المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بغداد: وداع هولاكو !!


أبو عبد الله
25 Dec 2008, 12:18 PM
بغداد: وداع هولاكو !!

عبدالإله الخامري
12/23/2008
لن نكون أكثر تندرا من الشعب الأمريكي الذي حول حادثة حذاء منتظر الزيدي إلى مادة إعلامية وفكاهية دسمة ومناسبة احتجاجية على سياسة الرئيس بوش الخارجية والداخلية ونتائجها الكارثية.
كان تصرف منتظر الزيدي تعبيرا موجزاً عن عمق المعاناة وجرح المأساة العراقية التي تشكلت فصولها منذ اليوم الأول للغزو التتري الجديد، ولقد علمتنا السنين الكونية أن التاريخ عبارة عن أحداث وقضايا تتكرر صورها على مختلف الأزمنة ولكن بشخوص مختلفة.
فبالأمس كان الوزير العلقمي يحلم بإقامة دولة علوية في بغداد على أنقاض الدولة العباسية، وكان وزيرا للمستعصم بالله أبو أحمد آخر خلفاء الدولة العباسية، ومن موقعه قام بمراسلة ومباطنة هولاكو التتار وأغراه على مهاجمة بغداد وكشف له عورات الدولة العباسية ومكامن ضعفها فوصل هولاكو بجيشه إلى القرب من بغداد فخرج الوزير العلقمي لمفاوضته وحاك مع هولاكو خدعة «قتل فيها المستعصم بالله وقادته العسكريين والعلماء وأركان نظامه ثم ما لبث جيش هولاكو بالانقضاض على بغداد وسفك دماء مليون عراقي خلال 45 يوماً ودمرت بغداد ودور علومها ووضعت مكتبتها العلمية في نهر دجلة... الخ.
التاريخ اليوم كرر نفسه في مارس 2003 حيث قام الطامحون بإقامة دولة علوية بالعراق بجلب هولاكو البيت الأبيض «جورج بوش» ليغزو العراق لتحقيق هدف طالما حلموا به منذ الوزير العلقمي فأغروه على الغزو وضمنوا له وقوف جنوب العراق إلى جانب جيشه والوصول إلى بغداد دون مقاومة.
تكرر المشهد في بغداد ومحافظات العراق الأخرى، فسقط من الشعب العراقي ما يزيد عن مليون ونصف مليون قتيل غالبيتهم من السنة وأكثر من هؤلاء جرحى ومعاقون وخمسة ملايين مشرداً في الدول المجاورة ومختلف أصقاع الأرض، مع دمار واسع النطاق لدولة كانت أغنى دول الشرق الأوسط ثروة وعلما ومعرفة وحضارة إنسانية.
منتظر الزيدي اختصر مأساة بلاده في رد فعل عفوي غاضب ذي دلالات انتقلت معانيها إلى كل بيت في الولايات المتحدة ودول العالم باسمه وباسم الشعب العراقي من الثكالى والأرامل واليتامى والمقهورين، هكذا كما قال منتظر..
لم ينس منتظر أن يذكر بوش بجرائمه في العراق في تلك اللحظات ولم ينس أن يذكر العالم أن العراق تعرض لعدوان غاشم دون مسوغ قانوني ذهب ضحيته دولته ومؤسساتها ومنجزاتها العلمية والحضارية، أعاد منتظر إلى الأذهان في تلك اللحظات الجرائم البشعة التي ارتكبت بحق الشعب العراقي فإلى جانب ما ذكر قام الغزاة وأعوانهم بقتل وتشريد علماء العراق في المجالات النووية والبيولوجية، والكيميائية، وأفضل مدرسي الجامعات وأطبائها وألغى المنهج الجامعي السابق واستبدله بآخر، ودمر المراكز البحثية والعلمية وحول العراق إلى شبه دولة متخلفة علميا وحضاريا.
ومن واقع المأساة خاطب منتظر العالم بطريقته الخاصة ليذكرهم أن هذا الرجل الذي جاء للعراق ليوقع على اتفاقية تعد أحد مكاسب الغزو لصالح أمريكا أنه كان الأحرى به بعد أن اعترف بخطأ شن الحرب على العراق أن يأتي ليوقع على اتفاقية تعويض وإعادة إعمار ويقدم اعتذاره للشعب العراقي الذي تم تدمير بنيته التحتية من جسور وكباري وطرقات ومصانع ومصالح وخدمات هاتف ومياه وكهرباء، ومراكز علمية وبحثية وبنية ثقافية بما تحتويه من كنوز تراثية (علوم ومخطوطات ومتاحف وغيرها).. الخ.
إذن كان الأحرى ببوش الذي جاء ليرمم صورته أمام جيشه في العراق والشعب الأمريكي أن لا يحتقر الوجه الآخر لمأساته وقمبلته الموقوتة في العراق.
وكان الأحرى أن لا يأتي محتفلا بإنجازاته العسكرية بالتوقيع على اتفاقية قد تم التوقيع عليها من قبل وزير الخارجية العراقي والسفير الأمريكي في بغداد وتم إجازتها من قبل رئاسة الجمهورية العراقية والبرلمان العراقي.
ولذلك كان على بوش أن يأتي ليوقع على اتفاقية يرمم بها صورته أمام الشعب العراقي المكلوم والشعوب العربية والإسلامية الحزينة للفضائح التي ارتكبت في العراق في حق سكانه وفي بنيته الصناعية والعلمية والتي فككها جيشه وشحنها إما للولايات المتحدة وإما قيامه بتقطيعها بمناشير كهربائية خاصة وباعها كخردة بسعر الطن 130 دولار، فلم يسلم من هذا التذمير مصانع حليب الأطفال والأدوية والأكسجين والمعامل المزودة للمستشفيات باحتياجاتها الطبية والبعض من هذه المصانع والمعامل الجيدة من فرنسا وغيرها من صفقات النفط مقابل الغذاء.. كما لم يسلم من هذا التدمير والحرق كل معدات وأسلحة الجيش العراقي ومصانعه الحربية وحولها إلى حديد خردة بيعت بالطن لشركات أمريكية، كما لم تسلم من سياسة الأرض المحروقة التي نفذتها الإدارة الأمريكية في العراق الثروة الزراعية من النخيل حيث تم إحراق ثلثي ثروة العراق من النخيل والبالغة إجمالا ثلاثين مليون شجرة، إنه سجل كبير من الجرائم لهذه الإدارة.
والأعظم من هذا أن بوش وإدارته دمروا لحمة الشعب العراقي وبنيته الاجتماعية وسلمه الأهلي إذ قسموا العراق إلى سنة وشيعة وأكراد وتركمان وكلدان وآشوريين.. الخ، وقدموا نموذجاً غريباً للديمقراطية هدف إلى تقسيم العراق والمنطقة العربية على أسس مذهبية وأثنية تم تنفيذه بالقوة الغاشمة ووزعوا حصصه الديمقراطية بنسب إحصائية تخدم المستعمر على إثرها تشرذم الشعب العراقي وانتقل من دولة وطنية مدنية إلى دولة محاصصة طائفية عرقية، فتحالفت هذه الإدارة مع الشيعة والأكراد لتدمير السنة التي تخوض حرب مقاومة، وسفكت الدماء على طول العراق وعرضه «من خلال قواته، وقوات البشمرجة، وفيلق بدر، وجيش المهدي، والقوات الحكومية وأجهزتها الأمنية المنشأة طائفيا حتى لقب وزير الداخلية العراقي حينها بوزير «الدريل» حيث استخدم الدريل في عملية القتل والتعذيب، إضافة إلى ما يسمى بهيئة اجتثاث البعث وغيرها من المنظمات والمليشيات السرية للأحزاب الموالية للمستعمر التي نزلت بالسنة واتباع النظام السابق وجيشه وأمنه المسرح قتلا واغتيالا واعتقالا، فاكتضت السجون بالبشر رجالا ونساء، والشوارع ومياه النهرين والمناطق النائية بالقتلى والجثث المجهولة الهوية بما في ذلك المقابر الجماعية، كما انتهكت الأعراض في السجون والمنازل، ودخلت البلاد في حرب طائفية تم القتل فيها على الهوية وعلى إثر ذلك تم تهجير مئات الآلاف من الأسر إلى خارج المدن والدول المجاورة والعالم.. الخ.
ثم عادت هذه الإدارة لتتحالف مع السنة وشكلت الصحوات وسلحتها ومولتها بهدف احتواء المقاومة إضافة إلى خلق معادلة جديدة تحمي الوجود الأمريكي في العراق في مواجهة التحالف الشيعي الإيراني العراقي الذي بدأ يهدد الوجود الأمريكي في العراق بسبب تهديدات الولايات المتحدة للمشروع النووي الإيراني.
ولم تكتف الإدارة الأمريكية بهذا بل لجأت لحماية جيشها ووجودها إلى التعاقد مع عشرات الشركات الأمنية التي أنزلت بالشعب العراقي قتلا ودمارا ليلا ونهارا وقبل أيام بدأت هذه الإدارة بذر الرماد على العيون من خلال محاكمة بعض جنود هذه الشركات منها «بلاك ووتر» التي قتلت 17 فردا من أسرة واحدة دون مبرر كما تفيد الدعوى وكأن الذين قتلوا على يد هذه الشركات تمت بطرق شرعية وقانونية.. ومن ضمن هذا الرماد أيضا محاكمة بعض جنوده مؤخرا بنفس التهمة السابقة.. فهل كانت هذه المساحيق بنظر بوش وإدارته تكفي لتضميد جراح الشعب العراقي وتعويضه عما لحق به من كوارث قبل مجيئه للعراق خلسة للقيام بزيارة الوداع؟ إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في دلالة حذاء الوداع الذي أطلقه منتظر الزيدي في مواجهة هولاكو العصر الحديث!! والتي قد تخلق ردود أفعال لدى الشعب الأمريكي تؤدي إلى محاكمة بوش وإدارته.

الحقيقة
04 Jan 2009, 12:15 PM
لله درك يا أبا عبد الله
وجزاك الله خيراً على هذا المقال .