المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار الديكتاتور.. فرعون


أبو عبد الله
14 Dec 2008, 11:53 AM
حوار الديكتاتور.. فرعون
د. فضل عبد الله مراد - استاذ مقاصد الشريعة وأصول الفقه وقواعده بجامعة الإيمان fadelmorad@yahoo.com
سياسة الحوار عبارة عن كتاب كتبته قبل سنوات أحب أن ألخص مقاصده في فقه التنزيل لحاجتنا الماسة إلى ذلك فلنقل:
إن الحوار يتنوع بحسب تنوع أطرافه واهتماماتهم وتخصصاتهم وأهدافهم وأغراضهم، لذا فلا بد من عرض لأطراف الحوار في التاريخ الإنساني في سلسلة متتابعة، نستشف من خلاله فقه الطرح على اختلاف مستوياته.
وفي نفس الوقت نكشف عن محور هام ومقوم أساسي في الحوار وهو أطرافه وأساليبه وفنونه لمختلف الاتجاهات والفئات، والطبقات: كيف يحاور الملوك؟ والشعب والأفراد وأصحاب الرسالات؟ لذلك فسنأخذ هنا محوراً من المحاور هو «الحوار السلطاني».
وهو منقسم إلى حوار ديكتاتوري ويمثله فرعون في قصة مطولة في القرآن الكريم، وحوار راشد وتمثله نماذج أذكرها في حينها..
أولاً: حوار الديكتاتور فرعون:
إن أبهة الملك والرياشة تعطي الحوار روحا خاصة بما تنفث فيه من معاني السطوة والقوة والتي تتحكم في أسلوب الخطاب ومجرياته.
إن الحوار مع هذه الجهة يحتاج لجهود عظيمة فردية وجماعية، ولدراسة موضوعية دقيقة قبل تقرير ذلك، لما يؤدي إليه في الغالب من نتائج تنفيذية قد تكون في حياة الأمة أو الجماعة أو الفرد مصيرية.
وهذا هو ما ذكره الله في كتابه عن موسى وهارون «قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى» فأجابهما ربهما «قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى».. -طه 45-47.
ثم زودهما بزاد التواصل مع «الملك» الذي استوى على العرش فقال «اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري> اذهبا إلى فرعون إنه طغى».
يا له من زاد عظيم «ولا تنيا في ذكري» إنه كالدرع الواقي من الرصاص، إنه تواصل بمن له الأمر كله وبيده الأمر كله.
إذاً أيها الدعاة.. أيها الأخوة.. أيها الفضلاء.. خذوا هذا الزاد التواصلي مع الملأ الأعلى إذا ذهبتم إلى حوار مخوف أو ظالم، إنه ذكر الله وعدم تركه طوال الفترة، «ولا تنيا» يعني لا تتركا ولا تتعبا عن الذكر. ومع هذا، مع معية جبار السماوات والأرض أمرهما الله أن يقولا «له قولا لينا* لعله يتذكر أو يخشى» فهذه قاعدة.
وأما القاعدة الخوفية التي تقررها الآيات وهي «أن يفرط علينا أو أن يطغى» تبين الواقع السلطاني الديكتاتوري في التعامل مع الحوار، إن الطغيان والإفراط فيه يعتبر أصلا من أصول الملك والهيمنة التي يجب أن نضعها في الحسبان كما وصفه موسى -وهو من أولي العزم من الرسل- وأخوه هارون عليهما السلام، قبل الإقدام على أمر كهذا..
وكشفا لربهما ذلك بلا غضاضة من هذا الطرح التخوفي توثقا منه سبحانه وتعالى وطلبا للحلول الربانية لهذه المعضلة، وفي هذه القاعدة من الفوائد العظيمة الكثير منها:
1- فيه درس للدعاة وللجماعات لحملة الرسالات للأمة، درس بليغ وهام وجدي يجب أن نقف أمامه طويلا حتى لا يدفعنا فقه اللحظة إلى ما لا تحمد عقباه، فعلينا إذا اجتناب فقه اللحظة والنظر إلى الفقه المآلي والواقعي الحقيقي.
2- إن موسى وهارون عليهما السلام مع كمال معرفتهما بربهما وتوثقهما من وعده الذي وعد نظرا إلى ما يمكن أو يترتب على هذا الحوار من المآلات، ووضعهما ذلك بين يدي الله تعالى، ليس شكا بحفظه ورعايته ولا ارتيابا في وعده ووعيده ولا عدم ثقة بنصره لهم، لكنه الحرص على جدوى الدعوة جدوى الحوار والحفاظ على الفرد والقائد من مغبة الإقدام قبل الإلمام بما يتوقع أن يقع.
3- وما ذلك إلا أن الإفساد هو آية الملك وسمة الملوك في الغالب، كما لخصت ذلك الملكة اليمانية الذكية «إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة» فصدقها الله بقوله «وكذلك يفعلون».
نخرج من ذلك من رشد واتبع الحق واستقام على الهدى كما ذكر الله عن سليمان الملك.
4- ومما يستفاد من الآية وضع الدراسة التوقعية حتى لا تحصل صدمة التفريط الناتج عن التهور.
5- ومن ذلك أن الخوف الطبعي والجبلي أمر عادي قد يحصل حتى للإنسان والرسل وهو النابع من حقائق واقعية وتجارب فعلية لا مجرد أوهام نفسية، فالتجربة هنا أن فرعون جبار في الأرض سفاك للدماء يقتل بلا ذنب فضلا أن يأتيه رجل كموسى يقول له أرسل الناس وأطلق الشعب عن الظلم واعبد الله وحده، إن الأمر الطبيعي الواقعي من مثل هذا الديكتاتور هو القتل، ومن هنا وضعا هذا التوقع لحله فجاء الحل من الله وهي حراسة ربانية مشددة وحضور إلهي لا يغفل قال «لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى».
وهذه المعية في الحقيقة هي مع كل داع إلى الله وحامل لرسالاته أمام الطغيان والظلم إلى يوم القيامة «ولينصرن الله من ينصره».
إذاً يجب طرح المخاوف وتداول الرأي حولها حتى يقدم صاحب الحق كامل العدة ووافي الفقه.
6- أما الخوف المحبط والمربك فهو النابع من أوهام نضعها بواسطة الشيطان ووسوسته «إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه».