أبو الأزهر السلفي
31 Jul 2010, 05:13 PM
بسم الله الرحمـن الرحيم
جواب الأخ البومرداسي عن مقال جريدة الشرق الأوسط
عن ابن تيمية و الفلسفة
الحلقة الثالثة
قال الكاتب السعودي:
وقد هاجم ابن تيمية فلاسفة الصوفية بشدة قاسية، حيث كفّر ابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وغيرهم.
أمّا القسم الرابع من الفلاسفة الذين عرض لهم ابن تيمية فهم الباطنية، حيث يرى أنهم من المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام، وأن أصل دينهم مأخوذ من المجوس والصابئين، وأنهم يتظاهرون بالتشيع وهم في الأصل ملاحدة. وهم عنده أشد في الكفر من الفلاسفة أمثال الفارابي وابن سينا.
وكذلك نقد ابن تيمية المنطق، لكن ما يهمنا هنا هو بيان سبب نقده له، فابن تيمية نقد المنطق لأنه وجد أنّ من أصول فساد قول المتكلمين والفلاسفة في الإلهيات هو ما ذكروه في المنطق.
فمقصده من نقد المنطق هو نقد «الإلهيات».
قلت: لم يكن نقض ابن تيمية للمنطق لأنه أساس الإلهيات الفاسدة عند الفلاسفة فقط بل لأنه أصل نظرية المعرفة عندهم، فالمنطق لا تقابله الإلهيات بل هو أداة الخوض فيها ولكن يقابله مصدر التلقي، فالمنطق مصدر التلقي عن الفلاسفة بينما عند المسلمين مصدر التلقي النبوة.
وعليه كان نقض المنطق نقضا لنظرية المعرفة الفلسفية.
فهذا المنطق علم يجري استنتاجاته وفقا لقوانين العقل الذي يعمل به، وهو عقل وثني عميق في الميتافيزيقا اليونانية، بل أي عقل آخر كيف له أن يضع قوانين توجب لله هذا، و تمنع عنه ذاك؟!
فالمنطق المشائي الصوري لا يعالج إلا الأحكام التحليلية التي تعبر عن العلاقة بين المحمول والموضوع إذ المحمول محتوى في الموضوع، وبهذا يظهر أنه في ذاته عقيم أي لا يكفي نفسه بنفسه.
فالحقيقة المنطقية عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية، ولذلك استغنت العلوم المختلفة عن المنطق، ولم تعمل بأي مبادئه، ومع ذلك أنتجت علما وأدركت حقائق، لأنها علوم لا تكترث بالصواب والخطأ المثالي أو التجريدي بل بالصواب والخطأ في الواقع.
فالمحمولات في علم المنطق ليست سوى صيغ محدودة للفهم تفرض حدا للحقيقة بدلا من أن تعبر عنها، والذهن الإنساني يشعر شعورا فطريا بأنّ المحمولات التي موضوعها الله أو الغيب تخفق في استيعاب الموضوع، لأنّ الله سبحانه وتعالى خارج عن مجال تصور العقل البشري.
والفهم الإنساني يجد نفسه في مجاله الفطري عندما يحدد المحدود الطبيعي فهذا نشاطه لأنه لا يعرف من الصور إلا ما كان محدودا، لكنه يدرك عدم قدرته على التصور إذا كان موضوع التصور هو الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا تدرك كنهه العقول كما يقول أهل السنة والجماعة.
ولما كان الله ليس كمثله شيء، فإن أي قياس منطقي يكون محموله الله تبقى مقدمات هذا القياس منفصلة عن محمولها ومنعزلة لأنها غريبة عن محمولها الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
إن الفلاسفة يسوقون موضوعاتهم على نسق شمولات وإطلاقات يتساهلون في إقرارها، فلهم تصورات شائعة في عقائدهم المنطقية منها يفترضون موضوعاتهم، فخذ أية قضية تجد المحمول محتاج إلى التصور الشائع، وهذه التصورات الشائعة تجدها تحتاج إلى تعريف ثابت ودائم، وهم لا يعرفون الله، ولا يعرفون النبوات، ولا يستطيعون التعريف به لأنهم ينفون صفاته وأسمائه، فكيف يعرف بدون صفاته وأسمائه ؟
وعليه تجد محمولات القياس الفلسفي الكلامي مناطا لكثير من التأويلات التي يتنازعون حولها، وما كان كذلك لم يصلح أن يكون مقدمة القياس.
فالله سبحانه وتعالى ليس قضية جزئية تقع تحت قياس تمثيلي، ولا قاعدة كلية يناط بها الحكم في قياس شمولي إنه رب العالمين، و مالك يوم الدين، لا يحيطون بشيء من علمه، وسع كرسيه السموات والأرض.
إشكالية التصور:
لكي ننظر في شيء ما يجب أن نكون متصورين له، لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون للتصور وجود مسبق بالضرورة أو أن يكوّنه العقل بدون مواد من الخارج والواقع، وعليه فالعلم يكون بالاهتمام بالمضمون الواقعي للتصور لأنه هو المضمون الحقيقي للتصور، فإن تجريد التصور يوقعنا في مكننة الفكر ويتردى بنا في الآلية الصرفة التي لا تنسجم مع نفسية الإنسان وفطرية الفكر، فتجريد التصور من كل مضمونه الواقعي يتيه معه الإنسان في مماحكات سخيفة تنتهي به إلى الاستدلال الفارغ من كل مضمون، وإذا كان التصور هو إدراك العقل موضوعه في ماهيته دون إثبات ولا نفي، وقد علمنا أنّ هذا لا يكون إلاّ في الذهن فإنه في الخارج لا واسطة بين النفي و الإثبات، ومن هنا لم يكن التصور واقعيا بل كان نظريا بحثا، ففكرة العلة فطرية في الإنسان كما هوة فطري طلبها والعقل يكون فعّالا في إدراكها عند ملاحظة اطراد الوقائع.
وبهذا تعرف أنّ الاستمرار في تحليل الظواهر الذهنية إلى أقصى حد كما هو في المنطق الصوري يكدّر العقل البشري، ولا ينتج معرفة ذات قيمة واقعية، والتصور تعتريه أحوال النفس فمن جهة قد يكون مجرد وعي بقضية وقد يكون هو فعل العقل كما في التصور الصوري.
بيان أوجه العقم المعرفي في المنطق الصوري:
1 ـ إذا قدر بعض الناس كابن سينا والغزالي وغيرهم أنّ المنطق هو علم الشروط العليا للصادق والصدق المعرفي لأنه أداة عصمة العقل من الزلل، وقد تبين لكثير من الناس أن المنطق الصوري لا يكفي نفسه بنفسه و أنه محتاج دائما أن يطبق على شيء، وأن يكون معمولا من أجل العلم الفلسفي، فهو غير خارج عن أصول الفلسفة، ومعمول لتبرير هذه الأصول، فنظرية القياس فيه ليست سوى عمل تمهيدي لنظرية البرهان والعلم الموجودة في التحليلات الأخيرة عند أرسطو، والتي الغرض منها تبرير فلسفة أرسطو في الوجود، وتقسيمه إلى مادة وصورة، وجعل منتهى العلم إدراك العلة الأولى.
وإذا عجزت فلسفة أرسطو وأفلاطون عن تبرير صدور الكثرة عن الواحد ـ المحض البسيط في عقيدتهم ـ وعجزت عن تبرير وشرح الاتصال بين عالم الوجود الحسي وعالم المثل عند أفلاطون وعالم العقل عند أرسطو رغم أن الإسنكدرانييين أسعفوها بنظرية الفيض والصدور لزم أن المنطق المعمول لعصمة العقل من الزلل ولتكوين معارف صادقة في أعلى شروط الصدق قد أخفق هو الآخر، و بالتالي كان عقيما في أخص خصائصه، لا يولّد علما متساوقا مع فطرة الإنسان خال من التناقض، وهو علم يزعم له الخلو من التناقض!.
2 ـ إن علم المنطق هو علم الكلي والكليات، قال أرسطو أن العلم موضوعه التصور والمعنى العام والكلي، لذلك كانت قواعده تجري في عالم مثالي هو العالم الذهني وهذه القواعد عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية لأنها لا تفرق بين الحقيقة المنطقية التي هي حقيقة ذهنية، و بين الحقيقة الطبيعية التي هي حقيقة واقعية.
وإذا جاز أن نقول إن الحد الأوسط وإن كان هو العلة ويمثل الجانب التجريبي في المنطق الصوري إذ لا يستخلص الحد الأوسط إلا من الحس وهذا يعطينا قيمة التجربة الحسية في بناء المعرفة التي لم يتركها أرسطو تنطلق إلى وجهتها حتى جاء المنطق التجريبي ومنطق الاستقراء لأن المنطق وقياسه بقي رغم تجريبية الحد الأوسط بقي مرتبطا بمتيافزياء الوجود التي هو أداتها رغم أنف المتكلمين
3 ـ من معلوم لكل قارئ يقرأ أقسام العلوم عند الفلاسفة ومقدمتهم في المنطق أنهم جعلوه علما يكتسي طابعا وثوقيا ذهنيا ثم يتبين أنّ القائلين به لم يتّفقوا على شيء واحد مما ينتجه هذا المنطق عند ممارسته في المعرفة، نعم قد يكونون متوافقين عليه في إطاره النظري أو قل متوافقين على المنطق اللفظي منه أما عند إعماله لم نجدهم متفقين على شيء حتى المقولات أو المحمولات اختلفوا فيها زيادة ونقصا وهذا يدل على عقمه.
4 ـ إنّ المنطق الصوري في جوهره يمثل فلسفة للصورة والتصور في الجانب الكيفي ولذلك يتعارض مع النبوات تعارضا تاما، وما قرينة الجسمية الزائفة التي يصرف بها المتكلمون ظاهر النصوص إلى التعطيل إلاّ دليلا على عقمه في الإلهيات حيث لا كيف.
5 ـ إذا كان التصور في المنطق الصوري يعبّر عن ماهية الشيء دون الوصول إلى الواقع فلا يهتم بمضمون التصور الواقعي ولا بالتكوين النفسي للتصور ولا بقيمة التصور الموضوعية بل موضوعه الصحة الذاتية للتصور لزم أنّه عقيم لا ينتج علما يتفاعل مع الواقع، ويبقي الإنسان المفكر في الخيال المحض.
6ـ من المعلوم أن إمكان التصور هو صلاحيته الميتافيزيائية للوجود، فالموجودات المنطقية إنما ينظر إليها من حيث هي ممكنات سيان وجودها بالفعل وعدمها، بل يمكن أن تكون موجودات ذهنية أو تعبيرا عن مجرد نفي"العدم"، وهذا هو العقم بعينه، ولذلك كانت معارفهم الإلهية معارف سلبية.
شكلية المنطق:
المنطق في حقيقته لا ينظر إلى الفكر من حيث هو عملية الفكر بل من حيث هو نتاج الفكر فهو لا يعالج التصور و الحكم و الاستدلال بل التصورات و الأحكام و الاستدلالات وهو لا يقدر على غير ذلك.
و إذا سلم أهل هذا المنطق بأننا لا نفكر بدون صورة والصورة المجموعة في التصور لا تطابق صور أفراد المجموع فردا فردا لزم أن صورة المجموع مشوّهة.
وبهذا تعرف أنّ التصور ليس شيئا آخر غير صور جمعية تم تعديلها وبالتالي لا يكون وحدة صالحة لسلسلة غير محدودة من الوقائع، و قد يزعمون أن المنطق الأرسطي يفترض فلسفة عامة واقعية، وهم يسلمون بأنه لا واقع إلا من الفرد ولا علم إلا من الكلي فهذا تناقض بين واقعية فردية و واقعية عامة، فلما أدركوا أنه لم يبق للواقع في منطق أرسطو إلا بقايا مندثرة والواقع هو ما يضفي صفة الثبوت على علم ما زعموا أنه يقوم على فلسفة عامة واقعية ليزعموا له نوعا من الثبات، وقد علمنا أن تقسيم الوجود إلى مادة وصورة ليس من الواقع في شيء.
قال الكاتب السعودي!
* أثر الفلسفة في ابن تيمية
* لا يمكن لأي شخص أن يتعمق في دراسة مذهب فكري أو فلسفي دون أن يتأثر به من حيث يشعر أو لا يشعر، ولا بد أن يستفيد من دراسته تلك.
قلت: من جهة يصف الكاتب رد ابن تيمية على الفلسفة بأنه لم يكن كاملا بل كان على شكل مقتطفات من هنا وهناك ينقل رد هذا على ذاك، وهذا يفرغ رده من محتواه الشرعي ومن جهد ابن تيمية، ومن جهة دراسته للفلسفة كانت متعمقة حتى أثرت فيه سواء شعر بها أو لم يشعر، كأنما الكاتب يشعر بدل ابن تيمية؟!
يريد الكاتب أن يسلب ابن تيمية أية مزية في نقده الفلسفة فهو من جهة استعان بالفلاسفة على الفلاسفة، ومن جهة تأثر بها فإن كان هناك شيئا أجاده أو أصاب فيه فبحكم تأثير الفلسفة فيه؟!
قال الكاتب السعودي!
فما الذي استفاده ابن تيمية من الفلسفة، وما الذي أخذ منها؟
هذا جانب مهم من جوانب ابن تيمية الفكرية، أغفله الدارسون، فلا نكاد نجد من دراسات في هذا الجانب إلا دراسة عبد المجيد الصغير «مواقف رشدية عند ابن تيمية»، وبعض الإشارات عند باحثين وعلماء آخرين، مثل الشيخ محمد زاهد الكوثري ود. محمد علي أبو ريان.
قلت:إذ قد بين الكاتب مصادره ـ متفلسفان و متكلم !ـ فقد عرفنا خلفيته وإلى أين يقصد.
وأنا أقول له صراحة وبداية : لم يستفد ابن تيمية من الفلسفة شيء إلا بيان تناقض القوم وضرب بعضهم ببعض أما المسائل العلمية في العقيدة و بيان مصدر التلقي و إقرار النبوات فلم يأخذ منها شيئا، أي لم يستفد منهم في إقرار الحق شيء ولكن استفاد منهم في رد الباطل و الشبه عن الحق.
قال الكاتب السعودي!
ولا يمكن أن أحيط (من حيث الكم أو الكيف)، بما أخذ ابن تيمية من الفلاسفة، إلا أنني سأكتفي بالإشارة إلى بعض الجوانب:
1 ـ ينقل ابن تيمية كلام الفلاسفة ليرد به على المتكلمين، كما في رد ابن رشد على الغزالي.
قلت: اعتبار الفصول التي نقلها من كلام الغزالي وابن رشد والمناظرة المكتوبة التي جرت بينهما أي رد ابن رشد على الغزالي لا يعتبره استفادة إلا من يعتبر كل نقل وحكاية لكلام الناس في العالم استفادة منهم.
وقد رجح ابن تيمية أحيانا كلام ابن رشد كما في الجواز المحض وغيرها ورجح كلام الغزالي كما في إثبات الصفات وعلاقتها بالذات فمن أين لهم أنه استفاد من ابن رشد في الرد على الغزالي وقد نصر الغزالي على ابن رشد في مواضع كثيرة.
قال الكاتب السعودي!
2 ـ ويرد ابن تيمية على المتكلمين، لا سيما المتأخرين منهم ببيان أن أصول مناهجهم في الاستدلال مأخوذة من مناهج الفلاسفة وأقوالهم.
قلت:أين الاستفادة من الفلسفة هنا؟!
عندما نقول:فلان استفاد من الفلسفة يعني في بناء عقيدته أو فكرته هذه الاستفادة الحقيقية و قد نعتبر من الاستفادة الاستعانة بالفلسفة لإبطال الفلسفة ولكن ليس هذا المقصود الأول من الاستفادة التي يعبر عنها الكاتب بكلمة تأثّر.
قال الكاتب السعودي!
3 ـ يرى ابن تيمية أن تأويلات المتكلمين وابتداعهم هي التي مهدت الطريق للفلاسفة وتأويلاتهم، فيحتج بهذا على إبطال تأويلات المتكلمين.
قلت: يجاب عنه بالجواب السابق نفسه.
قال الكاتب السعودي!
4 ـ واستفاد ابن تيمية من رد بعض الفلاسفة على بعض، فاستفاد من ردود ابن رشد على ابن سينا وردود السهروردي على كثير من الفلاسفة وردود ابن ملكا على الفلاسفة وردود ابن سبعين على غيره.
فابن تيمية يأخذ من كلام الراد ليبطل به كلام المردود عليه، هذا في المسائل التي يكون الراد موافقا لابن تيمية فيها، اي ان ابن تيمية عندما يريد الرد على قول لأحد الفلاسفة يأخذ اي رد على هذا القول لأي فيلسوف آخر.
قلت:نعم بشرط أن يكون قول الراد منهم مبطلا لقول المردود عليه بحق موافقا للحقيقة العلمية، فإن كلام الكاتب يفهم منه أنه كان يرد بما يقع تحت يده ولو كان باطلا ،وهذا غير صحيح ، وكتب شيخ الإسلام أمامه.
قال الكاتب السعودي!
5 ـ أما من ناحية الاستفادة المباشرة، فقد استفاد ابن تيمية من كثير من الفلاسفة، ومنهم:
ـ ابن ملكا: وهو أعظم الفلاسفة تأثيرا في ابن تيمية، ونجد تأثيره الكبير في استعانة ابن تيمية بكلامه في الرد على المتكلمين، في مسألة «حلول الحوادث» أو «قيام الأفعال الاختيارية بالله» ومسألة «العلم الإلهي».
قلت:أبو البركات كان يهوديا عاش في بيئة سنية ولما أسلم نفعته بيئته التي عاش فيها، وهو من أعقل الفلاسفة لم يكن منخرطا بكليته في فلسفة الإغريق مثل ابن سينا والفارابي حتى يدافع عن هراء وجهل حتى عند الفلاسفة المعاصرين مثل نظرية الفيض والصدور.
ولذلك كان أول من أبطلها وكان أول من نقض ابن سينا في كثير من المسائل في العلم والنفس، أما أنه أثر في ابن تيمية فهذه كلمة فيها كثير من التجاوز لأن كون هذا الفيلسوف أقرب للإسلام من ذاك، و كلامه أجود و استعارة مقدماته و أدلته الصحيحة لإبطال الباطل دون الاعتماد عليها كلية بل الاعتماد على الكتاب و السنة لا علاقة له بالتأثر من أية جهة كانت.
قال الكاتب السعودي!
وقد استفاد منه أيضا في نقده للمنطق، في مسألة نقد «فكرة الحد عند أرسطو»، كما استفاد منه في مسألة «الأقيسة الشرطية».
قلت: قد ذكر ابن تيمية في كتبه النظار المسلمين الذين انتقدوا المنطق ولم يذكر ابن ملكا فقط، فقد ذكر حتى الشيعة مثل النوبختي و من المعتزلة النظام ، ولاشك أن اطلاعه على نقدهم للمنطق أعانه على صياغة نقض متكامل للمنطق المشائي.
وقد بينت في هذا الرد أن نقض ابن تيمية للمنطق لم يسبق إليه ولم يكتف بنقضه فقط بل رسخ علميا البديل له، و هو أسلوب و منهج المسلمين في المعرفة.
قال الكاتب السعودي!
ـ ابن رشد: وقد استفاد منه ابن تيمية كثيرا، لا سيما في رده على ابن سينا، وفي رده على المتكلمين، وبخاصة إبطال قاعدتهم في «قياس الغائب على الشاهد» وكذلك في إبطال استدلالهم على وجود الله، عز وجل، بدليل حدوث الأعراض وغير ذلك كثير من المسائل.
والفلاسفة الذين استفاد منهم ابن تيمية كثير، تحتاج دراستهم إلى وقت طويل، ومكان ليس هذا محله.
وينبغي الإشارة إلى أن «الجزم» بتأثير فيلسوف معين على بن تيمية في مسألة معينة أمر يحتاج إلى الدقة وعدم التسرع، فمجرد التشابه لا يعني أن ابن تيمية نقل ذلك القول من ذلك الفيلسوف، بل لا بد من شواهد أخرى تورث اليقين أو الظن الغالب بذلك الرأي.
قلت: قد أجاب الكاتب نفسه وعندما يترك الإجمال نجيبه.
قال الكاتب السعودي!
6 ـ واستفاد ابن تيمية من الفلاسفة في الرد على المتكلمين في إبطالهم «التسلسل في الماضي» أو ما يعرف بـ «حوادث لا أول لها»، وذلك في تفريقه بين قدم الآحاد وقدم النوع.
قلت:إذا كان الفلاسفة يقولون بقدم العالم فكيف استفاد منهم قولا يناقض قولهم؟!
قال الكاتب السعودي!
7 ـ ولما كان ابن تيمية في معرض الجدال مع الفلاسفة والمتكلمين، فقد استعمل ألفاظهم ومصطلحاتهم، وهذا ما لم يفعله السلف، ولذا فقد وضع قاعدته المشهورة وهي: «مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم»، حيث يقول: «وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة أذا لم يحتج إليه».* كاتب وباحث سعودي
قلت: : السلف لم يتطور في وقتهم البحث في حدوث العالم ، وإثبات وجود الله ، فهذه المسألة كانت في وقت الأشعري وقبله بقليل ، ولكن مذهب السلف في كلام الله والصفات عموما هو معنى ما ذهب إليه شيخ الإسلام بالاستنباط ، فلما كانت المسألة المشهورة عند السلف هي مسألة الكلام فصلوا فيها و أبانوا عن مذهبهم بخلاف مسألة حدوث العالم أو بدء الحوادث، فإنك تجد مذهبهم فيها في مسألة الأفعال الاختيارية كصفة الكلام وغيرها.
وكما قال شيخ الإسلام في" المنهاج"{110/2}:" الكتاب والسنة يدل بالإخبار تارة ، ويدل بالتنبيه تارة، والإرشاد والبيان للأدلة العقلية تارة."
ولذلك تجد تفاصيل هذه المسائل عند المتاخرين، وقد اشتد الخلاف حول صفات الأفعال، فوجب رد الأمر لأصوله، وبناء هذه المسألة على اعتقاد السلف .
وهذا الآن تفصيل يوضح بعض ما أشار إليه الكاتب السعودي وطرحه على شكل نقاط هي أشبه بالشبه و التشكيك مثل قول ابن تيمية بان الفسلفة في الألهيات أكثرها كفر، و انها افسدت مذاهب المتكلمين،وككون مذهب وحدة الوجود هو المذهب الذي انتهت إليه الفسلفة في العالم الإسلامي وحتى عند الإغريق و لذلك خصّه ابن تيمية بنقض مفصل دقيق، وبيّن أنه مذهب فلسفي لا علاقة له بالإسلام مما يدعم قول ابن تيمية بانهم شر من اليهود و النصارى خلافا للكاتب السعودي.
وكذلك بيان اضطراب المتكلمين و الفلاسفة المنتسبين للإسلام في تحقيق مقالات الفلاسفة الإغريق،ومسألة وحدة الأديان التي نسبها إليهم وغيرها من مسائل أثارها الكاتب السعودي فهذا جوابها.
إشكالية التصور الفلسفي:إن المنهج المعرفي في الفلسفة يعتمد على مبدأ تعليق المعارف والأفكار الموجودة ولو كانت حقا قام عليه الوجود شاهدا،فالفيلسوف لا يسلم بما هو موجود حتى يثبت هو بعقله أنه موجود ، ولو جاز لنا التعبير عن هذا الموضوع لقلنا : إن الموجود بالنسبة للفلسفة لا يكون موجودا حتى تثبت الفلسفة انه موجود ،ومع ذلك نقول:إذا لم تستطع الفلسفة إثبات وجوده وهو مع ذلك موجود وعرفنا وجوده بما رفضت الفلسفة استعماله من طرق المعرفة النبوية والفطرية الضرورية، أفيكون الخلل في الموجود أم في منهجها في المعرفة؟
فإذا كان الذهن الفلسفي المفكر لا يرتفع إلى المعرفة إلا بتكوين أفكار شاملة هي تمثلات ذهنية ، كان هذا افتراض للوجود الذهني ، ومعلوم بالاتفاق وببداهة العقول أن وجود الأشياء لا يفتقر إلى وجودها في الأذهان.
وعليه كان وجود الموجودات في الفلسفة وجودا ذهنيا لا حقيقة له في الواقع ، فثبت إذن الشك في قدرة الذهن على إثبات الحق الموجود بكل صفات وجوده كما يثبته الأنبياء إلها موصوفا بصفات الكمال .
وبهذا تعرف أن التصور لم يكن ولن يكون مناط لمعرفة الحق الموجود فلم تبق إلا الضروريات وأخبار الصادقين و هي عند الأنبياء و أتباعهم.
الفلسفة ـ كما عند هيجل ـ فكر ثان أو لاحق أو تال ، وهو يقصد أن هناك فكرا أولا، هو الذي يكون في حياة الناس اليومية ، والفلسفة تدرس هذا الفكر وتستخلص منه فكرا ثان ، فالفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبت بين الناس بالفعل ، فلا تظهر الفلسفة حتى يكتمل بناء الواقع ، وهكذا كان في التاريخ البشري لم تظهر حتى عرف الناس كل الحقائق المتعلقة بوجودهم ومصيرهم فظهرت متأخرة بعد عصر موسى عليه السلام .
وإذا كانت الفلسفة فكرا ثان فتصورها للأشياء تصور ثان،ولذلك لم تستطع التخلص من إشكالية الدور في التعريف فإذا كان الحاد للشيء لا يحده إلا بمعرفة سابقة للحد قد تكون مجملة تعقبها بواسطة الحد معرفة أكثر تفصيلا منها،علمنا أن عملية التحديد التي يجريها الفيلسوف هي عملية استثمار للمعرفة المجملة يبقى الإشكال هو أن المعرفة المجملة هي الفكر الأول و المعرفة التي تعقب التحديد المنطقي فكر ثان،ولم تبرهن الفلسفة أن الفكر الثاني أحسن و أصدق من الفكر الأول في كل ما ادعته،فهاهنا قضيتان:
1 ـ ليس التحديد وحده من طرق التعريف و التمييز،مادام مسبوقا بمعرفة وهذه المعرفة أنتجت معارفا منها المنطق، بينما بقي المنطق عقيما لا ينتج معرفة ملموسة بحيث أننا وجدنا المعارف المنطقية عند ممارسة المعرفة تصطدم دائما بالمعارف الحسية و التجريبية وتصير مجرد نظرية لها نوعا من القوة و الوجود ما دامت في إطار التجريد الذهني.
2 ـ التحديد هو وصف اصطلاحي لعملية فكرية فطرية،فمن المتفق عليه بين العقلاء أن الإنسان يمكنه أن يفكر بدون المنطق ، تماما كما يمكنه أن يبصر دون أن يدرس البصريات ، فإذا كان تفكيره بعد دراسة المنطق لا يعدو القدرة على التصنيف والمقابلة لم يكن في هذا أي مدح للمنطق ، فلإن قدرة الإنسان على الإبصار دون أن يدرس البصريات لا تتغير بعد أن يدرسها .
إن كليات المسلم أن الله هو الخالق البارئ المصور الرازق الغفور الحليم المحي المميت الجبار العلي المستكبر الحي القيوم ، وكليات الفيلسوف أن الله هو الله لأنه لا يعدو أن يقول : إن الله هو العلة الأولى ، أو المحرك الأول ومع ذلك يبقى اسم الله أكثر دلالة و أعمق تأثيرا في النفس من أن نقول عنه هو العلة الأولى أو واجب الوجود .
إن معرفة المسلم بربه معرفة ترتبط ارتباطا وثيقا بمعرفته بالجنة والنار والحشر والعقاب والموت وعذاب القبر والحسنة والسيئة ، بينما معرفة الفيلسوف بالله سبحانه ليست مرتبطة إلا بالوجود كوجود، ولذلك لا يترتب عن علمهم أي عمل.
إن الفرق بين تصور الفيلسوف وعلمه وتصور المسلم وعلمه ، هو أن تصور وعلم الفيلسوف مجرد ترتيب لصور جوار بعضها البعض باتصال غير مؤثر ، فما يفصل المقدمة الأولى عن المقدمة الثانية مجرد حرف الواو ، بينما علم المسلم السني هو ربط العلاقة بين الكلي والجزئي ، بين السبب والنتيجة ، بين العلم والعمل، بين العمل والجزاء .
إن المنطق والفلسفة ليسا أكثر من تحويل تصورات ذهنية مجردة إلى أفكار بحسبها و أقصد بالأفكار اصطلاحات لحركة الفكر داخل الذهن كاللغة بهذا الاعتبار هي عمل من أعمال الفكر ، ومع ذلك إذا تكلم إنسان عادي عجوز أو صبي باللغة لم نقل عنه : إنه مفكر ، فكذلك مجرد وصف الفيلسوف لعمل من أعمال الفكر لا يعني أنه يفكر ، فإذا قال :إن ما يتصوره الإنسان في ذهنه معتقد وجوده في الخارج يسمى الشيئية ، وهذا يسمى الحد الأول ، وهذا يسمى الحد الأوسط ، وهذه تسمى مقدمة ، وهذا يسمى كل وبعض لم يعد عاقل هذه التسمية فكرا شاملا!
و إذا كان المنطق هو الأداة للبحث عن الحقيقة، فإن الدين هو الحقيقة فما لم ينته المنطق إلى طلب الدين و أخبار الأنبياء علمنا أنه أداة للضياع والجهل.
فهل نحن قادرون على معرفة الحق سبحانه بالتصور المنطقي الكيفي إذ يبدو أن هناك ضربا من التنافر وعدم التجانس بيننا بوصفنا موجودات مخلوقات محدودة الحجم و العلم وبين الحق الذي هو أكبر من قدراتنا الفكرية ليس كمثله شيء، كيف لنا أن ندرك الوجود إدراكا يحيط به ولم نحط إدراكا بعقولنا ،فما بالك بباري الوجود؟
عداء الفلسفة للدين:
منذ وجدت الفلسفة لم تتوقف عن مهاجمة الدين ، فأنكرت عقائد راسخة في الملل ، لأنها مهما ادعت لنفسها من فكر وعقلانية ومعرفة فإنها عجزت عن إنجاز ما أخذت على عاتقها وهو إسعاد البشر في الدنيا والآخرة، إن الدين الذي جاء به الأنبياء دين متكامل يدبر شؤون الحياة في جميع نواحيها بينما الفلسفة لا دين فيها ولا حقيقة ، إلا أن لهذا العالم محرك أول ، أو علة أولى ،و أحمق بني البشر يفرق بين هذا وبين الدين ،ولا يعد هذا معرفة بالله بله أن يعده ديناأو إيمانا.
و إذا كان الأمر كذلك فحتى الدين في أقصى ما يدعيه في معرفة الباري يقر بجهل كيفية صفاته فيأتي المنطق بجملة معارف سلبية تصب كلها في إثبات الكيف للباري،لأن معرفة كيفية الشيء هي بإثبات خصائصه فيعجز ولذلك ينقلب إلى نفي صفاته .
إن الله الذي أحسن صور خلقه ، وهداهم لأكمل المعارف في معاشهم، لا يتركهم بدون حبل منه يصلهم به فيعرفونه ، ويعرفون مصيرهم عنده ،وهذا شعور فطري في الإنسان منه تبدأ الشكوك تظهر حول كل من يعاند الأنبياء لأنهم الحبل الذي يصل الخلق بخالقهم.
وعليه فثقة الإنسان المتفلسف المغرور في قدرته الخاصة على معرفة الحقائق باستقلال عن تعليم الله بواسطة الأنبياء ليست إلا اعتقادا فاسدا ، ظهر فساده بتناقض الفلاسفة في جميع المسائل بدون استثناء،لم يتفقوا على شيء واحد حتى في أصول الطبيعيات، ولزمتهم الحيرة في أواخر أعمارهم فانتهوا إن نوع من التصوف أو دعوى وحدة الوجود.
بيان آثار الفلسفة في علم الكلام تصديقا لابن تيمية:
1 ـ يعرف الفارابي الفلسفة بأنها العلم بالموجودات بما هي موجودة، و يعرفها ابن سينا في"الشفا" حيث يقول: موضوع العلم الإلهي الوجود المطلق،و منه أخذه الجرجاني في" التعريفات" عندما قال: هي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه،وكذلك قال ابن خلدون في "المقدمة":علم الإلهيات علم ينظر في الوجود المطلق".
وهذه العبارات كما ترى أخذت من كتاب أرسطو "مابعد الطبيعة" من المقالة الأولى.
2 ـ ولو نظرنا في قول الغزالي :"ليس بالإمكان أفضل مما كان" ثم نظرنا في قول أفلاطون و أرسطو: إن بداية الفلسفة التعجب ومنتهاها عدم التعجب،حيث يتحقق الإنسان أن الوجود لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه علمنا مأخذ الغزالي وكيف أن المتكلمين دخلوا في الفلسفة ولم يستطيعوا الخروج منها.
3 ـ إن المتكلمين ـ وهذا سنعرفهم لاحقا ـ لم تصلهم كتب الفلاسفة الإغريق كاملة و أحيانا وصلتهم منحولة فنسبوا لهذا ما لذاك،كما خلطوا بين المذاهب الفلسفة الإغريقية فظهر عندهم مذهب مشوه تجده في كتبهم، فالشهرستاني عندما يقول في" الملل و النحل"أن أساطين الحكمة سبعة و يعددهم و أن كلامهم في الفلسفة يدور على ذكر وحدانية الباري تعالى، و إحاطته علما بالكائنات كيف هي وفي الإبداع، وتكوين العالم، و أن المبادئ الأولى ما هي وكم هي و أن الميعاد ما هو ومتى هو،ويذكر عن تاليس بأنه مؤمن تفلسف في المالطية و انه قال: إن للعالم مبدعا لا تدرك صفته العقول من جهة حد جوهريته، و غنما يدرك من جهة آثاره، ونقل مثل ذلك في حق انكسيمانس و أن مذهبه أن الباري تعالى أزلي لا أول له و لا آخر وهو مبدأ الأشياء،فهذا الكلام مما هو أقرب إلى علماء الإسلام منه إلى وثنيين كانوا في القرن الخامس قبل الميلاد.
فهؤلاء الذين ذكرهم كانوا فلاسفة طبيعيين انحسر الوجود عندهم في حيز المحسوسات ولذلك لقبوا بالطبيعيين و باليونانية "فزيولوجي"، لم تكن الفلسفة الإغريقية في وقتهم قد دخلت ما بعد الطبيعة.
ثم ذكر عنهم أنهم انزلوا العنصر منزلة القلم الأول، و العقل منزلة اللوح المحفوظ،وأنهم اقتبسوا ذلك من النبوة، و أن أنباذوقليس كان في زمن داود عمه تلقى منه، و أن فيثاغورس كان في زمن سليمان عمه و انه أخذ الحكمة من معدن النبوة، فهذا كله خلط وتناقض و إن كان لا يستبعد أن تصل أخبار الأنبياء اليونان ولكن القوم كانوا مشركين وثنيين لا يتعدى كلامهم في الإلهيات كلام مشركي العرب كما أن مثل هذا الكلام تسوق به الفلسفة في العالم الإسلامي، و أول من بدأ هذا التلفيق الكندي و الفرابي وابن سينا حتى أنك عندما تقرأ كلامهم عن سقراط تحسبه شيخ صوفي وقد ثبت يقينا أن كتب سقراط لم تصل العرب إلا بعض محاوراته ذكرها عنه أفلاطون.
كذلك عندما تقرا ما بعد الطبيعة لأرسطو تجد بينه و بين فلسفة ابن سينا فرقا شاسعا مما يعني أن هذا الأخير قام بتزويق فلسفة أرسطو بالعبارات الإسلامية لتقريبها من الدين ظاهرا أما في الباطن فهي معارضة منافرة للدين من كل وجه.
الخلاصة أن نقول: أن من يقرأ الفلسفة الإسلامية وما ذكرها فيها من توحيد ومقاربة بينها و بين الدين يتبين يقينا أنها ليست الفلسفة الإغريقية ولكنها فلسفة الإسكندرانيين أمثال أفلوطين بعينها ورمتها فإنهم كانوا مسيحيين حاولوا التوفيق بين فلسفة أفلاطون و أرسطو من جهة و بين العقيدة المسيحية من جهة أخرى،ولذلك تظهر فيها عبارات الإيمان و التوحيد و الله و غير ذلك.
4 ـ بيان أوجه الخلط الذي وقع فيه الفلاسفة المنتسبون للإسلام:
من المعلوم أن الأشاعرة و المعتزلة يقولون: بالجزء الذي لا يتجزأ و سبق و أن قلنا: بان هذا مذهب الذريين من الإغريق و يسمون عند المسلمين بالدهريين وهم فرقة من الطبيعيين قالوا بقدم الطبيعة و الدهر ثم بوجود مادة واحدة زعموا أنها مركبة من أجزاء غير مجزأة دائمة التحرك، و باجتماع تلك الجزاء تحت الجسام،و باقترانها تفنى،وهكذا من الأبد إلى الأبد من غير أن يكون لافتراقها و اجتماعها نهاية ولا لتغير العالم غاية،إذ ليس هناك إلا الدهر و الطبيعة،وأول من قال بهذا المذهب أنباذوقليس في جانب الطبيعة و أخذه عن ديموقريطس وعممه فجعل العالم يتألف مما هو موجود أي الملأ أو الذرات، ومما هو غير موجود،أي الخلاء أو الفراغ.
فأخذ بعض المعتزلة و جمهور الأشاعرة بهذا المذهب و أدخلوا عليه التعديلات الدينية الإسلامية فوقعوا في أشد صور التناقض حيث جمعوا بين أصل الدهرية النفاة للخالق وبين القول بالخالق.
و بالنظر في تعريف اليعقوبي و القفطي في " تاريخ الحكماء" و الغزالي في"المنقذ من الضلال" للدهريين نجدهم قد أخذوا ذلك من سنبلقيوس في كتاب" السماء و العالم" ، ومن أرسطو في المقالة الثالثة من كتاب"السماء" ومن كتاب"الفساد و التكوين" المقالة الأولى،فتبين أن مذهب الأشاعرة مأخوذة عن الدهريين ومثله أخذ إبراهيم بن سيار النظام من المعتزلة قوله بالكمون.
و التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة بسبب أصلهم الديني ونزعتهم الإيمانية أن من أخذ بهذا المذهب و تصوره علم انه لا يفضي إلا إلى إنكار الحقائق ونوع من السفسطة وهدم دعائم العقل،ولذلك من كان منهم أخبر بالفلسفة ترك الأشعرية فكريا و انتقل إما إلى الفلسفة المحضة أو الاعتزال ليبق داخل حظيرة الإيمان، فالذين طالعوا "الإشارات "لابن سينا و" الشفا" و "النجاة " خاصة" المحصل"أمثال الجو يني و الغزالي و الرازي و الامدي و أبي الحسين البصري انتهوا إلى التوقف في مسألة الجوهر الفرد و الجزء الذي لا يتجزأ، لأنهم تعلموا عند ابن سينا أن هذا المذهب لا يقول بغير المحسوسات، و أن الحس إدراك فقط،والحكم تأليف بين مدركات بالحس أو بغير الحس،و ليس من شأن الحس التأليف الحكمي وهذا عين مذهب الغزالي في" معيار العلم" ومذهب الرازي في"تأسيس التقديس"، فالتفريق بين الإدراك الحسي و الأحكام العقلية أهم ما يبطل به مذهب الدهريين ومذهب الجوهر الفرد،و التناقض المأخوذ على الرازي في هذا الباب هو أنه لم ينس أصوله الكلامية فعندما أراد أن يعمل هذا المذهب في مبحث الصفات نفى أن يكون الإدراك الحسي من طرق العلم إلى الإدراك العقلي وهذا تناقض منه إما لعدم فهمه غرض ابن سينا و الفلاسفة أو محاولته البقاء في سياق النفي و التعطيل الأشعري للصفات الخبرية.
وبهذا تعلم أن مذهب الشاعرة في القول بالجوهر الفرد،و الجواز المحض"العادة" وتماثل الجسام، مما يهدم أركان العقل و يدخل في باب السفسطة إنما أخذوه عن الدهريين من غير إدراك لمسالكه و أظن أن مذهبهم هذا يدل على عدم سعة اطلاع وفهم لمذاهب الفلسفة الإغريقية.
لأن كل فكر مقصور على الحس لا يقود إلا إلى الشك في الحقائق ككون النار تحرق وكون الأجسام متغايرة، وقد علم أن إنكار ماهيات الأشياء وكونها مختلفة متمايزة هو من أوهام السفسطائية.
فلو لخصنا مذاهب المتكلمين لانتهين عند المعتزلة ولو لخصنا مذاهب المعتزلة وهي تقريبا عشرين مذهبا و مدرستين لانتهينا إلى الفلسفة ولو لخصنا مذاهب الفلاسفة لانتهينا إلى هذين المذهبين لا ثالث لهما.
فالمذاهب الفلسفية : قول الدهريين بوحدة الطبيعة ولا إله،قول أصحاب الرواق بوحدة الطبيعة و الإله،قول أفلاطون و أرسطو و قبلهما سقراط بوجود عالمين"عالم الإله وعالم الطبيعة إلا أنهم عجزوا في إثبات الاتصال بينهما،وهناك السفسطائيين و الشكاك أمثال بيرون وهذه مذاهب فرعية ليست رئيسية،فأين اضطرب و حار أصحاب أفلاطون وأرسطو حار و اضطرب من قلدهم من المسلمين، أمثال ابن سينا و الفارابي و الغزالي و ابن باجة و ابن رشد وغيرهم كثير.
مذهب وحدة الوجود الفلسفي وبه تعرف لم ركز على نقضه ابن تيمية:
وحاصل مذهب أهل الرواق القول بوحدة الوجود أي انه ليس هناك إلا عالما واحدا وجوهرا واحدا، هو عقل ومادة معا لا يمتاز أحدهما عن الآخر قالوا على قول أفلاطون: هو ما يصح فيه الانفعال أو الفعل،فعكسوا عليه تحديده و قالوا هذا لا يطلق إلا على الجسم، فما من وجود إلا وهو جسم ومادة و أطلقوا ذلك على صفات الأجسام، وعلى الكليات، وعلى ما يتصورون في العقل و الجسم عندهم، هو هذا المحسوس المتحيز المركب من أجزاء ومادة إلا أن هذه المادة لا تقوم ولا تبقى إلا إذا كانت فيها قوة ألطف منها تمسك أجزاءها و تضبطها وتربط بعضها ببعض وسموها القوة الضابطة و الماسكة وهي نوع من القوة العقلية مصدرها ما هو أعلى منها و ألطف من القوى ومصدرا لكل القوة الإلهية التي سموها بالعقل، و العالم كالحيوان جسده هو هذا المحسوس وروحه العقل وهو عندهم الإله مفارق للمادة ممتزجا بها امتزاج الدم بسائر الأعضاء،وسريانه في العالم المحسوس فحصل الحياة و الحركة و الحس و العقل في الموجودات كل على حسب رتبته في الوجود.
من ذلك ما نشاهده في العالم من النظام و الترتيب وما نستفسر به من مناسبة الحركات، ومنافع الأعضاء ،و آثار العقل في أحسن الموجودات فإن كل ذلك أثر الإله، ودليل على حضوره،وحلوله في نفس المادة، لا بصفة مؤثر من خارج بل بصفة قوة عاقلة مركوزة فيه، ممتزجة به، تقود الطبيعة وكل من المفردات إلى إدراك الغاية المقصودة منه.
فهذه الغاية هي العلة في وجوده ارتبطت بعلة أخرى كانت هي الموجهة لوجود تلك العلة وهلم جرا،و الكل راجع إلى علة العلل، الموجهة لوجود الكل من أعلى إلى أسفل،فالعالم كله علة ومعلول لا محل فيه للمصادفة و الاتفاق، بل كله في قبضة الإله، مجبور الوجود، مجبور الأفعال لما سبقه من العلل التي اقتضاها العقل الإلهي الباري في الموجودات، فما من شيء يقع إلا وهو مقدر في الحكمة الإلهية،قال كرييزيبوس:كل شيء بالقدر ،إذ ما من شيء إلا و له علة:إذ القدر ليس إلا تتابع العلل و ارتباطها بعضها ببعض، إلى أن تنتهي إلى علة العلل وهو مبدؤها ،فلا يقع شيء إلا ما كان واجب الوقوع في الماضي ولا يقع شيء في المستقبل إلا و أسبابه حاضرة الآن".
وحيث تقرر أن القوة الإلهية هي حالة جميع الأشياء لا يخلو منها شيء، فأحرى أن يكون ذلك الإنسان لعلو مرتبته من الحيوان، فالعقل من الإنسان،هو الإله المركوز في طبيعة المادة، كشرارة النار في الخشب،وهو كالعالم الصغير المقابل للعالم الكبير،فعليه أن يشرف الإله المقيم بين جانبيه، بان يتجنب كل ما ينحط به مقامه وتكدر به نوره، ولذلك فإن علم الخلاق عندهم هو مدار الفلسفة لا شيء أهم منه للإنسان.
وقالوا: إن الفلسفة كالبستان: المنطق سياجه، و الطبيعيات أشجاره و نباته، ومحامد الخلاق ثمرته و الحكيم من جمع بين العلم و العمل،فبلغ منهما الدرجة العليا حتى تشبه بالإله.
والناس إما صاحب حكمة أو عوام كالنعام إذ لا واسطة بين المستقيم والمعوج فإما أن يكون حكيما أو غير حكيم.
ولما عجزوا عن التوفيق بين هذا القول و بما ذهبوا إليه من ارتباط العلل وعدم حرية الإنسان التجئوا إلى نوع من التوفيق يشبه مذهب الكسب عند الأشاعرة،وقد تأثر المعتزلة بفلسفتهم و أخذوا منها الكثير.
وحقيقة مذهب الرواقيين ليس إلا الرجوع إلى مذهب الدهريين إذ لا فرق بين من يقول: ليس هناك إلا المادة، ومن يقول: إن المادة و العقل شيء واحد، وكيف يتصور اقتران المادة بالعقل مع عدم النسبة بينهما و استحالة جواز صفات أحدهما على الآخر،و الظاهر أن كل ما يتوجه على الدهرية يتوجه عليهم من دون تفاوت.
ومذهب الرواقيين آخر المذاهب نشوءا عند الإغريق وقد نشأ من قول سقراط في الفرق بين الروح و المادة، ولذلك نفس مثالهم يضربه أصحاب الكليات هو أن وجود العقل في المادة ووجود الكلي في الأشياء كوجود ماء الورد في الورد و الدم في الجسم.
وعليه فإن المذاهب الفلسفية ثلاث أقوال لا رابعة لها:فالوجود إما يقال هو هذا المحسوس، أو إنه المعقول لا المحسوس،أو إنه و المحسوس معا، وبعض المسلمين أخذوا بالقول الثاني و الثالث.
فأول بحث عند الإغريق كان مقصورا على المادة يلتمسون ماهية هذا الوجود المحسوس ثم برز سقراط و أفلاطون فبينا ما بين العقل و المادة من تمييز فانقلبت المسألة إلى بحث آخر هو التوفيق بين المادة و العقل و كيفية اتصالهما و تأثير كل منهما في وجود العالم،فقال أفلاطون: إن الجوهر العقلي هو الأصل في الوجود، ولم يبق للمادة إلا نوعا من الوجود قريبا من العدم المحض،وبالغ في التفريق بين المادة و العقل حتى كاد يتلاشى الاتصال بينهما.
ثم جاء أرسطو فزعم أن الوصول من العالم الأعلى إلى العالم السفلي لا يتأتى على طريقة أفلاطون و أن اتصال العقل و المادة حاصل لا محالة في الأفراد إلا انه لما حاول الارتقاء منها إلى عالم الغيب و إلى العقل الإلهي زلت قدمه ووقع فيما كان يحذر منه، حيث عجز عن كيفية الاتصال بين العالم الحسي و العقل الإلهي فلم يبق بعد إلا التمسك بأحد قولين:إما القول بان المادة هي الأصل الوحيد ولا شيء غيرها وهو قول الدهرية أو القول بوحدة العقل و المادة وهو قول الرواقيين وهو راجع إلى قول الدهرية بنوع من الفرق فوقف العقل البشري عند هذا الحد ولم يبق له في الفلسفة شيء، و الحمد لله أن بعث الأنبياء و أنزل الكتب حمدا يوافي عدد الحائرين و الجاهلين و الغافلين وعدد من ضل وعدد من اعتقد في الفلسفة خيرا و فائدة.
ولماعجز أفلاطون و أرسطو و أهل الرواق عن إثبات ذلك عجز الإسلاميون الذين أخذوا بذلك و انتهوا إلى الحيرة و دعوة عريضة أن الحق لا يعرفه إلى بعض العارفين فلم يبينوا لنا من هم هؤلاء العارفين ولا مثلوا بأسمائهم وزعموا أن هذا الحق سر الربوبية من اكتشفه اكتشف الحق وعال به،كمن يقول: الحق في جزيرة لا يعلم أين تقع و إن كانت فعلا موجودة ولا ماهو هذا الحق ولكنه سر وهذا مذهب ابن سينا في الجزء الأخير من الإشارات و في بعض رسائله ومذهب الغزالي و السهروردي و ابن مسرة و غيرهم :الجهل بعد الحيرة.
ولا تجد من القرن الثالث قبل المسيح إلى يومنا هذا ممن يقول بالفلسفة إلا شاك في الحقائق ودهري لا يقول إلا بالمادة أو رواقي يقول بوحدة الوجود وحدة المادة و العقل ومشائي متفرغ للطبيعيات آيس عن إدراك الحق أو ملفق يسعى للتوفيق بين الآراء قدر الإمكان بأن جعل لها مبادئ الأقدمين فيثاغورس و تاليس و غيرهم ،ولم يبق للخروج من هذه الورطة إلا التوفيق بين هذه المذاهب كلها و اختيار ماهو مسلم عند غالبيتها و إلغاء ما فيه الاختلاف وهذا ما فعله الإسكندرنيون وهو مذهب الأفلاطونية المحدثة وهذا هو المذهب الذي أثر في الفلاسفة الإسلاميين و المتكلمين على حد سواء:
هذا المذهب أنشأه امونيوس سكاس في الإسكندرية ومعنى سكاس الحمال لأنها كانت حرفته وكان نصراني الأصل ثم انتقل إلى وثنية اليونان و تعاطى الفلسفة وكان مولده بعد المسيح بمائة و خمس و سبعين سنة ووفاته سنة224 ومن تلاميذه :أفلوطين و تلميذ أفلوطين بروفيريوس اشتهر باسم فرفوريوس أخرج مذهب شيخه على صورة مجموعة مقالات سماها :التاسوعات وهو واضع كتاب "إيساغوجي" المدخل إلى مقولات أرسطو.
وهؤلاء ومن تبعهم يسمى الفرع الإسكندراني.
وجاء بعدهم يمبليخوس وهو تلميذ فرفوريوس ومن تبعه يسمى الفرع الشامي أو السوري إشارة إلى بلد مولد يمبليخوس.
ثم سريانوس و برقلس ومن تبعهم و يسمى الفرع الإثيني لكونهم كانوا بأثينا.
وهؤلاء لم يعرفهم العرب إلا في النادر ولم يذكرهم إلا القفطي في "تاريخ الحكماء" و الشهرستاني في"الملل و النحل" باسم الشيخ اليوناني،على ما في ذكرهم من خلل ،ذكر عنه بعض المقالات ثم جعل فصلا خاصا ببرقليس اقتصر فيه على بيان مذهبه في قدم العالم وفصل آخر ترجم فيه فرفوريوس و أتى فيه بكلام ليس من مذهب فرفوريوس إلا القليل منه، و أكثر ما نسبه الشهرستاني من كلام لأفلاطون و أرسطو وأصحاب الرواق وهو في الحقيقة من كلام الإسكندرانيين.
وهذا المذهب جمع مذاهب اليونان وحاول التوفيق بينها ويدور في معظمه على أساس:
1 ـ التوفيق بين أفلاطون و أرسطو و انه لا خلاف بينهما في الأصول و إنما الخلاف في أساليب البحث و الفروع قال سمبليقيوس في تفسير كتاب المقولات لأرسطو:إذا ظهر الخلاف بين أرسطو طاليس و أفلاطون فالقاعدة أن لا تقف عند ظاهر المعنى ولا يعتقد بوجود الخلاف حقيقة بين الحكيمين بل ينبغي عليك أن تستقصي معناهما فتجدهما موافقين لا محالة".
وعلى هذا الرأي بنى الفارابي فلسفته في رسالته" الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون و أرسطوطاليس"
2 ـ الحقيقة واحدة في الأديان والفلسفة "وحدة الحقيقة" فلا يجب أن يلغى قول من الأقوال بل يبحث عن وجه موافقته لأقوال الأخرى.وحدة الأديان.
3 ـ إذا تحقق الخلاف و تعذر الجمع بين أقوال الفلاسفة المختلفة اعتمد قول أفلاطون لأنه في نظرهم أقرب للحكمة الأولية.
4 ـ جوهر فلسفتهم أفلاطوني أرسطي مشوب بالفيثاغورسية.
قال البيروني في كتابه"تحقيق ما للهند من مقولة" قال بروقلس: التذكر و النسيان خاصان بالنفس الناطقة، و قد بان أنها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة و ذاهلة، إما عالمة : فعند مفارقتها البدن، و إما ذاهلة : فعند مقارنتها البدن، فإنها في المفارقة تكون في حيز العقل، فلذلك تكون عالمة، وفي المقارنة تنحط عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوة عليه.
ومن ذلك أخذ ابن سينا قصيدته في النفس:
هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع
ومنه قول ابن عربي في " رسالة النفس":النفس جوهر روحاني فاض على هذا القالب و أحياه، و اتخذه آلة على اكتساب المعارف و العلوم، حتى يستكمل جوهره بها و يصير عارفا بربه، عالما بحقائق مخلوقاته، فيستعد بذلك إلى الرجوع إلى حضرته، وليا من أوليائه في سعادة لا نهاية لها.
قال الغزالي في" مشكاة الأنوار" في الموازنة بين العين الحسية و العين القلبية ما نصه:العقل أولى بان يسمى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائض السبع" [ سماها قبله أفلوطين الجوهر النوراني:الإنسان الباطن، و العقل الأول،ذروة العقل، عين القلب.]
وقال مثل ذلك في "الإحياء"{3/36}:" البصيرة الباطنة هي عين النفس التي هي اللطيفة المدركة".
قال أفلوطين في " الكتاب التاسع": الحياة الكاملة المشبهة بالحياة الإلهية أن ينقطع المرء عن جميع الأمور الدنيوية و الملاذ الدنيئة، ويهجر بنفسه إلى الإله".
فملخص ما أخذه الفارابي و ابن سينا و الغزالي و ابن عربي عن الإسكندرانيين في هذا المسألة وهي التزاوج بين الفلسفة و التصوف وهي كيف تدرك الحقيقة المطلقة عن طريق إدراك مقام الفناء في الربوبية هو:
على طالب الفلسفة أن يزيل أولا الحجاب العقلي وهذا الحجاب ينشأ من الفكر و ما يعتاده الإنسان من التصور و التحليل و التركيب، و أنواع القياسات إلى غير ذلك من أعمال الفكر،مما يعيق توجيه نظر العقل إلى النور الباطن المتعالي عن التغيير و النابع من النفس والذي حجبه حجاب العقل وحجاب الجسم الغليظ، فإذا انقشع غمام العقل وصحا جوه بلغ الإنسان السكون التام، وحصل على ما هو الغاية المطلوبة من الفلسفة على قول أفلاطون، وهي تزكية النفس من الكدورات ،وحل الرباط الموجود بين الروح و البدن، فانكشف للبصيرة حقيقة كنهها و تحققت ما هيتها،ورأت أنها من الإله إلهية، ومن النور نورانية فانفتحت عينها و شاهدت ما وراء الحجاب.
قال أفلوطين: وذلك انه لا يمكن إدراك شيء إلا إذا كانت بين المدرك و المدرك نوع مشاكلة و محاكاة، فما دامت النفس متلبسة بالطبيعة المتكثرة ، لا تستطيع إدراك الواحد المحض البسيط، و غنما إذا تجردت عن العلائق الشخصية فكأنها رجعت إلى حالتها قبل أن تهبط للعالم السفلي و استعادت إدراكها فتنزل عليها حينئذ الأنوار و الفتوحات الإلهية.
قال في كتاب " أثولوجيا: إن المرء الصالح إذا ألقى عن نفسه الأشياء الدنية و زين نفسه بالأعمال المرضية أفاض على نفسه النور الأول من نوره و صيرها بهية".
يكون ذلك كالبرق في بداية أمرها ثم تتصل الأنوار وتدوم فيما بعد بتغيب النفس عن الحس و الإدراك وتنتقل في عالم فوق طور العقل و قد شاهد في فنائها ما لا عين رأت،قال: ومثل ذلك في غاية الندور في حياتنا الدنيا، لا يفوز به المرء إلا المرة و المرتين على فرض وقوعه.
وقد شهد أفلوطين على نفسه حسبما ذكره تلميذه فرفوريوس بحصول ذلك له أربع مرات،وما هذا إلا نموذج للحياة المقبلة المعدة لمن دوام على تصفية نفسه وواظب على الفكر و المراقبة من دون فتور.
قال ابن عربي في" فصوص الحكم":"إن لك منك غطاء فضلا عن إلباسك في البدن، فاجتهد أن ترفع الحجاب و تتجرد، فحينئذ تلحق فلا تسأل عما تباشره، فإن مت فويل لك، و إن سلمت فطوبى لك، و أنت في بدنك تكون كأنك لست في بدنك و كأنك في صقع الملكوت".
قال في كتاب" أثولوجيا" مقتبس من الكتاب الرابع من إلهيات أفلوطين:إني ما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبا، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن،فأكون داخلا في ذاتي خارجا عن سائر الأشياء،فأكون: العلم و العالم و المعلوم جميعا،فأرى في ذاتي من الحسن و البهاء و الضياء ما أبقى له متعجبا بها، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الشريف الفاضل الإلهي، ذو حياة فعالة، فلما أيقنت ذلك، ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي،فصرت كأني موضوع فيها متعلق بها، فأكون فوق العالم العقلي كله فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف الإلهي فأرى هناك من النور و البهاء ملا تقدر الألسن على صفته، ولا تعيه الأسماع، فإذا استغرقني ذلك النور و البهاء،ولم أقو على احتماله هبطت من العقل إلى الفكر و الروية،فإذا صرت في عالم الفكر و الروية، حجبت الفكرة، عن ذلك النور و البهاء.
فالعلم عند القوم إذن علمان: علم يتعلق بالعقل و الأعمال الفكرية، وعلم يتعلق بالعين الباطنة،أي المكاشفة لا دخل للعقل فيه، ولا يمكن التعبير عنه بوجه، ولذلك انقسمت الفلسفة عندهم قسمين: قسم علمي ينظر في علل الموجودات و ارتباطها بعضها ببعض، من العلة الأولى إلى الأسفل دركاتها، ثم عروجها إلى مبدئها.
وفلسفة عملية : ترشد الطالب إلى الطريق الموصل لمبدئه، ثم علم مكاشفة لا يبلغ إليه إلا القليل النادر ممن اكتشف على الباطن في القلوب،وهو ذوقي محض لا يدرك إلا بتصفية الباطن، ثم العناية الإلهية.
فغذا قبلنا بين آراء أفلوطين و آراء الفلاسفة الإسلاميين كالفارابي و ابن سينا و ابن باجة، و الرازي،و السهروردي و الشيرازي و المتصوفة كالغزالي و ابن مسرة و ابن عربي و ابن سبعين و القونوي و غيرهم وجدناها متطابقة كل عقيدتهم في النفس ، و العلم، و العقل، و الفناء، و التجرد،والحقيقة، و العالم العلوي و العالم السفلي مأخوذة عن أفلوطين و ليس عن الكتاب و السنة.
قال الغزالي في" الإحياء": اعلم أن علم طريق الآخرة قسمان: علم مكاشفة، وعلم معاملة، وعلم المكاشفة عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره و تزكيته من صفاته المذمومة و ينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير واضحة، فتظهر إذ ذاك المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، و بصفاته الباقيات التامات و بأفعاله و بحكمه في خلق الدنيا و الآخرة.
فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى يتضح له جلية الحسن في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه،وهذا ممكن في جوهر الإنسان، لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها و خبثها بقاذورات الدنيا، و غنما نعني بعلم طريق الآخرة،العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه و تعالى، وعن معرفة صفاته و أفعاله، و غنما تصفيتها و تطهريها في الكف عن الشهوات و الاقتداء بالأنبياء صلى الله عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب و يحاذي به شطر الحسن يتلألأ فيه حقايقه".
فهذا وجه المطابقة في هذه المسائل و نفس كلام أفلوطين في الطرق المؤدية إلى العلم الإلهي يقول به الغزالي في ميزان العمل، و الإحياء، و كيمياء السعادة، و إلجام العوام و المنقذ من الضلال ،وغيرها من كتبه ويقول به ابن سينا و ابن رشد نوعا ما.
فتجدهم في كتبهم يقولون: اختلفت الطرق المؤدية إلى علم الإلهيات فمن الطالبين من طلب إدراكه بالبحث و النظر وهؤلاء زمرة الباحثين ورئيسهم:أرسطو و هذه الطريق انفع للتعلم لو وفى بجملة المطالب و قامت عليها براهين يقينية، ومنهم من سلك طريق تصفية النفس بالرياضة و أكثرهم يصل إلى أمور ذوقية يكشفها له العيان، ويجل أن توصف بلسان،ومنهم من ابتدأ أمره بالحث و النظر و انتهى إلى التجريد و تصفية النفس، فجمع بين الفضيلتين و ينسب مثل هذا الحال إلى سقراط و أفلاطون و السهروردي".انظر" كشف الظنون"و" إرشاد القاصد إلى أسمى المقاصد" و" الإشارات" و"ميزان العمل" للغزالي.
قالوا: وهذا العلم الباطن مما لا ينبغي إفشاؤه إلى غير أهله،ولذلك كان أفلاطون يعلم الناس علانية و يلحق بذلك درسا خصوصيا للحكمة السرية المضنون بها على غير أهلها، لا يحضره إلا من يختاره من تلاميذه،فهي الحكمة التي لم يودعها الكتب تناقلت على لسان تلاميذه جيلا بعد جيل إلى أن وصلت إلى الشيعة الإسكندرانية، قال الفارابي في كتاب" الجميع بين أفلاطون و أرسطو": كان أفلاطون يمنع في قديم الأيام من تدوين العلوم و إيداعها بطون الكتب دون الصدور الزكية و العقول المرضية فلما خشي على نفسه النسيان و ذهاب ما يستنبطه اختار الرموز و الغاز قصدا منه لتدوين علومه و حكمته على السبيل الذي لا يطالع عليه إلا المستحقون لها".
قال ابن أبي أصيبعة ناقلا عن بشر بن فاتك قال: كان أفلاطون يرمز حكمته و يسترها و يتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة".
وكل هذا يقرب مما التزمه الصوفية من عدم إفشاء علوم المكاشفة عندهم،قال الغزالي في"الإحياء": المقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب،وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة و بطريق الأسرار،وهذا هو العلم الخفي".
وحدة الأديان التي نادى بها الفلاسفة المنتسبون للإسلام:
قال الأفلاطونيون المحدثون: إن الفلسفة و العبادة عبارتان من معبر واحد، لا يختلف إلا من حيث الأساليب و الطرق مع اتحاد الغاية فيهما،فإن مطلوب الفلسفة يرجع إلى إصلاح القلب و تهذيب الأخلاق و إسعاف الإنسان على الرجوع إلى الإله ولا غاية للعبادة غير ذلك،فالفيلسوف يطلب الإله عن طريق الفكر و العقل و العابد يقصده بالذوق و القلب و انتهاء الطريقين واحد،قال أفلوطين: الكشف عن الإله ثم الاتصال به و الخلاف الموجود راجع إلى الظواهر فإن الملل قد وضعت لتقريب الحقائق الإلهية للأفهام العامية فتلبست بقشور حسية مما يناسب أفكار الجمهور و عوائدهم.
قال :برقلس:إن القصص و الروايات المتداولة عن الآلهة تخفي الحسن عن غير أهله وتجليه لم يستحق فهمه.
قالوا: ولا سبيل لذلك إلا التأويل، فإنا إذا أخذنا الاعتقادات على ظاهر معناها لا نتوصل بها إلا إلى الالتباس، قال فرفوريوس: إن عدم الإيمان أحسن من الإيمان بما تعتقد به العامة.
ومنه قال ابن رشد في" الكشف عن مناهج الأدلة":الصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة إنها ليست مخالفة لها.... و أن الرأي في الشريعة الذي اعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأي : إما مبتدع في الشريعة لا من أصلها، و إما رأي خطأ في الحكمة اعني: تأويل خطأ عليها".
وجه تناقض دعوة وحدة الأديان مع جوهر الفلسفة:
أما قولهم بالتحاق الفلسفة بالعبادة فهو مخالف لمذاهب الفلاسفة لأنها في عرفهم البحث العقلي المحض من غير تعرض إلى غيره من المباحث لأنه إذا أدخلنا على الفلسفة مسالك ليست من مسالكها كالكلام في الذوق و الحال و القلب مما هو خارج عن أساليب العقل لا يخلو الحال من أن تكون عاقبته وخيمة على الفلسفة و امتزاج مواردها بالدين يفسدها و يفسد الدين وهذا ما وقع للاسكندرانيين فبعد موت أفلوطين سنة269 ميلادية أصبحت الفلسفة تميل عن البحث العقلي المحض إلى الانتصار للمسيحية أو اليهودية أو أية ملة قومية فصار أكثر تشوق روادها الاطلاع على المغيبات وخوارق العادات وغريب المكاشفات كما حصل لـ يمبليخوس فدخلوا في الاعتناء بالسحر و علم التصرف بأسماء الشياطين و الكواكب و الطلاسم و الكهانة و النجوم مما هو بعيد عن موارد الفلسفة مما أدى إلى تلاشي الأفلاطونية المحدثة و استيلاء النصارى على الأمر فبقيت مبثوثة في الفلسفة النصرانية لتنصر بعض الأفلاطونيين المحدثين.
فالمذهب الأفلاطوني الحديث انتقل إلى الإلهيين النصارى عن طريق كتاب ديونيسيسوس حرره أفلاطوني مجهول بهذا الاسم ادعى انه من تلاميذ بولس وحرر شرح أسرار الربوبية ودرجات عالم الملكوت و الكنيسة السماوية على المذهب الأفلاطوني فصار من ذلك الوقت عمدة النصارى هو في الحق فلسفة أفلوطين و أشياعه من الإسكندرنيين بدلت العبارات بعبارات نصرانية و تم تعديله شيئا قليلا ليوافق بعض العقائد النصرانية ، ومن النصرانية دخل على المسلمين فشرب منه المعتزلة الذين كان الكندي أحد رجالتهم وشرحه بالعربية الفارابي ونشره ابن سينا و تقمصه الصوفية و الفلاسفة على حد سواء كالسهروردي و الغزالي و ابن عربي و غيرهم.
قال ابن أبي أصيبعة في" تاريخ الحكماء"{ص:36}:" إن أهم المذاهب لمعرفة موارد أفكار فلاسفة العرب هو مذهب: ديمقريطس صاحب القول: بالجزء الذي لا يتجزأ،وهو من أمهات المذاهب في الطبيعيات عند الأشاعرة وفرقة من المعتزلة ثم أفلاطون و ارسطا طاليس ثم أصحاب الرواق ثم الاسكندرانيين أصحاب أفلوطين وفورفوريوس و برقلس وهم قدوة حكماء الإسلام".
وبهذا تعرف أن ما نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية للفلاسفة و المتكلمين موافق للحقيقة وتؤكده الدراسات التاريخية الجادة وبه تعرف عدم دقة الكاتب السعودي في تحليله لشخصية ابن تيمية العلمية في جانبها النقضي للفلسفة.
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرزيو/ الجزائر في 12 رمضان1430
مختار الأخضر طيباوي
المصدر: منتديات كل السلفيين. ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])
جواب الأخ البومرداسي عن مقال جريدة الشرق الأوسط
عن ابن تيمية و الفلسفة
الحلقة الثالثة
قال الكاتب السعودي:
وقد هاجم ابن تيمية فلاسفة الصوفية بشدة قاسية، حيث كفّر ابن عربي وابن سبعين والقونوي والتلمساني وغيرهم.
أمّا القسم الرابع من الفلاسفة الذين عرض لهم ابن تيمية فهم الباطنية، حيث يرى أنهم من المتفلسفة المنتسبين إلى الإسلام، وأن أصل دينهم مأخوذ من المجوس والصابئين، وأنهم يتظاهرون بالتشيع وهم في الأصل ملاحدة. وهم عنده أشد في الكفر من الفلاسفة أمثال الفارابي وابن سينا.
وكذلك نقد ابن تيمية المنطق، لكن ما يهمنا هنا هو بيان سبب نقده له، فابن تيمية نقد المنطق لأنه وجد أنّ من أصول فساد قول المتكلمين والفلاسفة في الإلهيات هو ما ذكروه في المنطق.
فمقصده من نقد المنطق هو نقد «الإلهيات».
قلت: لم يكن نقض ابن تيمية للمنطق لأنه أساس الإلهيات الفاسدة عند الفلاسفة فقط بل لأنه أصل نظرية المعرفة عندهم، فالمنطق لا تقابله الإلهيات بل هو أداة الخوض فيها ولكن يقابله مصدر التلقي، فالمنطق مصدر التلقي عن الفلاسفة بينما عند المسلمين مصدر التلقي النبوة.
وعليه كان نقض المنطق نقضا لنظرية المعرفة الفلسفية.
فهذا المنطق علم يجري استنتاجاته وفقا لقوانين العقل الذي يعمل به، وهو عقل وثني عميق في الميتافيزيقا اليونانية، بل أي عقل آخر كيف له أن يضع قوانين توجب لله هذا، و تمنع عنه ذاك؟!
فالمنطق المشائي الصوري لا يعالج إلا الأحكام التحليلية التي تعبر عن العلاقة بين المحمول والموضوع إذ المحمول محتوى في الموضوع، وبهذا يظهر أنه في ذاته عقيم أي لا يكفي نفسه بنفسه.
فالحقيقة المنطقية عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية، ولذلك استغنت العلوم المختلفة عن المنطق، ولم تعمل بأي مبادئه، ومع ذلك أنتجت علما وأدركت حقائق، لأنها علوم لا تكترث بالصواب والخطأ المثالي أو التجريدي بل بالصواب والخطأ في الواقع.
فالمحمولات في علم المنطق ليست سوى صيغ محدودة للفهم تفرض حدا للحقيقة بدلا من أن تعبر عنها، والذهن الإنساني يشعر شعورا فطريا بأنّ المحمولات التي موضوعها الله أو الغيب تخفق في استيعاب الموضوع، لأنّ الله سبحانه وتعالى خارج عن مجال تصور العقل البشري.
والفهم الإنساني يجد نفسه في مجاله الفطري عندما يحدد المحدود الطبيعي فهذا نشاطه لأنه لا يعرف من الصور إلا ما كان محدودا، لكنه يدرك عدم قدرته على التصور إذا كان موضوع التصور هو الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا تدرك كنهه العقول كما يقول أهل السنة والجماعة.
ولما كان الله ليس كمثله شيء، فإن أي قياس منطقي يكون محموله الله تبقى مقدمات هذا القياس منفصلة عن محمولها ومنعزلة لأنها غريبة عن محمولها الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
إن الفلاسفة يسوقون موضوعاتهم على نسق شمولات وإطلاقات يتساهلون في إقرارها، فلهم تصورات شائعة في عقائدهم المنطقية منها يفترضون موضوعاتهم، فخذ أية قضية تجد المحمول محتاج إلى التصور الشائع، وهذه التصورات الشائعة تجدها تحتاج إلى تعريف ثابت ودائم، وهم لا يعرفون الله، ولا يعرفون النبوات، ولا يستطيعون التعريف به لأنهم ينفون صفاته وأسمائه، فكيف يعرف بدون صفاته وأسمائه ؟
وعليه تجد محمولات القياس الفلسفي الكلامي مناطا لكثير من التأويلات التي يتنازعون حولها، وما كان كذلك لم يصلح أن يكون مقدمة القياس.
فالله سبحانه وتعالى ليس قضية جزئية تقع تحت قياس تمثيلي، ولا قاعدة كلية يناط بها الحكم في قياس شمولي إنه رب العالمين، و مالك يوم الدين، لا يحيطون بشيء من علمه، وسع كرسيه السموات والأرض.
إشكالية التصور:
لكي ننظر في شيء ما يجب أن نكون متصورين له، لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون للتصور وجود مسبق بالضرورة أو أن يكوّنه العقل بدون مواد من الخارج والواقع، وعليه فالعلم يكون بالاهتمام بالمضمون الواقعي للتصور لأنه هو المضمون الحقيقي للتصور، فإن تجريد التصور يوقعنا في مكننة الفكر ويتردى بنا في الآلية الصرفة التي لا تنسجم مع نفسية الإنسان وفطرية الفكر، فتجريد التصور من كل مضمونه الواقعي يتيه معه الإنسان في مماحكات سخيفة تنتهي به إلى الاستدلال الفارغ من كل مضمون، وإذا كان التصور هو إدراك العقل موضوعه في ماهيته دون إثبات ولا نفي، وقد علمنا أنّ هذا لا يكون إلاّ في الذهن فإنه في الخارج لا واسطة بين النفي و الإثبات، ومن هنا لم يكن التصور واقعيا بل كان نظريا بحثا، ففكرة العلة فطرية في الإنسان كما هوة فطري طلبها والعقل يكون فعّالا في إدراكها عند ملاحظة اطراد الوقائع.
وبهذا تعرف أنّ الاستمرار في تحليل الظواهر الذهنية إلى أقصى حد كما هو في المنطق الصوري يكدّر العقل البشري، ولا ينتج معرفة ذات قيمة واقعية، والتصور تعتريه أحوال النفس فمن جهة قد يكون مجرد وعي بقضية وقد يكون هو فعل العقل كما في التصور الصوري.
بيان أوجه العقم المعرفي في المنطق الصوري:
1 ـ إذا قدر بعض الناس كابن سينا والغزالي وغيرهم أنّ المنطق هو علم الشروط العليا للصادق والصدق المعرفي لأنه أداة عصمة العقل من الزلل، وقد تبين لكثير من الناس أن المنطق الصوري لا يكفي نفسه بنفسه و أنه محتاج دائما أن يطبق على شيء، وأن يكون معمولا من أجل العلم الفلسفي، فهو غير خارج عن أصول الفلسفة، ومعمول لتبرير هذه الأصول، فنظرية القياس فيه ليست سوى عمل تمهيدي لنظرية البرهان والعلم الموجودة في التحليلات الأخيرة عند أرسطو، والتي الغرض منها تبرير فلسفة أرسطو في الوجود، وتقسيمه إلى مادة وصورة، وجعل منتهى العلم إدراك العلة الأولى.
وإذا عجزت فلسفة أرسطو وأفلاطون عن تبرير صدور الكثرة عن الواحد ـ المحض البسيط في عقيدتهم ـ وعجزت عن تبرير وشرح الاتصال بين عالم الوجود الحسي وعالم المثل عند أفلاطون وعالم العقل عند أرسطو رغم أن الإسنكدرانييين أسعفوها بنظرية الفيض والصدور لزم أن المنطق المعمول لعصمة العقل من الزلل ولتكوين معارف صادقة في أعلى شروط الصدق قد أخفق هو الآخر، و بالتالي كان عقيما في أخص خصائصه، لا يولّد علما متساوقا مع فطرة الإنسان خال من التناقض، وهو علم يزعم له الخلو من التناقض!.
2 ـ إن علم المنطق هو علم الكلي والكليات، قال أرسطو أن العلم موضوعه التصور والمعنى العام والكلي، لذلك كانت قواعده تجري في عالم مثالي هو العالم الذهني وهذه القواعد عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية لأنها لا تفرق بين الحقيقة المنطقية التي هي حقيقة ذهنية، و بين الحقيقة الطبيعية التي هي حقيقة واقعية.
وإذا جاز أن نقول إن الحد الأوسط وإن كان هو العلة ويمثل الجانب التجريبي في المنطق الصوري إذ لا يستخلص الحد الأوسط إلا من الحس وهذا يعطينا قيمة التجربة الحسية في بناء المعرفة التي لم يتركها أرسطو تنطلق إلى وجهتها حتى جاء المنطق التجريبي ومنطق الاستقراء لأن المنطق وقياسه بقي رغم تجريبية الحد الأوسط بقي مرتبطا بمتيافزياء الوجود التي هو أداتها رغم أنف المتكلمين
3 ـ من معلوم لكل قارئ يقرأ أقسام العلوم عند الفلاسفة ومقدمتهم في المنطق أنهم جعلوه علما يكتسي طابعا وثوقيا ذهنيا ثم يتبين أنّ القائلين به لم يتّفقوا على شيء واحد مما ينتجه هذا المنطق عند ممارسته في المعرفة، نعم قد يكونون متوافقين عليه في إطاره النظري أو قل متوافقين على المنطق اللفظي منه أما عند إعماله لم نجدهم متفقين على شيء حتى المقولات أو المحمولات اختلفوا فيها زيادة ونقصا وهذا يدل على عقمه.
4 ـ إنّ المنطق الصوري في جوهره يمثل فلسفة للصورة والتصور في الجانب الكيفي ولذلك يتعارض مع النبوات تعارضا تاما، وما قرينة الجسمية الزائفة التي يصرف بها المتكلمون ظاهر النصوص إلى التعطيل إلاّ دليلا على عقمه في الإلهيات حيث لا كيف.
5 ـ إذا كان التصور في المنطق الصوري يعبّر عن ماهية الشيء دون الوصول إلى الواقع فلا يهتم بمضمون التصور الواقعي ولا بالتكوين النفسي للتصور ولا بقيمة التصور الموضوعية بل موضوعه الصحة الذاتية للتصور لزم أنّه عقيم لا ينتج علما يتفاعل مع الواقع، ويبقي الإنسان المفكر في الخيال المحض.
6ـ من المعلوم أن إمكان التصور هو صلاحيته الميتافيزيائية للوجود، فالموجودات المنطقية إنما ينظر إليها من حيث هي ممكنات سيان وجودها بالفعل وعدمها، بل يمكن أن تكون موجودات ذهنية أو تعبيرا عن مجرد نفي"العدم"، وهذا هو العقم بعينه، ولذلك كانت معارفهم الإلهية معارف سلبية.
شكلية المنطق:
المنطق في حقيقته لا ينظر إلى الفكر من حيث هو عملية الفكر بل من حيث هو نتاج الفكر فهو لا يعالج التصور و الحكم و الاستدلال بل التصورات و الأحكام و الاستدلالات وهو لا يقدر على غير ذلك.
و إذا سلم أهل هذا المنطق بأننا لا نفكر بدون صورة والصورة المجموعة في التصور لا تطابق صور أفراد المجموع فردا فردا لزم أن صورة المجموع مشوّهة.
وبهذا تعرف أنّ التصور ليس شيئا آخر غير صور جمعية تم تعديلها وبالتالي لا يكون وحدة صالحة لسلسلة غير محدودة من الوقائع، و قد يزعمون أن المنطق الأرسطي يفترض فلسفة عامة واقعية، وهم يسلمون بأنه لا واقع إلا من الفرد ولا علم إلا من الكلي فهذا تناقض بين واقعية فردية و واقعية عامة، فلما أدركوا أنه لم يبق للواقع في منطق أرسطو إلا بقايا مندثرة والواقع هو ما يضفي صفة الثبوت على علم ما زعموا أنه يقوم على فلسفة عامة واقعية ليزعموا له نوعا من الثبات، وقد علمنا أن تقسيم الوجود إلى مادة وصورة ليس من الواقع في شيء.
قال الكاتب السعودي!
* أثر الفلسفة في ابن تيمية
* لا يمكن لأي شخص أن يتعمق في دراسة مذهب فكري أو فلسفي دون أن يتأثر به من حيث يشعر أو لا يشعر، ولا بد أن يستفيد من دراسته تلك.
قلت: من جهة يصف الكاتب رد ابن تيمية على الفلسفة بأنه لم يكن كاملا بل كان على شكل مقتطفات من هنا وهناك ينقل رد هذا على ذاك، وهذا يفرغ رده من محتواه الشرعي ومن جهد ابن تيمية، ومن جهة دراسته للفلسفة كانت متعمقة حتى أثرت فيه سواء شعر بها أو لم يشعر، كأنما الكاتب يشعر بدل ابن تيمية؟!
يريد الكاتب أن يسلب ابن تيمية أية مزية في نقده الفلسفة فهو من جهة استعان بالفلاسفة على الفلاسفة، ومن جهة تأثر بها فإن كان هناك شيئا أجاده أو أصاب فيه فبحكم تأثير الفلسفة فيه؟!
قال الكاتب السعودي!
فما الذي استفاده ابن تيمية من الفلسفة، وما الذي أخذ منها؟
هذا جانب مهم من جوانب ابن تيمية الفكرية، أغفله الدارسون، فلا نكاد نجد من دراسات في هذا الجانب إلا دراسة عبد المجيد الصغير «مواقف رشدية عند ابن تيمية»، وبعض الإشارات عند باحثين وعلماء آخرين، مثل الشيخ محمد زاهد الكوثري ود. محمد علي أبو ريان.
قلت:إذ قد بين الكاتب مصادره ـ متفلسفان و متكلم !ـ فقد عرفنا خلفيته وإلى أين يقصد.
وأنا أقول له صراحة وبداية : لم يستفد ابن تيمية من الفلسفة شيء إلا بيان تناقض القوم وضرب بعضهم ببعض أما المسائل العلمية في العقيدة و بيان مصدر التلقي و إقرار النبوات فلم يأخذ منها شيئا، أي لم يستفد منهم في إقرار الحق شيء ولكن استفاد منهم في رد الباطل و الشبه عن الحق.
قال الكاتب السعودي!
ولا يمكن أن أحيط (من حيث الكم أو الكيف)، بما أخذ ابن تيمية من الفلاسفة، إلا أنني سأكتفي بالإشارة إلى بعض الجوانب:
1 ـ ينقل ابن تيمية كلام الفلاسفة ليرد به على المتكلمين، كما في رد ابن رشد على الغزالي.
قلت: اعتبار الفصول التي نقلها من كلام الغزالي وابن رشد والمناظرة المكتوبة التي جرت بينهما أي رد ابن رشد على الغزالي لا يعتبره استفادة إلا من يعتبر كل نقل وحكاية لكلام الناس في العالم استفادة منهم.
وقد رجح ابن تيمية أحيانا كلام ابن رشد كما في الجواز المحض وغيرها ورجح كلام الغزالي كما في إثبات الصفات وعلاقتها بالذات فمن أين لهم أنه استفاد من ابن رشد في الرد على الغزالي وقد نصر الغزالي على ابن رشد في مواضع كثيرة.
قال الكاتب السعودي!
2 ـ ويرد ابن تيمية على المتكلمين، لا سيما المتأخرين منهم ببيان أن أصول مناهجهم في الاستدلال مأخوذة من مناهج الفلاسفة وأقوالهم.
قلت:أين الاستفادة من الفلسفة هنا؟!
عندما نقول:فلان استفاد من الفلسفة يعني في بناء عقيدته أو فكرته هذه الاستفادة الحقيقية و قد نعتبر من الاستفادة الاستعانة بالفلسفة لإبطال الفلسفة ولكن ليس هذا المقصود الأول من الاستفادة التي يعبر عنها الكاتب بكلمة تأثّر.
قال الكاتب السعودي!
3 ـ يرى ابن تيمية أن تأويلات المتكلمين وابتداعهم هي التي مهدت الطريق للفلاسفة وتأويلاتهم، فيحتج بهذا على إبطال تأويلات المتكلمين.
قلت: يجاب عنه بالجواب السابق نفسه.
قال الكاتب السعودي!
4 ـ واستفاد ابن تيمية من رد بعض الفلاسفة على بعض، فاستفاد من ردود ابن رشد على ابن سينا وردود السهروردي على كثير من الفلاسفة وردود ابن ملكا على الفلاسفة وردود ابن سبعين على غيره.
فابن تيمية يأخذ من كلام الراد ليبطل به كلام المردود عليه، هذا في المسائل التي يكون الراد موافقا لابن تيمية فيها، اي ان ابن تيمية عندما يريد الرد على قول لأحد الفلاسفة يأخذ اي رد على هذا القول لأي فيلسوف آخر.
قلت:نعم بشرط أن يكون قول الراد منهم مبطلا لقول المردود عليه بحق موافقا للحقيقة العلمية، فإن كلام الكاتب يفهم منه أنه كان يرد بما يقع تحت يده ولو كان باطلا ،وهذا غير صحيح ، وكتب شيخ الإسلام أمامه.
قال الكاتب السعودي!
5 ـ أما من ناحية الاستفادة المباشرة، فقد استفاد ابن تيمية من كثير من الفلاسفة، ومنهم:
ـ ابن ملكا: وهو أعظم الفلاسفة تأثيرا في ابن تيمية، ونجد تأثيره الكبير في استعانة ابن تيمية بكلامه في الرد على المتكلمين، في مسألة «حلول الحوادث» أو «قيام الأفعال الاختيارية بالله» ومسألة «العلم الإلهي».
قلت:أبو البركات كان يهوديا عاش في بيئة سنية ولما أسلم نفعته بيئته التي عاش فيها، وهو من أعقل الفلاسفة لم يكن منخرطا بكليته في فلسفة الإغريق مثل ابن سينا والفارابي حتى يدافع عن هراء وجهل حتى عند الفلاسفة المعاصرين مثل نظرية الفيض والصدور.
ولذلك كان أول من أبطلها وكان أول من نقض ابن سينا في كثير من المسائل في العلم والنفس، أما أنه أثر في ابن تيمية فهذه كلمة فيها كثير من التجاوز لأن كون هذا الفيلسوف أقرب للإسلام من ذاك، و كلامه أجود و استعارة مقدماته و أدلته الصحيحة لإبطال الباطل دون الاعتماد عليها كلية بل الاعتماد على الكتاب و السنة لا علاقة له بالتأثر من أية جهة كانت.
قال الكاتب السعودي!
وقد استفاد منه أيضا في نقده للمنطق، في مسألة نقد «فكرة الحد عند أرسطو»، كما استفاد منه في مسألة «الأقيسة الشرطية».
قلت: قد ذكر ابن تيمية في كتبه النظار المسلمين الذين انتقدوا المنطق ولم يذكر ابن ملكا فقط، فقد ذكر حتى الشيعة مثل النوبختي و من المعتزلة النظام ، ولاشك أن اطلاعه على نقدهم للمنطق أعانه على صياغة نقض متكامل للمنطق المشائي.
وقد بينت في هذا الرد أن نقض ابن تيمية للمنطق لم يسبق إليه ولم يكتف بنقضه فقط بل رسخ علميا البديل له، و هو أسلوب و منهج المسلمين في المعرفة.
قال الكاتب السعودي!
ـ ابن رشد: وقد استفاد منه ابن تيمية كثيرا، لا سيما في رده على ابن سينا، وفي رده على المتكلمين، وبخاصة إبطال قاعدتهم في «قياس الغائب على الشاهد» وكذلك في إبطال استدلالهم على وجود الله، عز وجل، بدليل حدوث الأعراض وغير ذلك كثير من المسائل.
والفلاسفة الذين استفاد منهم ابن تيمية كثير، تحتاج دراستهم إلى وقت طويل، ومكان ليس هذا محله.
وينبغي الإشارة إلى أن «الجزم» بتأثير فيلسوف معين على بن تيمية في مسألة معينة أمر يحتاج إلى الدقة وعدم التسرع، فمجرد التشابه لا يعني أن ابن تيمية نقل ذلك القول من ذلك الفيلسوف، بل لا بد من شواهد أخرى تورث اليقين أو الظن الغالب بذلك الرأي.
قلت: قد أجاب الكاتب نفسه وعندما يترك الإجمال نجيبه.
قال الكاتب السعودي!
6 ـ واستفاد ابن تيمية من الفلاسفة في الرد على المتكلمين في إبطالهم «التسلسل في الماضي» أو ما يعرف بـ «حوادث لا أول لها»، وذلك في تفريقه بين قدم الآحاد وقدم النوع.
قلت:إذا كان الفلاسفة يقولون بقدم العالم فكيف استفاد منهم قولا يناقض قولهم؟!
قال الكاتب السعودي!
7 ـ ولما كان ابن تيمية في معرض الجدال مع الفلاسفة والمتكلمين، فقد استعمل ألفاظهم ومصطلحاتهم، وهذا ما لم يفعله السلف، ولذا فقد وضع قاعدته المشهورة وهي: «مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم»، حيث يقول: «وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه، إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة أذا لم يحتج إليه».* كاتب وباحث سعودي
قلت: : السلف لم يتطور في وقتهم البحث في حدوث العالم ، وإثبات وجود الله ، فهذه المسألة كانت في وقت الأشعري وقبله بقليل ، ولكن مذهب السلف في كلام الله والصفات عموما هو معنى ما ذهب إليه شيخ الإسلام بالاستنباط ، فلما كانت المسألة المشهورة عند السلف هي مسألة الكلام فصلوا فيها و أبانوا عن مذهبهم بخلاف مسألة حدوث العالم أو بدء الحوادث، فإنك تجد مذهبهم فيها في مسألة الأفعال الاختيارية كصفة الكلام وغيرها.
وكما قال شيخ الإسلام في" المنهاج"{110/2}:" الكتاب والسنة يدل بالإخبار تارة ، ويدل بالتنبيه تارة، والإرشاد والبيان للأدلة العقلية تارة."
ولذلك تجد تفاصيل هذه المسائل عند المتاخرين، وقد اشتد الخلاف حول صفات الأفعال، فوجب رد الأمر لأصوله، وبناء هذه المسألة على اعتقاد السلف .
وهذا الآن تفصيل يوضح بعض ما أشار إليه الكاتب السعودي وطرحه على شكل نقاط هي أشبه بالشبه و التشكيك مثل قول ابن تيمية بان الفسلفة في الألهيات أكثرها كفر، و انها افسدت مذاهب المتكلمين،وككون مذهب وحدة الوجود هو المذهب الذي انتهت إليه الفسلفة في العالم الإسلامي وحتى عند الإغريق و لذلك خصّه ابن تيمية بنقض مفصل دقيق، وبيّن أنه مذهب فلسفي لا علاقة له بالإسلام مما يدعم قول ابن تيمية بانهم شر من اليهود و النصارى خلافا للكاتب السعودي.
وكذلك بيان اضطراب المتكلمين و الفلاسفة المنتسبين للإسلام في تحقيق مقالات الفلاسفة الإغريق،ومسألة وحدة الأديان التي نسبها إليهم وغيرها من مسائل أثارها الكاتب السعودي فهذا جوابها.
إشكالية التصور الفلسفي:إن المنهج المعرفي في الفلسفة يعتمد على مبدأ تعليق المعارف والأفكار الموجودة ولو كانت حقا قام عليه الوجود شاهدا،فالفيلسوف لا يسلم بما هو موجود حتى يثبت هو بعقله أنه موجود ، ولو جاز لنا التعبير عن هذا الموضوع لقلنا : إن الموجود بالنسبة للفلسفة لا يكون موجودا حتى تثبت الفلسفة انه موجود ،ومع ذلك نقول:إذا لم تستطع الفلسفة إثبات وجوده وهو مع ذلك موجود وعرفنا وجوده بما رفضت الفلسفة استعماله من طرق المعرفة النبوية والفطرية الضرورية، أفيكون الخلل في الموجود أم في منهجها في المعرفة؟
فإذا كان الذهن الفلسفي المفكر لا يرتفع إلى المعرفة إلا بتكوين أفكار شاملة هي تمثلات ذهنية ، كان هذا افتراض للوجود الذهني ، ومعلوم بالاتفاق وببداهة العقول أن وجود الأشياء لا يفتقر إلى وجودها في الأذهان.
وعليه كان وجود الموجودات في الفلسفة وجودا ذهنيا لا حقيقة له في الواقع ، فثبت إذن الشك في قدرة الذهن على إثبات الحق الموجود بكل صفات وجوده كما يثبته الأنبياء إلها موصوفا بصفات الكمال .
وبهذا تعرف أن التصور لم يكن ولن يكون مناط لمعرفة الحق الموجود فلم تبق إلا الضروريات وأخبار الصادقين و هي عند الأنبياء و أتباعهم.
الفلسفة ـ كما عند هيجل ـ فكر ثان أو لاحق أو تال ، وهو يقصد أن هناك فكرا أولا، هو الذي يكون في حياة الناس اليومية ، والفلسفة تدرس هذا الفكر وتستخلص منه فكرا ثان ، فالفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبت بين الناس بالفعل ، فلا تظهر الفلسفة حتى يكتمل بناء الواقع ، وهكذا كان في التاريخ البشري لم تظهر حتى عرف الناس كل الحقائق المتعلقة بوجودهم ومصيرهم فظهرت متأخرة بعد عصر موسى عليه السلام .
وإذا كانت الفلسفة فكرا ثان فتصورها للأشياء تصور ثان،ولذلك لم تستطع التخلص من إشكالية الدور في التعريف فإذا كان الحاد للشيء لا يحده إلا بمعرفة سابقة للحد قد تكون مجملة تعقبها بواسطة الحد معرفة أكثر تفصيلا منها،علمنا أن عملية التحديد التي يجريها الفيلسوف هي عملية استثمار للمعرفة المجملة يبقى الإشكال هو أن المعرفة المجملة هي الفكر الأول و المعرفة التي تعقب التحديد المنطقي فكر ثان،ولم تبرهن الفلسفة أن الفكر الثاني أحسن و أصدق من الفكر الأول في كل ما ادعته،فهاهنا قضيتان:
1 ـ ليس التحديد وحده من طرق التعريف و التمييز،مادام مسبوقا بمعرفة وهذه المعرفة أنتجت معارفا منها المنطق، بينما بقي المنطق عقيما لا ينتج معرفة ملموسة بحيث أننا وجدنا المعارف المنطقية عند ممارسة المعرفة تصطدم دائما بالمعارف الحسية و التجريبية وتصير مجرد نظرية لها نوعا من القوة و الوجود ما دامت في إطار التجريد الذهني.
2 ـ التحديد هو وصف اصطلاحي لعملية فكرية فطرية،فمن المتفق عليه بين العقلاء أن الإنسان يمكنه أن يفكر بدون المنطق ، تماما كما يمكنه أن يبصر دون أن يدرس البصريات ، فإذا كان تفكيره بعد دراسة المنطق لا يعدو القدرة على التصنيف والمقابلة لم يكن في هذا أي مدح للمنطق ، فلإن قدرة الإنسان على الإبصار دون أن يدرس البصريات لا تتغير بعد أن يدرسها .
إن كليات المسلم أن الله هو الخالق البارئ المصور الرازق الغفور الحليم المحي المميت الجبار العلي المستكبر الحي القيوم ، وكليات الفيلسوف أن الله هو الله لأنه لا يعدو أن يقول : إن الله هو العلة الأولى ، أو المحرك الأول ومع ذلك يبقى اسم الله أكثر دلالة و أعمق تأثيرا في النفس من أن نقول عنه هو العلة الأولى أو واجب الوجود .
إن معرفة المسلم بربه معرفة ترتبط ارتباطا وثيقا بمعرفته بالجنة والنار والحشر والعقاب والموت وعذاب القبر والحسنة والسيئة ، بينما معرفة الفيلسوف بالله سبحانه ليست مرتبطة إلا بالوجود كوجود، ولذلك لا يترتب عن علمهم أي عمل.
إن الفرق بين تصور الفيلسوف وعلمه وتصور المسلم وعلمه ، هو أن تصور وعلم الفيلسوف مجرد ترتيب لصور جوار بعضها البعض باتصال غير مؤثر ، فما يفصل المقدمة الأولى عن المقدمة الثانية مجرد حرف الواو ، بينما علم المسلم السني هو ربط العلاقة بين الكلي والجزئي ، بين السبب والنتيجة ، بين العلم والعمل، بين العمل والجزاء .
إن المنطق والفلسفة ليسا أكثر من تحويل تصورات ذهنية مجردة إلى أفكار بحسبها و أقصد بالأفكار اصطلاحات لحركة الفكر داخل الذهن كاللغة بهذا الاعتبار هي عمل من أعمال الفكر ، ومع ذلك إذا تكلم إنسان عادي عجوز أو صبي باللغة لم نقل عنه : إنه مفكر ، فكذلك مجرد وصف الفيلسوف لعمل من أعمال الفكر لا يعني أنه يفكر ، فإذا قال :إن ما يتصوره الإنسان في ذهنه معتقد وجوده في الخارج يسمى الشيئية ، وهذا يسمى الحد الأول ، وهذا يسمى الحد الأوسط ، وهذه تسمى مقدمة ، وهذا يسمى كل وبعض لم يعد عاقل هذه التسمية فكرا شاملا!
و إذا كان المنطق هو الأداة للبحث عن الحقيقة، فإن الدين هو الحقيقة فما لم ينته المنطق إلى طلب الدين و أخبار الأنبياء علمنا أنه أداة للضياع والجهل.
فهل نحن قادرون على معرفة الحق سبحانه بالتصور المنطقي الكيفي إذ يبدو أن هناك ضربا من التنافر وعدم التجانس بيننا بوصفنا موجودات مخلوقات محدودة الحجم و العلم وبين الحق الذي هو أكبر من قدراتنا الفكرية ليس كمثله شيء، كيف لنا أن ندرك الوجود إدراكا يحيط به ولم نحط إدراكا بعقولنا ،فما بالك بباري الوجود؟
عداء الفلسفة للدين:
منذ وجدت الفلسفة لم تتوقف عن مهاجمة الدين ، فأنكرت عقائد راسخة في الملل ، لأنها مهما ادعت لنفسها من فكر وعقلانية ومعرفة فإنها عجزت عن إنجاز ما أخذت على عاتقها وهو إسعاد البشر في الدنيا والآخرة، إن الدين الذي جاء به الأنبياء دين متكامل يدبر شؤون الحياة في جميع نواحيها بينما الفلسفة لا دين فيها ولا حقيقة ، إلا أن لهذا العالم محرك أول ، أو علة أولى ،و أحمق بني البشر يفرق بين هذا وبين الدين ،ولا يعد هذا معرفة بالله بله أن يعده ديناأو إيمانا.
و إذا كان الأمر كذلك فحتى الدين في أقصى ما يدعيه في معرفة الباري يقر بجهل كيفية صفاته فيأتي المنطق بجملة معارف سلبية تصب كلها في إثبات الكيف للباري،لأن معرفة كيفية الشيء هي بإثبات خصائصه فيعجز ولذلك ينقلب إلى نفي صفاته .
إن الله الذي أحسن صور خلقه ، وهداهم لأكمل المعارف في معاشهم، لا يتركهم بدون حبل منه يصلهم به فيعرفونه ، ويعرفون مصيرهم عنده ،وهذا شعور فطري في الإنسان منه تبدأ الشكوك تظهر حول كل من يعاند الأنبياء لأنهم الحبل الذي يصل الخلق بخالقهم.
وعليه فثقة الإنسان المتفلسف المغرور في قدرته الخاصة على معرفة الحقائق باستقلال عن تعليم الله بواسطة الأنبياء ليست إلا اعتقادا فاسدا ، ظهر فساده بتناقض الفلاسفة في جميع المسائل بدون استثناء،لم يتفقوا على شيء واحد حتى في أصول الطبيعيات، ولزمتهم الحيرة في أواخر أعمارهم فانتهوا إن نوع من التصوف أو دعوى وحدة الوجود.
بيان آثار الفلسفة في علم الكلام تصديقا لابن تيمية:
1 ـ يعرف الفارابي الفلسفة بأنها العلم بالموجودات بما هي موجودة، و يعرفها ابن سينا في"الشفا" حيث يقول: موضوع العلم الإلهي الوجود المطلق،و منه أخذه الجرجاني في" التعريفات" عندما قال: هي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه،وكذلك قال ابن خلدون في "المقدمة":علم الإلهيات علم ينظر في الوجود المطلق".
وهذه العبارات كما ترى أخذت من كتاب أرسطو "مابعد الطبيعة" من المقالة الأولى.
2 ـ ولو نظرنا في قول الغزالي :"ليس بالإمكان أفضل مما كان" ثم نظرنا في قول أفلاطون و أرسطو: إن بداية الفلسفة التعجب ومنتهاها عدم التعجب،حيث يتحقق الإنسان أن الوجود لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه علمنا مأخذ الغزالي وكيف أن المتكلمين دخلوا في الفلسفة ولم يستطيعوا الخروج منها.
3 ـ إن المتكلمين ـ وهذا سنعرفهم لاحقا ـ لم تصلهم كتب الفلاسفة الإغريق كاملة و أحيانا وصلتهم منحولة فنسبوا لهذا ما لذاك،كما خلطوا بين المذاهب الفلسفة الإغريقية فظهر عندهم مذهب مشوه تجده في كتبهم، فالشهرستاني عندما يقول في" الملل و النحل"أن أساطين الحكمة سبعة و يعددهم و أن كلامهم في الفلسفة يدور على ذكر وحدانية الباري تعالى، و إحاطته علما بالكائنات كيف هي وفي الإبداع، وتكوين العالم، و أن المبادئ الأولى ما هي وكم هي و أن الميعاد ما هو ومتى هو،ويذكر عن تاليس بأنه مؤمن تفلسف في المالطية و انه قال: إن للعالم مبدعا لا تدرك صفته العقول من جهة حد جوهريته، و غنما يدرك من جهة آثاره، ونقل مثل ذلك في حق انكسيمانس و أن مذهبه أن الباري تعالى أزلي لا أول له و لا آخر وهو مبدأ الأشياء،فهذا الكلام مما هو أقرب إلى علماء الإسلام منه إلى وثنيين كانوا في القرن الخامس قبل الميلاد.
فهؤلاء الذين ذكرهم كانوا فلاسفة طبيعيين انحسر الوجود عندهم في حيز المحسوسات ولذلك لقبوا بالطبيعيين و باليونانية "فزيولوجي"، لم تكن الفلسفة الإغريقية في وقتهم قد دخلت ما بعد الطبيعة.
ثم ذكر عنهم أنهم انزلوا العنصر منزلة القلم الأول، و العقل منزلة اللوح المحفوظ،وأنهم اقتبسوا ذلك من النبوة، و أن أنباذوقليس كان في زمن داود عمه تلقى منه، و أن فيثاغورس كان في زمن سليمان عمه و انه أخذ الحكمة من معدن النبوة، فهذا كله خلط وتناقض و إن كان لا يستبعد أن تصل أخبار الأنبياء اليونان ولكن القوم كانوا مشركين وثنيين لا يتعدى كلامهم في الإلهيات كلام مشركي العرب كما أن مثل هذا الكلام تسوق به الفلسفة في العالم الإسلامي، و أول من بدأ هذا التلفيق الكندي و الفرابي وابن سينا حتى أنك عندما تقرأ كلامهم عن سقراط تحسبه شيخ صوفي وقد ثبت يقينا أن كتب سقراط لم تصل العرب إلا بعض محاوراته ذكرها عنه أفلاطون.
كذلك عندما تقرا ما بعد الطبيعة لأرسطو تجد بينه و بين فلسفة ابن سينا فرقا شاسعا مما يعني أن هذا الأخير قام بتزويق فلسفة أرسطو بالعبارات الإسلامية لتقريبها من الدين ظاهرا أما في الباطن فهي معارضة منافرة للدين من كل وجه.
الخلاصة أن نقول: أن من يقرأ الفلسفة الإسلامية وما ذكرها فيها من توحيد ومقاربة بينها و بين الدين يتبين يقينا أنها ليست الفلسفة الإغريقية ولكنها فلسفة الإسكندرانيين أمثال أفلوطين بعينها ورمتها فإنهم كانوا مسيحيين حاولوا التوفيق بين فلسفة أفلاطون و أرسطو من جهة و بين العقيدة المسيحية من جهة أخرى،ولذلك تظهر فيها عبارات الإيمان و التوحيد و الله و غير ذلك.
4 ـ بيان أوجه الخلط الذي وقع فيه الفلاسفة المنتسبون للإسلام:
من المعلوم أن الأشاعرة و المعتزلة يقولون: بالجزء الذي لا يتجزأ و سبق و أن قلنا: بان هذا مذهب الذريين من الإغريق و يسمون عند المسلمين بالدهريين وهم فرقة من الطبيعيين قالوا بقدم الطبيعة و الدهر ثم بوجود مادة واحدة زعموا أنها مركبة من أجزاء غير مجزأة دائمة التحرك، و باجتماع تلك الجزاء تحت الجسام،و باقترانها تفنى،وهكذا من الأبد إلى الأبد من غير أن يكون لافتراقها و اجتماعها نهاية ولا لتغير العالم غاية،إذ ليس هناك إلا الدهر و الطبيعة،وأول من قال بهذا المذهب أنباذوقليس في جانب الطبيعة و أخذه عن ديموقريطس وعممه فجعل العالم يتألف مما هو موجود أي الملأ أو الذرات، ومما هو غير موجود،أي الخلاء أو الفراغ.
فأخذ بعض المعتزلة و جمهور الأشاعرة بهذا المذهب و أدخلوا عليه التعديلات الدينية الإسلامية فوقعوا في أشد صور التناقض حيث جمعوا بين أصل الدهرية النفاة للخالق وبين القول بالخالق.
و بالنظر في تعريف اليعقوبي و القفطي في " تاريخ الحكماء" و الغزالي في"المنقذ من الضلال" للدهريين نجدهم قد أخذوا ذلك من سنبلقيوس في كتاب" السماء و العالم" ، ومن أرسطو في المقالة الثالثة من كتاب"السماء" ومن كتاب"الفساد و التكوين" المقالة الأولى،فتبين أن مذهب الأشاعرة مأخوذة عن الدهريين ومثله أخذ إبراهيم بن سيار النظام من المعتزلة قوله بالكمون.
و التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة بسبب أصلهم الديني ونزعتهم الإيمانية أن من أخذ بهذا المذهب و تصوره علم انه لا يفضي إلا إلى إنكار الحقائق ونوع من السفسطة وهدم دعائم العقل،ولذلك من كان منهم أخبر بالفلسفة ترك الأشعرية فكريا و انتقل إما إلى الفلسفة المحضة أو الاعتزال ليبق داخل حظيرة الإيمان، فالذين طالعوا "الإشارات "لابن سينا و" الشفا" و "النجاة " خاصة" المحصل"أمثال الجو يني و الغزالي و الرازي و الامدي و أبي الحسين البصري انتهوا إلى التوقف في مسألة الجوهر الفرد و الجزء الذي لا يتجزأ، لأنهم تعلموا عند ابن سينا أن هذا المذهب لا يقول بغير المحسوسات، و أن الحس إدراك فقط،والحكم تأليف بين مدركات بالحس أو بغير الحس،و ليس من شأن الحس التأليف الحكمي وهذا عين مذهب الغزالي في" معيار العلم" ومذهب الرازي في"تأسيس التقديس"، فالتفريق بين الإدراك الحسي و الأحكام العقلية أهم ما يبطل به مذهب الدهريين ومذهب الجوهر الفرد،و التناقض المأخوذ على الرازي في هذا الباب هو أنه لم ينس أصوله الكلامية فعندما أراد أن يعمل هذا المذهب في مبحث الصفات نفى أن يكون الإدراك الحسي من طرق العلم إلى الإدراك العقلي وهذا تناقض منه إما لعدم فهمه غرض ابن سينا و الفلاسفة أو محاولته البقاء في سياق النفي و التعطيل الأشعري للصفات الخبرية.
وبهذا تعلم أن مذهب الشاعرة في القول بالجوهر الفرد،و الجواز المحض"العادة" وتماثل الجسام، مما يهدم أركان العقل و يدخل في باب السفسطة إنما أخذوه عن الدهريين من غير إدراك لمسالكه و أظن أن مذهبهم هذا يدل على عدم سعة اطلاع وفهم لمذاهب الفلسفة الإغريقية.
لأن كل فكر مقصور على الحس لا يقود إلا إلى الشك في الحقائق ككون النار تحرق وكون الأجسام متغايرة، وقد علم أن إنكار ماهيات الأشياء وكونها مختلفة متمايزة هو من أوهام السفسطائية.
فلو لخصنا مذاهب المتكلمين لانتهين عند المعتزلة ولو لخصنا مذاهب المعتزلة وهي تقريبا عشرين مذهبا و مدرستين لانتهينا إلى الفلسفة ولو لخصنا مذاهب الفلاسفة لانتهينا إلى هذين المذهبين لا ثالث لهما.
فالمذاهب الفلسفية : قول الدهريين بوحدة الطبيعة ولا إله،قول أصحاب الرواق بوحدة الطبيعة و الإله،قول أفلاطون و أرسطو و قبلهما سقراط بوجود عالمين"عالم الإله وعالم الطبيعة إلا أنهم عجزوا في إثبات الاتصال بينهما،وهناك السفسطائيين و الشكاك أمثال بيرون وهذه مذاهب فرعية ليست رئيسية،فأين اضطرب و حار أصحاب أفلاطون وأرسطو حار و اضطرب من قلدهم من المسلمين، أمثال ابن سينا و الفارابي و الغزالي و ابن باجة و ابن رشد وغيرهم كثير.
مذهب وحدة الوجود الفلسفي وبه تعرف لم ركز على نقضه ابن تيمية:
وحاصل مذهب أهل الرواق القول بوحدة الوجود أي انه ليس هناك إلا عالما واحدا وجوهرا واحدا، هو عقل ومادة معا لا يمتاز أحدهما عن الآخر قالوا على قول أفلاطون: هو ما يصح فيه الانفعال أو الفعل،فعكسوا عليه تحديده و قالوا هذا لا يطلق إلا على الجسم، فما من وجود إلا وهو جسم ومادة و أطلقوا ذلك على صفات الأجسام، وعلى الكليات، وعلى ما يتصورون في العقل و الجسم عندهم، هو هذا المحسوس المتحيز المركب من أجزاء ومادة إلا أن هذه المادة لا تقوم ولا تبقى إلا إذا كانت فيها قوة ألطف منها تمسك أجزاءها و تضبطها وتربط بعضها ببعض وسموها القوة الضابطة و الماسكة وهي نوع من القوة العقلية مصدرها ما هو أعلى منها و ألطف من القوى ومصدرا لكل القوة الإلهية التي سموها بالعقل، و العالم كالحيوان جسده هو هذا المحسوس وروحه العقل وهو عندهم الإله مفارق للمادة ممتزجا بها امتزاج الدم بسائر الأعضاء،وسريانه في العالم المحسوس فحصل الحياة و الحركة و الحس و العقل في الموجودات كل على حسب رتبته في الوجود.
من ذلك ما نشاهده في العالم من النظام و الترتيب وما نستفسر به من مناسبة الحركات، ومنافع الأعضاء ،و آثار العقل في أحسن الموجودات فإن كل ذلك أثر الإله، ودليل على حضوره،وحلوله في نفس المادة، لا بصفة مؤثر من خارج بل بصفة قوة عاقلة مركوزة فيه، ممتزجة به، تقود الطبيعة وكل من المفردات إلى إدراك الغاية المقصودة منه.
فهذه الغاية هي العلة في وجوده ارتبطت بعلة أخرى كانت هي الموجهة لوجود تلك العلة وهلم جرا،و الكل راجع إلى علة العلل، الموجهة لوجود الكل من أعلى إلى أسفل،فالعالم كله علة ومعلول لا محل فيه للمصادفة و الاتفاق، بل كله في قبضة الإله، مجبور الوجود، مجبور الأفعال لما سبقه من العلل التي اقتضاها العقل الإلهي الباري في الموجودات، فما من شيء يقع إلا وهو مقدر في الحكمة الإلهية،قال كرييزيبوس:كل شيء بالقدر ،إذ ما من شيء إلا و له علة:إذ القدر ليس إلا تتابع العلل و ارتباطها بعضها ببعض، إلى أن تنتهي إلى علة العلل وهو مبدؤها ،فلا يقع شيء إلا ما كان واجب الوقوع في الماضي ولا يقع شيء في المستقبل إلا و أسبابه حاضرة الآن".
وحيث تقرر أن القوة الإلهية هي حالة جميع الأشياء لا يخلو منها شيء، فأحرى أن يكون ذلك الإنسان لعلو مرتبته من الحيوان، فالعقل من الإنسان،هو الإله المركوز في طبيعة المادة، كشرارة النار في الخشب،وهو كالعالم الصغير المقابل للعالم الكبير،فعليه أن يشرف الإله المقيم بين جانبيه، بان يتجنب كل ما ينحط به مقامه وتكدر به نوره، ولذلك فإن علم الخلاق عندهم هو مدار الفلسفة لا شيء أهم منه للإنسان.
وقالوا: إن الفلسفة كالبستان: المنطق سياجه، و الطبيعيات أشجاره و نباته، ومحامد الخلاق ثمرته و الحكيم من جمع بين العلم و العمل،فبلغ منهما الدرجة العليا حتى تشبه بالإله.
والناس إما صاحب حكمة أو عوام كالنعام إذ لا واسطة بين المستقيم والمعوج فإما أن يكون حكيما أو غير حكيم.
ولما عجزوا عن التوفيق بين هذا القول و بما ذهبوا إليه من ارتباط العلل وعدم حرية الإنسان التجئوا إلى نوع من التوفيق يشبه مذهب الكسب عند الأشاعرة،وقد تأثر المعتزلة بفلسفتهم و أخذوا منها الكثير.
وحقيقة مذهب الرواقيين ليس إلا الرجوع إلى مذهب الدهريين إذ لا فرق بين من يقول: ليس هناك إلا المادة، ومن يقول: إن المادة و العقل شيء واحد، وكيف يتصور اقتران المادة بالعقل مع عدم النسبة بينهما و استحالة جواز صفات أحدهما على الآخر،و الظاهر أن كل ما يتوجه على الدهرية يتوجه عليهم من دون تفاوت.
ومذهب الرواقيين آخر المذاهب نشوءا عند الإغريق وقد نشأ من قول سقراط في الفرق بين الروح و المادة، ولذلك نفس مثالهم يضربه أصحاب الكليات هو أن وجود العقل في المادة ووجود الكلي في الأشياء كوجود ماء الورد في الورد و الدم في الجسم.
وعليه فإن المذاهب الفلسفية ثلاث أقوال لا رابعة لها:فالوجود إما يقال هو هذا المحسوس، أو إنه المعقول لا المحسوس،أو إنه و المحسوس معا، وبعض المسلمين أخذوا بالقول الثاني و الثالث.
فأول بحث عند الإغريق كان مقصورا على المادة يلتمسون ماهية هذا الوجود المحسوس ثم برز سقراط و أفلاطون فبينا ما بين العقل و المادة من تمييز فانقلبت المسألة إلى بحث آخر هو التوفيق بين المادة و العقل و كيفية اتصالهما و تأثير كل منهما في وجود العالم،فقال أفلاطون: إن الجوهر العقلي هو الأصل في الوجود، ولم يبق للمادة إلا نوعا من الوجود قريبا من العدم المحض،وبالغ في التفريق بين المادة و العقل حتى كاد يتلاشى الاتصال بينهما.
ثم جاء أرسطو فزعم أن الوصول من العالم الأعلى إلى العالم السفلي لا يتأتى على طريقة أفلاطون و أن اتصال العقل و المادة حاصل لا محالة في الأفراد إلا انه لما حاول الارتقاء منها إلى عالم الغيب و إلى العقل الإلهي زلت قدمه ووقع فيما كان يحذر منه، حيث عجز عن كيفية الاتصال بين العالم الحسي و العقل الإلهي فلم يبق بعد إلا التمسك بأحد قولين:إما القول بان المادة هي الأصل الوحيد ولا شيء غيرها وهو قول الدهرية أو القول بوحدة العقل و المادة وهو قول الرواقيين وهو راجع إلى قول الدهرية بنوع من الفرق فوقف العقل البشري عند هذا الحد ولم يبق له في الفلسفة شيء، و الحمد لله أن بعث الأنبياء و أنزل الكتب حمدا يوافي عدد الحائرين و الجاهلين و الغافلين وعدد من ضل وعدد من اعتقد في الفلسفة خيرا و فائدة.
ولماعجز أفلاطون و أرسطو و أهل الرواق عن إثبات ذلك عجز الإسلاميون الذين أخذوا بذلك و انتهوا إلى الحيرة و دعوة عريضة أن الحق لا يعرفه إلى بعض العارفين فلم يبينوا لنا من هم هؤلاء العارفين ولا مثلوا بأسمائهم وزعموا أن هذا الحق سر الربوبية من اكتشفه اكتشف الحق وعال به،كمن يقول: الحق في جزيرة لا يعلم أين تقع و إن كانت فعلا موجودة ولا ماهو هذا الحق ولكنه سر وهذا مذهب ابن سينا في الجزء الأخير من الإشارات و في بعض رسائله ومذهب الغزالي و السهروردي و ابن مسرة و غيرهم :الجهل بعد الحيرة.
ولا تجد من القرن الثالث قبل المسيح إلى يومنا هذا ممن يقول بالفلسفة إلا شاك في الحقائق ودهري لا يقول إلا بالمادة أو رواقي يقول بوحدة الوجود وحدة المادة و العقل ومشائي متفرغ للطبيعيات آيس عن إدراك الحق أو ملفق يسعى للتوفيق بين الآراء قدر الإمكان بأن جعل لها مبادئ الأقدمين فيثاغورس و تاليس و غيرهم ،ولم يبق للخروج من هذه الورطة إلا التوفيق بين هذه المذاهب كلها و اختيار ماهو مسلم عند غالبيتها و إلغاء ما فيه الاختلاف وهذا ما فعله الإسكندرنيون وهو مذهب الأفلاطونية المحدثة وهذا هو المذهب الذي أثر في الفلاسفة الإسلاميين و المتكلمين على حد سواء:
هذا المذهب أنشأه امونيوس سكاس في الإسكندرية ومعنى سكاس الحمال لأنها كانت حرفته وكان نصراني الأصل ثم انتقل إلى وثنية اليونان و تعاطى الفلسفة وكان مولده بعد المسيح بمائة و خمس و سبعين سنة ووفاته سنة224 ومن تلاميذه :أفلوطين و تلميذ أفلوطين بروفيريوس اشتهر باسم فرفوريوس أخرج مذهب شيخه على صورة مجموعة مقالات سماها :التاسوعات وهو واضع كتاب "إيساغوجي" المدخل إلى مقولات أرسطو.
وهؤلاء ومن تبعهم يسمى الفرع الإسكندراني.
وجاء بعدهم يمبليخوس وهو تلميذ فرفوريوس ومن تبعه يسمى الفرع الشامي أو السوري إشارة إلى بلد مولد يمبليخوس.
ثم سريانوس و برقلس ومن تبعهم و يسمى الفرع الإثيني لكونهم كانوا بأثينا.
وهؤلاء لم يعرفهم العرب إلا في النادر ولم يذكرهم إلا القفطي في "تاريخ الحكماء" و الشهرستاني في"الملل و النحل" باسم الشيخ اليوناني،على ما في ذكرهم من خلل ،ذكر عنه بعض المقالات ثم جعل فصلا خاصا ببرقليس اقتصر فيه على بيان مذهبه في قدم العالم وفصل آخر ترجم فيه فرفوريوس و أتى فيه بكلام ليس من مذهب فرفوريوس إلا القليل منه، و أكثر ما نسبه الشهرستاني من كلام لأفلاطون و أرسطو وأصحاب الرواق وهو في الحقيقة من كلام الإسكندرانيين.
وهذا المذهب جمع مذاهب اليونان وحاول التوفيق بينها ويدور في معظمه على أساس:
1 ـ التوفيق بين أفلاطون و أرسطو و انه لا خلاف بينهما في الأصول و إنما الخلاف في أساليب البحث و الفروع قال سمبليقيوس في تفسير كتاب المقولات لأرسطو:إذا ظهر الخلاف بين أرسطو طاليس و أفلاطون فالقاعدة أن لا تقف عند ظاهر المعنى ولا يعتقد بوجود الخلاف حقيقة بين الحكيمين بل ينبغي عليك أن تستقصي معناهما فتجدهما موافقين لا محالة".
وعلى هذا الرأي بنى الفارابي فلسفته في رسالته" الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون و أرسطوطاليس"
2 ـ الحقيقة واحدة في الأديان والفلسفة "وحدة الحقيقة" فلا يجب أن يلغى قول من الأقوال بل يبحث عن وجه موافقته لأقوال الأخرى.وحدة الأديان.
3 ـ إذا تحقق الخلاف و تعذر الجمع بين أقوال الفلاسفة المختلفة اعتمد قول أفلاطون لأنه في نظرهم أقرب للحكمة الأولية.
4 ـ جوهر فلسفتهم أفلاطوني أرسطي مشوب بالفيثاغورسية.
قال البيروني في كتابه"تحقيق ما للهند من مقولة" قال بروقلس: التذكر و النسيان خاصان بالنفس الناطقة، و قد بان أنها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة و ذاهلة، إما عالمة : فعند مفارقتها البدن، و إما ذاهلة : فعند مقارنتها البدن، فإنها في المفارقة تكون في حيز العقل، فلذلك تكون عالمة، وفي المقارنة تنحط عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوة عليه.
ومن ذلك أخذ ابن سينا قصيدته في النفس:
هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع
ومنه قول ابن عربي في " رسالة النفس":النفس جوهر روحاني فاض على هذا القالب و أحياه، و اتخذه آلة على اكتساب المعارف و العلوم، حتى يستكمل جوهره بها و يصير عارفا بربه، عالما بحقائق مخلوقاته، فيستعد بذلك إلى الرجوع إلى حضرته، وليا من أوليائه في سعادة لا نهاية لها.
قال الغزالي في" مشكاة الأنوار" في الموازنة بين العين الحسية و العين القلبية ما نصه:العقل أولى بان يسمى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائض السبع" [ سماها قبله أفلوطين الجوهر النوراني:الإنسان الباطن، و العقل الأول،ذروة العقل، عين القلب.]
وقال مثل ذلك في "الإحياء"{3/36}:" البصيرة الباطنة هي عين النفس التي هي اللطيفة المدركة".
قال أفلوطين في " الكتاب التاسع": الحياة الكاملة المشبهة بالحياة الإلهية أن ينقطع المرء عن جميع الأمور الدنيوية و الملاذ الدنيئة، ويهجر بنفسه إلى الإله".
فملخص ما أخذه الفارابي و ابن سينا و الغزالي و ابن عربي عن الإسكندرانيين في هذا المسألة وهي التزاوج بين الفلسفة و التصوف وهي كيف تدرك الحقيقة المطلقة عن طريق إدراك مقام الفناء في الربوبية هو:
على طالب الفلسفة أن يزيل أولا الحجاب العقلي وهذا الحجاب ينشأ من الفكر و ما يعتاده الإنسان من التصور و التحليل و التركيب، و أنواع القياسات إلى غير ذلك من أعمال الفكر،مما يعيق توجيه نظر العقل إلى النور الباطن المتعالي عن التغيير و النابع من النفس والذي حجبه حجاب العقل وحجاب الجسم الغليظ، فإذا انقشع غمام العقل وصحا جوه بلغ الإنسان السكون التام، وحصل على ما هو الغاية المطلوبة من الفلسفة على قول أفلاطون، وهي تزكية النفس من الكدورات ،وحل الرباط الموجود بين الروح و البدن، فانكشف للبصيرة حقيقة كنهها و تحققت ما هيتها،ورأت أنها من الإله إلهية، ومن النور نورانية فانفتحت عينها و شاهدت ما وراء الحجاب.
قال أفلوطين: وذلك انه لا يمكن إدراك شيء إلا إذا كانت بين المدرك و المدرك نوع مشاكلة و محاكاة، فما دامت النفس متلبسة بالطبيعة المتكثرة ، لا تستطيع إدراك الواحد المحض البسيط، و غنما إذا تجردت عن العلائق الشخصية فكأنها رجعت إلى حالتها قبل أن تهبط للعالم السفلي و استعادت إدراكها فتنزل عليها حينئذ الأنوار و الفتوحات الإلهية.
قال في كتاب " أثولوجيا: إن المرء الصالح إذا ألقى عن نفسه الأشياء الدنية و زين نفسه بالأعمال المرضية أفاض على نفسه النور الأول من نوره و صيرها بهية".
يكون ذلك كالبرق في بداية أمرها ثم تتصل الأنوار وتدوم فيما بعد بتغيب النفس عن الحس و الإدراك وتنتقل في عالم فوق طور العقل و قد شاهد في فنائها ما لا عين رأت،قال: ومثل ذلك في غاية الندور في حياتنا الدنيا، لا يفوز به المرء إلا المرة و المرتين على فرض وقوعه.
وقد شهد أفلوطين على نفسه حسبما ذكره تلميذه فرفوريوس بحصول ذلك له أربع مرات،وما هذا إلا نموذج للحياة المقبلة المعدة لمن دوام على تصفية نفسه وواظب على الفكر و المراقبة من دون فتور.
قال ابن عربي في" فصوص الحكم":"إن لك منك غطاء فضلا عن إلباسك في البدن، فاجتهد أن ترفع الحجاب و تتجرد، فحينئذ تلحق فلا تسأل عما تباشره، فإن مت فويل لك، و إن سلمت فطوبى لك، و أنت في بدنك تكون كأنك لست في بدنك و كأنك في صقع الملكوت".
قال في كتاب" أثولوجيا" مقتبس من الكتاب الرابع من إلهيات أفلوطين:إني ما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبا، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن،فأكون داخلا في ذاتي خارجا عن سائر الأشياء،فأكون: العلم و العالم و المعلوم جميعا،فأرى في ذاتي من الحسن و البهاء و الضياء ما أبقى له متعجبا بها، فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الشريف الفاضل الإلهي، ذو حياة فعالة، فلما أيقنت ذلك، ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي،فصرت كأني موضوع فيها متعلق بها، فأكون فوق العالم العقلي كله فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف الإلهي فأرى هناك من النور و البهاء ملا تقدر الألسن على صفته، ولا تعيه الأسماع، فإذا استغرقني ذلك النور و البهاء،ولم أقو على احتماله هبطت من العقل إلى الفكر و الروية،فإذا صرت في عالم الفكر و الروية، حجبت الفكرة، عن ذلك النور و البهاء.
فالعلم عند القوم إذن علمان: علم يتعلق بالعقل و الأعمال الفكرية، وعلم يتعلق بالعين الباطنة،أي المكاشفة لا دخل للعقل فيه، ولا يمكن التعبير عنه بوجه، ولذلك انقسمت الفلسفة عندهم قسمين: قسم علمي ينظر في علل الموجودات و ارتباطها بعضها ببعض، من العلة الأولى إلى الأسفل دركاتها، ثم عروجها إلى مبدئها.
وفلسفة عملية : ترشد الطالب إلى الطريق الموصل لمبدئه، ثم علم مكاشفة لا يبلغ إليه إلا القليل النادر ممن اكتشف على الباطن في القلوب،وهو ذوقي محض لا يدرك إلا بتصفية الباطن، ثم العناية الإلهية.
فغذا قبلنا بين آراء أفلوطين و آراء الفلاسفة الإسلاميين كالفارابي و ابن سينا و ابن باجة، و الرازي،و السهروردي و الشيرازي و المتصوفة كالغزالي و ابن مسرة و ابن عربي و ابن سبعين و القونوي و غيرهم وجدناها متطابقة كل عقيدتهم في النفس ، و العلم، و العقل، و الفناء، و التجرد،والحقيقة، و العالم العلوي و العالم السفلي مأخوذة عن أفلوطين و ليس عن الكتاب و السنة.
قال الغزالي في" الإحياء": اعلم أن علم طريق الآخرة قسمان: علم مكاشفة، وعلم معاملة، وعلم المكاشفة عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره و تزكيته من صفاته المذمومة و ينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير واضحة، فتظهر إذ ذاك المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، و بصفاته الباقيات التامات و بأفعاله و بحكمه في خلق الدنيا و الآخرة.
فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى يتضح له جلية الحسن في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه،وهذا ممكن في جوهر الإنسان، لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها و خبثها بقاذورات الدنيا، و غنما نعني بعلم طريق الآخرة،العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه و تعالى، وعن معرفة صفاته و أفعاله، و غنما تصفيتها و تطهريها في الكف عن الشهوات و الاقتداء بالأنبياء صلى الله عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب و يحاذي به شطر الحسن يتلألأ فيه حقايقه".
فهذا وجه المطابقة في هذه المسائل و نفس كلام أفلوطين في الطرق المؤدية إلى العلم الإلهي يقول به الغزالي في ميزان العمل، و الإحياء، و كيمياء السعادة، و إلجام العوام و المنقذ من الضلال ،وغيرها من كتبه ويقول به ابن سينا و ابن رشد نوعا ما.
فتجدهم في كتبهم يقولون: اختلفت الطرق المؤدية إلى علم الإلهيات فمن الطالبين من طلب إدراكه بالبحث و النظر وهؤلاء زمرة الباحثين ورئيسهم:أرسطو و هذه الطريق انفع للتعلم لو وفى بجملة المطالب و قامت عليها براهين يقينية، ومنهم من سلك طريق تصفية النفس بالرياضة و أكثرهم يصل إلى أمور ذوقية يكشفها له العيان، ويجل أن توصف بلسان،ومنهم من ابتدأ أمره بالحث و النظر و انتهى إلى التجريد و تصفية النفس، فجمع بين الفضيلتين و ينسب مثل هذا الحال إلى سقراط و أفلاطون و السهروردي".انظر" كشف الظنون"و" إرشاد القاصد إلى أسمى المقاصد" و" الإشارات" و"ميزان العمل" للغزالي.
قالوا: وهذا العلم الباطن مما لا ينبغي إفشاؤه إلى غير أهله،ولذلك كان أفلاطون يعلم الناس علانية و يلحق بذلك درسا خصوصيا للحكمة السرية المضنون بها على غير أهلها، لا يحضره إلا من يختاره من تلاميذه،فهي الحكمة التي لم يودعها الكتب تناقلت على لسان تلاميذه جيلا بعد جيل إلى أن وصلت إلى الشيعة الإسكندرانية، قال الفارابي في كتاب" الجميع بين أفلاطون و أرسطو": كان أفلاطون يمنع في قديم الأيام من تدوين العلوم و إيداعها بطون الكتب دون الصدور الزكية و العقول المرضية فلما خشي على نفسه النسيان و ذهاب ما يستنبطه اختار الرموز و الغاز قصدا منه لتدوين علومه و حكمته على السبيل الذي لا يطالع عليه إلا المستحقون لها".
قال ابن أبي أصيبعة ناقلا عن بشر بن فاتك قال: كان أفلاطون يرمز حكمته و يسترها و يتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة".
وكل هذا يقرب مما التزمه الصوفية من عدم إفشاء علوم المكاشفة عندهم،قال الغزالي في"الإحياء": المقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب،وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة و بطريق الأسرار،وهذا هو العلم الخفي".
وحدة الأديان التي نادى بها الفلاسفة المنتسبون للإسلام:
قال الأفلاطونيون المحدثون: إن الفلسفة و العبادة عبارتان من معبر واحد، لا يختلف إلا من حيث الأساليب و الطرق مع اتحاد الغاية فيهما،فإن مطلوب الفلسفة يرجع إلى إصلاح القلب و تهذيب الأخلاق و إسعاف الإنسان على الرجوع إلى الإله ولا غاية للعبادة غير ذلك،فالفيلسوف يطلب الإله عن طريق الفكر و العقل و العابد يقصده بالذوق و القلب و انتهاء الطريقين واحد،قال أفلوطين: الكشف عن الإله ثم الاتصال به و الخلاف الموجود راجع إلى الظواهر فإن الملل قد وضعت لتقريب الحقائق الإلهية للأفهام العامية فتلبست بقشور حسية مما يناسب أفكار الجمهور و عوائدهم.
قال :برقلس:إن القصص و الروايات المتداولة عن الآلهة تخفي الحسن عن غير أهله وتجليه لم يستحق فهمه.
قالوا: ولا سبيل لذلك إلا التأويل، فإنا إذا أخذنا الاعتقادات على ظاهر معناها لا نتوصل بها إلا إلى الالتباس، قال فرفوريوس: إن عدم الإيمان أحسن من الإيمان بما تعتقد به العامة.
ومنه قال ابن رشد في" الكشف عن مناهج الأدلة":الصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة إنها ليست مخالفة لها.... و أن الرأي في الشريعة الذي اعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأي : إما مبتدع في الشريعة لا من أصلها، و إما رأي خطأ في الحكمة اعني: تأويل خطأ عليها".
وجه تناقض دعوة وحدة الأديان مع جوهر الفلسفة:
أما قولهم بالتحاق الفلسفة بالعبادة فهو مخالف لمذاهب الفلاسفة لأنها في عرفهم البحث العقلي المحض من غير تعرض إلى غيره من المباحث لأنه إذا أدخلنا على الفلسفة مسالك ليست من مسالكها كالكلام في الذوق و الحال و القلب مما هو خارج عن أساليب العقل لا يخلو الحال من أن تكون عاقبته وخيمة على الفلسفة و امتزاج مواردها بالدين يفسدها و يفسد الدين وهذا ما وقع للاسكندرانيين فبعد موت أفلوطين سنة269 ميلادية أصبحت الفلسفة تميل عن البحث العقلي المحض إلى الانتصار للمسيحية أو اليهودية أو أية ملة قومية فصار أكثر تشوق روادها الاطلاع على المغيبات وخوارق العادات وغريب المكاشفات كما حصل لـ يمبليخوس فدخلوا في الاعتناء بالسحر و علم التصرف بأسماء الشياطين و الكواكب و الطلاسم و الكهانة و النجوم مما هو بعيد عن موارد الفلسفة مما أدى إلى تلاشي الأفلاطونية المحدثة و استيلاء النصارى على الأمر فبقيت مبثوثة في الفلسفة النصرانية لتنصر بعض الأفلاطونيين المحدثين.
فالمذهب الأفلاطوني الحديث انتقل إلى الإلهيين النصارى عن طريق كتاب ديونيسيسوس حرره أفلاطوني مجهول بهذا الاسم ادعى انه من تلاميذ بولس وحرر شرح أسرار الربوبية ودرجات عالم الملكوت و الكنيسة السماوية على المذهب الأفلاطوني فصار من ذلك الوقت عمدة النصارى هو في الحق فلسفة أفلوطين و أشياعه من الإسكندرنيين بدلت العبارات بعبارات نصرانية و تم تعديله شيئا قليلا ليوافق بعض العقائد النصرانية ، ومن النصرانية دخل على المسلمين فشرب منه المعتزلة الذين كان الكندي أحد رجالتهم وشرحه بالعربية الفارابي ونشره ابن سينا و تقمصه الصوفية و الفلاسفة على حد سواء كالسهروردي و الغزالي و ابن عربي و غيرهم.
قال ابن أبي أصيبعة في" تاريخ الحكماء"{ص:36}:" إن أهم المذاهب لمعرفة موارد أفكار فلاسفة العرب هو مذهب: ديمقريطس صاحب القول: بالجزء الذي لا يتجزأ،وهو من أمهات المذاهب في الطبيعيات عند الأشاعرة وفرقة من المعتزلة ثم أفلاطون و ارسطا طاليس ثم أصحاب الرواق ثم الاسكندرانيين أصحاب أفلوطين وفورفوريوس و برقلس وهم قدوة حكماء الإسلام".
وبهذا تعرف أن ما نسبه شيخ الإسلام ابن تيمية للفلاسفة و المتكلمين موافق للحقيقة وتؤكده الدراسات التاريخية الجادة وبه تعرف عدم دقة الكاتب السعودي في تحليله لشخصية ابن تيمية العلمية في جانبها النقضي للفلسفة.
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرزيو/ الجزائر في 12 رمضان1430
مختار الأخضر طيباوي
المصدر: منتديات كل السلفيين. ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])