ابو المعالي
08 Aug 2010, 10:11 AM
من مجموع فتاوى ابن باز(30)جزءا - (15 / 90)
لحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد سألني كثير من الإخوان عن حكم الاعتماد على الإذاعة في الصوم والإفطار، وهل هذا يوافق الحديث الصحيح « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » . الحديث. وهل إذا ثبتت الرؤية بشهادة عدل في دولة مسلمة يجب على الدولة المجاورة لها الأخذ بذلك؛ وإذا قلنا بذلك فما دليله ؟ وهل يعتبر اختلاف المطالع؟
والجواب عن هذه الأسئلة أن يقال: قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة أنه قال: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين » . وفي لفظ آخر: « فأكملوا العدة ثلاثين يوما » . وفي رواية أخرى: « فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما » .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن المعتبر في ذلك هو الرؤية أوإكمال العدة، أما الحساب فلا يعول عليه، وهذا هو الحق، وهو إجماع من أهل العلم المعتد بهم. وليس المراد من الأحاديث أن يرى كل واحد الهلال بنفسه ، وإنما المراد ثبوت ذلك بشهادة البينة العادلة، وقد خرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: « تراءى الناس الهلال ، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته ، فصام وأمر الناس بالصيام » . وخرج أحمد وأهل السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن أعرابيا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ فقال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا » . وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه فقال: « ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم ، وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، وانسكوا لها ، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما ، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا ». رواه أحمد ، ورواه النسائي ولم يقل فيه مسلمان .
وعن أمير مكة الحارث بن حاطب قال: « عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية ، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما ». رواه أبو داود والدارقطني ، وقال: هذا إسناد متصل صحيح . فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أنه يكتفى برؤية هلال رمضان بالشاهد الواحد العدل، أما في الخروج من الصيام، وفي بقية الشهور فلا بد من شاهدين عدلين، جمعا بين الأحاديث الواردة في ذلك، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وهو الحق لظهور أدلته.
ومن هذا يتضح أن المراد بالرؤية هو ثبوتها بطريقها الشرعي ، وليس المراد أن يرى الهلال كل أحد، فإذا أذاعت الدولة المسلمة المحكمة لشريعة الله كالمملكة العربية السعودية أنه ثبت لديها رؤية هلال رمضان أو هلال شوال أو هلال ذيالحجة فإن على جميع رعيتها أن يتبعوها في ذلك.
وعلى غيرها أن يأخذ بذلك عند جمع كثير من أهل العلم؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: « الشهر تسع وعشرون ، فلا تصوموا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ». رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وأخرجه مسلم بلفظ: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين » . وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين » . وأخرجه مسلم بهذا اللفظ لكن قال : « فإن أغمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين » . فإن ظاهر هذه الأحاديث وما جاء في معناها يعم جميع الأمة.
ونقل النووي رحمه الله في شرح المهذب عن الإمام ابن المنذر رحمه الله: أن هذا هو قول الليث بن سعد والإمام
الشافعي والإمام أحمد رحمة الله عليهم، قال يعني ابن المنذر : ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي ، يعني مالكا وأبا حنيفة رحمهم الله . انتهى. قال جمع من العلماء : إنما يعم حكم الرؤية إذا اتحدت المطالع، أما إذا اختلفت فلكل أهل مطلع رؤيتهم.
وحكاه الإمام الترمذي رحمه الله عن أهل العلم، واحتجوا على ذلك بما خرجه مسلم في صحيحه « عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن كريبا قدم عليه في المدينة من الشام في آخر رمضان، فأخبره أن الهلال رؤي في الشام ليلة الجمعة، وأن معاوية والناس صاموا بذلك ، فقال ابن عباس : لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة، فقال له كريب : أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم » . قالوا: فهذا يدل على أن ابن عباس يرى أن الرؤية لا تعم، وأن لكل أهل بلد رؤيتهم إذا اختلفت المطالع، وقالوا: إن المطالع في منطقة المدينة غير متحدة مع المطالع في الشام ، وقال آخرون: لعله لم يعمل
برؤية أهل الشام؛ لأنه لم يشهد بها عنده إلا كريب وحده، والشاهد الواحد لا يعمل بشهادته في الخروج، وإنما يعمل بها في الدخول.
وقد عرضت هذه المسألة على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في الدورة الثانية المنعقدة في شعبان عام 1392 هـ ، فاتفق رأيهم على أن الأرجح في هذه المسألة التوسعة في هذا الأمر ، وذلك بجواز الأخذ بأحد القولين على حسب ما يراه علماء البلاد.
قلت: وهذا قول وسط ، وفيه جمع بين الأدلة وأقوال أهل العلم. إذا علم ذلك، فإن الواجب على أهل العلم في كل بلاد أن يعنوا بهذه المسألة عند دخول الشهر وخروجه ، وأن يتفقوا على ما هو الأقرب إلى الحق في اجتهادهم، ثم يعملوا بذلك ويبلغوه الناس، وعلى ولاة الأمر لديهم وعامة المسلمين متابعتهم في ذلك ، ولا ينبغي أن يختلفوا في هذا الأمر؛ لأن ذلك يسبب انقسام الناس وكثرة القيل والقال، إذا كانت الدولة غير إسلامية.
أما الدول الإسلامية فإن الواجب عليها اعتماد ما قاله أهل العلم، وإلزام الناس به من صوم أو فطر، عملا بالأحاديث المذكورة وأداء للواجب، ومنعا للرعية مما حرم الله عليها.
ومعلوم أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن،
يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في الدين والثبات عليه والحكم به والتحاكم إليه ، والحذر مما يخالفه ، إنه جواد كريم . وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
فتاوى لها علاقة بالموضوع
مجموع فتاوى ابن باز(30)جزءا - (15 / 77)
15 - لا شك في اختلاف المطالع في نفسها ولا أثر على الصحيح لذلك الاختلاف في الحكم
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم م. م. ح. وفقه الله لكل خير ونفع به المسلمين آمين .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده:
كتابكم الكريم المؤرخ في 13 \ 12 \ 1383 هـ وصل - وصلكم الله برضاه - وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما. وإليك جوابها:
الأول: إذا ثبتت رؤية الهلال لشهر رمضان في
الحجاز
فهل يلزم الأقطار الأخرى أن تصوم بهذه الرؤية ، وإذا كان هناك اعتبار لاختلاف المطالع فهل يكون أكثر من يوم واحد؟ وإذا صح هذا الاختلاف بالنسبة لشهر رمضان ، فهل يكون كذلك في عيد الأضحى مثلا ، إذا اتضح أن الوقت بعرفة يوم الثلاثاء والعيد يوم الأربعاء كما هو الحال هذا العام ، فهل يجوز لنا تأخير صلاة
العيد ليوم الخميس ؛ حيث إن رؤية الهلال لم تثبت عندنا بالسودان إلا ليلة الثلاثاء لسبب ما؟ وهل يجوز تقدير المنازل بكبر الهلال وارتفاعه في السماء؟ وما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: « فإن غم عليكم فاقدروا له » ؟ وهل يجوز الاعتماد على الشهادة التي تأتي بواسطة القاضي الشرعي بالسودان ، وقد يكون الشاهد لا يصوم ولا يصلي وغالبا لا يخلو من دعاء الأشخاص واعتقاده فيهم جلب المنفعة أو دفع الضرر؟
والجواب: أن أقول وبالله المستعان: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
لا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أمته أن تصوم لرؤية الهلال، وتفطر لرؤيته. هكذا جاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه صلى الله عليه وسلم ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: « الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون » . فإذا ثبتت رؤية الهلال رؤية شرعية في بلد ما وجب على بقية البلاد العمل بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: « صوموا لرؤيته
وأفطروا لرؤيته » لم يقصد أهل المدينة فقط ، وإنما قصد عموم المسلمين، وبناء على ذلك فإذا ثبتت رؤيته في الحجاز وجب على من بلغهم الخبر في سائر الأقطار أن يعتمدها؛ لأنها دولة إسلامية محكمة للشريعة فيعمل بإثباتها عملا بعموم الأحاديث وإطلاقها، وهكذا الحكم في بقية الدول التي تحكم الشريعة، ولا يخفى حال الدول اليوم وإعراضها عن تحكيم الشريعة إلا من شاء الله، ونسأل الله أن يهديهم للتمسك بالشريعة وتحكيمها، أما المطالع فلا شك في اختلافها في نفسها، أما اعتبارها من حيث الحكم فهو محل اختلاف بين العلماء، والذي يظهر لي أن اختلافها لا يؤثر وأن الواجب هو العمل برؤية الهلال صوما وإفطارا وتضحية متى ثبتت رؤيته ثبوتا شرعيا في أي بلد ما؛ لعموم الأحاديث كما تقدم، وهو قول جمع كثير من أهل العلم.
وحيث قيل باعتبار اختلاف المطالع فالظاهر أنه لا يقع بأكثر من يوم، ولا يجوز للمسلم أن يصوم أقل من 29 يوما؛ لأن الشهر في الشرع المطهر لا ينقص عن 29 يوما ولا يزيد على 30 يوما، وإذا قلنا باعتبار اختلاف المطالع في الحكم أو لم نقل به، فالظاهر أن الحكم في رمضان والأضحى سواء، لا فرق بينهما فيما أعلمه من الشرع، ولكن هناك مسألة هامة واقعية وهي ما إذا ثبت الهلال في
الحجاز ليلة الاثنين مثلا، ولم يثبت في السودان إلا ليلة الثلاثاء ولم تعمل حكومة السودان بما ثبت في الحجاز ؟ فماذا يفعله من في السودان من المسلمين هل يتابع حكومته أو يعتمد ما ثبت في الحجاز . هذه مسألة عظيمة وقد ورد علي فيها أسئلة من بعض البلاد المجاورة وتذاكرت فيها مع جماعة من العلماء وإلى حين التاريخ لم يطمئن القلب إلى الحكم فيها، وأسأل الله أن يمن علينا وعليكم بالتوفيق لمعرفة الحق واتباعه ، ولا سيما في مواضع الاختلاف والاشتباه، ولا مانع من مراجعتكم لنا في هذه المسألة بخصوصها في وقت آخر.
وأما كبر الأهلة وصغرها وارتفاعها وانخفاضها فليس عليه اعتبار ولا يتعلق به حكم؛ لأن الشرع المطهر لم يعتبر ذلك فيما نعلم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: « فإن غم عليكم فاقدروا له » فمعناه على أصح القولين : فعدوا له ثلاثين، كما جاء ذلك مصرحا به في رواية مسلم في صحيحه بلفظ: « فاقدروا له ثلاثين ». وفي لفظ للبخاري : « فأكملوا العدة ثلاثين » والأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وفي رواية للبخاري من حديث
أبي هريرة : « فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما » .
وأما قول من قال: « فاقدروا له » أي ضيقوا عليه واجعلوه تسعا وعشرين ، فهو قول غير صحيح والأحاديث الصحيحة تبطله والله أعلم.
وأما الاعتماد على الشهادة التي تأتي من القاضي الشرعي بالسودان وقد يجوز أن يكون الشاهد فاسقا أو كافرا لتركه الصلاة أو دعائه الأموات أو الاستغاثة بهم ونحو ذلك ؛ فالجواب: أن يقال إن شرط قبول الشهادة في هذا وغيره أن يكون الشاهد مسلما عدلا، فإذا كان القاضي صاحب توحيد وسنة ويهتم بالشهادة ويعتني بالشهود ولا يقبل إلا العدول ، وجب اعتماد ما يرد منه، أما إذا كان بخلاف ذلك فليس على إثباته عمل، وإنما يعتمد في مثل هذا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: « الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون » . وفي لفظ: « الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس » . وكلها أحاديث صحيحة. فإذا صام المسلمون الذين أنت بينهم صمت
معهم، وإذا أفطروا أفطرت معهم ، والحمد لله على تيسيره وتسهيله، والسر في ذلك والله أعلم كراهة الشريعة للاختلاف، وترغيبها في الاتفاق والائتلاف. جعلني الله وإياكم من أهلها ، ومن الله على المسلمين جميعا بالتمسك بها وتحكيمها والتحاكم إليها ، إنه سميع قريب.
س: كيف يصوم الناس إذا اختلفت المطالع؟ وهل يلزم أهل البلاد البعيدة كأمريكا وأستراليا أن يصوموا على رؤية أهل المملكة . لأنهم لا يتراءون الهلال؟ ج: الصواب اعتماد الرؤية وعدم اعتبار اختلاف المطالع في ذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باعتماد الرؤية ولم يفصل في ذلك، وذلك فيما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين » . متفق على صحته . وقوله صلى الله عليه وسلم: « لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ولم يشر صلى الله عليه وسلم إلى اختلاف المطالع، وهو يعلم ذلك، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن لكل بلد رؤيته إذا اختلفت المطالع. واحتجوا بما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لم يعمل برؤية أهل الشام ، وكان في
المدينة رضي الله عنه، وكان أهل الشام قد رأوا الهلال ليلة الجمعة وصاموا بذلك في عهد معاوية رضي الله عنه، أما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة السبت، فقال ابن عباس رضي الله عنهما لما أخبره كريب برؤية أهل الشام وصيامهم: « نحن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة » .
واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » الحديث. وهذا قول له حظه من القوة، وقد رأى القول به أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية جمعا بين الأدلة، والله ولي التوفيق.
لحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فقد سألني كثير من الإخوان عن حكم الاعتماد على الإذاعة في الصوم والإفطار، وهل هذا يوافق الحديث الصحيح « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » . الحديث. وهل إذا ثبتت الرؤية بشهادة عدل في دولة مسلمة يجب على الدولة المجاورة لها الأخذ بذلك؛ وإذا قلنا بذلك فما دليله ؟ وهل يعتبر اختلاف المطالع؟
والجواب عن هذه الأسئلة أن يقال: قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة أنه قال: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين » . وفي لفظ آخر: « فأكملوا العدة ثلاثين يوما » . وفي رواية أخرى: « فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما » .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل على أن المعتبر في ذلك هو الرؤية أوإكمال العدة، أما الحساب فلا يعول عليه، وهذا هو الحق، وهو إجماع من أهل العلم المعتد بهم. وليس المراد من الأحاديث أن يرى كل واحد الهلال بنفسه ، وإنما المراد ثبوت ذلك بشهادة البينة العادلة، وقد خرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: « تراءى الناس الهلال ، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته ، فصام وأمر الناس بالصيام » . وخرج أحمد وأهل السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن أعرابيا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني رأيت الهلال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ فقال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا » . وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه فقال: « ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم ، وإنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، وانسكوا لها ، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما ، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا ». رواه أحمد ، ورواه النسائي ولم يقل فيه مسلمان .
وعن أمير مكة الحارث بن حاطب قال: « عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية ، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما ». رواه أبو داود والدارقطني ، وقال: هذا إسناد متصل صحيح . فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أنه يكتفى برؤية هلال رمضان بالشاهد الواحد العدل، أما في الخروج من الصيام، وفي بقية الشهور فلا بد من شاهدين عدلين، جمعا بين الأحاديث الواردة في ذلك، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وهو الحق لظهور أدلته.
ومن هذا يتضح أن المراد بالرؤية هو ثبوتها بطريقها الشرعي ، وليس المراد أن يرى الهلال كل أحد، فإذا أذاعت الدولة المسلمة المحكمة لشريعة الله كالمملكة العربية السعودية أنه ثبت لديها رؤية هلال رمضان أو هلال شوال أو هلال ذيالحجة فإن على جميع رعيتها أن يتبعوها في ذلك.
وعلى غيرها أن يأخذ بذلك عند جمع كثير من أهل العلم؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: « الشهر تسع وعشرون ، فلا تصوموا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ». رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وأخرجه مسلم بلفظ: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غمي عليكم فاقدروا له ثلاثين » . وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين » . وأخرجه مسلم بهذا اللفظ لكن قال : « فإن أغمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين » . فإن ظاهر هذه الأحاديث وما جاء في معناها يعم جميع الأمة.
ونقل النووي رحمه الله في شرح المهذب عن الإمام ابن المنذر رحمه الله: أن هذا هو قول الليث بن سعد والإمام
الشافعي والإمام أحمد رحمة الله عليهم، قال يعني ابن المنذر : ولا أعلمه إلا قول المدني والكوفي ، يعني مالكا وأبا حنيفة رحمهم الله . انتهى. قال جمع من العلماء : إنما يعم حكم الرؤية إذا اتحدت المطالع، أما إذا اختلفت فلكل أهل مطلع رؤيتهم.
وحكاه الإمام الترمذي رحمه الله عن أهل العلم، واحتجوا على ذلك بما خرجه مسلم في صحيحه « عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن كريبا قدم عليه في المدينة من الشام في آخر رمضان، فأخبره أن الهلال رؤي في الشام ليلة الجمعة، وأن معاوية والناس صاموا بذلك ، فقال ابن عباس : لكنا رأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة، فقال له كريب : أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم » . قالوا: فهذا يدل على أن ابن عباس يرى أن الرؤية لا تعم، وأن لكل أهل بلد رؤيتهم إذا اختلفت المطالع، وقالوا: إن المطالع في منطقة المدينة غير متحدة مع المطالع في الشام ، وقال آخرون: لعله لم يعمل
برؤية أهل الشام؛ لأنه لم يشهد بها عنده إلا كريب وحده، والشاهد الواحد لا يعمل بشهادته في الخروج، وإنما يعمل بها في الدخول.
وقد عرضت هذه المسألة على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في الدورة الثانية المنعقدة في شعبان عام 1392 هـ ، فاتفق رأيهم على أن الأرجح في هذه المسألة التوسعة في هذا الأمر ، وذلك بجواز الأخذ بأحد القولين على حسب ما يراه علماء البلاد.
قلت: وهذا قول وسط ، وفيه جمع بين الأدلة وأقوال أهل العلم. إذا علم ذلك، فإن الواجب على أهل العلم في كل بلاد أن يعنوا بهذه المسألة عند دخول الشهر وخروجه ، وأن يتفقوا على ما هو الأقرب إلى الحق في اجتهادهم، ثم يعملوا بذلك ويبلغوه الناس، وعلى ولاة الأمر لديهم وعامة المسلمين متابعتهم في ذلك ، ولا ينبغي أن يختلفوا في هذا الأمر؛ لأن ذلك يسبب انقسام الناس وكثرة القيل والقال، إذا كانت الدولة غير إسلامية.
أما الدول الإسلامية فإن الواجب عليها اعتماد ما قاله أهل العلم، وإلزام الناس به من صوم أو فطر، عملا بالأحاديث المذكورة وأداء للواجب، ومنعا للرعية مما حرم الله عليها.
ومعلوم أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن،
يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في الدين والثبات عليه والحكم به والتحاكم إليه ، والحذر مما يخالفه ، إنه جواد كريم . وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.
فتاوى لها علاقة بالموضوع
مجموع فتاوى ابن باز(30)جزءا - (15 / 77)
15 - لا شك في اختلاف المطالع في نفسها ولا أثر على الصحيح لذلك الاختلاف في الحكم
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم م. م. ح. وفقه الله لكل خير ونفع به المسلمين آمين .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده:
كتابكم الكريم المؤرخ في 13 \ 12 \ 1383 هـ وصل - وصلكم الله برضاه - وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما. وإليك جوابها:
الأول: إذا ثبتت رؤية الهلال لشهر رمضان في
الحجاز
فهل يلزم الأقطار الأخرى أن تصوم بهذه الرؤية ، وإذا كان هناك اعتبار لاختلاف المطالع فهل يكون أكثر من يوم واحد؟ وإذا صح هذا الاختلاف بالنسبة لشهر رمضان ، فهل يكون كذلك في عيد الأضحى مثلا ، إذا اتضح أن الوقت بعرفة يوم الثلاثاء والعيد يوم الأربعاء كما هو الحال هذا العام ، فهل يجوز لنا تأخير صلاة
العيد ليوم الخميس ؛ حيث إن رؤية الهلال لم تثبت عندنا بالسودان إلا ليلة الثلاثاء لسبب ما؟ وهل يجوز تقدير المنازل بكبر الهلال وارتفاعه في السماء؟ وما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: « فإن غم عليكم فاقدروا له » ؟ وهل يجوز الاعتماد على الشهادة التي تأتي بواسطة القاضي الشرعي بالسودان ، وقد يكون الشاهد لا يصوم ولا يصلي وغالبا لا يخلو من دعاء الأشخاص واعتقاده فيهم جلب المنفعة أو دفع الضرر؟
والجواب: أن أقول وبالله المستعان: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
لا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أمته أن تصوم لرؤية الهلال، وتفطر لرؤيته. هكذا جاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه صلى الله عليه وسلم ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه قال: « الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون » . فإذا ثبتت رؤية الهلال رؤية شرعية في بلد ما وجب على بقية البلاد العمل بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: « صوموا لرؤيته
وأفطروا لرؤيته » لم يقصد أهل المدينة فقط ، وإنما قصد عموم المسلمين، وبناء على ذلك فإذا ثبتت رؤيته في الحجاز وجب على من بلغهم الخبر في سائر الأقطار أن يعتمدها؛ لأنها دولة إسلامية محكمة للشريعة فيعمل بإثباتها عملا بعموم الأحاديث وإطلاقها، وهكذا الحكم في بقية الدول التي تحكم الشريعة، ولا يخفى حال الدول اليوم وإعراضها عن تحكيم الشريعة إلا من شاء الله، ونسأل الله أن يهديهم للتمسك بالشريعة وتحكيمها، أما المطالع فلا شك في اختلافها في نفسها، أما اعتبارها من حيث الحكم فهو محل اختلاف بين العلماء، والذي يظهر لي أن اختلافها لا يؤثر وأن الواجب هو العمل برؤية الهلال صوما وإفطارا وتضحية متى ثبتت رؤيته ثبوتا شرعيا في أي بلد ما؛ لعموم الأحاديث كما تقدم، وهو قول جمع كثير من أهل العلم.
وحيث قيل باعتبار اختلاف المطالع فالظاهر أنه لا يقع بأكثر من يوم، ولا يجوز للمسلم أن يصوم أقل من 29 يوما؛ لأن الشهر في الشرع المطهر لا ينقص عن 29 يوما ولا يزيد على 30 يوما، وإذا قلنا باعتبار اختلاف المطالع في الحكم أو لم نقل به، فالظاهر أن الحكم في رمضان والأضحى سواء، لا فرق بينهما فيما أعلمه من الشرع، ولكن هناك مسألة هامة واقعية وهي ما إذا ثبت الهلال في
الحجاز ليلة الاثنين مثلا، ولم يثبت في السودان إلا ليلة الثلاثاء ولم تعمل حكومة السودان بما ثبت في الحجاز ؟ فماذا يفعله من في السودان من المسلمين هل يتابع حكومته أو يعتمد ما ثبت في الحجاز . هذه مسألة عظيمة وقد ورد علي فيها أسئلة من بعض البلاد المجاورة وتذاكرت فيها مع جماعة من العلماء وإلى حين التاريخ لم يطمئن القلب إلى الحكم فيها، وأسأل الله أن يمن علينا وعليكم بالتوفيق لمعرفة الحق واتباعه ، ولا سيما في مواضع الاختلاف والاشتباه، ولا مانع من مراجعتكم لنا في هذه المسألة بخصوصها في وقت آخر.
وأما كبر الأهلة وصغرها وارتفاعها وانخفاضها فليس عليه اعتبار ولا يتعلق به حكم؛ لأن الشرع المطهر لم يعتبر ذلك فيما نعلم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: « فإن غم عليكم فاقدروا له » فمعناه على أصح القولين : فعدوا له ثلاثين، كما جاء ذلك مصرحا به في رواية مسلم في صحيحه بلفظ: « فاقدروا له ثلاثين ». وفي لفظ للبخاري : « فأكملوا العدة ثلاثين » والأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وفي رواية للبخاري من حديث
أبي هريرة : « فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما » .
وأما قول من قال: « فاقدروا له » أي ضيقوا عليه واجعلوه تسعا وعشرين ، فهو قول غير صحيح والأحاديث الصحيحة تبطله والله أعلم.
وأما الاعتماد على الشهادة التي تأتي من القاضي الشرعي بالسودان وقد يجوز أن يكون الشاهد فاسقا أو كافرا لتركه الصلاة أو دعائه الأموات أو الاستغاثة بهم ونحو ذلك ؛ فالجواب: أن يقال إن شرط قبول الشهادة في هذا وغيره أن يكون الشاهد مسلما عدلا، فإذا كان القاضي صاحب توحيد وسنة ويهتم بالشهادة ويعتني بالشهود ولا يقبل إلا العدول ، وجب اعتماد ما يرد منه، أما إذا كان بخلاف ذلك فليس على إثباته عمل، وإنما يعتمد في مثل هذا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: « الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون » . وفي لفظ: « الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس » . وكلها أحاديث صحيحة. فإذا صام المسلمون الذين أنت بينهم صمت
معهم، وإذا أفطروا أفطرت معهم ، والحمد لله على تيسيره وتسهيله، والسر في ذلك والله أعلم كراهة الشريعة للاختلاف، وترغيبها في الاتفاق والائتلاف. جعلني الله وإياكم من أهلها ، ومن الله على المسلمين جميعا بالتمسك بها وتحكيمها والتحاكم إليها ، إنه سميع قريب.
س: كيف يصوم الناس إذا اختلفت المطالع؟ وهل يلزم أهل البلاد البعيدة كأمريكا وأستراليا أن يصوموا على رؤية أهل المملكة . لأنهم لا يتراءون الهلال؟ ج: الصواب اعتماد الرؤية وعدم اعتبار اختلاف المطالع في ذلك ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باعتماد الرؤية ولم يفصل في ذلك، وذلك فيما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين » . متفق على صحته . وقوله صلى الله عليه وسلم: « لا تصوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ولا تفطروا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة » . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ولم يشر صلى الله عليه وسلم إلى اختلاف المطالع، وهو يعلم ذلك، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن لكل بلد رؤيته إذا اختلفت المطالع. واحتجوا بما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لم يعمل برؤية أهل الشام ، وكان في
المدينة رضي الله عنه، وكان أهل الشام قد رأوا الهلال ليلة الجمعة وصاموا بذلك في عهد معاوية رضي الله عنه، أما أهل المدينة فلم يروه إلا ليلة السبت، فقال ابن عباس رضي الله عنهما لما أخبره كريب برؤية أهل الشام وصيامهم: « نحن رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نراه أو نكمل العدة » .
واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » الحديث. وهذا قول له حظه من القوة، وقد رأى القول به أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية جمعا بين الأدلة، والله ولي التوفيق.