيودنا ** فاستـوثقوا منهنّ بالأقفال
كتبوا لنا تلك العهود وإنّمـا ** وضعوا بها قفلا من الأغلال
شُلـّـت أكفّ موقّعيها إنهم **حلـَّت عليهم لعنة الأجيال
هبْ أنّهم أمِنوا انفكاك قيودنا ** أفيأمنـون تقلـّب الأحوال


تنبيـه مهم : الدرس الأول في السياسة العالمية ما يلي :


علـى الخارطة السياسية العالمية مشهـدان :


مشهد هذا الوحش المدمـِّر للإنسانية : زعماء الدول الغربية _ المتحالفون مع الصهاينـة أعظم منتهك للقوانين والعهود الدولية _ الذين يتبنّون إستراتيجية إبقاء الغرب أو الشمال سيـّدا للعالم ، ومركـزاً لـه ، يستنزف ثروات دول الهامش _ لاسيما العالم الإسلامي _ وينهب مقدراته ، ويبقيه تابعا ضعيفا ، ضاربا عرض الحائط بكلِّ القيم الإنسانية الحقـَّه ، مع حرصه أيضا في أثناء ذلك على نفاقه في الدعوة إلى إحترام المواثيق العالمية ، وسيادة الدول ، وحقـوق الإنسان ، وحرية الشعـوب !


وجميع المؤسسات الدولية التي يسيطر عليها _ لاسيما هيئة الأمم المتحدة _ والمعاهدات ، والتحالفـات ، والقواعد العسكرية التي يقيمها الغـرب _ لاسيما في بلادنا الإسلامية منذ قرن _ إنمّـا وسائـل تحقق أهدافه ، وقول غير ذلك ، جهل فاضح بالواقع ، فضلا عن جهالـة أحكام الشريعـة .


والمشهد الثاني : مشهـد تلك النخب المحترمـة ، والمؤسسات الحقوقية غير الرسمية _ والحـقّ أنّ أكثرهم في الغرب أيضا _ الذين يحاولون إيقاف هذا الوحش دون جدوى.


( إنَّ شقاء العالم يمـتد حتى عتبة البيت الأبيض ، وبلعنة مدهشة تعجز الإمبراطورية عن أن تخفي تماما عن أنظار العالم ، العدد الذي لايحصى من الضحايا التي تنتجهم كل يوم ، وكأمواج محيط لعين ، يأتي الضحايا ليعلنوا عن أنفسهم على مسافة خطوات من الكابيتول ) سادة العالم الجدد س 213


وواجب العلماء ليس إخفاء هذه الحقائق ، والدفـاع عن وسائل الهيمنة التي وضعها الغربيون للهيمنة على العالـم ،


بل فرض على العلماء اليوم أن يقودوا مشروع نهضة إسلامي يقوم على ثلاثة أسس :


أحدها : إستنهاض كلِّ الطاقات الإسلامية ، والتعاون مع غير المسلمين ، لكسر مشروع ( المركز والهامش ) وإسقاط أمريكا ، والغرب عن قيادة العالم ، لرفع الظلم عن البشرية ، من المسلمين ، وغيرهـم.


الثاني : دعم حركات المقاومة في كلِّ البلاد الإسلامية التي تقاوم الإحتلال بالسلاح ، والتي تقاوم الإستبداد بمشاريع الإصلاح ، والوقوف إلى جانبها ، والدفاع عن المضطهدين في سجون الطغاة بسبب وقوفهم من الحق ، والعدل .


الثالث : شـنَّ الغارة على السياسة الغربية ، والكشف عن خططها الخبيثة لمحاربة الإسلام تحت شعار ( محاربة الإرهاب ) ، وكشف إستغلال تلك السياسة لهذا المصطلح المزيـَّف ، والتحذير من مسايرة هذه السياسة الخبيثة .


أما سؤالك عن مسألة تقسيم البلاد إلى دار كفر ، ودار إسلام ، فنقول وبالله التوفـيق :


إتفق العلماء على أنَّ الله تعالى إنما بعث دين الإسلام ، لإقامة الحكم على الناس بإعلاء كلمة الله وهي شريعته ، وهذا من أعظم أصول الإسلام ، قال تعال : ( وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) ، وقال تعالى : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)


قال ابن كثير رحمه الله : ( أي وجعلنا الحديد رادعا لمن أبى الحق وعانده ، بعد قيام الحجة عليه ، ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية ، وكلُّها جدال مع المشركين وبيان ، وإيضاح للتوحيد وبيِّنات ، ودلالات فلما قامت الحجة على من خالف شرع الله الهجرة ، وأمرهم بالقتال بالسيوف ، وضرب الرقاب ، والهـام، لمن خالف القرآن ، وكذب به وعانده. وقد روى الإمام أحمد ، وأبو داود من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية ، عن أبي المنيب الجرشي الشامي ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بعثت بالسيف بين يدي الساعة ، حتى يعبد الله وحده لا شريك له ، وجعل رزقي تحت ظل رمحي ، وجعل الذلـّة ، على من خالف أمري ، ومن تشبه بقوم فهو منهم " ) .
،
ولهذا فرض الله تعالى الجهاد على هذه الأمـّة ، وتوعـَّد مـن تركه أشد الوعيـد قائلا : ( إلاّ تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم )
،
لأنهـّا إن تركت الجهاد ، فرطت في أمانة إعلاء كلمة الله تعالى ، وإعزاز الدين في الأرض ، وقهر أعدائه ، ولهذا وقع الإجماع على فرضية الجهاد لأنهّـا وسيلة هذا الغرض ، قال ابن حزم رحمه الله : ( والجهاد فرض على المسلمين ، فإذا قام به من يدفع العدوّ ، ويغزوهم في عقـر دارهم ويحمي ثغور المسلمين ، سقط فرضه على الباقين وإلاَّ فـلا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ ( أنفروا خفافا وثقالا وجاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكـم ).
،
ولما قامت الأمة بهذه الفريضة ، تبع ذلك تقسيم البلاد التي تخضع لحكم الجهاد إلى قسمين : دار حرب ، ودار إسلام ، وأنَّ دار الحرب هي التي يجب على الإمام إخضاعها لحكم الإسلام ، ودار الإسلام هي التابعة للحكم الإسلامي .


ونسبة البلاد إلى من يسيطر إليها مذكورة في القرآن العظيم ، قال تعالى : ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنـا أو لتعودن في ملتنـا) ، وقـال سبحانـه : ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ) ، وقال تعالى ( سأوريكم دار الفاسقين ) ، ونظائرها ، كما ورد ذلك في السنة ، ففي البخاري قول عبدالرحمن بن عوف لعمر رضي الله عنهما : ( فامهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة ) ، وفي النسائي عن المدينة قبل الإسلام : ( كانت دار شرك ) ، موقوفا عن ابن عباس رضي الله عنهما.


وأما تقسيم الفقهاء البلاد إلى دار كفر ، ودار إسلام ، فهو وإن لم يرد به نص ، غير أنهم وضعوا هذا التقسيـم ، لما يترتب على كلِّ منهما من أحكام تخصُّها ، مثـل حكم دماء أهلهـا ، وأموالهـم ، وحكم من يقتل من المسلمين في صفّهم ويجهـل حالـُه ، وحكم اللقيط فيها .. ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التي ترجع كلها إلى إعلان جهاد الطـلب عليها من الإمـام _ إن كانت دار كفر _ متى ترجّحت مصلحته .


وأصح القولين أنَّ الحكم على البلاد أنها دار كفر بحسب ظهور الكلمـة فيها ، فإن كان الحكم للإسلام فهي دار إسلام ، وإلاَّ فهـي دار كفـر .


كما قال القاضي أبو يعلى: ( وكل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام؛فهي دار كفر) .


وقال المرداوي في الإنصاف: (ودار الحرب: ما يغلب فيها حكم الكفر ) 4/121


وجاء في السيل الجرار للشوكاني رحمه الله : ( أقول: الاعتبار بظهور الكلمة ، فإن كانت الأوامر و النواهي في الدار لأهل الإسلام ، بحيث لا يستطيع من فيها من الكفار أن يتظاهر بكفره ، إلاّ لكوته مأذونا له بذلك من أهل الإسلام ، فهذه دار الإسلام ، و لا يضـرّ ظهور الخصال الكفرية فيها، لأنها لم تظهر بقوة الكفار ، و لا بصولتهم ، كما هو مشاهد في أهل الذمة من اليهود ، و النصارى ، و المعاهدين الساكنين في المدائن الإسلامية ، و إذا كان الأمر بالعكس فالدار بالعكس ) 4/575


لكن ينبغي التنبـُّه إلى أنَّ هذا إنما هـو تبع _ كما ذكرنا _ لجهاد الطلـب ، وثمرته أنـّه يجب على الإمام أن يغـزو البلاد التي تعلو فيها أحكام الكفر ، لإخضاعها لحكم الإسلام ، حتى لو كان فيها مسلمون .


غير أنَّ هذا لايعني إباحة دماء المسلمين في البـلاد التي تكون الكفر فيها هو الظاهـر ، بل هـي فـي هذه الحالة تصبح كالمركبـَّة من دار إسلام لمن فيها من المسلمين ، ودار كفر وحرب لمن فيها من الكفـّـار .


وذلك كما يجب على الرعية بنص الحديث في الصحيحين : ( إلاّ أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ) ، قتال الحاكم الذي ظهر منه الكفر البـواح ، ويكون حكم من ينصره على كفـره مثل حكمـه ، بينما يكون من تحت حكمه ، هـم مسلمون ، دماؤهم ، وأموالهم معصومـة .


وفي الحديث دلالة على أنه يجب القتال لجعل الحكم للإسلام ، وهذا هو أعظم مقاصد الجهـاد في سبيل الله تعالى ،


وفيه دلالة على أنَّـه لايلـزم من ذلك إنسحاب حكم دار الكفر على المسلمين في ذلك الموضـع .


وفي مثل هذا جاءت فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما قال جوابا على مسألة ماردين : ( الحمد لله دماء المسلمين ، وأموالهم محرمة حيث كانوا فى ماردين ، أو غيرها , وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة ، سواءكانوا أهل ماردين ، أو غيرهم ، والمقيم بها إن كان عاجزا عن إقامة دينه وجبت الهجرة عليه ، والاّ استحبت ولم تجـب ..


وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة فيها المعنيان ، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام ، لكون جندها مسلمين , ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار ، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه , ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه ) مجموع الفتاوى 28 / 250


فهذا هو معنى الفتوى الماردينية ، ليس معناها أن ماردين لا يغزوها المسلمون _ آنذاك _ لأنَّ فيها طائفة من المسلمين ، ولا أنَّ من فيها من الخارجين عن شريعة الإسلام في أمـن مطلق من غـزو المسلمين ، بل معناها أنها إنْ غزيـت يقاتل الخارج عن شريعة الإسلام فيها بما يستحقه ، وتحفظ دماء المسلمين ، ولايقال بما أنهم في دار الكفر تباح دماؤهم ، وأموالهـم ، إجراء لأحكام الدار عليهـم !


وفي ذلك قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله :


ولم تجر للكفار أحكام دينهـم ** على أهلها لكـن بها الكفر قد حصل
وما كان فيها الجانبان على السوى ** فقـال تقـي الدين في ذلك المحل
يعامل فيها المسلمـــون بحقهم ** وذا الكفر ما قـد يستحق من العمل
فلا تعط حكم الكفر من كلِّ جانب **ولا الحكم بالإسلام في قول من عدل


وإن ارتـدَّ أهل بلد صار حكم دارهم ، أنها دار كفر ، يجب قتالهم


قال ابن قدامة رحمه الله: ( ومتى ارتد أهل بلد ، وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم ، وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة ، وعلى الإمام قتالهم ، فإن أبا بكرالصديق قاتل أهل الردة بجماعة الصحابة ، ولأنَّ الله تعالى قد أمر بقتال الكفار في مواضع من كتابه ، وهؤلاء أحقهم بالقتال ، لأنَّ تركهم ربما أغرى أمثالهم بالتشبه بهم ، والارتداد معهم ، فيكثر الضرر بهم .. وبهذا قال الشافعي ) .


وهذا الذي ذكرناه هنـا ، كلَّه مجمعٌ عليه في الجملة _ رغم خلاف فرعي غير مؤثـّر في تفسير دار الكفر والإسلام _ وهذه الأحكام الشرعية ، لايمكن لأيِّ كان أن يبطلـها ، ولو اجتمع من بين أقطارها ، فلن يقدروا على إبطال شريعة الله تعالى ، فهي الباقية إلى قيام الساعة ، ومن خالفها زائل ولايلبث إلاّ ساعـة .


وننبّه في الختـام إلى أربعـة أمور مهمّـة :


أحدهـا : أنَّ الذين أساؤوا فهم تقسيم ( دار الكفر ، ودار الإسلام ) فإستحلُّوا دماء ، وأموال غير المسلمين في بلاد الغرب ، هـم طائفة قليلة جداً ، ولا أثـرَ لهم يُذكـر ، أمـّا الهجمات على دول الغرب من بعض الجماعات ، فمنطلقه هـو منطـلق آخر تماما _ وإن كنا نتحفظ عليه من جهة أخرى _ وهو منطلق عسكري هدفه إحداث تغييـر في معادلة الصراع ، أو تحقيق توازن رعـب ، أو إنتزاع نقاط سياسية ، أو غيرها ، وهذا تفعله كثير من المنظمات القتالية المناهضة للغرب ، وليس الإسلاميون فحسـب ، ومجال الإجتهاد فيه تابع لأحكام الجهاد ، من باب أنهم يقاتلون عدوَّا لايعترف أصلا _ وإن تظاهر بخلاف ذلك _ بالمعاهدات ، ولا بالقانون الدولي ، ولا بالعهد الدولي لحقوق الإنسان ، بل يوظّفهـا في خدمة أهدافه ، ولا نحتاج أن نذكـِّر بمثالين قريبين الأوَّل ما حدث في غزة في الحرب الأخيرة من إصطفاف غربي كامل مع العدوان الصهيوني عليها ، والثاني ما فعله الكيان الصهيوني في إغتيال الشهيد المبحوح رحمه الله ، وغض الطرف الغربي عن تلك الجريمة إلاَّ ذرَّا للرماد في العيون ، والأمثلة كثيرة جداً .


الثاني : أنَّ جهاد الأمـّة اليوم هو جهاد دفع ، يقاتل فيه المجاهدون لتطهير بلاد الإسلام من إحتلال صهيوغربي مغتصب معتد ، يستهدف الأمـّة حضاريا ، ويخطّط لتمزيقها ، ومن أعظم الواجبات اليوم الوقوف بكلِّ وضوح ، مع كلِّ مشاريع المقاومة ، وتبنّيها ، ودعهما بكلِّ الوسائل .


الثالث : أن أعظم منتهك للقانون الدولي ، وللمعاهدات والمواثيق الدولية ، ولحقوق الإنسان هو التحالف الصهيوغربي ، ولايخفى أن أعلى مؤسسة للمواثيق الدولية وهي الأمم المتحدة ليست سـوى وكر تجسس ، وأداة لتنفيذ أطماع هذا التحالف ، وهي قبل أن تفقد أي إعتبـار لها بشريعة الإسلام ، فقدتها بكونها أداة لتنفيذ أطماع هذا التحالف ، وحقا إنَّ القذافي نفسه كان أفقه عندما مزَّق ميثاق الأمم المتحدة في إجتماعها السنوي ، ممن يدعو إلى إحترامهـا !!


الرابع : إنَّ التجديد في الدين هو إحياؤه في الأمة ، وإرجاعها إلى التمسك بدينها ، والإعتزاز به ، وردّ تآمـر أعداء الأمـة عليها ، وليس التجديد هـو تبديل الديـن ، وتغيير أحكامـه ، لإرضاء من كرهوا ما أنزل الله تعالى !


قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ( فالشريعة عدل الله بين عباده ، ورحمته بين خلقه ، وظلـُّه في أرضه ، وحكمته الدالة عليه ، وعلى صدق رسوله صلىالله عليه وسلم ، أتم دلاله وأصدقها ، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون ، وهداه الذيبه اهتدى المهتدون ، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل ، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه في استقام على سواء السبيل ، فهي قرة العيون ، وحياة القلوب ، ولذة الأرواح ، فهي بها الحياة ، والغذاء ، والدواء ، والنور ، و الشفاء ، والعصمة ، وكلّ خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها ، وحاصل بها ، وكلّ نقص في الوجود ، فسببه من إضاعتها ، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم ، وهي العصمة للناس وقوام العالم ، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا ، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا ، وطـيّ العالم ، رفع إليه ما بقي من رسومها ، فالشريعة التي بعث الله بهارسوله هي عمود العالم ، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة) .


والله أعلم وهو حسبنا عليه توكلنا وعليه فيلتوكل المؤمنـون



[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])

عمـــــر
17 Apr 2010, 09:05 PM
نص فتوى شيخ الإسلام - رحمه الله -
( وسئل رحمه الله :
عن بلد ماردين : هل هى بلد حرب أم بلد سلم وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة الى بلاد الاسلام أم لا واذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر وساعد اعداء المسلمين بنفسه او ماله هل يأثم فى ذلك وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا ؟

فأجاب : الحمد لله دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا فى ماردين او غيرها ، واعانة الخارجين عن شريعة دين الاسلام محرمة سواء كانوا أهل ماردين او غيرهم ، والمقيم بها ان كان عاجزا عن اقامة دينه وجبت الهجرة عليه ، والا استحبت ولم تجب.
ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والاموال محرمة عليهم ، ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأى طريق أمكنهم من تغيب او تعريض او مصانعة ، فاذا لم يمكن الا بالهجرة تعينت.
ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق بل السب والرمى بالنفاق يقع على الصفات المذكور فى الكتاب والسنة ، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم .
وأما كونها دار حرب أو سلم فهى مركبة فيها المعنيان ، ليست بمنزلة دار السلم التى تجرى عليها أحكام الاسلام لكون جندها مسلمين ، ولا بمنزلة دار الحرب التى أهلها كفار ، بل هى قسم ثالث يُعامل المسلم فيها بما يستحقه ، ويقاتل الخارج عن شريعة الاسلام بما يستحقه ) ( الفتاوى : 28 / 240 - 241 ) .