المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اتفاق أهل السنة والزيدية على صوم عاشوراء وإلزام الإمامية القول بصومه


ابن الوزير
05 Jan 2009, 12:14 PM
اتفاق أهل السنة والزيدية على صوم عاشوراء وإلزام الإمامية بالقول بصومه

نبين في هذا المقال اتفاق أهل السنة والزيدية على صوم عاشوراء، ووجه إلزام الإمامية به، ونرد على بعض الشبهات المثارة حوله:

ابتداءً، ما المقصود بيوم عاشوراء ؟!

عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم بالاتفاق، قيل حصلت فيه عشرة حوادث عظيمة منها نجاة نبي الله موسى عليه السلام من فرعون، وفي الجامع الكافي: أن الله تعالى تاب على قوم يونس فيه.

ذكر ما ورد في سبب مشروعية صوم يوم عاشوراء كما تقرره مرويات أهل السنة والزيدية:

لما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وجد اليهود يصومون هذا اليوم لأنه يومٌ نجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من فرعون فصامه موسى شكراً لله تعالى، فصامه النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقتداءً بموسى عليه السلام.

ففي الجامع الكافي في فقه الزيدية (ج 1 / ص 471) قال : وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة واليهود يصومون عاشوراء فقال: ما هذا ؟ قالوا: أنجا الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « أنا أولى بموسى منكم فصامه وأمر أصحابه أن يصوموه ».

ثم أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن يخالف اليهود فأضاف إلى صوم يوم العاشر صوم التاسع أيضاً، قال الإمام أحمد بن سليمان الزيدي في أصول الأحكام (1 / 195) : وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه فقيل: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « فإذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع ».

الإجماع على فضل واستحباب صوم عاشوراء:

روى الإمام مسلم في صحيحه، والمرشد بالله في الأمالي الشجرية ( 2/270 ) عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم عاشوراء ، فقال: « إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله ».

وروى الإمام أحمد بن سليمان الزيدي في أصول الأحكام (1 / 195) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « ليس ليوم على يوم فضل إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء ».

والقول باستحباب صوم عاشوراء هو مذهب فقهاء الأمة ومذهب العترة عليهم السلام جميعاً، ذكر ذلك الإمام أحمد بن يحيى المرتضى في البحر الزخار (5 / 278).

وفي أمالي الإمام أحمد بن عيسى (1 / 326) عن أبي بشير قال: سمعت علياً عليه السلام استسقى، وأمر الناس بصوم يوم عاشوراء ».

وقال الإمام الهادي يحيى بن الحسين في كتابه الأحكام في الحلال والحرام (1 / 240): لا بأس بصيام يوم عاشوراء وصيامه حسن .

ولم يخالف في هذا إلا بعض الإمامية مع أنه قد ورد الحث على صيامه في كتبهم المعتمدة:

( فمن ذلك ما في تهذيب الأحكام ( 4/ 300)، والاستبصار ( 2/134)، وجامع أحاديث الشيعة ( 9/475): عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال: « صام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم عاشوراء » .

وفي الوافي (7/13)، ووسائل الشيعة ( 7/ 337 ) عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر عليهما السلام أنه قال: «صيام يوم عاشوراء كفارة سنة».

وقد اعترف بذلك بعض علماء الشيعة، فأكّد الشيخ الحاج السيد محمد رضا الحسيني الحائري أن صوم عاشوراء ورد بأسانيد معتبرة، في حين جاءت الروايات الناهية عن صومه بأسانيد ضعيفة ، وذلك في كتابه تجاه الأمة في إقامة العزاء على الحسين والأئمة، ص145- 148.
وقال شيخ فقهاء الشيعة محمد النجفي في جواهر الكلام ( 17/108 ): وعلى كل حال فلا ريب في جواز صومه ) . منقول بتصرف من مقال للدكتور : وليد الطبطائي.


قلتُ: وقد قرر الخوئي من الإمامية عدم ثبوت كراهة صوم هذا ليوم فضلاً عن حرمته، وجعل الأقوى هو استحباب صومه .
كتاب الصوم - السيد الشيعي الإثني عشري الخوئي - ج 2 - شرح ص 305 - 308

يتبع ....

ابن الوزير
05 Jan 2009, 12:26 PM
شبهات المانعين من صوم يوم عاشوراء:

الشبهة الأولى: أن استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنه كان في يوم عاشوراء فينبغي الحزن عليه لا الصوم.

والجواب: أن هذا صحيح غير أن الصوم تقرباً لله تعالى وشكراً له على نجاة موسى عليه السلام، لا يتنافى مع الحزن على الإمام الحسين رضي الله عنه، بل الصوم أقرب إلى الحزن من الإفطار، فقد يجتمع للمسلم ما يوجب الشكر والحزن معاً، كاجتماع ولادة النبي ووفاته في يوم الاثنين، ونصر المسلمين في بدر وقتل الإمام علي في السابع عشر من رمضان.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: في رسالة حقوق أهل البيت ص 22، 23: ولكن الــذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام يوم عاشوراء ، وأمر بصيامه ... وقرر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله أنجى فيه موسى وقومه ، وأغرق فرعون وقومه ، وروي أنه كان فيه حوادث الأمم .. فمن كرامة الحسين أن الله جعل استشهاده فيه. وقد يجمع الله في الوقت شخصا أو نوعا من النعمة التي توجب شكراً ، أو المحنة التي توجب صبراً، كما أن سابع عشر شهر رمضان فيه كانت وقعة بدر، وفيه كان مقتل علي .. وأبلغ من ذلك: أن يوم الاثنين في ربيع الأول مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه هجرته ، وفيه وفاته .. والعبد المؤمن يبتلى بالحسنات التي تسره ، والسيئات التي تسوءه في الوقت الواحد ، ليكون صباراً، شكوراً، فكيف إذا وقع مثل ذلك في وقتين متعددين من نوع واحد .انتهى.

وقال الإمام أحمد بن سليمان الزيدي في أصول الأحكام: صيام يوم عاشوراء مستحب وهو عاشر المحرم، وذهب بعض الإمامية إلى أنه يكره صيامه لأن الحسين بن علي عليهما السلام قتل يوم عاشوراء . ولا اعتماد بذلك لأن الصيام لا يمنع الحزن، والإفطار أقرب إلى السرور من الصيام، على أن قتله كان بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يجوز أن يتغير بعده حكم الشرع. انتهى.

الشبهة الثانية: أن روايات صوم عاشوراء من اختلاق النواصب.

والجواب: أن روايات صوم عاشوراء متواترة، أجمعت على روايتها جميع المذاهب الإسلامية حتى كتب الشيعة الإمامية أنفسهم كما تقدّم، وصحّحها وقبلها جميع فقهاء الأمة وأهل الحديث وأئمة أهل البيت، فهل كل هؤلاء نواصب، أم هل كل هؤلاء انطلت عليهم حيلة النواصب المزعومة؟!

والصواب الموافق للنقل التاريخي والموافق للعقل، أن الذي حصل من النواصب إنما هو اتخاذ هذا اليوم عيداً يغتسلون فيه ويكتحلون للفرح والسرور بمقتل الحسين رضي الله عنه واستشفاءً بمصائب آل البيت عليهم السلام، لا أنهم كانوا يصومونه..

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة حقوق أهل البيت ص 23: ويستحب صوم التاسع والعاشر، ولا يستحب الكحل، والذين يصنعونه من الكحل من أهل الدين لا يقصدون به مناصبة أهل البيت، وإن كانوا مخطئين في فعلهم ، ومن قصد منهم أهل البيت بذلك أو غيره، أو فرح، أو استشفى بمصائبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .انتهى.
وبهذا تعلم أن أهل السنة والجماعة والزيدية وعامة المسلمين الذين يصومون يوم عاشوراء برآء من مقاصد النواصب، واعلم أيضاً أن هؤلاء النواصب الذين يستشفون بمقتل الحسين رضي الله عنه قد أفناهم الله تعالى، ولم يعد لهم وجودٌ مطلقاً ولله الحمد..

القاسم
05 Jan 2009, 08:29 PM
شكر الله لك أخي ابن الوزير على هذا الجمع الموثق الشامل
كما أرى أن يثبت هذا الموضوع في أعلا ولو في هذه الأيام حتى يعم به النفع أكثر، وهذا مني مجرد مقترح أطلب به الأجر من الله فإن الدال على الخير كفاعله.

نيران صديقة
06 Jan 2009, 09:10 AM
جزاك الله خيراً يا أخي ابن الوزير وبارك الله في جهودك..

الحقيقة
06 Jan 2009, 09:19 AM
جزا الله خيراً أخي ابن الوزير فقد أفدت في هذا الموضوع كثيييييييييييييييييييييييييييراً.

ولي إضافة عارضة.

ما يرسل في الجوالات للناس بأن يصام التاسع والعشر لأجل إخواننا المظلومين في غزة.
ولي ملاحظة على ذلك قابلة للرد .
وهو أنه لم يرد في السنة المطهرة ولا فعل الصحابة بأنه إذا نُكب قوم، أو حلت بهم النوازل بأن يصام لأجلهم، صحيح بأننا نحزن لأجلهم، ونتأسف لما وقع بهم، ولكن الأصل وهو الذي جاء في الشرع، ا إذا حلَّ بقوم بلاء، بأن ندعوا لهم، ونعينهم بأنفسنا وأموالنا... وهذا هو الأصل في شرعنا الحنيف.
لا أن يخصص صوم يوم لأجل مأساة وقعت في الأمة، وإلا فالمآسي والآلام والجراحات وقعت في هذه الأمة، حتى في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصام لهذه الأحداث.
ملخص الكلام.
لايفهم كلامي خطأ في عدم التأسف لما وقع لأخوانناالأعزاء في غزة ، ولكن دين الله أولى من أي شيء.
والله أعلم.

ابن الوزير
06 Jan 2009, 12:13 PM
جزاك الله خيراً يا أخي ابن الوزير وبارك الله في جهودك..

وفيكم بارك الله .

ابن الوزير
06 Jan 2009, 12:17 PM
شكر الله لك أخي ابن الوزير على هذا الجمع الموثق الشامل
كما أرى أن يثبت هذا الموضوع في أعلا ولو في هذه الأيام حتى يعم به النفع أكثر، وهذا مني مجرد مقترح أطلب به الأجر من الله فإن الدال على الخير كفاعله.

أشكركم أستاذي القاسم لمروركم وثنائكم على المقال، جزاكم الله خيراً.

وأرى أن وضع المقال جاء في وقتٍ متأخرٍ وسنعمل على رفعه في الصفحة الأولى كلما نزل حتى يتستفيد منه الإخوة القراءة.

ابن الوزير
06 Jan 2009, 12:22 PM
جزا الله خيراً أخي ابن الوزير فقد أفدت في هذا الموضوع كثيييييييييييييييييييييييييييراً.
ولي إضافة عارضة.
ما يرسل في الجوالات للناس بأن يصام التاسع والعشر لأجل إخواننا المظلومين في غزة.
ولي ملاحظة على ذلك قابلة للرد .
وهو أنه لم يرد في السنة المطهرة ولا فعل الصحابة بأنه إذا نُكب قوم، أو حلت بهم النوازل بأن يصام لأجلهم، صحيح بأننا نحزن لأجلهم، ونتأسف لما وقع بهم، ولكن الأصل وهو الذي جاء في الشرع، ا إذا حلَّ بقوم بلاء، بأن ندعوا لهم، ونعينهم بأنفسنا وأموالنا... وهذا هو الأصل في شرعنا الحنيف.
لا أن يخصص صوم يوم لأجل مأساة وقعت في الأمة، وإلا فالمآسي والآلام والجراحات وقعت في هذه الأمة، حتى في عهد النبوة والخلافة الراشدة، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصام لهذه الأحداث.
ملخص الكلام.
لايفهم كلامي خطأ في عدم التأسف لما وقع لأخوانناالأعزاء في غزة ، ولكن دين الله أولى من أي شيء.
والله أعلم.

أخي الكريم:

لا أرى غضاضة في الحث على التوسل إلى الله تعالى بعمل صالحٍ صوم أو غيره لأجل نصرة أهل غزة كان الله في عونهم، لكن لا يقيّد بوقتٍ أو صفةٍ يلتزم بها الناس، فإن ذلك يدخل في باب البدع.

والله أعلم.

الأسيف
07 Jan 2009, 09:34 AM
مشكووووووووور أخي ابن الوزير
يعطيك العافية ويبارك الله فيك.

الشريف الحسني
07 Jan 2009, 06:40 PM
اشكر مشرفنا ابن الوزير على هذا الموضوع المناسب
العجيب ان هنا ممن يدعون
انهم زيدية !
يحرمون صيام هذا اليوم
وحال محققي الامامية في التراجع عن تحريم صيام مثل هذا اليوم

فسبحان الله من هؤلاء خالفوا جميع ابائهم
ومالوا الى اراء قرقة
محققيها تراجعوا عنها
قلا حول ولا قوة الا بالله
الله يهديهم

محب محمد وال بيته
07 Jan 2009, 07:17 PM
االسلام عليكم و رحمة الله و بركاته

اخي الشريف الحسني الزيدية لا يحرمون الصيام
حتى الموجودون الان بل يحثون على ذلك و انا من احد الاسر الزيدية و قريتي زيدية و هم يتعهادون صيام هذا اليوم

حتى الاخوة المطلعين على المذهب الزيدي يحثون على صيامه و ذهب و انظر في مجالس ال محمد عليهم السلام كيف رحبوا بنقولات الاخ نيران صديقة
حول هذا الموضوع

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

الشريف الحسني
07 Jan 2009, 08:05 PM
االسلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اخي الشريف الحسني الزيدية لا يحرمون الصيام
حتى الموجودون الان بل يحثون على ذلك و انا من احد الاسر الزيدية و قريتي زيدية و هم يتعهادون صيام هذا اليوم
حتى الاخوة المطلعين على المذهب الزيدي يحثون على صيامه و ذهب و انظر في مجالس ال محمد عليهم السلام كيف رحبوا بنقولات الاخ نيران صديقة
حول هذا الموضوع
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

انا اعلم حال الزيدية صدق ماقلتم سيدي العزيز محب محمد وال بيته
بدون اطلاع على اي شيء لاني حالي مثل حالك من اسرة زيدية
الا ان الذي حدث حقيقة ان بعض اقرابائي لهم هذه النظرة في تحريم صيام مثل هذا اليوم
وحاشا لله اني اتهم الزيدية بتحريم مثل هذا
اي صيامة الا ان هذا
ما حدث فأحببت التنبيه عليه
والسلام عليكم ولرحمة الله وبركاته
اشكرك حبيبنا على هذا التنبيه

نيران صديقة
08 Jan 2009, 08:23 AM
أخي العزيز محب محمد و آل بيته

كانت صحيفة البلاغ نشرت مقالاً للجنيد السنة الماضية عن عاشوراء، لعب فيه بالأحاديث لعب واستنكرها وسخر من الذين يحثون على صوم عاشوراء، وحينها أعد الأخ أسامة موضوع يثبت فيه أن الزيدية يقولون بالصوم،
وناقشنا الزيدية وكانوا معجبين بأسلوب الجنيد ويطالبونا بالرد على الإشكالات التي وردت في حديث ابن عباس في الصوم.
واليوم اكتشفنا أن نفس الحديث موجود في الجامع الكافي في فقه الزيدية.

كان المفروض أن لا يسمحوا للجنيد بتلك الكتابة، أو على الأقل يردوا عليه لأن الرد عليه يهمهم كما يهمنا.

ومثل ما قال أستاذي الشريف الحسني، هناك أفراد من الزيدية تأثروا بكلام الإمامية في عاشوراء، ويستنكروا الصوم، ويظنوا أن أهل السنة هم بس الذين يصومون.
لكن أنا متأكد أنهم لو علموا بأن الزيدية متفقين مع السنة يمكن يتراجعوا..

نيران صديقة
08 Jan 2009, 09:30 PM
أخي ابن الوزير

هذا بحث لأحد الزيدية في صوم عاشوراء نرجو النظر فيه

صيام يوم عاشوراء .. بين الإفراط والتفريط



بسم الله الرحمن الرحيم

وجدنا في الآونه الأخيرة تناول البعض لموضوع صيام يوم عاشوراء ، حيث تناولته جماعةٌ بشكل مضاد لما تناولته جماعةٌ أخرى .
وانحرفت عملية البحث في هذه المسألة عند الجماعتين إلى حالة أشبه بمحاولة حب الإنتصار على الآخر ، ودحض حجته ! بدلاً من تناول المسألة من ناحية علمية محايدة .

وفي محاولة منّا لبحث المسألة بلا إفراطٍ ولا تفريط
نضع بين يدي القارئ الكريم ، هذا البحث المختصر
راجين من الله عزوجل ، أن يوفق الجميع إلى الخير والصواب
أنه كريمٌ مجيبٌ وهّاب .


-----
مقدمة من الواقع المعاش :-

منذ سنوات الصبا الأولى من عمري - من سن العاشرة تقريباً - وأنا أسمع خطباء المساجد والوعاظ في التلفاز ، يحثون المسلمين دائماً على صيام يوم عاشوراء .
ذاكرين قصة سبب الحث على صيام يوم عاشوراء ، بتلك التي لا زالوا يرددونها حتى اليوم ، من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجد اليهود في المدينة يصومونه ، فسألهم عن سبب صيامهم ، فقالوا أنه يومٌ نجى الله تعالى به سيدنا موسى صلوات الله عليه من فرعون وجنوده ... الخ القصة !

وخلال قيامي البحث عن سبب المشروعية ومدى صحة تلك القصة ، وجدت أن سبب مشروعية صيام يوم عاشوراء مُختلفٌ فيه على عدة آراء !
فبينما هناك آراء منطقية ، وعلل أكثر قبولاً ، إلا أن تلك القصة التي تردد دائماً تمثل الرأي السخيف من بين الآراء المختلفة .

فيا ترى ؟
هل التركيز على تلك القصة السخيفة ، وتجاهل باقي الآراء .. مقصودٌ من البعض !؟
الجواب عليكم إستنتاجه من طيات ما سوف نعرضه في هذا البحث .



***
تحليل ونقض القصة المتداولة لسبب مشروعية صيام عاشوراء :

1_ المتن الوارد في كتاب "صحيح البخاري" :
(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ مَا هَذَا ، قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى ، قَالَ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ )) . إنتهى

2_ متن متعلق بالمتن الأول في كتاب "صحيح البخاري" :
(( عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَصُومُوهُ أَنْتُمْ )) . إنتهى

3_ متن ثالث في كتاب "صحيح البخاري" :
(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا يَعْنِي عَاشُورَاءَ ، فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ ، فَقَالَ أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ )) . إنتهى

4_ متن رابع في كتاب "صحيح البخاري" :
(( عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ، دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَإِذَا أُنَاسٌ مِنْ الْيَهُودِ يُعَظِّمُونَ عَاشُورَاءَ وَيَصُومُونَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْنُ أَحَقُّ بِصَوْمِهِ ، فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ )) . انتهى

5_ متن خامس في كتاب "صحيح البخاري" :
(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ ، لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ ، فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالُوا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ )) . إنتهى

6_ متن وارد في كتاب "صحيح مسلم" :-
(( حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي إِسْمَعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُا ، حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ ، قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) . انتهى

---
أكتفي بالروايات السابقة ،، ولنرى تعارضها وسخفها :

1_ الرويات تقول أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرع صيام يوم عاشوراء في السنة الأولى للهجرة أو الثانية للهجرة على أبعد إحتمال ، كون الروايات تربط مشروعية الصيام بما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قدومه للمدينة ، من صيام اليهود له ، وفي هذه الروايات ليس هناك ذكر لصيام يوم التاسع مخالفةً لليهود !

2_ الرواية الأخيرة التي نقلناها من كتاب"صحيح مسلم" ، تقول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرع صيام يوم عاشوراء في السنة الحادية عشرة للهجرة ، أي سنة وفاته صلوات الله عليه وآله ، لذلك توفي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يطبق ما أوصى به من صيام التاسع من شهر محرم مخالفةً لليهود حسب زعم المرددين للقصة السخيفة !

3_ أحد المتون المتعلق بالقصة تقول أن اليهود كانوا يتخذون من يوم عاشوراء يوم عيد !

نجد مما سبق أن القصة يعارض بعضها بعضاً ، كما لا يجتمع صيام اليهود ليوم عاشوراء واتخاذهم له عيداً !!


***
الأسباب والآراء الأخرى في مشروعية صيام يوم عاشوراء :

والآن لنرى الآراء الأخرى في سبب مشروعية صيام يوم عاشوراء ، والتي يخفيها أو يتجاهل طرحها المرددون للقصة السخيفة السابقة ، أثناء حثهم المسلمين على الصيام .

الرأي الأول : أن يوم عاشوراء كان يوماً تصومه قريش في الجاهلية :
والرويات التي ذكرت هذا الرأي نجدها كما يلي :-
1_ من كتاب "صحيح البخاري" : ((عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ )) . انتهى

2_ من كتاب "صحيح البخاري" : ((عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ عَاشُورَاءُ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ قَالَ مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَصُمْهُ )) . انتهى

3_ من كتاب "صحيح البخاري" : ((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبَةُ فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَلْيَتْرُكْهُ )) . انتهى

نلاحظ في هذه الروايات ما يلي :
أ / أن يوم عاشوراء كان تصومه قريش في الجاهلية ، وصيام قريش له متعلق بالكعبة وسترها بالكسوة . وهذا الرأي منطقي ، فمن ناحية إرتباطه بالكعبة المشرفة وتعظيمها ، وقبول هذا الرأي مبني على أن ممارسات قريش المرتبطة بالكعبة وتعظيمها هو من دين الحنيفية كما هو الحال في مسألة طواف قريش حول الكعبة .

ب / هذا الرأي يسقط تخصيص سبب مشروعية الصيام بالقصة السخيفة المرتبطة باليهود .

ج / نجد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك الحرية للمسلمين بصيام هذا اليوم أو عدم صيامه ، بعد أن فرض الله صيام شهر رمضان .
وبالتالي فلا داعي لكثرة الحث على صيام هذا اليوم كما يفعل خطباء ووعاظ هذا العصر الذين صاروا كما يقال في المثل ( ملكيين أكثر من الملك ) !


الرأي الثاني : أن صيام يوم عاشوراء كان فريضة من الله تعالى ، ونُسخ بصيام شهر رمضان :

هذا الرأي موجودة في غالب كتب الفقه عن أئمة أهل البيت (ع) كالبحر الزخار والإنتصار وشرح الأزهار وشفاء الأوام وشرح التجريد .
وقد قالت أم المؤمنين السيدة عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (إن صوم يوم عاشوراء نُسخ بصوم شهر رمضان ) .
وقد قال أئمتنا (ع) أن صيام شهر رمضان نَسخ وجوب صيام عاشوراء ، وبقي جواز صيام عاشوراء لا وجوبه .


*****
إرتباط عاشوراء بالكعبة .. وعلاقة ذلك بإستشهاد الإمام الحسين (ع) :

والآن لنتأمل سوياً ..
قال تعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) .
أليس شهر محرم من الأشهر الحُرم ؟
أليست الأشهر الحُرم مرتبطة بالكعبة بيت الله الحرام ؟
أليس بيت الله الحرام قد أوجب الله علينا تعظيم حرمته ؟

وعليه فإن صيام يوم عاشوراء مرتبط بتعظيم حرمات الله عزوجل
ودم المسلم من حرمات الله تعالى
فما بالكم بالدماء الزكية لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .


****
صحابة لم يصوموا عاشوراء :

1_ عبدالله بن مسعود رصوان الله عليه ، يفطر يوم عاشوراء :
((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ دَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَتَغَدَّى فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ادْنُ إِلَى الْغَدَاءِ فَقَالَ أَوَلَيْسَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ قَالَ وَهَلْ تَدْرِي مَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إِنَّمَا هُوَ يَوْمٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَلَمَّا نَزَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ تُرِكَ )) . انتهى ، نقلاً من كتاب "صحيح مسلم" .

2_ الإمام الحسين (ع) ومن معه من أهل بيته ، كانوا مفطرين يوم كربلاء الموافق ليوم عاشوراء . فكتب التاريخ تحكي أن جيش عبيده الله بن زياد منعهم من ماء الفرات أثناء المعركة .
وهذا شاهدٌ على أنهم لم يكونوا صائمين حينها .



****
الخلاصة :
من أراد صيام يوم عاشوراء ، فليصمه بنية تعظيم حرمات الله تعالى ، وبذلك لن يتعلق الصيام بالحزن أو الفرح والخلاف القائم حول ذلك .

ومن لم يشأ صيام هذا اليوم ، فلا حرج عليه ، ولا داعي لكثرة الجدال .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الشريف الحسني
08 Jan 2009, 09:45 PM
أخي العزيز محب محمد و آل بيته
كانت صحيفة البلاغ نشرت مقالاً للجنيد السنة الماضية عن عاشوراء، لعب فيه بالأحاديث لعب واستنكرها وسخر من الذين يحثون على صوم عاشوراء، وحينها أعد الأخ أسامة موضوع يثبت فيه أن الزيدية يقولون بالصوم،
وناقشنا الزيدية وكانوا معجبين بأسلوب الجنيد ويطالبونا بالرد على الإشكالات التي وردت في حديث ابن عباس في الصوم.
واليوم اكتشفنا أن نفس الحديث موجود في الجامع الكافي في فقه الزيدية.
كان المفروض أن لا يسمحوا للجنيد بتلك الكتابة، أو على الأقل يردوا عليه لأن الرد عليه يهمهم كما يهمنا.
ومثل ما قال أستاذي الشريف الحسني، هناك أفراد من الزيدية تأثروا بكلام الإمامية في عاشوراء، ويستنكروا الصوم، ويظنوا أن أهل السنة هم بس الذين يصومون.
لكن أنا متأكد أنهم لو علموا بأن الزيدية متفقين مع السنة يمكن يتراجعوا..
اشكرك استاذي على هذا التبيين
الا انك من تقصد بالجنيد
العم ام ابن اخوه
وشكرااً

ابن الوزير
10 Jan 2009, 10:29 AM
بالنسبة لبحث الأخ الزيدي حول صيام عاشوراء، فكثيرٌ من نقاط بحثه يمكن أن يُردّ عليها من خلال المقال السابق الذي كتبناه، لكننا سنعيد الكلام عن الجميع لتنجلي شبهات الأخ، وتتضح حقيقة الأمر.

أولاً: ادعى الكاتب أن بحثه هذا هو بين الإفراط والتفريط، ويمكننا أن نستخلص من بحثه أن الإفراط هو حث الناس على صوم عاشوراء في الخطب والمحاضرات وشدة التركيز على هذا الأمر، ونسبة سبب مشروعيته إلى القصة التي تحكي نجاة موسى عليه السلام في عاشوراء، وتعظيم اليهود لذلك، والتي وصفها بالسخيفة، ووصف القول بها بالرأي السخيف.. في حين أن التفريط هو النهي عن صوم هذا اليوم.

وعند النظر في النتيجة التي توصّل إليها بحثه الذي ادعى أنها ناتجة عن نظرة علمية محايدة قرّر أن يصام عاشوراء تعظيماً للحرمات لا للفرح أو الحزن لمن شاء، وأن لا داعي لكثرة الجدال فيمن لم يشأ أن يصوم، وهو بهذا يصوّر القائلين بالصوم والحاثين عليه كالموجبين له على الناس، مع أن الحقيقة أنه لا يوجبه أحد، وليس القائلون بصومة يعتبون على التاركين له، وإنما عتبهم وكلامهم مع المحرّمين لصومه.

ويلاحظ أن الباحث مع ادعائه الوقوف بين الإفراط والتفريط، والمحايدة في البحث، لم يوجّه قلمه إلى أهل التفريط ( الإمامية الاثني عشرية )، ولم ينبس ببنت شفه تجاه موقفهم الغريب من تحريم صوم عاشوراء، فأين الحياد وأين التوسط المدّعى؟!

ثانياً: وصف الكاتب القول بأن صوم عاشوراء قد شُرع شكراً لله تعالى على نجاة موسى عليه السلام، وأن اليهود كانوا يصومونه ويعظمونه بالسخيف، وكرّر ذلك، ولكي يجعل هذا السخف مختصاً بأهل السنة فقط حاول أن يوهم أن أئمة الزيدية لا يقولون به، وادعى ذلك عليهم إما جهلاً منه وإما تدليساً، حيث سنبين للجميع أن علماء الزيدية قد ذكروا هذه القصة بلا نكيرٍ ورووها في كتبهم بلا تسخيف، غير أنني أحب أنبّه القارئ الكريم إلى أن صوم عاشوراء مرّ بمراحل عديدة في العهد النبوي، فقد كان رسول الله (ص) يصومه قبل مقدمه المدينة، ولما قدم المدينة ووجد اليهود يصومونه أمر بصيامه، ولما شرع رمضان نسخ وجوبه وأبقى ندبيته واستحبابه، فحين يذكر أحد العلماء شيئاً من أسباب مشروعية صيام عاشوراء لا يعني أن ينفي ما سواه، إذ لعله اقتصر على ما يدل على المطلوب ويبين حاصل الحكم، ولم يرد استيفاء الكلام التاريخي عنه.. كما سنوضحه لاحقاً، فكن من هذا على ذكر.

ثالثاً: والآن لنا أن نسرد أقوال علماء الزيدية في القصة التي وصفها الكاتب بالسخيفة، والرأي السخيف لنجعله بين مضيق الاعتراف بالخطأ والرجوع عنه أو القبول بوصف علماء الزيدية بالسخف..

يتبع....

ابن الوزير
10 Jan 2009, 10:39 AM
نبتدأ في سرد كلام علماء الزيدية بمن أوهم الكاتب أنهم لا يقولون بالقصة السخيفة في نظره مع التنبيه إلى ما سبق في مراحل صوم عاشوراء، وأن قولهم بشيءٍ مما ورد لا يعني نفي الآخر، وأكبر ما يدل عليه ما سنثبته من أنهم جمعوا بين الأمرين في كلامهم ولم يستنكروا ما استنكره صاحبنا..

يقول:
الرأي الثاني : أن صيام يوم عاشوراء كان فريضة من الله تعالى ، ونُسخ بصيام شهر رمضان :
هذا الرأي موجودة في غالب كتب الفقه عن أئمة أهل البيت (ع) كالبحر الزخار والإنتصار وشرح الأزهار وشفاء الأوام وشرح التجريد .

- البحر الزخار والانتصار:

ففي البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء (ج 5 / ص 278):
الْمُسْتَحَبُّ الْعَاشِرُ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ إذْ صَامُوا لِأَجْلِ نَجَاةِ مُوسَى مِنْ عَدُوِّهِ فِيهِ { إنَّا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ } ( ع ) قَالَ " صُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ " الْخَبَرَ وَنَحْوَهُ .
قُلْنَا : ذَلِكَ أَفْضَلُ ، فَالْعَاشِرُ لِلْفَضْلِ فِيهِ ، وَالتَّاسِعُ لِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ.

وكتابه هذا هو اختصارٌ للانتصار للإمام يحيى بن حمزة.

- شرح الأزهار:

حيث جاء فيه (ج 2 / ص 55):
يوم (عاشوراء) يندب صومه وهو يوم عاشر شهر محرم.
قال في الشرح: قال وما روي انه صلى الله عليه وآله لما صام العاشر وأمر بصيامه قيل له ان هذا اليوم يعظمه اليهود والنصارى ويقولون ان الله أظهر فيه موسى على فرعون فقال صلى الله عليه وآله إذا كان العام القابل صمنا التاسع فلم يأت العام القابل حتى توفي الرسول صلى الله عليه وآله. فذلك محمول على ضم التاسع إلى العاشر.

- شرح التجريد:

فقد ذكر في ( 2/256)، إجماع آل البيت على أنه العاشر من محرم، وذكر ضم التاسع إليه، واستدل بما رواه أبو داوود وذكر القصة.

- شفاء الأوام:

فقد ذكر في (1 / 667) نحواً مما في شرح التجريد وذكر القصة نفسها مستدلا ًبها.

فانظر أخي القارئ كيف أن جميع من أوهم أن قولهم بخلاف الرأي السخيف في نظره قد قالوا بذلك القول، واستدلوا بالقصة ولم ينكرونها كفعله..!!

ونحن هنا نضيف زيادةً في الاطمئنان نقولات غيرهم من أئمة الزيدية:

- الجامع الكافي:

ففي الجامع الكافي في فقه الزيدية (ج 1 / ص 471) قال : وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة واليهود يصومون عاشوراء فقال: ما هذا ؟ قالوا: أنجا الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « أنا أولى بموسى منكم فصامه وأمر أصحابه أن يصوموه ».

- الإمام عبد الله بن حمزة:

ففي المهذب في فتاوى الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه (ج 1 / ص 63) قال:
وفي الشرع الشريف ترك سير المخالفين وإن كان جنس الطاعة، كما روينا عن النبي - صلى الله عليه وآله - أنه لما قيل إن اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((إن عشنا إن شاء الله صمنا اليوم التاسع في العام القابل)).

- الإمام أحمد بن سليمان:

فقد روى في أصول الأحكام (ج 1 / ص 195): خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه فقيل: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (( فإذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع )).

- المرشد بالله في الأمالي:

ففي أمالي المرشد بالله الشجرية (ج 2 / ص 303):
(وبالإسناد)ـ المتقدم إلى القاضي الأجل أبي العباس أحمد بن أبي الحسن الكني أسعده الله تعالى ...إلى قوله عن ابن عباس، ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاشوراء وقيل إنَّه يوم تصومه اليهود وتعظمه، فقال رسول الله: إن عشنا خالفناهم وصمنا اليوم التاسع، قال: وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك.

يتبع الكلام عن شبهات الكاتب حول القصة وتفنيدها..

مجنون بعقله
10 Jan 2009, 02:10 PM
حديث في كتب السنة والزيدية من قبل أربعتشر قرن
لا انكره عاقل ولا استخف به مجنون
يجي ابن اليوم يقول انه حديث سخيف
على العقول السلام

رضي الله عنك يا ابن الوزير
ومجنون بعقله ولا عاقل مجنون.

ابو حسان
11 Jan 2009, 12:49 AM
موفق بإذن الله ...و ننتظر البقية

الباحث عن الحقيقة
11 Jan 2009, 05:36 AM
جزاك الله الف خير

ابن الوزير
11 Jan 2009, 09:27 AM
الإخوة الكرام الأحبة ( مجنون بعقله، أبو حسان، الباحث عن الحقيقة ) لكم جزيل الشكر والتقدير لمروركم الكريم.. تقبلوا تحياتي.

تكملة الرد:
بعد أن ذكرنا ما يشبه الاتفاق بين أهل السنة والزيدية على إيراد قصة صوم عاشوراء ونجاة موسى عليه السلام في هذا اليوم، وأن ذلك أحد أسباب مشروعية صوم عاشوراء، وأنه لا يتنافى مع الأسباب الأخرى لانفكاك الزمن في صيامه . أو لجواز توارد مشروعيته على أكثر من سبب كما سنبينه.
وحتى يكتمل الرد وتنجلي الشبهة نأتي على ما ذكره الأخ في بحثه تحت العنوان الذي خصصه لتحليل القصة ونقضها، فنقول وبالله التوفيق:

ابتداءً ، من أوّليات وأساسيات البحث العلمي المحايد أن يعمل صاحبه على تحسين الظنّ بالرواة والفقهاء فيبتعد قدر الإمكان عن تجهيلهم أو تسخيفهم خصوصاً مع عدم وجود سلف للباحث في نتيجته التي يرغم نفسه على التوصل إليها دون بذل الجهد في حلّ الإشكال والجمع بين النصوص ومراجعة أقوال العلماء في ذلك، بما يضمن عدم التجريح والتكذيب للرواة الثقات والأئمة والفقهاء.. وهو ما سنحاول فعله نحن بإذن الله تعالى .. وقد أعجبتني كلمة الأخ ( مجنون بعقله ) في هذا المعنى في تعليقه على النقاش فلتراجع..

يقول الأخ بعد إيراده لبعض متون صوم عاشوراء:
1_ الرويات تقول أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرع صيام يوم عاشوراء في السنة الأولى للهجرة أو الثانية للهجرة على أبعد إحتمال ، كون الروايات تربط مشروعية الصيام بما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قدومه للمدينة ، من صيام اليهود له ، وفي هذه الروايات ليس هناك ذكر لصيام يوم التاسع مخالفةً لليهود !

والجواب:
- لا يجب أن يكون ذلك على أبعد احتمال، إذ يجوز في هذه النصوص إرادة التوسع البعدي ونسبة الأمر إلى الدخول بمعنى حصول العلم بعد الدخول والقدوم إلى المدينة، كما تقول: قدمتُ مدينة كذا فرأيتهم يفعلون كذا وكذا وليس بلازمٍ أن يكون ذلك ساعة قدومك، ومثله ما في هذه الأحاديث، يجوز في معناها أن النبي (ص) علم أن اليهود يصومون عاشوراء بعد مقدمه المدينة، وهذا إنما هو لمنع بُعد الاحتمال الذي ادعاه الأخ، وإلا فالقرائن الأخرى تدل على أن الظاهر هو المراد فعلاً.

- أما عدم وجود الأمر بالمخالفة لليهود في البداية فليس فيه نكارة، بل لو فهم أخونا النكتةَ في ذلك لانحلّ له ركنٌ كبيرٌ من الإشكال حيث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بمخالفتهم، ثم بعد انتشار الإسلام وذهاب اليهود حرص النبي (ص) على مخالفتهم، وهذا هو سرّ عدم مخالفته لهم في عاشوراء ابتداءً ثم جنوحه إلى المخالفة في آخر حياته.

يقول الأخ:
2_ الرواية الأخيرة التي نقلناها من كتاب"صحيح مسلم" ، تقول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرع صيام يوم عاشوراء في السنة الحادية عشرة للهجرة ، أي سنة وفاته صلوات الله عليه وآله ، لذلك توفي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يطبق ما أوصى به من صيام التاسع من شهر محرم مخالفةً لليهود حسب زعم المرددين للقصة السخيفة !

والجواب:
أن رواية ابن عباس هنا ليست نصاً في المدّعى، بل هي محمولة على إرادة الإخبار بالحال على جهة الإجمال، لا إرادة تأريخ التشريع وذكر زمانه، كأنما يقول: لما كان رسول الله يصوم عاشوراء ويأمر بصيامه، وقد علم الصحابة أنه يخالف اليهود في عباداتهم ، وقد كانت اليهود تعظّم هذا اليوم، ورسول الله (ص) مأمورٌ بعد بمخالفتهم؛ استفسره الصحابة عن ذلك، فقال: لئن عشتُ إلى قابل....

ولا شكّ أن في ظاهر الرواية إشكال، إما أن يمكن حمله على الاختصار من بعض الرواة كما تقدم، أو اطراح هذا الظاهر لمخالفته النصوص الأخرى..

يقول الأخ :
3_ أحد المتون المتعلق بالقصة تقول أن اليهود كانوا يتخذون من يوم عاشوراء يوم عيد !
نجد مما سبق أن القصة يعارض بعضها بعضاً ، كما لا يجتمع صيام اليهود ليوم عاشوراء واتخاذهم له عيداً !!

الجواب:
أن ما ذكره هنا ليس فيه معارضة، فليس يبعد أن يكون اتخاذ اليهود له عيداً لا يمنع من صيامهم له، ويكون الراوي قد اختصر الحديث، كيف وقد وجدنا هذا الاحتمال صريحاً في نفس صحيح مسلم ومن طريق نفس الراوي أبي موسى، حيث روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ
كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصُومُوهُ أَنْتُمْ.

وهذا الحديث أورده مسلم بعد الحديث الذي ذكره الأخ مباشرة مما يدل على أن الحديث الأول ذكره مختصراً..!!

وبما ذكرناه من الجواب يتبين لنا أنه لا نكارة في هذه القصة ولله الحمد، وسوف نتبع هذا بالكلام عن وهم الأخ في جعله صوم عاشوراء في الجاهلية، أو فرضية صيامه ثم نسخه؛ آراءً أخرى في سبب مشروعية الصيام، ونبين الوجه في التشريع التأريخي لصوم هذا اليوم بما يجمع بين المرويات جميعها، ونعرّج في النهاية على محاولة الكاتب التزهيد في صوم عاشوراء والحثّ عليه، بما ينقض قوله هذا من كلام أئمة الزيدية أنفسهم وفعل الإمام علي رضي الله عنه وأبنائه من بعده ..


يتبع.....

ابن الوزير
12 Jan 2009, 09:23 AM
مع الكاتب في سبب مشروعية صيام عاشوراء

حاول الأخ أن يجعل في سبب مشروعية صيام عاشوراء عدة آراء، فرأيٌ يجعله متعلقاً بقصة نجاة موسى عليه السلام، وقد تقدم أنه يصفه بالرأي السخيف.
ورأيٌ يجعله متعلقاً بصوم قريشٍ له، والرأي الأخير أنه كان فريضةً ثم نُسخ برمضان.

ولنا معه في بحثه هذا وقفات:
الأولى: أن هذه ليست آراء متباينة كما توهّم الأخ، بل هي مرويات تحكي جوانب من تأريخ صوم عاشوراء في الإسلام، لا يمتنع الجمع بينها بحيث تعطي تلك المرويات صورة متكاملة عن مراحل صوم هذا اليوم وأحكامه التي مرّ بها.. ونحن ننقل بيانها هنا :

المرحلة الأولى:
صوم النبي صلى الله عليه وسلم لعاشوراء بمكة ، لكن لم يكن ليأمر أحدا بصيامه ، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنهـا أنها قالت : (( كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه فترك يوم عاشوراء ، فمن شاء صامه ومن شاء أفطره.((

المرحلة الثانية:
ما كان منه صلى الله عليه وسلم عند مجيئه إلى مدينته طيبة حيث صامه وأمر بصيامه وحث الناس على ذلك ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه قال : (( قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صُيَّاما يوم عاشوراء ، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم : ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ قالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه وأغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى عليه السلام شكرا ، فنحن نصومه ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : فنحن أحق وأولى بموسى عليه السلام منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه )).

المرحلة الثالثة:
ما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم لما فرض رمضان صياما فإن النبي صلى الله عليه وسلم أهمل الأمر بصيام عاشوراء وتأكيد ذلك ، ويدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه قال : (( صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك ذلك )) وجاء في الصحيحين أيضا من حديث معاوية : (( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم ، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر (( .

المرحلة الرابعة:
تشريع صيام عاشوراء ما وقع من عزمه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يضم إلى العاشر من محرم تاسوعاء، جاء ذلك عند مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنه ما وفيه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع )) فتلك مراحل أربع تتعلق بتشريع صيام عاشوراء ، تنقل التشريع عبرها. كما تدل عليه هذه الأحاديث.

الوقفة الثانية: أن الكاتب قد ادعى أن أئمة آل البيت والمذهب الزيدي يذهبون إلى الرأي الثالث في نظره، وهو أن عاشوراء كان فريضة نسخها صوم رمضان، وهذا باطل كما قدمنا النقل عن جميع من ذكرهم ، حيث أوردوا ما روي في قصة نجاة موسى عليه السلام في هذا اليوم من دون نكيرٍ، وليس ذكرهم لفرضية صيام عاشوراء ونسخ وجوبه برمضان إلا برهانٌ لما ذكرناه من عدم المنافاة بين سبب الصوم وبين حكمه، فسببه قبل الهجرة إلى المدينة، هو صيام قريش له يوم كسوة الكعبة، وحكمه آنذاك عدم الوجوب، وسببه بعد الهجرة إلى المدينة الاقتداء بنبي الله موسى عليه السلام حيث صام شكراً لله على نجاته وقومه، وحكمه يومئذٍ الوجوب على الصحيح، ثم نُسخ هذا الوجوب بتشريع الله تعالى صوم شهر رمضان.

الوقفة الثالثة: أن الكاتب حاول التزهيد من الحثّ على صيام هذا اليوم، واستدل بأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ترك الحرية للمسلمين بصيام هذا اليوم أو عدم صيامه ، بعد أن فرض الله صيام شهر رمضان ... ثم قال: وبالتالي فلا داعي لكثرة الحث على صيام هذا اليوم كما يفعل خطباء ووعاظ هذا العصر الذين صاروا كما يقال في المثل ( ملكيين أكثر من الملك ) ! وهذا سوء فهمٍ منه لمعنى ترك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الحرية للمسلمين في صومه، حيث أن هذا الترك والتخيير جاء بعد وجوب وفرضٍ، فحقه أن يكون ظاهره التسوية بين الأمرين، والتخيير المطلق بينهما حتى ينتفي الوجوب، غير أنه لا ينفي أن يكون صومه خيراً من تركه، لأن نسخ الوجوب معناه بقاء الندب والاستحباب، حيث أن الصوم عبادة، والعبادة لا تكون إلا واجبة أو مستحبة.
وتعبير بعض أئمة الزيدية وغيرهم بقولهم ( فبقي جوازه ) لا يعني أنه مباح لا يؤجر عليه فاعله ، بل أطلقوا الجواز في مقابلة الوجوب فقط، بقرينة أنهم حثّوا على صومه، وقد حكى المرتضى في البحر الزخار ندبية صومه عن العترة والفقهاء جميعاً، وحسّن صومه الإمام الهادي، وقال الإمام القاسم أن صومه حسن جميلٌ جاء فيه فضلٌ كبير، ونصّ على استحباب صومه الإمام أحمد بن سليمان كما قدمنا النقل عن هؤلاء جميعاً.

وأما ما يفعله الوعاظ والخطباء من الحثّ على صومه؛ فهو الحق لا نكارة فيه، فكيف لا يحثّون على ما ( حسن، ومندوب، ومستحب، وفيه فضلٌ كبير ) كما هي عبارات أئمة الزيدية..!!
بل لهم أسوةٌ حسنة بالإمام علي رضي الله عنه حيث كان يأمر بصيامه، كما في الأمالي لأحمد بن عيسى(1 / 326) عن أبي بشير قال: سمعت علياً عليه السلام استسقى، وأمر الناس بصوم يوم عاشوراء ».

ولا بأس أن أنقل هنا حديثاً واحداً مما رواه الزيدية في كتبهم في فضل صيام عاشوراء، وهو ما ذكره السيد العلامة حمود المؤيد في النور الأسنى الجامع لأحاديث الشفاء (1 / 300) قال:
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((من صام يوم عاشوراء كُتب له عبادةُ سنتين صيامها وقيامها، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب عشرة آلاف مَلَكٍ، ومن صام يوم عاشوراء أعطي ثواب عشرة آلاف شهيد، ومن صام يوم عاشوراء كتب له أجر أهل سبع سماوات...)) . أفلا يستحق مثل هذا الفضل الحث من الخطباء والوعاظ؟!

ولا يقال هنا : إن الفضائل هذه كانت قبل نسخ وجوب صومه، لأنه لا دليل على كونها كانت قبل نسخه، بل هي مطلقة، ولو افترضنا صحة ذلك، فإن النسخ إنما تناول الوجوب وإدخال الفضل فيه يحتاج إلى دليلٍ منفصلٍ، ولا دليل، وهذا الذي فهمه أئمة الزيدية حيث نصوا على استحباب صومه، وأن له فضلاً كبيراً ...الخ

الوقفة الرابعة: تحدّث الكاتب عن ارتباط عاشوراء بالكعبة واستشهاد الحسين رضي الله عنه، وجعل الجامع في ذلك هو تعظيم حرمات الله تعالى، ولعلّ مقصوده – والله أعلم – أن صوم عاشوراء بناءً على ما ورد في قصة نجاة موسى عليه السلام يتنافى مع هذا، وهذا – إن صحّ فهمي لكلامه – غير صحيح، حيث أن الاقتداء بالأنبياء عليهم السلام والصوم شكراً لله تعالى لنجاة موسى وقومه من تعظيم حرمات الله تعالى على جهة العموم.

ولا تنافي بين الشكر والحزن كما قدمنا، حيث يمكن للمؤمن أن يجمع بين الأمرين، كما يجمع المسلمون بين الفرح بمولد النبي (ص) وبين موته (ص) وهما في يوم واحدٍ على الأصح، وبين الفرح بانتصار المسلمين في غزوة بدر والحزن على مقتل الإمام علي رضي الله وكلاهما في يوم السابع عشر من رمضان..!!

الوقفة الخامسة: ذكر الكاتب أن بعض الصحابة لم يصوموا عاشوراء ( ابن مسعود، والحسين ) ونحن نقول: فيكون ماذا؟ الم تقرر ونحن نتفق معك على أن الصوم غير واجبٍ، وألسنا متفقين على أنه لا حرج على من ترك الصوم؟!

على أننا يمكننا القول: بأن ابن مسعود أراد أن صومه لم يعد واجباً كما كان.

ونقول: لعل الحسين رضي الله عنه لم يكن يرى من البرّ الصيام في السفر ( الفرض والنفل) أو نقول: إن دلالة طلبه للماء غير تامة على كونه مفطراً، فما المانع أنه كان صائماً فلما اشتدّ به العطش طلب الماء..؟!!

إلى هنا نكون قد استوفينا الرد على البحث المذكور حول صوم عاشوراء راجين أن نكون قد وفقنا للصواب...
والله تعالى أعلم.. والحمد لله رب العالمين.

الليث
13 Jan 2009, 11:42 AM
أحسن الله إليكم يا أستاذي ابن الوزير

هذا الرد كافي ووافي ، الحق فيه أبلج والباطل لجلج.

وكاتب البحث الزيدي هو المتوكل في مجالس آل محمد.

ما زال يقول أن صوم عاشوراء في قصة نجاة موسى قصة يهودية ؟؟؟؟!!!!!

عظيم جداً جداً، فهذه القصة اليهودية في كتب الزيدية ويرويها علماء الزيدية ولا ينكرونها

المتوكل حكم على كتب الزيدية بنفسه، بعد اليوم لا يأتينا زيدي يقول أن كتب أهل السنة فيها حشو، وفيها اسرائيليات ويهوديات..

لا ترموا بعد اليوم فبيوتكم صارت من زجاج بفعل أبنائكم من أمثال المتوكل.

ابن الوزير
17 Jan 2009, 07:56 PM
جزاك الله خيراً

ما الذي يدعو أخانا المتوكل إلى مثل هذه الأحكام الغريبة والشديدة؟

إن الحديث ولو لم يوجد في كتب الزيدية لكان يلزمه قبوله على مذهب الزيدية في القبول، لعدم مخالفته للقرآن ولا لإجماع العترة ولا للعقل.

أرجو ممن لديه معرّف في مجالس آل محمد أن ينقل ردنا إليه أو يطلعه عليه، فأنا على فأل كبيرٍ إن شاء الله تعالى أنه سيتراجع عن كلماته القاسية وأحكامه الشديدة على مثل هذا الحديث الصحيح .

العزة أو الموت
17 Jan 2009, 09:42 PM
في اعتقادي , الموضوع أعطي له أكبر من حجمه .

الذي يشتي يصوم يصوم و الذي يشتي يفطر يفطر , الوضع الذي احنا فيه يحتم علينا أن نتجاوز عن هكذا مسائل , اسكه لا قد احنا عنوبه لما افترضه الله علينا من عبادات و معاملات و اعتصام بحبله و نصرة بعضنا البعض قد احنا رجال , أما النوافل فهي بين العبد و ربه و محد له دخل بالثاني , و خلونا نركز على ما يجمعنا لا على ما يفرقنا , و صدقوني إن جوهر الإسلام ما بش عليه خلاف حتى مع الكفرة , أما الصلاة و الصيام و الحج و غيرها من العبادات فما هي إلا و سيلة لغاية الإسلام الكبرى من عدل و قسط و مساواة و نصرة المظلوم و الانتصار من الظالم و العزة و الكرامة للإسلام و المسلمين , فإذا لم تؤدي بنا هذه الوسائل إلى الغاية فلا حاجة لله لصلاتنا و صيامنا و قيامنا و هي فرائض ناهيك عن النوافل ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر ) و ( من لم تنهه صلاته عن فحشاء و منكر فلا صلاة له ).

و ما تسلط على هذه الأمة أراذلها إلا لانشغال فقهائها بقشور الدين و تركهم لبابه .

و لكم مني خالص التحية

ابن الوزير
18 Jan 2009, 09:15 AM
اسمح لي أخي الكريم أن لا أتفق معك في كون الغرض من هذا البحث في عاشوراء يُختزل في الصوم من عدمه، ولو كان الأمر كذلك لتوجّه ما قلتَه بشكلٍ كبير.

تكمن أهمية معالجة مثل هذه المسائل والحوار حولها لتثبيت مصادر الاستدلال، ودفع محاولات ردّ الأحاديث لمجرد توهّم النكارة، مما يفتح باب الطعن في السنة، والتشكيك في المسلّمات، وزرع الشكوك في الأحكام الشرعية.

وبإمكانك إلقاء نظرة بسيطة على كتب بعض العقلانيين المعاصرين الذين حاولوا الطعن في السنة، وكذّبوا أهل الحديث في ما أجمع عليه المسلمون قديماً دون نكير، وشككوا في مصداقيتهم حتى نشأت ناشئة بين المسلمين ترد السنة ككل، وتدعي الاعتماد على القرآن فقط.

ولذلك سأقوم إن شاء الله تعالى قريباً بذكر بعض المحاولات البائسة التي حاول بها بعض الشيعة الإمامية اليوم الطعن في كتب الحديث عند أهل السنة..

تقبل تحياتي.

اليمني2
28 Jan 2009, 11:46 PM
جزاك الله خيرا أستاذي ابن الوزير

لماذا لا نسمع رأي بقية الإخوة الزيدية في مقال صاحبهم وتهجمه على السنة والأحاديث النبوية؟

الفارس
29 Jan 2009, 08:18 AM
جزاك الله خيراً أخي ابن الوزير على هذه الحجج الدامغة ونحن بانتظار ذكر محاولات الشيعة االإمامية في الطعن في كتب الحديث

مجنون بعقله
30 Jan 2009, 11:56 AM
جزاك الله خيرا أستاذي ابن الوزير

لماذا لا نسمع رأي بقية الإخوة الزيدية في مقال صاحبهم وتهجمه على السنة والأحاديث النبوية؟



معك على الخط..

أمير
03 Feb 2009, 08:13 AM
جزاك الله خيراَ أخي ابن الوزير وبارك في علمك ووفقنا الله وإياك لكل خير

الناقل
16 Feb 2009, 02:42 AM
بحث قيم و رائع
جزاك الله خيرا
هناك أيضا بعض المداخلات الطيبة و المثرية

المعتمد في التاريخ
21 May 2009, 08:36 AM
البداية والنهاية
(ج/ص: 8/221)
"وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون، ويتطيبون، ويلبسون أفخر ثيابهم، ويتخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة، ويظهرون السرور والفرح، يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم."

إذا كان يزيد ليس له يد في مقتل الحسين سلام الله عليه فمن سن هذا العيد لهم.؟؟؟

ابن الوزير
25 Dec 2009, 02:13 PM
للرفع .. بمناسبة عاشوراء

اليمني2
26 Dec 2009, 06:09 PM
بورك فيك أستاذي ابن الوزير على هذا الموضوع القديم الجديد الكبير المفيد
تحياتي لك.

ابن الوزير
28 Dec 2009, 05:37 PM
وفيك بارك الله أخي اليمني ..

هذا رابط للفائدة الناقصة المذكورة في صلب البحث عن الخوئي ورأيه في أحاديث عاشوراء ..
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]

الليث
09 Dec 2010, 08:04 PM
للرفع بمناسبة اقتراب عاشوراء

جوال اليمن
13 Dec 2010, 10:00 AM
بارك الله في الأستاذ ابن الوزير

مواضيع مفيدة وكافية مغنية جزاك الله خيراً

ابو المعالي
13 Dec 2010, 10:18 AM
من أراد صيام يوم عاشوراء ، فليصمه بنية تعظيم حرمات الله تعالى ، وبذلك لن يتعلق الصيام بالحزن أو الفرح والخلاف القائم حول ذلك .

ومن لم يشأ صيام هذا اليوم ، فلا حرج عليه ، ولا داعي لكثرة الجدال .


الله يرد لك عقلك

السمعاني
14 Dec 2010, 01:48 PM
بارك الله فيك

موضوع مميز للغاية

ابن الوزير
14 Dec 2010, 02:35 PM
شكر الله لك أخي الليث رفع الموضوع . ..
إخواني الكرام جوال اليمن، السمعاني ،،، بارك الله فيكم على مروركم ..

الجاحظ
15 Dec 2010, 12:19 PM
مشاركتك اخي الشريف في هذا الموضوع مشكور عليها لكنه ملاحظ عليك في بعض المشاركات انك مرن مع بعض الاطراف - الزيدية - ولعل هذه النقطة هي السبب

لاني حالي مثل حالك من اسرة زيدية

ابن الوزير
02 Dec 2011, 05:12 PM
للرفع بمناسبة قدوم عاشوراء ..