أمير
01 Dec 2008, 03:46 PM
محنة الإمام الشوكاني
مفكرة الإسلام: محنة الإمام الشوكاني هي من طراز المحن التي تعرض لها كل مجدد ومجتهد ومصلح، هي نفس المحنة التي تعرض لها ابن تيمية وابن القيم وابن عبدالوهاب والصنعاني والمقبلي، وما زالت تقع في كل عصر ومكان، ذلك أن المجدد والمجتهد يريد إصلاح الأمة وخلع ربقة التقليد ومحاربة الجمود والتحجر العقلي والفكري الذي أصاب الأمة وأدى بها للتأخر عن ريادة ركب الحضارة، وألقى بها في دوامة الفرضيات والجدليات العقيمة، ومواجهة كل تلك الآفات الراسخة تحتاج من المجدد والمجتهد والمصلح لأن يصبر على الأذى والمحن التي ستلحق به وما أكثرها، وهذه واحدة من محن المجددين والمجتهدين.
التعريف به:
هو الإمام الكبير والمجتهد المطلق وقاضي قضاة اليمن ومجدد المائة الثالثة عشرة من الهجرة، المحدث المفسر المؤرخ، صاحب التصانيف السائرة والمؤلفات النافعة، أبو علي بدر الدين محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن الشوكاني.
وُلد في شهر ذي الحجة سنة 1173 هجرية في بلدة «هجرة شوكان» وتقع على مسيرة يوم من صنعاء ناحية الجنوب، وكان أبوه من أهل العلم، فتولاه بالرعاية والعناية العلمية منذ طفولته، فأتم حفظ القرآن أولاً ثم تلا ذلك بحفظ عدد من المتون ومبادئ العلوم المختلفة، ثم انتقل بعدها إلى صنعاء لطلب العلم من الشيوخ والعلماء، ولازم حلقة ابن مطهر القابلي قرابة الثلاث عشرة سنة وتخرج فيه في الفروع، وأخذ علم الحديث والتفسير والمصطلح من المجتهد الكبير عبد القادر الكوكباني فانتفع به كثيرًا، ثم اتصل بعلامة الزمان الصنعاني وانتفع به بشدة، ولزم طريقه وسار على منهجه، وصار من أخص تلاميذه.
ظل الشوكاني يتنقل بين حلق العلم في صنعاء، لم يترك عالمًا ولا شيخًا إلا جلس إليه وسمع منه، ودرس وتبحر في العلوم العقلية كما هي عادة أهل البلد والزمان، ثم توسع ونهل من العلوم النقلية، وضرب فيها بكل سهم، وجمع بين الدراية والرواية واجتمعت لديه أدوات الاجتهاد واستكمل آلتها، فحرَّم على نفسه التقليد، وأخذ نفسه بالجد والاجتهاد، وثار على الأوضاع القائمة، وانتقد كثيرًا من الأقوال والآراء في مذهب الزيدية، وهو المذهب السائد في بلاد اليمن، وهذا الاجتهاد والنقد الشديد جلب عليه كثيرًا من المحن والابتلاءات.
وهكذا استفاد الشوكاني من علماء عصره واجتمع عنده خلاصة علمهم وتجاربهم، واتسعت مداركه وعلومه حتى صار إمام الزمان الذي يشار إليه بالبنان، ورأسًا يشد إليه الرحال، وقصده الطلاب من أقصى البلاد من الهند والدولة العثمانية وبلاد داغستان وانتفع به الكثيرون، وفي سنة 1209هـ توفي كبير قضاة اليمن يحيى الشجري السحولي، فلم يجد ولاة الأمر في اليمن أفضل من الإمام الشوكاني، وكان الشوكاني وقتها مشتغلاً بالتدريس في علوم الاجتهاد والإفتاء والتصنيف، منجمعًا عن الناس لاسيما رجال الدولة، لا يتصل بأحد منهم قط، فلما طلبوه للقضاء رفض في بادئ الأمر، ولكن مع إلحاح الدولة عليه وطلب العلماء والشيوخ منه القبول، ورغبته في نشر السنة وإماتة البدعة، والدعوة إلى طريق السلف الصالح، وأخيرًا قبل الشوكاني منصب القضاء بعد أن نما إلى علمه أن واحدًا من علماء السوء سيلي المنصب لو رفض هو.
كان تولي الإمام الشوكاني لمنصب كبير القضاة كسبًا كبيرًا للدعوة والإصلاح والسنة فلقد كان نعم القاضي، أقام منار العدالة وقمع الفساد والمفسدين، ودعا الناس للعمل بالكتاب والسنة، ومن شدة كفايته وأهليته لهذا المنصب الخطير، ظل الشوكاني فيه حتى وفاته ولم يعزل ولو مرة واحدة، وتناوب عليه ثلاثة من أئمة اليمن، وظل في هذا المنصب زيادة على أربعين سنة، وإن كان قد تأثر بمهام المنصب وتكاليفه عن تأليف وتحقيق الكثير من المؤلفات، إلا إنه يبقى في النهاية من خير قضاة الزمان وإمامًا مجددًا مجتهدًا لذلك العصر.
عقيدته:
لأن الشوكاني كان ممن توسع وتبحر في العلوم العقلية والنقلية، فلقد كانت حصيلته العلمية وذكاؤه الحاد وذهنه السيَّال تؤهله للنظر في الأدلة والاجتهاد في فهمها وخلع ربقة التقليد، وهذه الملكات أدت بالشوكاني لأن يعتنق مذهب السلف الذي هو المذهب الصحيح الذي كان عليه خير القرون، واتباعه للعقيدة السلفية جاء عن دراسة وبحث ومطالعة، وليس محض تقليد لغيره من الأعلام، حتى لا يظن البعض أنه قلَّد في ذلك شيخه الصنعاني الذي كان أستاذه الأول وقدوته في طريق الاجتهاد والدعوة، فالشوكاني أسلم في باب العقائد من الصنعاني الذي وقع في بعض التأويلات المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقد سجل الشوكاني عقيدته في العديد من كتبه وبالأخص في كتاب: التحف في مذاهب السلف، وكتاب: كشف الشبهات عن المشتبهات.
مذهبه:
تفقه الشوكاني في أول حياته على مذهب الزيدية في الفقه، ودرس وحفظ المتون الفقهية لذلك المذهب، حتى صار من أبرع الناس فيه، وتلك البراعة والمهارة مكنته من الوقوف على المسائل التي خالفت فيها الزيدية صريح النصوص، وما أكثرها، فتجرد للحق وانتخى لله عز وجل، فخلع ربقة التقليد، وأخذ في إعمال عقله وعلمه في النصوص حتى وصل لرتبة الاجتهاد، وألف رسالته الشهيرة في ذم التقليد: [القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد]، ثم كتب كتابه المعروف بالسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وفيه نقض كثيرًا من آراء وأقوال الزيدية وكشف زيفها ومخالفتها للسنة، مما أدخله في أتون معركة حامية ومحن متواصلة مع الزيدية والمقلدة.
والحق أن الإمام الشوكاني كان مجتهدًا مطلقًا، لم يتقيد بمذهب معين أو رأي معين لأحد من الأعلام، بل يختار ما أدى إليه اجتهاده، وقد أظهر ذلك في كتابه الأشهر [نيل الأوطار] حيث ينقل آراء ومذاهب شتى العلماء من لدن الصحابة إلى عصره، وحجة كل واحد منهم، ثم يرجح رأيه الخاص به والذي قد يتفق مع رأي واحد من الأعلام السابقين، وبالنظر للتراث الفقهي الضخم الذي تركه الإمام الشوكاني نجد أنه يميل لقول الظاهرية في كثير من المسائل.
مصنفاته:
خلَّف الإمام الشوكاني ثروة علمية ضخمة من المؤلفات بلغت 278 مؤلفًا في شتى فروع العلم، كثير منها ما زال مخطوطًا يحتاج للهمم القوية والعزائم الفتية التي تخرجه للنور، كيما ينتفع به الناس، ولكن بفضل الله عز وجل أهم وأشهر كتبه قد تم طبعها وطارت شهرتها في الآفاق، بحيث لا يخلو بلد من بلاد الإسلام ولا درس من دروس العلم من مؤلفات الشوكاني رحمه الله، ومن أهم مصنفاته:
1ـ فتح القدير، وهو من أنفس كتب التفسير.
2ـ الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، أكمل به عمل من سبقوه مثل ابن الجوزي والعراقي والسيوطي، وأصلح ما أخطئوا فيه.
3ـ نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، وهو الكتاب الأشهر والأهم والذي صار من المراجع الدراسية الأساسية لأي طالب علم.
4ـ السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وهو الكتاب الذي نقض الزيدية، وقد أودع الشوكاني في ذلك الكتاب خلاصة اجتهاداته، وهو من أفضل كتب الفقه المقارن.
5ـ إرشاد الفحول، وهو في أصول الفقه.
6ـ تحفة الذاكرين.
7ـ الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني.
8ـ وبل الغمام على شفاء الأوام في نقض مذهب الزيدية أيضًا.
9ـ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، وهو من كتب التراجم المهمة والنافعة ورسائل فقهية كثيرة ومتنوعة وشرح رسائل حديثية في شتى المسائل العلمية.
ثناء الناس عليه:
رغم أن الإمام الشوكاني كان من متأخري العلماء والذين لا يحظون عادة بنفس التقدير والثناء الذي يحظى به الأولون والسابقون من علماء الأمة، إلا إن الشوكاني يمثل استثناءً من تلك القاعدة، فثناء الناس عليه عريض وتقديرهم لعلومه جزيل وهذه طائفة من أقوال معاصريه عنه:
قال العلامة حسين السبعي الأنصاري: [الشوكاني إمام الأئمة ومفتي الأمة، بحر العلوم وشمس الفهوم، سند المجتهدين الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريد عصره ونادرة الدهر، شيخ الإسلام، علامة الزمان، ترجمان الحديث والقرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، رأس الموحدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، قاضي قضاة أهل السنة والجماعة، شيخ الرواية والسماع على الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد، المطلع على حقائق الشريعة ومواردها العارف بغوامضها ومقاصدها].
قال عنه العلامة البهكلي: [قاضي الجماعة، شيخ الإسلام، المحقق العلامة الإمام، سلطان العلماء، إمام الدنيا، خاتمة الحفاظ بلا مراء، الحجة النقاد على الإسناد السابق في ميدان الاجتهاد، وعلى الجملة فما رأى مثل نفسه، ولا أرى من رآه مثله علمًا وورعًا، وقيامًا بالحق، بقوة جنان، وسلاطة لسان].
قال عنه العلامة صديق حسن خان: [أحرز جميع المعارف، واتفق على تحقيقه المخالف والمؤالف وصار المشار إليه في علوم الاجتهاد بالبنان، والمجلى في معرفة غوامض الشريعة عند الرهان، له المؤلفات الجليلة الممتعة المفيدة النافعة...].
قال عنه الإمام عبد الحي الكتاني: [هو الإمام خاتمة محدثي المشرق وأثريه، العلامة النظار الجهبذ القاضي، كان شامة في وجه القرن المنصرم، وغرة في جبين الدهر، انتهج من مناهج العلم ما عمى على كثير ممن قبله، وأوتي فيه من طلاقة القلم والزعامة ما لم ينطق به قلم غيره، فهو من مفاخر الدين بل العرب.
قال عنه الوجيه عبد الرحمن بن الأهدل: [إمام عصرنا في سائر العلوم، وخطيب دهرنا في إيضاح دقائق المنطوق والمفهوم، الحافظ المسند الحجة، الهادي في إيضاح السنن النبوي إلى المحجة عز الإسلام محمد بن علي الشوكاني].
قال العلامة الكتاني في موضع آخر عن الإمام الشوكاني: [وقد منح الله هذا الإمام ثلاثة أمور لا أعلم أنها في هذا الزمن الأخير جمعت لغيره: الأول: سعة التبحر في العلوم على اختلاف أجناسها وأنواعها، الثاني: كثرة التلاميذ المحققين أولي الأفهام الخارقة، الثالثة: سعة التآليف المحررة].
قال عنه إبراهيم بن عبد الله الحوثي: [زعيم أرباب التأويل، سمع وصنف وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وبحث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه في البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في الحديث والتفسير والأصول والفروع والتاريخ ومعرفة الرجال وحال الأسانيد في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النازل].
قال عمر كحالة في معجم المؤلفين عنه: [مفسر محدث، فقيه أصولي، مؤرخ أديب، نحوي منطقي، متكلم حكيم، صارت تصانيفه في البلاد في حياته وانتفع الناس بها بعد وفاته].
قال عنه العلامة الألوسي بعد أن ذكر حال زيدية اليمن بعد وفاة الإمام الصنعاني: [ثم إن الله تعالى قيض لهم فخر الملة وعز الإسلام وحسنة الليالي والأيام، القاضي محمد بن علي الشوكاني فقمع به البدعة، وأزال به الضلالة، وقهر به أهل النحل والمذاهب الباطلة، كالزيدية وغيرها، فأصبح الإيمان في اليمن ونواحيها غضًا طريًا].
محنته:
مر بنا أثناء الحديث عن محنة الإمام الصنعاني رحمه الله ملخص الكلام ومختصر القول في فرقة الزيدية التي يتبع كثير من أبناء اليمن مذهبها، وأنها قد تطورت وانتقلت من طور لآخر، فإن الصدر الأول منهم كانوا في الجملة من أهل السنة، ثم ما لبثوا أن تفرقوا وتحزبوا أحزابًا، ثم عبثت بعقول كثير منهم شياطين الرفض والإمامية فأصبحوا روافض وليسوا زيدية، وأصبحت الزيدية المتأخرة فرقة من فرق الروافض موافقين للحنفية في الفروع وللمعتزلة في الأصول، وتلك الفرقة التي اصطدمت مع علماء أهل السنة في اليمن، ودارت بين الزيدية وعلماء اليمن الكبار مثل ابن الوزير والمقبلي والصنعاني الكثير من المعارك والفتن والمحن.
وبعد وفاة الإمام الصنعاني سنة 1182هـ رفع الزيدية رءوسهم وتكلموا على أهل السنة بكلام شنيع، واختصوا أهل الحديث بالتحرير والتقرير، إذ خلت البلاد لهم من معارض، حتى ظهر علامة الزمان الإمام الشوكاني، فأحيا آمال أهل السنة في قمع البدعة والرفض، وأخذ معول العلم في هدم أساس البدع وقواعدها، وتصدى الشوكاني رحمه الله في بيان بطلان مذهب الزيدية بمؤلفات فريدة وتحقيقات بديعة ونقض أصول المذهب في الفقه والحديث، فألف كتاب السيل الجرار في نقض كتاب حدائق الأزهار وهو كتاب الفقه المعتمد عند الزيدية لا يعرفون غيره، وبيَّن زيف كثير من آرائه وأقواله، ثم ألف كتاب «وبل الغمام» في نقض كتاب شفاء الأوام وهو من أهم كتب الحديث عند الزيدية واستغنوا به عن سائر كتب الحديث المعتبرة، واقتصر مؤلفه على الأحاديث التي رواها بسنده إلى آبائه من أهل البيت، وقد كشف الشوكاني عن كذب معظم أحاديث ذلك الكتاب بالحجج العلمية والدلائل الشرعية، وبذلك يكون الشوكاني قد هدم قواعد المذهب وأساساته، وعندها قام سوق المحن واشتعلت الفتن، وأجلب الزيدية على الرجل بخيلهم ورجلهم من أجل القضاء عليه بشتى الطرق، وقد عانى الشوكاني مع محن كثيرة ليس فقط مع الجهلة والعوام والمتعصبة ولكن مع ممن ينتسب إلى العلم من شيوخه وتلاميذه.
محنة الشوكاني بسبب الصحابة:
في سنة 1208هـ ألف العلامة الشوكاني رسالته الشهيرة (إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي) وذكر فيها أقوال أعيان وعلماء أهل البيت وحدهم في الصحابة وعقيدتهم في الترضي عليهم جميعًا، وعندها ثارت ثائرة الرفض في زيدية اليمن وصالوا وجالوا وتعصبوا على الشوكاني وردوا عليه بقرابة العشرين رسالة نقلوها نصًا وحرفًا من كتب الرافضة الإمامية، واشتعل الناس بذلك أيامًا وزاد الشر وعظمت الفتنة.
ومما زاد من تعاظم المحنة والفتنة سكوت أهل العلم على أفعال العامة، وذلك خوفًا على أنفسهم ومناصبهم، وكثير من العلماء هادنوا العامة وداهنوهم، مما أدى إلى تسلط العامة على مقام العلماء بالإهانة والازدراء والاضطهاد، كما أدى ذلك الخذلان وتلك المداهنة لزيادة البدع والفتن، وأيضًا زيادة الضغوط على العلماء العاملين الصادعين بالحق مثل الشوكاني، ولو تكاتف العلماء كلهم على نصرة الحق والجهر به لما قامت للفتنة سوق، ولما تعرض أحد لمقام العلم والعلماء.
ومن جملة المحن والابتلاءات التي أصابت الإمام الشوكاني في ذلك الموضوع قيام بعض أخص تلاميذ الشوكاني بالرد عليه، وهو السيد الحسين الديلمي الذماري وهو فقيه عالم، يعرف الحق والصواب، ولكنه تأثر من شدة الوشايات والسعايات ضد الشوكاني وضغط عليه كثير من العوام من أجل الرد على شيخه، ففعل ذلك وهو من حيث لا يدري قد أثار فتنة جديدة لظن العوام ومن شابههم أن مثل ذلك العالم لم يرد على الشوكاني الذي هو في الأصل شيخه وأستاذه، إلا لأن الشوكاني قد أخطأ في تأليفه ولولا ذلك لم يرد عليه تلميذه.
ثم أخذت المحنة والفتنة زخمًا كبيرًا بقيام أحد شيوخ الشوكاني والمعروفين بعلم الكتاب والسنة ومنه تعلم الشوكاني الكثير، قام ذلك الشيخ بتأليف رد كبير على رسالة الشوكاني حشاه بكلام الرافضة الإمامية والمجازفات الباطلة التي يعلم ذلك الشيخ نفسه قبل الشوكاني بأنها أكاذيب باطلة، ولقد حزن الإمام الشوكاني بشدة من فعلة شيخه تلك، ثم اتضح أن السر وراء ذلك خوف ذلك الشيخ من سطوة أحد وزراء الدولة عليه بعد أن هدده وتوعده إن لم يفعل، فآثر ذلك الشيخ رضا الطاغية على قول الحق، فما ضر إلا نفسه التي جنا عليها بالتعرض لمقام الصحابة بالسب والشتم فضلاً عن كتم العلم وخذلان العلماء الربانيين.
محنته مع الحوثي الكذاب:
الحوثي هذا رجل من أهل صنعاء كان يجيد علوم المساحة والحساب، لا يعرف غيرها وكان فيه غفلة وسلامة صدر وأيضًا كان فقيرًا كثير العيال، وقد تسبب هذا الرجل في فتنة عظيمة بصنعاء في شهر رمضان سنة 1216هـ، ومحنة هائلة كاد أن يهلك فيها الإمام الشوكاني وغيره من أهل العلم العاملين.
وكانت بداية المحنة عندما قام بعض أهل الدولة ممن يعتنق الرفض ويتظاهر بذلك مع الجهل المفرط، قام ذلك الخبيث بإقناع «الحوثي» بإلقاء بعض الدروس في مسجد صلاح الدين، فجلس الحوثي وشرع في إملاء كتاب «تفريج الكروب» وهو في مناقب عليّ رضي الله عنه، ولم يتوقف الحوثي عند شرح الكتاب، بل جاوز ذلك لسب السلف وشتم الصحابة، ووجد ذلك الأمر صدى عند روافض اليمن، فاجتمعوا بالآلاف في المسجد حتى ضاق بهم المسجد، وهم يتجاوبون مع الحوثي في السب والشتم.
أراد الحوثي أن ينتقل بدرسه من مسجد صلاح الدين إلى جامع صنعاء الذي هو مجمع الناس ومحل التعليم والعلماء، وذلك من أجل نشر اللعن والشتم من الفكر الرافضي، فلما بلغ ذلك الأمر إمام اليمن وقتها أصدر أوامره بمنع الحوثي من الجلوس في جامع صنعاء، فلما علمت العوام ثارت غضبتهم ونفخ في نارها شياطين الإمامية وجهلة المتفقهة ومنعوا الناس من صلاة الجماعة، وخرجوا للشوارع وهم ألوف يصرخون باللعن والسب والشتم للصحابة والتابعين وخير القرون.
توجهت القطعان الغاضبة الثائرة نحو بيوت علماء أهل السنة وذلك للفتك بهم، وعلى رأس هؤلاء كان بيت الإمام الشوكاني وهو في نفس الوقت قاضي القضاة، وكان وقتها في مجلس علم يشرح فيه نيل الأوطار ومع جماعة من العلماء وطلبة العلم، وحاولوا اقتحام الدار وقتل من فيها، وكذلك فعلوا مع سائر بيوت العلماء ومدارسهم، لولا فضل الله عز وجل وحده، ثم التدخل السريع لإمام اليمن وقتها لهلك الشوكاني ومعه أعيان علماء اليمن في تلك المحنة والفتنة.
وعلى الرغم من المحن المتتالية على الإمام الشوكاني بسبب تصديه للبدع والضلالات التي روجها الرافضة في بلاد اليمن، إلا أن الشوكاني لم يكف يومًا عن الجهر بالحق والاجتهاد في الدين ونشر العلم ومحاربة التقليد وتأليف الكتب النافعة التي ما زال الناس يتدارسونها فيما بينهم، وقد أزكته المحنة وسبكته الفتن المتتالية حتى صار عود ذهب خالصًا في خدمة الدين وتجديد معالمه.
مفكرة الإسلام: محنة الإمام الشوكاني هي من طراز المحن التي تعرض لها كل مجدد ومجتهد ومصلح، هي نفس المحنة التي تعرض لها ابن تيمية وابن القيم وابن عبدالوهاب والصنعاني والمقبلي، وما زالت تقع في كل عصر ومكان، ذلك أن المجدد والمجتهد يريد إصلاح الأمة وخلع ربقة التقليد ومحاربة الجمود والتحجر العقلي والفكري الذي أصاب الأمة وأدى بها للتأخر عن ريادة ركب الحضارة، وألقى بها في دوامة الفرضيات والجدليات العقيمة، ومواجهة كل تلك الآفات الراسخة تحتاج من المجدد والمجتهد والمصلح لأن يصبر على الأذى والمحن التي ستلحق به وما أكثرها، وهذه واحدة من محن المجددين والمجتهدين.
التعريف به:
هو الإمام الكبير والمجتهد المطلق وقاضي قضاة اليمن ومجدد المائة الثالثة عشرة من الهجرة، المحدث المفسر المؤرخ، صاحب التصانيف السائرة والمؤلفات النافعة، أبو علي بدر الدين محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن الحسن الشوكاني.
وُلد في شهر ذي الحجة سنة 1173 هجرية في بلدة «هجرة شوكان» وتقع على مسيرة يوم من صنعاء ناحية الجنوب، وكان أبوه من أهل العلم، فتولاه بالرعاية والعناية العلمية منذ طفولته، فأتم حفظ القرآن أولاً ثم تلا ذلك بحفظ عدد من المتون ومبادئ العلوم المختلفة، ثم انتقل بعدها إلى صنعاء لطلب العلم من الشيوخ والعلماء، ولازم حلقة ابن مطهر القابلي قرابة الثلاث عشرة سنة وتخرج فيه في الفروع، وأخذ علم الحديث والتفسير والمصطلح من المجتهد الكبير عبد القادر الكوكباني فانتفع به كثيرًا، ثم اتصل بعلامة الزمان الصنعاني وانتفع به بشدة، ولزم طريقه وسار على منهجه، وصار من أخص تلاميذه.
ظل الشوكاني يتنقل بين حلق العلم في صنعاء، لم يترك عالمًا ولا شيخًا إلا جلس إليه وسمع منه، ودرس وتبحر في العلوم العقلية كما هي عادة أهل البلد والزمان، ثم توسع ونهل من العلوم النقلية، وضرب فيها بكل سهم، وجمع بين الدراية والرواية واجتمعت لديه أدوات الاجتهاد واستكمل آلتها، فحرَّم على نفسه التقليد، وأخذ نفسه بالجد والاجتهاد، وثار على الأوضاع القائمة، وانتقد كثيرًا من الأقوال والآراء في مذهب الزيدية، وهو المذهب السائد في بلاد اليمن، وهذا الاجتهاد والنقد الشديد جلب عليه كثيرًا من المحن والابتلاءات.
وهكذا استفاد الشوكاني من علماء عصره واجتمع عنده خلاصة علمهم وتجاربهم، واتسعت مداركه وعلومه حتى صار إمام الزمان الذي يشار إليه بالبنان، ورأسًا يشد إليه الرحال، وقصده الطلاب من أقصى البلاد من الهند والدولة العثمانية وبلاد داغستان وانتفع به الكثيرون، وفي سنة 1209هـ توفي كبير قضاة اليمن يحيى الشجري السحولي، فلم يجد ولاة الأمر في اليمن أفضل من الإمام الشوكاني، وكان الشوكاني وقتها مشتغلاً بالتدريس في علوم الاجتهاد والإفتاء والتصنيف، منجمعًا عن الناس لاسيما رجال الدولة، لا يتصل بأحد منهم قط، فلما طلبوه للقضاء رفض في بادئ الأمر، ولكن مع إلحاح الدولة عليه وطلب العلماء والشيوخ منه القبول، ورغبته في نشر السنة وإماتة البدعة، والدعوة إلى طريق السلف الصالح، وأخيرًا قبل الشوكاني منصب القضاء بعد أن نما إلى علمه أن واحدًا من علماء السوء سيلي المنصب لو رفض هو.
كان تولي الإمام الشوكاني لمنصب كبير القضاة كسبًا كبيرًا للدعوة والإصلاح والسنة فلقد كان نعم القاضي، أقام منار العدالة وقمع الفساد والمفسدين، ودعا الناس للعمل بالكتاب والسنة، ومن شدة كفايته وأهليته لهذا المنصب الخطير، ظل الشوكاني فيه حتى وفاته ولم يعزل ولو مرة واحدة، وتناوب عليه ثلاثة من أئمة اليمن، وظل في هذا المنصب زيادة على أربعين سنة، وإن كان قد تأثر بمهام المنصب وتكاليفه عن تأليف وتحقيق الكثير من المؤلفات، إلا إنه يبقى في النهاية من خير قضاة الزمان وإمامًا مجددًا مجتهدًا لذلك العصر.
عقيدته:
لأن الشوكاني كان ممن توسع وتبحر في العلوم العقلية والنقلية، فلقد كانت حصيلته العلمية وذكاؤه الحاد وذهنه السيَّال تؤهله للنظر في الأدلة والاجتهاد في فهمها وخلع ربقة التقليد، وهذه الملكات أدت بالشوكاني لأن يعتنق مذهب السلف الذي هو المذهب الصحيح الذي كان عليه خير القرون، واتباعه للعقيدة السلفية جاء عن دراسة وبحث ومطالعة، وليس محض تقليد لغيره من الأعلام، حتى لا يظن البعض أنه قلَّد في ذلك شيخه الصنعاني الذي كان أستاذه الأول وقدوته في طريق الاجتهاد والدعوة، فالشوكاني أسلم في باب العقائد من الصنعاني الذي وقع في بعض التأويلات المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقد سجل الشوكاني عقيدته في العديد من كتبه وبالأخص في كتاب: التحف في مذاهب السلف، وكتاب: كشف الشبهات عن المشتبهات.
مذهبه:
تفقه الشوكاني في أول حياته على مذهب الزيدية في الفقه، ودرس وحفظ المتون الفقهية لذلك المذهب، حتى صار من أبرع الناس فيه، وتلك البراعة والمهارة مكنته من الوقوف على المسائل التي خالفت فيها الزيدية صريح النصوص، وما أكثرها، فتجرد للحق وانتخى لله عز وجل، فخلع ربقة التقليد، وأخذ في إعمال عقله وعلمه في النصوص حتى وصل لرتبة الاجتهاد، وألف رسالته الشهيرة في ذم التقليد: [القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد]، ثم كتب كتابه المعروف بالسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وفيه نقض كثيرًا من آراء وأقوال الزيدية وكشف زيفها ومخالفتها للسنة، مما أدخله في أتون معركة حامية ومحن متواصلة مع الزيدية والمقلدة.
والحق أن الإمام الشوكاني كان مجتهدًا مطلقًا، لم يتقيد بمذهب معين أو رأي معين لأحد من الأعلام، بل يختار ما أدى إليه اجتهاده، وقد أظهر ذلك في كتابه الأشهر [نيل الأوطار] حيث ينقل آراء ومذاهب شتى العلماء من لدن الصحابة إلى عصره، وحجة كل واحد منهم، ثم يرجح رأيه الخاص به والذي قد يتفق مع رأي واحد من الأعلام السابقين، وبالنظر للتراث الفقهي الضخم الذي تركه الإمام الشوكاني نجد أنه يميل لقول الظاهرية في كثير من المسائل.
مصنفاته:
خلَّف الإمام الشوكاني ثروة علمية ضخمة من المؤلفات بلغت 278 مؤلفًا في شتى فروع العلم، كثير منها ما زال مخطوطًا يحتاج للهمم القوية والعزائم الفتية التي تخرجه للنور، كيما ينتفع به الناس، ولكن بفضل الله عز وجل أهم وأشهر كتبه قد تم طبعها وطارت شهرتها في الآفاق، بحيث لا يخلو بلد من بلاد الإسلام ولا درس من دروس العلم من مؤلفات الشوكاني رحمه الله، ومن أهم مصنفاته:
1ـ فتح القدير، وهو من أنفس كتب التفسير.
2ـ الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، أكمل به عمل من سبقوه مثل ابن الجوزي والعراقي والسيوطي، وأصلح ما أخطئوا فيه.
3ـ نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، وهو الكتاب الأشهر والأهم والذي صار من المراجع الدراسية الأساسية لأي طالب علم.
4ـ السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وهو الكتاب الذي نقض الزيدية، وقد أودع الشوكاني في ذلك الكتاب خلاصة اجتهاداته، وهو من أفضل كتب الفقه المقارن.
5ـ إرشاد الفحول، وهو في أصول الفقه.
6ـ تحفة الذاكرين.
7ـ الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني.
8ـ وبل الغمام على شفاء الأوام في نقض مذهب الزيدية أيضًا.
9ـ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، وهو من كتب التراجم المهمة والنافعة ورسائل فقهية كثيرة ومتنوعة وشرح رسائل حديثية في شتى المسائل العلمية.
ثناء الناس عليه:
رغم أن الإمام الشوكاني كان من متأخري العلماء والذين لا يحظون عادة بنفس التقدير والثناء الذي يحظى به الأولون والسابقون من علماء الأمة، إلا إن الشوكاني يمثل استثناءً من تلك القاعدة، فثناء الناس عليه عريض وتقديرهم لعلومه جزيل وهذه طائفة من أقوال معاصريه عنه:
قال العلامة حسين السبعي الأنصاري: [الشوكاني إمام الأئمة ومفتي الأمة، بحر العلوم وشمس الفهوم، سند المجتهدين الحفاظ، فارس المعاني والألفاظ، فريد عصره ونادرة الدهر، شيخ الإسلام، علامة الزمان، ترجمان الحديث والقرآن، علم الزهاد، أوحد العباد، قامع المبتدعين، رأس الموحدين، تاج المتبعين، صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، قاضي قضاة أهل السنة والجماعة، شيخ الرواية والسماع على الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد، المطلع على حقائق الشريعة ومواردها العارف بغوامضها ومقاصدها].
قال عنه العلامة البهكلي: [قاضي الجماعة، شيخ الإسلام، المحقق العلامة الإمام، سلطان العلماء، إمام الدنيا، خاتمة الحفاظ بلا مراء، الحجة النقاد على الإسناد السابق في ميدان الاجتهاد، وعلى الجملة فما رأى مثل نفسه، ولا أرى من رآه مثله علمًا وورعًا، وقيامًا بالحق، بقوة جنان، وسلاطة لسان].
قال عنه العلامة صديق حسن خان: [أحرز جميع المعارف، واتفق على تحقيقه المخالف والمؤالف وصار المشار إليه في علوم الاجتهاد بالبنان، والمجلى في معرفة غوامض الشريعة عند الرهان، له المؤلفات الجليلة الممتعة المفيدة النافعة...].
قال عنه الإمام عبد الحي الكتاني: [هو الإمام خاتمة محدثي المشرق وأثريه، العلامة النظار الجهبذ القاضي، كان شامة في وجه القرن المنصرم، وغرة في جبين الدهر، انتهج من مناهج العلم ما عمى على كثير ممن قبله، وأوتي فيه من طلاقة القلم والزعامة ما لم ينطق به قلم غيره، فهو من مفاخر الدين بل العرب.
قال عنه الوجيه عبد الرحمن بن الأهدل: [إمام عصرنا في سائر العلوم، وخطيب دهرنا في إيضاح دقائق المنطوق والمفهوم، الحافظ المسند الحجة، الهادي في إيضاح السنن النبوي إلى المحجة عز الإسلام محمد بن علي الشوكاني].
قال العلامة الكتاني في موضع آخر عن الإمام الشوكاني: [وقد منح الله هذا الإمام ثلاثة أمور لا أعلم أنها في هذا الزمن الأخير جمعت لغيره: الأول: سعة التبحر في العلوم على اختلاف أجناسها وأنواعها، الثاني: كثرة التلاميذ المحققين أولي الأفهام الخارقة، الثالثة: سعة التآليف المحررة].
قال عنه إبراهيم بن عبد الله الحوثي: [زعيم أرباب التأويل، سمع وصنف وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف، وبحث وأفاد، وطارت أوراق فتاويه في البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في الحديث والتفسير والأصول والفروع والتاريخ ومعرفة الرجال وحال الأسانيد في تحصيل العوالي وتمييز العالي من النازل].
قال عمر كحالة في معجم المؤلفين عنه: [مفسر محدث، فقيه أصولي، مؤرخ أديب، نحوي منطقي، متكلم حكيم، صارت تصانيفه في البلاد في حياته وانتفع الناس بها بعد وفاته].
قال عنه العلامة الألوسي بعد أن ذكر حال زيدية اليمن بعد وفاة الإمام الصنعاني: [ثم إن الله تعالى قيض لهم فخر الملة وعز الإسلام وحسنة الليالي والأيام، القاضي محمد بن علي الشوكاني فقمع به البدعة، وأزال به الضلالة، وقهر به أهل النحل والمذاهب الباطلة، كالزيدية وغيرها، فأصبح الإيمان في اليمن ونواحيها غضًا طريًا].
محنته:
مر بنا أثناء الحديث عن محنة الإمام الصنعاني رحمه الله ملخص الكلام ومختصر القول في فرقة الزيدية التي يتبع كثير من أبناء اليمن مذهبها، وأنها قد تطورت وانتقلت من طور لآخر، فإن الصدر الأول منهم كانوا في الجملة من أهل السنة، ثم ما لبثوا أن تفرقوا وتحزبوا أحزابًا، ثم عبثت بعقول كثير منهم شياطين الرفض والإمامية فأصبحوا روافض وليسوا زيدية، وأصبحت الزيدية المتأخرة فرقة من فرق الروافض موافقين للحنفية في الفروع وللمعتزلة في الأصول، وتلك الفرقة التي اصطدمت مع علماء أهل السنة في اليمن، ودارت بين الزيدية وعلماء اليمن الكبار مثل ابن الوزير والمقبلي والصنعاني الكثير من المعارك والفتن والمحن.
وبعد وفاة الإمام الصنعاني سنة 1182هـ رفع الزيدية رءوسهم وتكلموا على أهل السنة بكلام شنيع، واختصوا أهل الحديث بالتحرير والتقرير، إذ خلت البلاد لهم من معارض، حتى ظهر علامة الزمان الإمام الشوكاني، فأحيا آمال أهل السنة في قمع البدعة والرفض، وأخذ معول العلم في هدم أساس البدع وقواعدها، وتصدى الشوكاني رحمه الله في بيان بطلان مذهب الزيدية بمؤلفات فريدة وتحقيقات بديعة ونقض أصول المذهب في الفقه والحديث، فألف كتاب السيل الجرار في نقض كتاب حدائق الأزهار وهو كتاب الفقه المعتمد عند الزيدية لا يعرفون غيره، وبيَّن زيف كثير من آرائه وأقواله، ثم ألف كتاب «وبل الغمام» في نقض كتاب شفاء الأوام وهو من أهم كتب الحديث عند الزيدية واستغنوا به عن سائر كتب الحديث المعتبرة، واقتصر مؤلفه على الأحاديث التي رواها بسنده إلى آبائه من أهل البيت، وقد كشف الشوكاني عن كذب معظم أحاديث ذلك الكتاب بالحجج العلمية والدلائل الشرعية، وبذلك يكون الشوكاني قد هدم قواعد المذهب وأساساته، وعندها قام سوق المحن واشتعلت الفتن، وأجلب الزيدية على الرجل بخيلهم ورجلهم من أجل القضاء عليه بشتى الطرق، وقد عانى الشوكاني مع محن كثيرة ليس فقط مع الجهلة والعوام والمتعصبة ولكن مع ممن ينتسب إلى العلم من شيوخه وتلاميذه.
محنة الشوكاني بسبب الصحابة:
في سنة 1208هـ ألف العلامة الشوكاني رسالته الشهيرة (إرشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي) وذكر فيها أقوال أعيان وعلماء أهل البيت وحدهم في الصحابة وعقيدتهم في الترضي عليهم جميعًا، وعندها ثارت ثائرة الرفض في زيدية اليمن وصالوا وجالوا وتعصبوا على الشوكاني وردوا عليه بقرابة العشرين رسالة نقلوها نصًا وحرفًا من كتب الرافضة الإمامية، واشتعل الناس بذلك أيامًا وزاد الشر وعظمت الفتنة.
ومما زاد من تعاظم المحنة والفتنة سكوت أهل العلم على أفعال العامة، وذلك خوفًا على أنفسهم ومناصبهم، وكثير من العلماء هادنوا العامة وداهنوهم، مما أدى إلى تسلط العامة على مقام العلماء بالإهانة والازدراء والاضطهاد، كما أدى ذلك الخذلان وتلك المداهنة لزيادة البدع والفتن، وأيضًا زيادة الضغوط على العلماء العاملين الصادعين بالحق مثل الشوكاني، ولو تكاتف العلماء كلهم على نصرة الحق والجهر به لما قامت للفتنة سوق، ولما تعرض أحد لمقام العلم والعلماء.
ومن جملة المحن والابتلاءات التي أصابت الإمام الشوكاني في ذلك الموضوع قيام بعض أخص تلاميذ الشوكاني بالرد عليه، وهو السيد الحسين الديلمي الذماري وهو فقيه عالم، يعرف الحق والصواب، ولكنه تأثر من شدة الوشايات والسعايات ضد الشوكاني وضغط عليه كثير من العوام من أجل الرد على شيخه، ففعل ذلك وهو من حيث لا يدري قد أثار فتنة جديدة لظن العوام ومن شابههم أن مثل ذلك العالم لم يرد على الشوكاني الذي هو في الأصل شيخه وأستاذه، إلا لأن الشوكاني قد أخطأ في تأليفه ولولا ذلك لم يرد عليه تلميذه.
ثم أخذت المحنة والفتنة زخمًا كبيرًا بقيام أحد شيوخ الشوكاني والمعروفين بعلم الكتاب والسنة ومنه تعلم الشوكاني الكثير، قام ذلك الشيخ بتأليف رد كبير على رسالة الشوكاني حشاه بكلام الرافضة الإمامية والمجازفات الباطلة التي يعلم ذلك الشيخ نفسه قبل الشوكاني بأنها أكاذيب باطلة، ولقد حزن الإمام الشوكاني بشدة من فعلة شيخه تلك، ثم اتضح أن السر وراء ذلك خوف ذلك الشيخ من سطوة أحد وزراء الدولة عليه بعد أن هدده وتوعده إن لم يفعل، فآثر ذلك الشيخ رضا الطاغية على قول الحق، فما ضر إلا نفسه التي جنا عليها بالتعرض لمقام الصحابة بالسب والشتم فضلاً عن كتم العلم وخذلان العلماء الربانيين.
محنته مع الحوثي الكذاب:
الحوثي هذا رجل من أهل صنعاء كان يجيد علوم المساحة والحساب، لا يعرف غيرها وكان فيه غفلة وسلامة صدر وأيضًا كان فقيرًا كثير العيال، وقد تسبب هذا الرجل في فتنة عظيمة بصنعاء في شهر رمضان سنة 1216هـ، ومحنة هائلة كاد أن يهلك فيها الإمام الشوكاني وغيره من أهل العلم العاملين.
وكانت بداية المحنة عندما قام بعض أهل الدولة ممن يعتنق الرفض ويتظاهر بذلك مع الجهل المفرط، قام ذلك الخبيث بإقناع «الحوثي» بإلقاء بعض الدروس في مسجد صلاح الدين، فجلس الحوثي وشرع في إملاء كتاب «تفريج الكروب» وهو في مناقب عليّ رضي الله عنه، ولم يتوقف الحوثي عند شرح الكتاب، بل جاوز ذلك لسب السلف وشتم الصحابة، ووجد ذلك الأمر صدى عند روافض اليمن، فاجتمعوا بالآلاف في المسجد حتى ضاق بهم المسجد، وهم يتجاوبون مع الحوثي في السب والشتم.
أراد الحوثي أن ينتقل بدرسه من مسجد صلاح الدين إلى جامع صنعاء الذي هو مجمع الناس ومحل التعليم والعلماء، وذلك من أجل نشر اللعن والشتم من الفكر الرافضي، فلما بلغ ذلك الأمر إمام اليمن وقتها أصدر أوامره بمنع الحوثي من الجلوس في جامع صنعاء، فلما علمت العوام ثارت غضبتهم ونفخ في نارها شياطين الإمامية وجهلة المتفقهة ومنعوا الناس من صلاة الجماعة، وخرجوا للشوارع وهم ألوف يصرخون باللعن والسب والشتم للصحابة والتابعين وخير القرون.
توجهت القطعان الغاضبة الثائرة نحو بيوت علماء أهل السنة وذلك للفتك بهم، وعلى رأس هؤلاء كان بيت الإمام الشوكاني وهو في نفس الوقت قاضي القضاة، وكان وقتها في مجلس علم يشرح فيه نيل الأوطار ومع جماعة من العلماء وطلبة العلم، وحاولوا اقتحام الدار وقتل من فيها، وكذلك فعلوا مع سائر بيوت العلماء ومدارسهم، لولا فضل الله عز وجل وحده، ثم التدخل السريع لإمام اليمن وقتها لهلك الشوكاني ومعه أعيان علماء اليمن في تلك المحنة والفتنة.
وعلى الرغم من المحن المتتالية على الإمام الشوكاني بسبب تصديه للبدع والضلالات التي روجها الرافضة في بلاد اليمن، إلا أن الشوكاني لم يكف يومًا عن الجهر بالحق والاجتهاد في الدين ونشر العلم ومحاربة التقليد وتأليف الكتب النافعة التي ما زال الناس يتدارسونها فيما بينهم، وقد أزكته المحنة وسبكته الفتن المتتالية حتى صار عود ذهب خالصًا في خدمة الدين وتجديد معالمه.