المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلافة الإسلامية فلسفة جديدة


الصارم المسلول
20 Jan 2009, 11:31 PM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
كتاب الخلافة الإسلامية
مُؤَلِّفُهُ باللغة الأوردية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
مُتَرْجِمُهُ بالعربية
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى ، وسلام على عباده الذين اصطفى ...
باب ( الخلافة )
( الخلافة ) : مصدرٌ من خلف يخلف خلافة ، ومنها ( الخليفة ) من قولك
( خلف فلانٌ فلانًا في هذا الأمر ، إذا قام مقامه فيه بعده ( ابن فارس ) فالخليفة
( : هو الذي يخلف مَن قبله ، ويقوم مقامه ، إما بموته ، أو عزله ، أو غيبته ، أو
نصبه إياه في منصبه وسلطته ، وفي مفردات الإمام الراغب الأصفهاني :
( الخلافة : النيابة عن الغير ، إما بغيبة المنوب عنه ، وإما لموته ، وإما لعجزه ،
وإما لتشريف المستخلف ) ( ص155 ) .
وهذه الكلمة أيضًا من تلك المختارات اللغوية التي اختارها القرآن الحكيم ،
فنقلها من معانيها اللغوية إلى المعاني المصطلحة الشرعية ( كالإيمان والغيب
والتقدير والبعث والصلاة ) وغيرها من الكلمات التي انتقاها من اللغة لمعنى
خاص به ، فكلمة ( الإيمان ) مثلاً تُستعمل في اللغة لليقين ، والطمأنينة ، وزوال
الخوف ، والشك ، ولكن القرآن يستعملها في يقينٍ أخص من الأول ، يصحبه إقرارٌ
باللسان ، وعملٌ بالجوارح ، فصارت اصطلاحًا خاصًّا ، دالةً على معنى خاصٍّ به
دون دلالتها في اللغة .
وكذلك كلمة ( الخلافة ) كان معناها عامًّا في اللغة ، فوضعها القرآن لمعنى
أخص من الأول ، واستعملها ( وكذلك الاستخلاف في الأرض ، ووراثتها والتمكين
فيها ) في العظمة القومية ، والرئاسة المِلِّيَّة ، والحكومة العامة ، والسلطة التامة على
الأرض ، ومَن فيها من الأمم والشعوب ، ويعدها أكبر مِنَّةٍ ، وجزاءٍ من الله سبحانه
تناله الأمم في هذه الحياة الدنيا على إيمانها وحُسن عملها .
أما المراد من هذه الخلافة : فهو أن تقوم في الأرض أمةٌ ، وحكومةٌ تأخذ على
عاتقها هداية النوع البشري وسعادته ، وتنشر لواءَ القسط الإلهي ، وتمحق الظلم ،
والجور ، والضلال ، والطغيان ؛ حتى لا تذر له أثرًا على وجه البسيطة ، وتمد
رواق الأمن والسكينة ، والراحة ، والطمأنينة على العالم بأسره ، وتقيم ناموس
العدل الإلهي الذي يسميه القرآن ( بالصراط المستقيم ) الذي هو نافذ من الأرض
إلى السموات العلى ، ومِن ذرات الرمل في الصحراء إلى الشمس ، والقمر ،
والنجوم ، وما هو تحت الثرى ، فتقيم ذلك الناموس في مشارق الأرض ، ومغاربها ،
وتنفذه في جميع بقاعها ونواحيها ؛ حتى تصبح الكرة الأرضية جَنَّةً ، ودارَ قرارٍ ،
وتكون السعادة ضاربةً فيها بأطنابها ، والأمنية باسطةً جناحيها من فوقها !
وإنما أُطلِقَ لفظُ الخلافة على هذه الخلافة المصطلحة ؛ لأن أول أمةٍ ، وأول
فردٍ لما قام في الأرض بأعباء الخلافة - كان نائبًا عن الله في إقامة عدله ، ثم الذين
جاءوا بعد تلك الأمة ، وذلك الفرد كانوا نائبين عنهم في هذا الأمر ، حتى ظهر
الإسلام ، وقامت الأمة الإسلامية ، فانتقلت الخلافة الأرضية الإلهية إليها ، فكان
أول خليفةٍ مِن هذه السلسلة المباركة صاحب الشرع المتين ، ورسول رب العالمين ،
محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان خليفة الله العظيم مباشرة ثم الذين استووا بعده
على منصّة الحكومة الإسلامية المركزية ، كانوا خلفاء هذا الخليفة الإلهي والنائبين
عنه في الدنيا ؛ فلذا سُمُّوا الخلفاء ، ولا يزالون يسمون به إلى الآن .
وقد تقلبت خلافة الأرض ، ووراثتها في أمم كثيرة ، قامت كلُّ واحدةٍ منها في
نوبتها بخدمة دين الله الحق ، وقد ذكرت هذه الخلافة في الآيات الآتية :
{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ } ( الأنعام : 165 ) ، { وَيَسْتَخْلِفُ
رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ } ( هود : 57 ) ، { ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ
لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } ( يونس : 14 ) ، { إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } ( الأعراف : 69 ) ، { يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ } ( ص : 26 ) .
وعبر عن هذه الخلافة ( بوراثة الأرض ) ، فقال تعالى : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي
الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } ( الأنبياء : 105 )
وأيضًا ( بالتمكِين في الأرض ) وهو استفحال القوة ، وكمال العظمة الذي ناله فتى
إسرائيل في أرض الفراعنة ، بعد أن بِيعَ فيها عبدًا ، ثم وصل إلى عرش الحكومة ،
وتاج المُلك بعمله الحق وسيره القويم { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} ( يوسف : 21 ) .
وقد وعد الله به سبحانه المسلمين فقال : { الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا
الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ } ( الحج : 41 ) .
وثبت أيضًا من هذه الآية أن الله تعالى إنما يريد من التمكين في الأرض أن
تقام عبادته فيها ، ويعم الصلاح ، والصدق ، والهداية فيها ، ويصد الإنسان العَنُود
عن غيِّه ، وعمل المنكر .
وعبر في الآية الأخرى عن التمكين في الأرض ( بالخلافة ) فقال تعالى :
{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ } ( النور :
55 ) .
نزلت هذه الآية العظيمة بعد هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وأصحابه إلى المدينة ، وكانوا فيها خائفين من الكفار ، ومحاطين بالأعداء من كل
جهة ، يصبحون في السلاح ، ويمسون في السلاح ، فضجر منهم رجلٌ من هذه
الحالة ، وقال : ( ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح ؟ ! ) ، فبشرهم
الله بهذه الآية أن لا يهنوا ، ولا يحزنوا ؛ فإنه لا يضيع أجر إيمانهم ، وحسن
صنيعهم ، فسينالونه بإذنه ، ويأمنون أعداءهم ، فيذهب الخوف ويحل محله الأمن ،
ويصيرون ملوكًا وسلاطين ، فيكون الأمر أمرهم ، والكلمة كلمتهم ، وأكبر من ذلك
كله أن خلافة الله ستنتقل إليهم ، فيرثونها ، وتطمئن قلوبهم بها ( ذكره الطبري
بالمعنى في تفسيره عن أبي العالية ، ج 18 ص 109 ) .
وقد تضمن هذه الآية أن مراد القرآن الحكيم بالخلافة ، إنما هو خلافة الأرض
أي الحكومة والسلطان فيها ؛ فإذًا لا بد للخليفة الإسلامي من أن يكون صاحب الأمر
والنهي ، والحكومة التامة ؛ لأنه ليس كبابا المسيحيين ، وبطاركتهم فأولئك سلطتهم
روحية ، وهي خضوع القلوب ، وانحناء الرُّءوس أمامهم ، بل هو حاكمٌ وسلطانٌ
بالمعنى الحقيقي إلا أن سلطته يجب أن تكون تحت الشريعة الإلهية ، وليس له حق
التشريع ألبتَّة [1] ، ولا أعطته الشريعة سلطةً دينيةً روحانيةً كما أعطت المسيحية
للبابوات ؛ لأنها تُعِدُّ كل سلطةٍ لغير الله ورسوله شركًا به وكفرًا تمقته أشد المقت
وتمحقه من أول ظهوره [2] قال الله سبحانه : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن
دُونِ اللَّهِ } ( التوبة : 31 ) ، وقال : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ
وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ
تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } ( آل عمران : 79 ) .
هذا ، وقد وفى الله تعالى للمسلمين وعده بالخلافة ، كما وفى جميع وعوده
وعهوده ، فلم يمضِ بضع سنين - والرسول بين أظهرهم - إلا وأصبحت جزيرة
العرب في قبضة يدهم ، وشوهدت جيوشهم خارجة من أسوار المدينة لمقاومة الروم
أعداء دينهم ، وسبقت خلافة الأرض إليهم ، بعد أن نزعت من غيرهم ، فكان أول
خليفة منهم هو حامل الشريعة الغراء بنفسه - صلى الله عليه وسلم - ، ثم الذين
قاموا في مقامه من بعده كانوا خلفاءه ، وقد أوضح النبي - صلى الله عليه وسلم -
بتسميتهم ( خلفاء ) أنهم ينوبون عنه بعده ، فقال للمسلمين : ( عليكم بسُنتي وسنة
الخلفاء الراشدين من بعدي ) ( رواه ابن ماجه عن العرباض بن سارية ) ؛ ولذا
سمي أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لما خلفه خليفة رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - .
***
الخلافة النبوية الخاصة والخلافة الملكية
انصبغت الخلافة الإسلامية بعد النبي - عليه الصلاة والسلام - بصبغتين
مختلفتين ، وظهرت بمظهرين متباينين ، وكان - عليه السلام - قد أخبر عنهما ،
ورفع الستار عن خصائصهما ، والأحاديث التي وردت في هذا الباب تكاد أن تكون
متواترةً لكثرةِ طرقِها ، وشهرة متونها ، فخلافة الخلفاء الراشدين المهديين كانت
مصبوغةً بصبغة الرسالة ، وسائرةً على منهاج النبوة ، فكانت خلافة الرسول حقًّا ،
والخلفاء الراشدون خلفاءه حقًّا ، لا في منصة الحكم والسلطان فقط ، بل في جميع
أعماله وهدْيه ، فكانوا مثله دعاة الدين ، هداة الأمم ، قضاة الشرع ، قادة الشعوب ،
ساسة البلاد ، قواد الجيوش ، إخوة الحروب ، رايات الأمن ، قد اجتمعت في
شخص كلِّ واحدٍ منهم صفاتٌ كثيرةٌ مما كان مجتمعًا في شخص سلفِهم وهاديهم
صلى الله عليه وسلم ، فكانوا خلفاءه وحاملي شرعه ، بل حلقةً من حلقات عهد
الرسالة ، وبركةً من بركات زمن النبوة ، حكومتهم حكومة إسلامية محضةٌ ،
ونموذجٌ كاملٌ للنظام الإسلامي ، فكانت ( حكومة جمهورية ) قائمةً على أساس
الشورى بالمعنى الصحيح غير أنها لم تدم كثيرًا ، بل ماتت بموت علي - عليه
السلام - ودفنت معه في أرض الكوفة .
ثم ظهرت بعد هذه الخلافة الراشدة ، خلافةٌ في حُلَّةٍ غير حُلَّةِ أختها منحرفةٌ
عن منهاج النبوة ، منقطعةٌ عن مسلك الرسالةِ ، فكانت حكومةً دنيويةً ومُلكًا
عَضَوضًا ، وذلك عندما فشت البدع العجمية ، وامتزجت بالمدنية الإسلامية العربية ،
ولدت جراثيم الفساد في فضاء العالم الإسلامي ، فهذه الخلافة - وإن كانت كل
حلقةٍ منها أشبه بالخلافة الراشدة من التي جاءت بعدها - لم تكن في مجموعها من
محاسن الخلافة الراشدة في شيءٍ ؛ ولذا سميت الأولى على لسان النبي - صلى الله
عليه وسلم - بالخلافة لغلبة الهداية والصلاح عليها ، والثانية بالمُلك العَضَوضِ
لظهور الاستبداد والقهر فيها ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( الخلافة بعدي ثلاثون
سنة ، ثم ملك بعد ذلك ) [3] وفي حديث أبي هريرة : ( الخلافة بالمدينة ، والملك
بالشام ) [4] ، وأخبر في حديث آخر بأن هنالك ثلاثة أدوارٍ : عهد نبوةٍ ورحمةٍ -
عهد خلافة ورحمة - عهد ملك وسلطان ، فانتهى الدور الأول بالنبي - صلى الله
عليه وسلم - والثاني بعليٍّ - عليه السلام - كما مر وقد كان هذا الدور بالحقيقة
ذيلاً للأول وجزءًا لازمًا له ، كما هو سنة الله في دعوة الأديان وتوثيق عرى
الشرائع ، حيث يجعل الله لكل نبيٍّ خلفاء يقومون بعده بدعوته ، ويوطِّدُون دعائم
شريعته ، ثم جاء بعد هذا وذاك الدور الثالث ، دور حكومة وملك عضوض ، وهو
باقٍ على حاله إلى الآن ، ولم يكن الصحابة يجهلون هذا الدور ، ولا يستبعدونه ،
بل كانوا يعرفونه ، وينتظرون مجيئه لإخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم
به .
وقد كان هذا الدور أكبر مصيبةٍ ابتُلِيت بها الأمة ، فبعد أن كانت ترتع في
رياض النبوة ، وتجني ثمار الخلافة الراشدة آمنةً مطمئنةً ، إذ نَعق ناعق الشر بينها ،
وقُتِلَ الخليفة الثالث عثمان بن عفان بين يديها ، فتقلص ظل هدي النبوة شيئًا
فشيئًا ، وذهبت بركاتها واحدةً تلو واحدةٍ ، وأخرجت البدع رءوسها ، وزحفت الفتن
بخيلها ورَجلِها ، فأحاطت بها من كل جوانبها ، فكلما ابتعدت الأمة عن عهد الرسالة
حرمت نصيبًا من بركاته ، وبركات الخلافة الراشدة ، ولم يكن حرمانها محصورًا
في أمر الإمامة العظمى ، والخلافة الكبرى فقط ، بل تعداها إلى غيرها ، فتغلغلت
جراثيم الفساد في هيكلها الاجتماعي ، فزعزت نظامها وقوامها ، ثم سرت إلى
حياتها الشخصية ، فأفسدت عقائدها ، وعواطفها ونفثت في أعمالها سمومها ،
فغيرت من صغيرها وكبيرها ، ولم تكن فتنة واحدة أو فتنًا قليلة محصورة فيسهل
اتقاؤها ، بل سالت سيولٌ من الفتن ، دهمت المسلمين بغتة ، فماجت عليهم أمواجها ،
وثقلت عليهم وطأتها ، فكانت كما قال أعلم الصحابة بالفتن حذيفة - رضي الله
عنه - : ( تموج كموج البحر ) ، وبيَّن لهم أنه ليس بينها وبينهم سد إلا عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه -وأنه متى سقط هذا السد المنيع طغت تلك السيول
الجارفة ، وبغت ، فلم يقدر أحدٌ على صدّها ، فما زالت حتى أخذت الخلافة النبوية
في تيارها ، وحطمتها ، وتركتها أثرًا بعد عين .
نعم ، وقع ما وقع ، إلا أن الأمة المسلمة قد بُشِّرت على لسان نبيها بأنها
سترى في آخر أيامها دور نجاحٍ وفلاحٍ ، فتقر به عينها ، وينشرح صدرها ،
وتصلح أمورها ، حتى ( لا يدرى أولها خيرٌ أم آخرُها ) [5] ، ويتم فيه نور الله
{ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ } ( الصف : 8 ) ... إلخ ، { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْمُشْرِكُونَ } ( التوبة : 33 ) [6] ؛ ولذا لا يزال قلب المؤمن قويًّا برجاء الله ،
مملوءًا باليقين ، لم يخالطه ريبٌ ، ولا دخله زيغٌ ، ولا صادفه قُنُوطٌ ويأسٌ ، حتى
في هذا الزمان الذي انصبَّت فيه على المسلمين المصائب ، ونزلت بهم النوازل ،
وزُلزِلُوا فيه زِلزَالاً شديدًا ، بل كلما ازدادت العواصف شدَّةً ، والليل ظُلمةً ،
والأرض عداوةً - يزداد المؤمن رجاءً ويقينًا ، ويبصر بعينيه نور الصبح الجميل
من بين هاتيك الظلمات ، والغيوم والعواصف ، ولسان حاله يقول : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ
الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } ( هود : 81 ) .
***
فصل
عهد الاجتماع والائتلاف ودور التشتُّت والانتشار
قبل أن نخوض في غمار هذا البحث نتكلَّمُ في هذا الفصل على كلمتين
مصطلحتين زيادةً في الإيضاح ، وتفصيلاً للبيان ، فنقول :
( الاجتماع والائتلاف ) كلمتان خفيفتان على اللسان ، ثقيلتان في الميزان ،
فيهما سر حياة الأمم ومماتها ، نهوضها وهبوطها ، سعادتها وشقوتها ، ( فالاجتماع )
من الجمع ، وهو ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض ( مفردات ص95 ) ،
ويقرب منه ( الائتلاف ) من الإلف ، اجتماع من التئام ( والمؤلَّف ما جُمع من
أجزاء مختلفة ، ورُتب ترتيبًا فقُدِّم فيه ما حقه أن يقدم وأُخِّر فيه ما حقه أن يُؤَخَّر )
( مفردات ص19 ) ، أما ( عهد الاجتماع والائتلاف ) فهو ذلك العهد الذي تجتمع
فيه القوى الاجتماعية الفعالة في مكانٍ واحدٍ ، في نقطةٍ واحدةٍ في سلسلةٍ واحدةٍ ، في
ذاتٍ واحدةٍ ، وفي يدٍ واحدةٍ بترتيبٍ طبيعيٍّ لائقٍ بها ، فتصبح كل المواد والقوى
والأعمال الاجتماعية ، وأفراد الأمة مُتماسِكةًَ متشابِكةً ؛ حتى لا نرى فيها خَلَلاً ، ولا
خَرقًا ولا فَتْقًا ، بل تجدها كلها كحلقات السلسلة التي التحم بعضها مع بعضٍ ،
فأضحت شيئًا واحدًا .
فدور الاجتماع والائتلاف إذا جاء على المادة ، ظهر فيها الخلق ، واستعدت
للحياة , وعبَّر القرآن عن هذا بالتخليق والخلق والتسوية ( فقال : { الَّذِي خَلَقَ
فَسَوَّى } ( الأعلى : 2 ) ، فالوجود والحياة ليس إلا اجتماع أجزاء المادة مؤتلفة ،
وكذلك الموت والفناء ليس إلا تفرقها وتشتتها ، وإذا جاء على الأعمال سماه علماء
الأخلاق ) بالخير ( وسمته الشريعة ) بالعمل الصالح والحسنات ( ، وإذا جاء على
الجسم سماه علم الطب ( بالصحة ) ، وقال الطبيب هذه حياة ، ثم إذا جاء على
القوى والأعمال الاجتماعية القومية سمي ( بالحياة الملّية الاجتماعية ) ، وكان
موجبًا لنبوغ الأمة ونفوذها وسلطانها ، فالعبارات مختلفةٌ كثيرةٌ ، والحقيقة واحدةٌ ،
لا تتعدد ولا تتبدل ، ولا غَرْوَ فإن الله الحكيم واحدٌ منفردٌ وحكمته واحدةٌ وناموسه
واحدٌ ولَنِعْمَ ما قيل :
عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكلٌّ إلى ذلك الجمال يشيرُ
وضد الاجتماع والائتلاف ( التشتت والانتشار ) فالتشتت من ( الشتات ) ،
ومعناه في اللغة : التفرق ، يُقال شتّ جمعهم شتًّا وشتاتًا وجاؤوا أشتاتًا أي متفرقي
النظام ( مفردات ص 256 ) وفي القرآن : { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً } ( الزلزلة : 6 ) ، { مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى } ( طه : 53 ) { وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } ( الحشر :
14 ) أي مختلفة ، والانتشار من النشر ، وهو أيضًا التفرق والبسط كما في القرآن
{ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا } ( الجمعة : 10 ) .
وأما دور ( التشتت والانتشار ) : فهو أن تتفرق المواد ، والقوى ، والأعمال
والأفراد ، فيصير كل شيء على ضد ما كان عليه في عهد الاجتماع ، فإذا عرضت
هذه الحالة للمادة قيل ( فسادٌ وانحلالٌ ) ، وللجسم قيل ( مرض وداء ثم موت ) ،
وللأعمال قيل في تعبير القرآن ( عمل السوء والعصيان والفسق والإجرام ) ،
وللأمم قيل : ( الموت الملي ، والموت الاجتماعي ) ، فتصبح الأمة في هذا الدور
في هبوطٍ بعد الصعود ، وذلةٍ بعد العزة ، وضعفٍ بعد القوة ، وعبوديةٍ بعد الحرية
والسيادة ، ثم تسير إلى الموت والهلاك بعد أن كانت صحيحة ًقويةً حيَّةً ، فيا له من
بلاءٍ ليس فوقه بلاءٌ ، والعياذ بالله !
ولذلك تجد القرآن ينبه مرة بعد مرة على أن ( الاجتماع والائتلاف ) الأساس
الأكبر لحياة الأمم ، ويعده أكبر نعمة من الله سبحانه على البشر ، ويعبر عنه
بالعبارات العظيمة الشأن ( كالاعتصام بحبل الله ) وغيره ، ويقول للأمة :
{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } ( آل عمران : 103 ) ثم يخبر بعد هذا
بأن لا حياة مع التشتت والانتشار ، فإنه نارٌ موقدةٌ تحرق كل شيءٍ يقربها ، ولا
سيَّما شجرة الحياة الاجتماعية ، فإنها إذا مستها لا تُبقِي عليها ولا تَذر ، فقال تعالى :
{ وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ( آل عمران : 103 ) ، ثم يخبر بأن الحياة الاجتماعية في الأمم ليست من تدبير
البشر [7] ، فمهما بلغ الإنسان من القوة ، والعظمة والعقل - لا يقدر على أن يكون
أمةً ، بل هو الله الواحد القادر ، يجمع الأشتات فيؤلف بينها ويسلكها في نظام واحد ،
فقال : { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ( الأنفال : 63 ) .
وأخبر القرآن أيضًا بأن أول ثمرةٍ تثمرها الشريعة الإلهية ، وأعظم بركة
تجود بها على النوع الإنساني في الدنيا هي ( الاجتماع والائتلاف ) ، وكرر مرةً
بعد أخرى أن التفرق ، والتشتت ، والانتشار لا يجتمع مع الدين أبدًا ، وأنه عاقبة
الإعراض عن الله ، وعصيانه ، والبغي عليه ، فقال : { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ
أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } ( البقرة : 213 ) { فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى
جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } ( يونس : 93 ) { وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } ( الجاثية : 17 ) .
ولذلك جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام والحياة الإسلامية في
الجماعة ، وعدَّ الخروج عنها من الجاهلية ، والحياة الجاهلية ، فقال : ( مَن فارقَ
الجماعةَ فمات فمِيتَتُهُ جاهليَّةٌ ) ( كما ستراه مفصلاً إن شاء الله ) ، وأمر المسلمين
أمرًا مؤكدًا بالتزام الجماعة في كل حال ، وبطاعة الأمير سواءً كان برًّا أو فاجرًا ،
أهلاً للإمارة أو غير أهل ، عادلاً في حكمه أو ظالمًا ، كيفما كانت سيرته ، ومهما
فسدت طريقته يجب عليهم طاعته ، ولا يجوز لهم الخروج عليه ، إلا أن يَمرُقَ مِنَ
الدين جهارًا ، أو يترك الصلاة ؛ فحينئذٍ لا طاعة له عليهم [8] ، وأخبر أن كلَّ من
تَنَكَّبَ عن الجماعة شبرًا فقد كُبَّ على وجهه في النار ، وجعل زمامه بيد الشيطان ،
وقضى على نفسه بالخسران والهلاك ؛ وذلك لأن الجماعة كالسلسلة الفولاذية التي
يعيي الأشداءَ كسرُها ، وآحاد الأمة كالحلقات التي سلامة كل واحدةٍ منها في سلسلتها ؛
فإنها إن انفصلت عنها صارت حلقةً واحدةً تُكسرُ أو تُلقى في الزُّبالةِ .
ولقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كثيرًا ما يروي
في خُطبهِ : ( عليكم بالجماعة ؛ فإن الشيطان مع الفَذِّ ، وهو من الاثنين أبعد ) ،
وفي رواية : ( ... فإن الشيطان مع الواحد ) ، وقد ذكره في خطبته الشهيرة
بالجابية ، التي رواها عبد العزيز بن دينار وعامر بن سعد وسليمان بن يسار
وغيرهم ونقل البيهقي أن الشافعي - رضي الله عنه - كان يستدل بهذا على صحة
الإجماع ، وورد في الحديث المتواتر بالمعنى - : ( عليكم بالسواد الأعظم ) ،
وحديث : فإنه مَن شذَّ شذَّ في النار ) وحديث : ( يد الله على الجماعة ) وحديث :
( لا يجمع الله أمتي على الضلالة ) ، وكما قال عليٌّ - عليه السلام - في خطبة
له : ( إياكم والفُرقة ؛ فإن الشاذ من الناس للشيطان ، كما أن الشاذ من الغنم للذئب ،
ألا مَن دعا إلى هذا الشعار فاقتلوه ، ولو كان تحت عمامتي هذه ) [9] ، وغير هذا
كثيرٌ من الأحاديث والآثار في هذا الباب .
فجملة القول أن المسلمين أُمِروا أمرًا مؤكدًا بأن يكونوا مع الجماعة أبدًا ؛ لأن
مَنِ انقطع عنها انقطع في النار ؛ ولأن الأفراد والآحاد المتفرقة لا حياة لهم ، بل
إنما هم للموت ، والفناء ، والهلاك ، وأما الأمة الصالحة فحياتها باقيةٌ على وجه
الدهر ، ولن تهلك أبدًا ؛ ولأن يد الله مع الجماعة ، وهو لا يرضى أن تجتمع الأمة
بأسرها على الضلالة .
ولتعويد المسلمين على الحياة الاجتماعية [10] أمرتهم الشريعة بالتزام صلاة
الجماعة في كل حالٍ ، حتى إنها لا تُترك لفقدان الإمام الأهل للجماعة ، بل يداوم
عليها مع السعي في نصبِ الأهلِ ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( صَلُّوا خلف كل
بَرٍّ وفاجِرٍ ) [11] .
ولذلك نرى سورة الفاتحة التي هي دعاءٌ اجتماعيٌّ للمؤمنين عامَّةً يدعو بها
كلُّ واحدٍ منهم على حدته - استعملت فيها صيغ الجمع لا الواحد ، فقال : { اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } ( الفاتحة : 6 ) ، ولم يقل : ( اهدني ) ؛ وذلك لأن القرآن -
كما قلنا من قبل - لا يَرَى للفرد حياة قائمة بالذات ، بل الحياة عنده للجماعة فقط ،
وما الأفراد وأعمالهم - في نظره - إلا لأن تتكون منهم ، ومنها الهيئة الاجتماعية ؛
فلهذا عبر بصيغ الجمع في هذا الدعاء الذي هو حاصل الإيمان ، وزبدة القرآن ،
ومخ الإسلام - وكذلك جعل الدعاء الذي يدعو به كل مسلم لأخيه لما يلقاه : ( السلام
عليكم ) بالجمع ، لا ( السلام عليك ) ، وكذلك السلام حين الخروج من الصلاة ،
والعلة فيه أيضًا ما ذكرناه ، لا ما فهمه كثيرٌ من الناس .
وإنك إذا أمعنت النظر ترى جميع أحكام الشريعة وأعمالها - مبنيةً على هذا
الأساس ، أساس الاجتماع ، والائتلاف ، وقد علمت ما في صلاة الجماعة ،
والجمعة والعيدين ، ومثلها الحج ، فليس هو إلا عبارةٌ عن اجتماع المسلمين ( على
أحاديث شعائر الله ) ، وكذلك الزكاة التي ما جُعلت إلا لقيام الهيئة الاجتماعية ،
فيؤخذ مِن رءوس أموال الأفراد شيءٌ مُعَيَّنٌ ؛ ليُصرَفَ على الجماعة ، وطريقة
أدائها أيضًا اجتماعية ، فليس لكل أحدٍ أن يصرف زكاته بمشيئتِه وإرادته ، بل عليه
أن يؤديها إلى الإمام الذي له وحدَه أن ينفقها في الأمور العامة ، ويعين لها مصرفًا
مِن المصارف المنصوصة في الكتاب ، لا كما يفعله الناس في الهند فينفق كلُّ واحدٍ
زكاته بنفسه ، نعم ليس في هذه البلاد التعسة إمامٌ ، ولكن هذا لا يمنعنا من أن نعمل
لها نظامًا مخصوصًا كما عملنا للجمعة والعيدين .
ولعمر الله إن هذه الحقيقةَ واضحةٌ لا غُبار عليها ، تنجلي كالشمس لمَن دقق
النظر في الأحاديث النبوية التي تنص على أن المسلمين يجب أن يعيشوا عيشةً
واحدةً ، ويحسبوا أنفسهم أبناء أمةٍ واحدةٍ ؛ فانظر مثلاً حديث مُسلمٍ : ( مَثَلُ
المؤمنين في توادهم ، وتراحمهم ، وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى
منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ، وحديث الصحيحين :
( المؤمن للمؤمن كالبنيان ، يشُد بعضه بعضًا ، ثم شبّك بين أصابعه ) ، فأوضح
صلى الله عليه وسلم أن المسلمين ليسوا آجُرًّا أو حجارةً متفرِّقةً ، بل هم جِدارٌ ، بل
حِصنٌ مُشيَّدٌ يشد بعضه بعضًا ، ولا يذهبنَّ عن بالك أن الأمر بتسوية الصفوف في
الصلاة إنما هو لنفس هذه الحكمة ، قال صلى الله عليه وسلم : ( لتُسَوُّنَّ صفوفكم أو
ليخالفنَّ الله بين وجوهكم ) ( البخاري ) وفي رواية السنن : ( سوُّوا صفوفكم ؛ فإن
تسوية الصفوف من إقامة الصلاة ) ( البخاري ) ، ومثلُهُ كثيرٌ من الآيات ،
والأحاديث في هذا الباب ، يحتاج في شرحها وبيان حقائقها إلى مجلدٍ ضخمٍ ، وقد
وفينا البحث حقه في تفسيرنا ( البيان في مقاصد القرآن ) ، فليراجعْهُ مَن يشاءُ .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) الشارع في دين الإسلام هو الله تعالى ويطلق اللقب على النبي - صلى الله عليه وسلم - باعتبار التبليغ وقال بعض العلماء . إن الله تعالى أذن له أن يشرع ، والجمهور على أن كل ما ثبت في السنة من الأحكام فهو إما استنباط من القرآن ، وإما وحي غيره ، فإن الوحي لا ينحصر فيه ، والتحقيق أن هذا التفصيل خاص بالأحكام الدينية كالعبادات ، وأما الأمور المدنية والسياسية والحربية فقد كان صلى الله عليه وسلم يحكم فيها ويسن برأيه واجتهاده ، ومشاروة أولي الأمر من عقلاء المسلمين وزعمائهم بالمكانة ، والرأي وجمهور الأمة ، وقد أذن له تعالى بهذا ، ولأولي الأمر بعده بالتبع له كما حققناه بالتفصيل في تفسير : [ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ] (النساء : 59) وهذا يسمى تشريعًا في عرف علماء الحقوق وواضعي القوانين ، وبه يبطل قول الجاهلين بشرعنا إنه شرعٌ جامدٌ لا ينطبق على كل زمانٍ .
(2) الكاثوليك من النصارى يقولون بأن من حق البابا أن يكون حاكمًا سياسيًّا مدنيًّا أيضًا .
(3) رواه أحمد و الترمذي و أبو يعلى و ابن حبان بسند صحيح ، وفي رواية : (ثم تكون ملكًا عَضُوضًا) .
(4) رواه البخاري في تاريخه و الحاكم بسند صحيح .
(5) إشارة إلى حديث : (أمتي أمة مباركة لا يُدرَى أولها خير أو آخرها) رواه ابن عساكر عن عمر بن عثمان مرسلاً ، وسنده حسن .
(6) كان شيخنا الأستاذ الإمام يقول : (إن هذا الوعد لما يتم ولا بد من تمامه بظهور الإسلام على سائر الأديان في أوروبا و أمريكة والشرق الأقصى) .
(7) ليس المراد أنه لا ينبغي لزعماء الشعوب والأقوام المتفرقة أن يسعوا إلى تكوينها وجعْلها أمةً عزيزةً لعجز البشر عن ذلك ، بل المراد أن هذا التكوين للأمم قد جُعل بسنة الله تعالى في الاجتماع أثرًا وغاية لأعمال أطوار كثيرة ، بعضها من كسب الأفراد ، وبعضها ليس من كسبهم ، فلا تقع بتدبيرهم ، ولكن عليهم أن يعملوا ما في طاقتهم مِن وسائلها ، ويَكِلوا إلى عناية الله تعالى - إنجاح سعيهم وإتمام عملهم .
(8) (إنما الطاعة في المعروف ، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق) ، كما صح في الحديث ، وأجمع عليه المسلمون وصرح الخلفاء الراشدون على منبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمطالبة المسلمين بتقويم زيغهم وعوجهم ، وإنما يمتنع عند علماء أهل السنة الخروج على الإمام الجائر إذا كان يُخشَى مِن الخروج عليه فتنةٌ تفرق الأمة ، وشق عصاها لضعف القائمين بذلك من الأمة وإذا كان المؤلف قد وعد بتفصيل القول في المسألة فإننا منتظرون ما يجيء به ، فإما أن نقره، وإما أن نذيّله بحاشيةٍ ، نبين فيها ما نرى أنه الحق ، كما بيناه في المنار مرارًا .
(9) رُوي هذا في الروايات الأخرى مرفوعًا اهـ من حواشي الأصل .
(10) تقديم التعليل يفيد الحصر ، ولا حصر ، ففي صلاة الجماعة فوائد أخرى .
(11) رواه البيهقي في سننه بسند ضعيف ، وله تتمة .

الصارم المسلول
20 Jan 2009, 11:41 PM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
الخلافة الإسلامية
ألَّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

( 2 )
اجتماع القوى والمناصب وانتشارها
لما كان المسلمون سائرين على هذا الناموس الإلهي - ناموس الاجتماع
والائتلاف - كانوا في الذُّروة العليا من التقدم والرقي ، ولما حادوا عن هذا السبيل
القويم سقطوا وانحطوا ، فحلَّ محل الاجتماع الانتشار ؛ فتفرق جمعهم ، وتمزق
شملهم ، وتبددت قواهم ، فكانوا قومًا بُورًا ، ولم تقتصر هذه البلية على جانب دون
جانب ، بل عمَّت ، وأحاطت الأمة من جميع الجوانب ، وهي لا تزال ضاربةً
بأطنابها منذ ألف وثلاثمائة سنة ، بل آخذة في الازدياد ، وما يمر يوم إلا وتشتد
وطأتها فيها .
وقد لهج الناس كثيرًا في انحطاط المسلمين ، فعلَّلوا له عِللاً ، واخترعوا له
أسبابًا ، غير أن القرآن الحكيم ، والسنة النبوية ، والعقل الصحيح لا يقيم لهذا القيل
والقال والثرثرة وزنًا ، ويرى أن الفساد والانحطاط نتيجة الانتشار والتشتت فقط ،
وكل ما عدا هذا من العلل ، والأسباب فمتفرعةٌ منه ، وراجعةٌ إليه ، فعلة سقوط
المسلمين واحدةٌ لا اثنتان ، وإن سُميت بأسماءٍ مختلفةٍ ، وذُكرت بألفاظ عديدةٍ .
نعم ، قد عمَّت الفوضى جميع شؤون الأمة ، غير أننا نذكر ههنا واحدًا منها
فنقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مركزًا للأمة الإسلامية ترتكز عليه ،
ونقطةً لقواها تجتمع عليها ؛ فلهذا لم يَخْلُ بوفاته محل نبيٍّ وحامل شريعةٍ فقط ، بل
قد خَلا محل مركز جامعة الأمة ، ومصدر قواها ونفوذها وحكومتها إلى غير ذلك
من الأوصاف والخصائص التي كانت مجتمعة في شخصه الشريف ؛ إذ إنه لم يكن
كالمسيح - عليه السلام - معلمًا وواعظًا ، ولا كالملوك الذين فتحوا ، وحكموا
ودمروا ، وخربوا ، أو عمروا وشادوا ، بل كان - صلى الله عليه وسلم - جامعًا
لصفات ومزايا كثيرة في حينٍ واحدٍ ، فكان نبي الله ورسوله ، وهادي الخلق ،
وواعظهم ، وواضع الشريعة ، ومؤسس الأمة ، وحاكم البلاد ، وصاحب السلطة ؛
فحينًا يقوم في المسجد على المنبر المسقف بجذوع النخل وجريده ، يفسر الوحي
الإلهي ، ويكشف عن خفايا أسباب السعادة الإنسانية ، فهو إذ ذاك معلم الأخلاق ،
وواعظ الخلق ، وتارةً يقسم في صحن هذا المسجد نفسه خراج اليمن على الناس ،
ويسير الجيوش إلى ميادين الوغى ، فهو حينئذٍ حاكم إداري وسياسي ، ثم تراه
يصلح نظام البيوت والعائلات ، وينفذ قوانين الطلاق والنكاح ، وبينما هو هكذا إذ
تأتيه الأخبار بقدوم الأعداء ، فيأخذ سيفه على عاتقه ، ويهبّ إليهم ، ويناضلهم في
بدر ، وأحد ، وتبوك ، ثم تراه داخلاً كفاتحٍ عظيمٍ في مكة ، فيملكها ويكون له
السلطان فيها ، فيمُنّ على هامات قريشٍ ، وسادات العرب بالعتق ، ويقيم بأمر الله
ميزان القسط ، ولا غَروَ ، فالنظام الإسلامي يوجب أن تجتمع قوى الأمة ،
ومناصبها في مركزٍ واحدٍ ؛ إذ هذا الدين الحنيف الفطري لم يفرق بين الدنيا
والآخرة ، بل جمعها في سلكٍ واحدٍ ، وجعل الشريعة والحكومة شيئًَا واحدًا ، وأخبر
أن الله سبحانه إنما يرضى عن الحكومة التي يقوم بناؤها على أساس الشريعة
الإسلامية ، لا على قوانين الأهواء البشرية ؛ ولذا كان صاحب الشريعة - صلى الله
عليه وسلم - مركزًا لقوات الأمة الكثيرة ، ومرجعًا لشؤونها المختلفة .
ولما لحق النبي - صلى الله عليه وسلم - بربِّه ، قام في مقامه خلفاؤه
الراشدون ، فكانوا خير الخلفاء لسلفهم ورسولهم ، وكانوا بذلك جامعين لسائر شؤون
الأمة الدينية والسياسية ، وقابضين على جميع قواتها ، ومشرفين على مناصبها كلها ،
فكانت خلافتهم كالنبوة قائمة على أساس اجتماع القوى والمناصب ؛ ولذا سميت
( بالخلافة الراشدة ) ، و ( الخلافة على منهاج النبوة ) .
وليعلم أن منصب النبوة يشتمل على وظائفَ كثيرةٍ ، منها تلقّي الوحي الإلهي ،
وتشريع القوانين والأحكام الدينية والسياسية ، وصاحب هذا المنصب معصوم
وغير مسئولٍ لدى الخلق ، ولقد ارتفع هذا المنصب بموت النبي - صلى الله عليه
وسلم - وكملت الشريعة ، وتمت نعمة الله على الخلق ، فلا نبوة بعد نبوته ، ولا
شريعةَ بعد شريعته ، ولا حق في التشريع لأحدٍ بعده صلى الله عليه وسلم ؛ لأن
الشيء إذا بلغ منتهى الكمال لا ينسخه شيءٌ آخر ؛ إذ هذا منافٍ لكماله ، ومُظهِر
لنقصه ، قال الله تعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ
لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً } ( المائدة : 3 ) .
نعم ، تمت هذه الوظائف النبوية الأساسية ، ولكن بقيت لها وظائف أخرى
فرعية ، وستبقى على حالها ما بقي من الناس باقٍ ، وقد عبر عنها النبي - صلى
الله عليه وسلم - بعباراتٍ مختلفةٍ ، فقال عن عمر - رضي الله عنه - إنه :
( محدث هذه الأمة ) ، وقال عن العلماء إنهم ( ورثة الأنبياء ) ، وقال : ( الرؤيا
الصادقة جزءٌ من أربعين جزءًا من النبوة ) ، وإنه : ( لم يبقَ إلا المبشرات ) ،
وحديث : ( التجديد ) أيضًا من هذا النوع .
فخلفاؤه الراشدون كانوا خلفاءه في جميع وظائفه النبوية غير تلقي الوحي
وحق التشريع ؛ إذ هما خاصان به ، لا يشاركه فيهما أحدٌ من الخلق [1] ، فكانوا
مثله خلفاء الله في أرضه ، وأصحاب السلطان ، والنفوذ فيها ، وسُوَّاس الأمم ،
وقُوَّاد الجيوش ، وقضاة المحاكم ، وأصحاب الاجتهاد والفتيا ، ومنظّمي البلاد ،
وفاتحي الأقطار ، وحكام الأمم والشعوب ؛ وذلك لأن ( الخلافة والإمامة ) في ذاتها
كالنبوة مشتملةٌ على الدين والدنيا ، وخليفة المسلمين كنبيهم مجتهدٌ دينيٌّ ، وحاكمٌ
سياسيٌّ ، فكنتَ ترى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مثلاً في دار شوراه بالمسجد
النبوي ، يفتي في المسائل الدينية مِن حيث إنه مجتهدٌ ، وفقيهٌ ، ويقضي ويحكم بين
الناس من حيث إنه قاضٍ ، وحاكمٌ ، وينظم الجيوش ، ويفرق عليهم الجراية مِن
حيث إنه ناظر الحربية ، ويضع الخطط الحربية مِن حيث إنه القائد العام ، ويقابل
سفراء الروم من حيث إنه ملِكٌ وسلطانٌ ، ثم تراه في سواد الليل متفقدًا أحوال
المدينة كأنه حارسٌ وخفيرٌ ، وأبٌ رحيمٌ للمسلمين .
بل الأمر أكبر مما ذُكِر ؛ فقد ناب الخلفاء الراشدون عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - في وظائفه النبوية التنفيذية المتعلقة بهداية البشر التي جعلها القرآن
ثلاثة أقسامٍ بقوله تعالى : { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } ( آل عمران : 164 ) ، فوظائف النبوة التنفيذية : تلاوة الآيات وتزكية النفوس ،
وتعليم الكتاب والحكمة ؛ فقاموا بهذه خير قيامٍ ، ونابوا عنه فيها أحسن نيابةٍ ، فكانوا
أسوةً به يتلون على الناس الآيات الإلهية ، ويزكُّون القلوب والأرواح ، ويربون
الأمة بتعليمها الكتاب وحكمة السنة ، فكأنهم كانوا في آنٍ واحدٍ أبا حنيفة ،
والشافعي وجنيدًا والشبلي وحمادًا والنخعي ، وابن معين وابن راهويه
والبخاري ، ولم يكن سلطانهم على الأجسام فقط ، بل كانوا يحكمون على القلوب
والأرواح أيضًا بسيرتهم القويمة ، وروحانيتهم القوية ؛ ولذا سميت خلافتهم
( بالخلافة الراشدة ) ، وجعلت أعمالهم تتمَّةً لأعمال النبوة ، فقال - صلى الله عليه
وسلم - من وصيةٍ له : ( فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين ، عَضُّوا
عليها بالنواجذ ) [2] ، فذكر مع سنته سنتهم ، وأوصى الأمة بأن تعَضَّ عليها
بالنواجذ .
ولكن واأسفاه ! ، لم تبق الخلافة النبوية ، والهيئة الاجتماعية الإسلامية على
هذا المنوال طويلاً ، بل انتهت بأمير المؤمنين علي - عليه السلام - ، فعم الانتشار ،
والتشتت جميع شؤون الأمة ، فتزلزلت بناية الأمة الاجتماعية ، وسقطت جدرانها ،
فهي خاويةٌ على عروشها ، وانتقض النظام الشرعي ، وتبعثرت سائر القوى بعد
أن كانت كتلةً واحدةً مجتمعةً على نقطةٍ واحدةٍ ، وتفرقت المناصب ، والوظائف
على أناسٍ كثيرين ، بعد أن كانت في يدٍ واحدةٍ ؛ فمن ثَمَّ انفصلت الحكومة والسياسة
عن الدين والشريعة ، وأصبحت الخلافة عاريةً من خصائصها الروحية ، ومجردة
عن وظائفها المتشعبة عن نبع النبوة ، فباتت ملكًا عَضوضًا طبقًا لقوله صلى الله
عليه وسلم : ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم ملك ) ، وقد تقدم ، وأما وظائفها
الدينية فانقسمت أيضًا ، وقام بها أناس آخرون ، فحمل القضاء والاجتهاد الفقهاء
والمجتهدون ، فأصبحوا فرقة ، وحمل وظيفة الإرشاد وتربية الأرواح وتزكية
النفوس الصوفية وصاروا فرقةً ، مع أن هذه الوظائف كلها كانت في بدء الأمر بيد
الخليفة الإسلامي ، فكان قائمًا بها كلها خير قيام ، وكانت بيعته تغني عن غيره ، بَيْد
أنه بعد الانتشار والتشتت أصبح ملكًا محضًا ، نائيًا عن وظيفة الإفتاء والقضاء ،
بعيدًا عن التعليم الروحي ، وتزكية النفوس ، فهُرع الناس إلى أصحاب الطرق
والمتصوفة وأخذوا يبايعونهم ( بيعة التوبة والإرشاد ) ( على اصطلاحهم ) ، فبعد
أن كانت القوى والمناصب ، والوظائف مجتمعة في شخص الخليفة ، فكان ملكًا
وفقيهًا وقاضيًا وقائدًا ومحتسبًا - تفرقت في دور الشتات ، وأصبحت لا نظام لها
ولا زمام ، بل كلما امتد الزمان زاد الطين بلة ، والخرق سعة ، حتى بلغ السيل
الزبى ، وعمت البلوى ، فتعارضت القوى ، وتصادم بعضها ببعض أيما تصادم ،
هذه هي الداهية الدهياء التي دهت الأمة الإسلامية ، فقضت عليها ، لا ما يتخبط
فيه الناس مِن اختراع الأسباب والعلل لسقوط المسلمين تقليدًا للإفرنج .
والحاصل أن الخلافة التي تلت الخلافة الراشدة - سواء كانت قرشية أو غير
قرشية - كانت حكومة دنيوية محضة ، وملكًا عضوضًا بعيدةً عن النيابة النبوية في
وظائفها إلا السياسية والحكم ( اللهم إلا خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه )
وهي لا تزال على هذه الطريقة إلى الآن إلا ما كان في عهد السلطان عبد الحميد
من الانقلاب ، وتأسيس الحكومة الدستورية [3] فإنه مما لا ريب فيه عود محمود إلى
الخلافة الراشدة قليلاً ؛ لأن الشورى هي الشرط الأول ، والميزة الكبرى للحكومة
الإسلامية الحق ، أما في غير هذا فلم تغير من أحوالها شيئًا .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) المنار : حق التشريع في الإسلام لله ؛ فهو الذي شرع الدين ، وأحل الحلال ، وحرم الحرام ، واختلف العلماء في كونه تعالى أعطى للنبي أن يشرع من تلقاء نفسه ابتداءً أم لا ، فذهب الجمهور إلى أن جميع ما ثبت في سنته من الأحكام فهو بوحيٍ من الله تعالى غير القرآن ، أو باجتهادٍ في فهم أحكامه ، والاستنباط منها ، ولهم دلائل كثيرة على هذا ، أظهرها إسناد الشرع إليه تعالى ، بقوله :
[ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ] (الشورى : 13) إلخ ، وقوله : [ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا ] (الجاثية : 18) وإذا أطلق عليه - صلى الله عليه وسلم - لقب الشارع فإنما يراد به على هذا القول مبلِّغ الشريعة ، ومبيِّنها ، وقال بعضهم إن الله أذن له بالتشريع من تلقاء نفسه ، واستدلوا بتحريمه للمدينة كما حرم إبراهيم مكة أن يباح صيدها أو يعضد شجرها أو يُختلى خلاتها (أي يقطع حشيشها) ولما قال له عمه العباس : (إلا الإذخر يا رسول الله) ، وهو نبات عطر كانوا يضعونه على الموتى عند دفنهم ، قال : (إلا الإذخر) ، ووراء هذا التشريع الديني ما جعل الله أمره مفوضًا إلى الرسول ، وإلى أُولي الأمر ، يقررونه بالمشاورة ، وهو جميع ما يتعلق بالمصالح الدنيوية ، ويسمى - في عرف علماء الحقوق ، والقوانين - تشريعًا ، وسنعود إلى بيانه عند الكلام على أولي الأمر .
(2) رواه أحمد و أبو داود و الترمذي و ابن ماجه من حديث العرباض بن سارية وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وأول المرفوع منه : (أوصيكم بتقوى الله) .
(3) المنار : إن الانقلاب الذي وقع في آخر عهد عبد الحميد - بالرغم منه وكان قاضيًا على سلطته- لم يكن شرعيًّا ، ولا وقع انتصارًا للشرع ، وعودًا إليه ، بل تقليدًا للإفرنج ، ومن أصوله أن يسلب من الخليفة السلطة المستقلة في كل شيءٍ ، ولكنه مع ذلك أدنى إلى تمكين الأمة من إقامة الحق ، والعدل ، ومراعاة الشرع من السلطة الاستبدادية التي كان يتمتع بها إذا كان الرأي العام في الأمة يريد ذلك .

الصارم المسلول
20 Jan 2009, 11:44 PM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
الخلافة الإسلامية
ألَّّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

( 3 )
فصل
طاعة الخليفة والتزام الجماعة
بعد هذه التوطئة الضرورية للبحث نقول : إن الشريعة الغراء فرضت على
المسلمين طاعة الخليفة ما لم يأمر بمعصية ، كما فرضت طاعة الله وطاعة رسوله ،
ولا عجب ؛ فإن نظام الشريعة الاجتماعي يقتضي ذلك ، وهو مطابقٌ لناموس
الفطرة تمام المطابقة ، بل هو حلقةٌ من سلسلة هذا الناموس الإلهي الذي يخضع له
كل ما في السموات والأرض ؛ وذلك لأنَّا نرى كل شيءٍ من هذا الكون البديع على
نظامٍ طبَعيٍّ مخصوصٍ ، وهو الذي يسمونه ( بناموس المركزية ) أو ( بناموس
الدوائر ) ؛ ففي كل جهة من هذا الكون مركز تحيط به الأجسام والذوات على شكل
الدائرة ، وعلى هذا المركز تتوقف حياتها ، وبقاؤها ، ونماؤها ، فلو تحولت عنه
هذه الدائرة أو انحرف عن طاعتها - تنحلّ حالاً ، ويعتريها الخراب والدمار في
طرفة عين ، وعن هذه الحقيقة عبر بعض الصوفية بقوله : ( إن الحقيقة كالكرة ) ،
وعنها قال صاحب الفتوحات : ( بأنها دائرة قاب قوسين ) .
( ناموس المركزية ) هذا نافذ في الكائنات كلها ، فما هذا النظام الشمسي
الذي فوقنا ، وهذه السيارات العظيمة ، والنجوم المتلألئة ، والكرات النيِّرة المتبعثرة
على بساط السماء ، وهذه الحياة العجيبة والحركة المدهشة للعقول ؟ ، إن هي إلا
مظهر من مظاهر هذا الناموس ، فالنجوم لها دوائر ، وكل دائرةٍ منها قائمة على
نقطة في الشمس ، حولها حركتها ودورانها ، وعليها حياتها ، وبقاؤها ، وبها قيامها
ودوامها ، وستبقى هكذا ما دامت مرتبطةً بمركزه ، ومنقادةً له { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الْعَلِيمِ } ( الأنعام : 96 ) وكذلك أرضنا حلْقةٌ من تلك الدائرة خاضعة لمركزها
كل آنٍ ، فكل من الأرض والسموات يدور في محوره ، ويسبح في فَلَكه ، ويطيع
مركزه ، ولا يخرج عن دائرته أبدًا حسب قوله تعالى : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَاتِ
وَالأَرْضِ } ( آل عمران : 83 ) ، وقوله : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي
السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ ... } ( الحج : 18 ) إلخ ،
وقال : { لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ
يَسْبَحُونَ } ( يس : 40 ) .
ليست الكائنات العظيمة وحدها هي الخاضعة لناموس المركزية ، بل الكائنات
الحقيرة المنحطَّة مثلها ، فخُذ لك العالم النباتي مثلاً ، ففي كل شجرة ترى الأوراق ،
والفروع ، والأزهار ، والأثمار كلها مرتكزة على مركزها الذي هو أصل الشجرة ،
ومهما انفصلت ورقة أو غصن من الأصل - حل به الموت والفناء .
هذا في عالم الآفاق ، ثم انظر في عالم الأنفس ، أفلا ترى أعضاءك الخارجية
الداخلية ، ومشاعرك الظاهرة والباطنة كلها تتحرك ، وتعمل عملها ، حتى كأنك
مدينة مزدحمة بالأحياء ، لكل واحدٍ منها حياةٌ قائمةٌ بذاته ، ووظيفةٌ خاصةٌ به ،
ولكنها كلها خاضعةٌ لمركزها الذي هو القلب ، به صلاحها وفسادها ، وعليه مدار
حياتها وبقائها ، إذا صلح صلحت كلها ، وإذا فسد فسدت كلها .
وكما جعل الله سبحانه للكائنات ناموسًا ونظامًا ، كذلك جعل لسيادة النوع
الإنساني وهدايته ناموسًا ونظامًا ، وهو الإسلام { فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } ( الروم : 30 ) ، ولا بد أن يكون هذا الناموس المعنوي موافقًا لذلك الناموس
الصوري غير متعارض معه ؛ لأنهما صنع يدٍ واحدةٍ ، وتقدير العزيز العليم الذي لا
ترى في خلقه من تفاوت ، فارجع البصر هل ترى فيه من فطور ؟ ، ولعمري إنهما
لكذلك ، فكما ترى نظام الكون قائمًا على ناموس المركزية كذلك نظام الإسلام قائم
على ناموس المركزية سواء بسواء ، وقد نبه القرآن الحكيم على هذه الحقيقة مرارًا ،
وهي أن النوع الإنساني - جماعاته وآحاده ، وحياتهم الأدبية والمادية - قائمة
بناموس المركزية كسائر أنواع الأجسام ، فكما أن الشمس مركز لنجوم سيارة في
محيطها جعل الله الأنبياء مركزًا لسعادة البشر ، وجعل حياتهم المعنوية ، وخلاص
أرواحهم ، موقوفة على ارتباطهم بهذا المركز ، قال الله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن
رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ } ( النساء : 64 ) ، وقال : { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًَ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيماً } ( النساء : 65 ) وقال { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } ( الأحزاب : 21 ) ، ثم جعل الله تعالى تحت هذا المركز الأعظم دوائر مختلفة ،
ومراكز متعددة ، فجعل عقيدة التوحيد مركزًا لسائر العقائد ، فهي تحوم حولها ، قال
تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ } ( النساء :
48 ) ، وجعل الصلاة مركزًا للعبادات عليها مدارها ، وبضياعها ضياعها ،
وبطلانها ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ... فمَن أقامها أقام الدين ،
ومَن تركها فقد هدم الدين ) ، وفي حديث الترمذي : ( كان أصحاب رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة ) ، وقد
جعل الكعبة مركزًا أرضيًّا لسائر الأمم ، والشعوب ، والبلاد ، فقال تعالى : { جَعَلَ
اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ } ( المائدة : 97 ) ؛ ولذا أوجب أن تتوجه إلى
هذا المركز دوائر الناس ووجوههم ، فقال : { وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } ( البقرة : 144 ) .
ثم لما كان للأجسام ، والأشخاص ، والمعتقدات ، والأعمال مراكز - وجب
أن يكون للحياة الاجتماعية مركز ، فجعل الله لها مركزًا ، وجعل الأمة حوله
كالدائرة ، وأوجب عليها مرافقته وموافقته وطاعته . فإذا نادى لبَّت ، وإذا تحرك
تحركت ، وإذا وقف وقفت ، وإذا نهض نهضت بخيلها ورَجِلها ، وسائر قواها ،
وجعل عصيانه من الجاهلية التي لا مخرج منها إلا بطاعته ، والرجوع إليه ، وقد
سمى المسلمون هذا المركز الاجتماعي ( بالخليفة والإمام ) ، وفرض على المسلمين
قاطبة أن يعينوه ، وينصروه ، ويطيعوه كما يطيعون الله ورسوله ، فقال تعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي
شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ
تَأْوِيلاً } ( النساء : 59 ) .
***
فصل
أولو الأمر
أمر الله سبحانه في هذه الآية بثلاث طاعاتٍ : طاعة الله ، وطاعة الرسول
وطاعة أُولِي الأمر ، وقد علمنا أن طاعة الله تكون بطاعة كتابه ، وطاعة الرسول
بطاعة سننه القولية والفعلية ، ومَن أولو الأمر الذين أُمرنا بطاعتهم ؟ ، لقد
تضافرت الأدلة القطعية ، والبراهين النيرة على أن المراد بأولي الأمر ( الخليفة
والإمام ) الذي ينفذ أحكام كتاب الله وسنة رسول الله ، ويقوم بمصالح الأمة ، ويحكم ،
ويستنبط الأحكام من الشريعة عند النوازل برأيه واجتهاده ، وإنما ذهبنا إلى هذا
القول لوجوهٍ :
( 1 ) قاعدة : ( القرآن يفسر بعضه بعضًا ) فإذا رجعنا إليه نجد في نفس
هذه السورة قول الله تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ
رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ } ( النساء :
83 ) ، ذكر الله سبحانه في هذه الآية تلك الآونة التي كانت تروج فيها أخبار الأمن
والخوف ، والفتح والهزيمة ، فيسمعها الناس ، فيضطربون من أجلها اضطرابًا
شديدًا . وقد أشاع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض المنافقين مثل هذه
الأخبار ، فهلع منها بعض ضَعَفَة الإيمان من المسلمين ، فأمرهم الله أن إذا سمعتم
هذه الإشاعات فلا تأخذوها على عِلاَّتها ، ولا تصدقوها ، بل ردوها إلى الرسول ،
وإلى ( أولي الأمر ) ؛ ليحققوها ، ويمحصوها ، ويستنبطوا منها ما يجب استنباطه .
فالحالة التي ذُكرت في هذه الآية : حالة الحرب والصلح ، والأمن والخوف ،
ولا يخفى على أحدٍ أن النظر في هذه الحالة ، والاهتمام لها ، واتخاذ التدابير
اللازمة لها من وظائف الأمراء والحكام ، لا من وظائف العلماء والفقهاء ؛ لأن
المسألة مسألة نظام البلاد ، وقيام الأمن ، ونشوب الحرب ، لا مسألة الحلال
والحرام التي ينظر فيها العلماء ، فإذن لا مناصَ من أن نسلِّم بأن المراد ( بأولي
الأمر ) هم الذين بيدهم الحرب والصلح ، وتنظيم البلاد ، وسياسة العباد ، والذين
من شأنهم أن يحققوا مثل هذه الأخبار المؤثرة على السياسة العامة ، وما هم إلا
الأمراء والحكام [1] .
( 2 ) إذا تتبعنا الكتاب ، والسنة ، واللغة نجد أن كلمة ( الأمر ) إذا
استعملت هذا الاستعمال ، يكون معناها الحكومة والسلطان [2] ، وقد كثر استعمالها
في هذا المعنى في الأحاديث النبوية كثرة زائدة لا يبقى معها محل للريب والشك ،
وفي اللغة أيضًا معنى ( الأمر ) : ( الحكم ) ؛ ولذا قال الإمام البخاري : ( أولو
الأمر هم ذوو الأمر ) ، ومعلوم أن صاحب الحكم لا يكون إلا صاحب الحكومة .
( 3 ) لقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن هذه الآية إنما نزلت في طاعة أمير
الجماعة ؛ ففي الصحيحين عن ابن عباس : ( أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن
قيس بن عدي ؛ إذ بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سرية ... ) وروى
ابن جرير الطبري في تفسيره : ( بأنها نزلت في قصةٍ جرت لعمَّارٍ مع خالد ،
وكان خالد أميرًا ، فأجار عمَّار رجلاً بغير أمره ، فتخاصما ) ، فعُلم من هاتين
الروايتين أن الآية إنما أُنزلت في طاعة الأمراء لا غير [3] .
( 4 ) روينا هذا التفسير عن كثيرٍ من الصحابة والتابعين ، ولم يؤثر عنهم
غيره ، وأما ما قيل في الآية فإنما هو من عند المفسرين المتأخرين ، فقد نقل الحافظ
ابن حجر عن ابن عيينة أنه قال : ( سألت زيد بن أسلم عنها ، ولم يكن بالمدينة
أحد يفسر القرآن بعد محمد بن كعب مثله ، فقال : اقرأ ما قبلها تعرف ، فقرأت :{ إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } ( النساء : 58 ) فقال : هذه في الولاة ) ( فتح الباري 13 : 99 ) فانظر كيف استدل زيد بن أسلم على أن المراد من ( أولي الأمر ) الحكام ، والولاة بالآية التي قبلها ، والتي ذكر فيها الأمراء والحكام [4] ، وقد روى الطبري بسندٍ صحيحٍ عن
ميمون بن مهران وأبي هريرة ، وغيرهما : ( أولو الأمر هم الأمراء ) وعدَّ ابن حزم
الصحابة والتابعين الذين نقل عنهم هذا التفسير فبلغوا ثلاثة عشر رجلاً .
نعم قد رُوِيَ عن بعض الصحابة والتابعين أن المراد من أولي الأمر العلماء
فقال جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - : ( إنهم أهل العلم والخير ) ، وقال
مجاهد وعطاء وأبو العالية : ( إنهم العلماء ) ، ولكن لا تعارض بين التفسيرين ؛ وذلك
لأن الشريعة جعلت الحكومة والولاية مركزًا لسائر شؤون الأمة الدينية ، والسياسية ،
والعلمية ، ولم تكن المناصب والوظائف قد انقسمت إلى ذاك الحين ، فأمير المؤمنين
كما كان حاكمًا وسائسًا كذلك كان عالمًا وفقيهًا أيضًا ، فالصحابة والتابعون الذين
فسروا أولي الأمر ( بأهل العلم والخير ) - قد أحسنوا التفسير ، إذ أثبتوا به أن أمراء
المسلمين يجب أن يكونوا من أهل العلم والخير ، لا ما فهمه المتأخرون من هذا القول
بأنهم قصدوا به تلك الفئة التي عرفت ( بالعلماء والفقهاء ) بعد انقراض ذلك العهد ،
وانهدام نظام الجماعة الشرعي ؛ لأن هذه الفئة لم تخطر على بال أحدٍ من الصحابة
والتابعين في الصدر الأول ، ومن هذا القبيل ما نقله ابن جرير أيضًا عن عكرمة أنه
قال : ( أولو الأمر هم أبو بكر وعمر ) أي أن المراد من أولي الأمر الخلفاء ،
والأئمة مثل أبي بكر ، وعمر - رضي الله عنهما [5] .
وهذا التفسير مطابق لحالة البلاد الاجتماعية إذ ذاك ، لأن بلاد الحجاز كانت
في الفوضى قبل الإسلام ، ولا سيما قريش مكة ، فإنهم لم يكونوا يعرفون الإمارة ،
ولا ينقادون لأحدٍ من الناس ، فجاءهم الإسلام ( بنظام الجماعة ) و( نظام الإمارة )
وأوجب على كل الناس أن يطيعوا الأمراء ، ويلتزموا الجماعة ، وإلى هذا
ذهب الإمام الشافعي - رضى الله عنه - كما نقل عنه العسقلاني في الفتح ، حيث
يقول : ( ورجح الشافعي الأول واحتج بأن قريشًا كانوا لا يعرفون الإمارة ، ولا
ينقادون لأمير ، فأُمِروا بالطاعة لمن ولي الأمر ) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :
( مَن أطاع أميري فقد أطاعني ) ( فتح الباري 8 : 191 ) [6] .
( 5 ) هذا هو قول أكبر فقيه قام في الأمة الإسلامية ، ألا وهو الإمام محمد بن
إسماعيل البخاري - رضي الله عنه - ، فقد بوب في كتاب الأحكام من صحيحه
بابًا على هذه الآية ، فقال : ( باب أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم )
وروى تحته حديث أبي هريرة : ( مَن أطاع أميري فقد أطاعني ) ، فأثبت بهذا أن
أولي الأمر في مذهبه أيضًا هم الأمراء والأئمة لا الفقهاء والعلماء كما قال ابن حجر
في شرح هذا الحديث ( في هذا إشارة من المصنف إلى ترجيح القول الصائر إلى
أن الآية نزلت في طاعة الأمراء ، خلافًا لمَن قال نزلت في العلماء ) ( فتح الباري
13 : 99 ) .
( 6 ) إن أقدم التفاسير عهدًا وأغزرها مادةً تفسير ابن جرير الطبري ،
ومكانة صاحبه في معرفة تفسير الصحابة ، والتابعين ، واستقصائه معلومة ، وهو
قد رجح هذا القول بعد أن ذكر سائر الأقوال [7] .
( 7 ) لا يذهبن عن بالك أن الأقاويل الكثيرة في تفسير القرآن إنما جاءت
من المتأخرين الذين سحرت ألبابهم الفلسفة اليونانية في زمنٍ كانت العجمية المعوجة
قد اندست في الفكر والنظر ، واستولت على العلوم والمعارف ، وتقهقرت العربية
الخالصة الصالحة ، وهُجرت علوم السنة ، وعشق الناس ( التعمق ) في كل شيءٍ ،
حتى في العلوم الدينية ، ذلك التعمق الذي ورد فيه : ( هلك المتعمقون ) .
وأما السلف الصالح فلم تكن في عصرهم منازعات ، ولا مشاجرات ، ولا قيل ،
ولا قال ، بل كانوا يفهمون كتاب الله بملكتهم اللغوية ، بدون أن يتكلفوا أو يتعمقوا ،
أو يجهدوا أفكارهم في نحت المعاني البعيدة ، واختراع الاحتمالات الباردة ، فإذا
سمعوا كلمة ( أولي الأمر ) - التي نحن بصددها - فهموا منها بلا أدنى تكلف
معناها المتبادر إلى الذهن ، مثل ما يفهم الأعراب والرعاع .
ولكن الدهر كان خبأ أمثال فخر الدين الرازي - الذين لا ترضيهم هذه
السماحة والسذاجة - فجاؤوا من بعدهم يخترعون لكل كلمة معانيَ عديدةً ،
واحتمالاتٍ كثيرةً ، ويُظهرون بذلك براعتهم وجودة ذهنهم ، فلا تروعنَّك أقاويل
المتأخرين واختلافهم ؛ لأنهم إنما اتخذوا العلم صنعة لهم ، ومماراة بينهم ، بل إن
كنت تنشد الحق فعليك بالسنة النبوية الصحيحة ، والآثار الثابتة عن الصحابة
والتابعين لهم بإحسان ، فما وافقهما فخذه ، وما خالفهما فاضرب به عُرض الحائط ؛
إذ صاحب القرآن ( صلى الله عليه وسلم ) أعلم به ، وكذلك أصحابه الذين شهد الله
العليم بعلمهم وعملهم - رضي الله عنهم ورضوا عنه [8] - .
وما لي لا أعجب من هؤلاء الناس الذين يُعرضون عن السلف الصالح ، ولا
يقيمون لهم وزنًا في تلك العلوم التي اخترعوها اختراعًا ؛ لأجل أنهم لم يكونوا
يعلمون أصول الفقه ، وعلم الكلام اليوناني اللذين ما أنزل الله بهما من سلطان !
فلِمَ لا يسلمون لهم في علم الكتاب الإلهي ؟ ! أليس عجيبًا أن يؤمنوا بأن القرآن
نزل على محمد العربي صلى الله عليه وسلم ، ثم يستشهدوا في فهم معانيه
بأرسطاطاليس اليوناني ؟ نعم ، إن هذا لشيء عُجاب !
وأما الذي حيَّر الرازي وغيره في فهم الآية فإنما هو ذكر الطاعة لأولي الأمر
معطوفة على طاعة الله ورسوله ، فقالوا : كيف تكون طاعتهم مثل طاعة الله
ورسوله ؟ ، وأين الملوك والسلاطين من هذا المقام الرفيع ؟ ، فاخترعوا لذلك معنًى
يوافق فلسفتهم ، وقالوا هم : ( العلماء والفقهاء ) [9] ولقد تعبوا سدى ؛ لأن المسألة
واضحة جلية لا تحتاج في حلها وظهورها إلى التفلسف البارد ؛ وذلك لأن القرآن
والسنة شريعة وقانون ، وماذا يجدي القانون إذا لم تكن وراءه قوةٌ منفذةٌ ، فطاعة
هذه القوة طاعة القانون نفسه ، وطاعة واضعه ، ولا يخفى على أحدٍ من الناس حتى
السوقة والأعراب أن طاعة والي البلد طاعة لذلك الذي أرسله وعينه ، وعصيانه
عصيان لذلك بلا ريبٍ ، حتى إن الذي يعارض الشرطي في عمله الرسمي يعد
مخالفًا للقانون ، وللقوة التي سنَّتْه ، وإنما تخبط الناس في فهم الآية ؛ لأنهم لم
يتأملوا النظام الشرعي الاجتماعي ؛ إذ إنهم لو أمعنوا النظر فيه لما تحيروا هذا
التحير ولعلموا حق العلم بأن لا بد لقيام الشريعة ، وبقاء الأمة من قوة مركزية ، وما
هي تلك القوة إلا الخليفة والإمام ، والأمراء ونوابه ، ولو أنهم فعلوا ذلك لما خفي
عليهم معنى ( أولي الأمر ) [10] .
وقد علمنا أيضًا من آية : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ ... } ( النساء : 59 )
إلخ أن بين الخليفة الإسلامي والبابا المسيحي بونًا شاسعًا ؛ إذ البابا ليس بيده
الخلافة الأرضية ، بل هو صاحب السلطة في ملكوت السماء ، وقد عَدَّ الإسلام هذه
العقيدة كفرًا وشركًا ؛ فقال تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} ( التوبة : 31 ) ، وأما الخليفة الإسلامي فهو الحاكم والسلطان في الأرض فقط ،
يذود عن حوض الأمة ، وينفذ أحكام الشريعة ، ولا يملك أدنى سلطة في السماء ،
ولا بيده القوة التشريعية ، فهو لا يستطيع أن يغير من الشريعة شيئًا ، ولا أن يزيد
فيها أو ينقص ، بل عليه أيضًا مثل سائر آحاد الأمة أن يخضع لها خضوعًا تامًّا ،
وإذا تنازع في شيءٍ مع المسلمين فلا حق له بأن يحملهم على حكمه ورأيه الخاص ،
بل يجب عليه وعليهم جميعًا أن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسول الله ،
فيحكموها بينهم ويسلموا لها تسليمًا ؛ قال الله تعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } ( النساء : 59 ) ، ففي هذه الحالة لا حكم للخليفة ، وإنما الحكم
لله وللرسول ، وكذلك طاعته طاعة لله ولرسوله ، ولأجل هذا كرر الفعل في الآية
فقال : { أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول ... } ( النساء : 59 ) ، ولم يكرره في
( أولي الأمر ) ليعلم أن طاعتهما مطلوبة أصلاً وطاعة أولي الأمر ليست كذلك ، بل
إنما جُعلت ليُطاع الله ورسوله ( قاله الطيبي في الشرح ) .
ولذلك لما أراد أمراء بني أمية أن يحملوا المسلمين على طاعتهم في المنكر ،
والبدعة ، والظلم ، قائلين : أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله : { وَأُوْلِي الأَمْرِ
مِنكُمْ } ( النساء : 59 ) - رد عليهم بعض الأئمة من التابعين أحسن ردٍّ فقال :
أليس قد نُزع عنكم بقوله : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ } ( النساء : 59 ) ؟ !
والحاصل أن الله سبحانه فرض على الأمة الإسلامية بهذه الآية طاعة الخليفة
والإمام ؛ إذ به قيام الجماعة ، وبقاء الهيئة الاجتماعية [11] .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) المنار : هذا الوجه حُجَّةٌ على الكاتب لا له ؛ فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان عند نزول الآية هو الإمام الأعظم ، وصاحب الأمر في السياسة وغيرها ، ولم يكن معه أمراء ، ولا حكام ؛ فتعين أن يكون المراد بأولي الأمر أهل الشورى من زعماء الأمة ، وأهل الرأي فيها ؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم يأخذ برأيهم واستنباطهم في أمر الأمن والخوف وسياسة الحرب ، وغيرها ؛ لقوله تعالى : [ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ] (آل عمران : 159) ، وهذا نص في موضع النزاع .
(2) هذا الحكم غير صحيح ، وإنما الأمر : الشأن ، ومقابل النهي ، ويدخل فيها معنى الحكم ، والقرينة تعين المراد كما تقدم ، فالأمر في الآيتين هنا عين الأمر ، آية : [ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ] (آل عمران : 159) وآية : [ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ] (الشورى : 38) ، فأُولو الأمر في لغة القرآن أهل الشورى الذي اصطلح العلماء على التعبير عنهم بأهل الحل والعقد ، وهم الذين لا يكون الخليفة إمامًا للمسلمين إلا بمبايعتهم له .
(3) هذا الحصر - بل هذا الوجه - غير صحيح كما علم من الحاشيتين اللتين قبل هذه ، وكانوا كثيرًا ما يعنون بقولهم إن هذه الآية نزلت في كذا أنها مبينة للحكم في مثله ، وذلك بحسب فهم القائل .
(4) ليس في الآية التي قبلها ذكر للحكام والأمراء ، وإنما هي خطاب للأمة أنه يجب على مَن اؤْتُمِنَ منهم على شيء أن يؤديه إلى أهله ، وعلى مَن حكم بين الناس بولاية عامة ، أو خاصة أو تحكيم من بعضهم - أن يحكم بالعدل .
(5) ليس هذا معنى قوله ، بل معناه هم أهل الشورى عند الرسول صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر ؛ لأنه كان يستشيرهما في كل أمر .
(6) إن طاعة الأئمة والأمراء واجبة (في المعروف) بإجماع المسلمين ، والنصوص فيها معروفة ، ومنها هذا الحديث ، ولكن هذا ليس دليلاً على تفسير الآية بما ذُكر .
(7) قد صرح الكاتب - من قبل كغيره - بأن المسألة خلافية ، فترجيح بعض كبار العلماء لأحد الوجوه التي يحتملها اللفظ ليس حجة على غيرهم ، وإنما العبرة بقوة الدليل .
(8) هذا الكلام حق ولكنه وضع هنا في غير موضعه ؛ إذ ليست هذه المسألة مما خالف الخلف فيها السلف ، ولا مما أكثروا فيها الأقوال .
(9) قد نقل الكاتب هذا القول عن بعض السلف ، وجمع بينه وبين القول الأول ، الذي اختاره ، وأطال فيه ، فعزوه إلى الرازي خطأ وَهْبه صوابًا ، فلماذا أنحى عليه بهذه اللائمة في قول سبقه إليه مَن ذكر من السلف ؟ ، على أن الرازي على تفلسفه وكثرة غلطه - قد اهتدى في تفسير (أولي الأمر) إلى الصواب في الجملة ، كما بيناه في تفسير الآية في موضعها من التفسير .
(10) الحق أنهم عرفوا ما رماهم بجهله كما تقدم .
(11) المنار : مَن أراد الوقوف على ملخص أقوال السلف والخلف في (أولي الأمر) ، وتحقيق الحق فيه وفهم الآية حق الفهم ومعرفة مصلحة المسلمين في ذلك اليوم - فليراجع تفسيرها في الجزء الرابع من تفسيرنا (من صفحة 180-222) .

الصارم المسلول
20 Jan 2009, 11:47 PM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
الخلافة الإسلامية
ألَّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

( 4 )
فصل
شرح حديث الحارث الأشعري
أما طاعة الخليفة في السنّة فقد تضافرت الأحاديث الصحيحة في وجوبها ،
واشتهرت اشتهارًا عظيمًا ، حتى إنه لم يصل حكم بعد عقيدة التوحيد والرسالة إلى
هذه الشهرة والتواتر .
وها أنا ذا ذاكر ههنا أولاً حديثًا من مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي يوضح
نظام الإسلام الاجتماعي توضيحًا حسنًا ، فأقول :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا آمُرُكم بخمس ، الله أمرني
بهن : الجماعة ، والسمع والطاعة ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ؛ فإنه مَن
خرج من الجماعة قيد شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع ، ومَن دعا
بدعوى جاهلية فهو من جِثِيِّ جهنم ، قالوا : يا رسول الله ! ، وإن صام وصلى ؟ ! ،
قال : وإن صلى وصام ، وزعم أنه مسلم ) أخرجه الترمذي ، وأحمد ، والحاكم
من حديث الأشعري على شرط الصحيحين ، قال ابن كثير : هذا حديث حسن ، وله
شواهد .
فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخمس :
أولهن - ( الجماعة ) أي يجب على الأمة أن تجتمع على الإمام ، وتعيش
مرتبطة بمركزها الاجتماعي ، وسترى كثيرًا من الأحاديث التي تحذر من الوحدة
والفُرقة ، وتعدّها حياة جاهلية شيطانية ؛ إذ الإسلام لا يحسب الحياة الفردية حياة ،
وإنما الحياة عنده ( الحياة الاجتماعية ) .
ما ( الجماعة ) ؟ ، كتلة من الآحاد ، تربط بعضهم ببعض رابطة ( الاتحاد ) ،
و( الائتلاف ) ، ويكون فيهم ( الامتزاج ) و ( النظام ) .
هاتيكم الجماعة ولوازمها الأربعة : الاتحاد والائتلاف والامتزاج والنظام :
أما ( الاتحاد ) فهو أن يكون الأفراد متصلاً بعضهم ببعض ، فلا عوامل
التفرقة تفرقهم ، ولا التشتت يبددهم ، بل يكونوا جميعًا متقاربين ، وأن تكون
أعمالهم كذلك متوافقة غير متخالفة ، وجهتها واحدة ، وغايتها واحدة .
وأما ( الائتلاف ) فهو أخص من ( الاتحاد ) ؛ إذ الاتحاد مجرد الاتصال ،
و( الائتلاف ) هو الاجتماع والاتصال بتناسُب صحيح ، وترتيب حسن ، فيقدم فيه ما
حقه أن يقدَّم ، ويؤخر فيه ما حقه أن يؤخَّر ، ويوضع الفرد في الجماعة بالمكان
الذي يؤهله له استعداده وقوته ، فلا يُستخدم في الشرطة مَن هو أهل للسيادة والقيادة ،
ولا يُرفع - إلى رياسة السياسة - مَن لا يصلح إلا للشرطية .
وأما ( الامتزاج ) فهو أخص منهما ، ويُراعَى فيه اتحاد الكيف أكثر من اتحاد
الكم ، أي يُنظر في طبائع الأفراد حيث استعدادهم الاجتماعي ، فيلحق كل واحد
بالذي يكون أكثر موافقةً لطبعه ؛ ليتحدا تمام الاتحاد ؛ إذ لو لم يراعَ ذلك لا يتأتى
الاتحاد بين أفراد مختلفة الأمزجة والطبائع ، كما لا يتحد الزيت والماء ، وإن الله
سبحانه كما خلق العناصر ليتكون باجتماعها المناسب مركب مخصوص - كذلك
خلق الأفراد ليكونوا باجتماعهم ( جماعة ) ، فالأفراد ( عناصر ) ، والجماعة
(مركب ) ، وكما أن العناصر لا تكوّن ( مركبًا ) إلا إذا امتزجت امتزاجًا تامًّا ، كذلك
الأفراد لا تكون ( جماعة ) إلا بهذا الامتزاج ، فإذن يجب أن يتمازج الأفراد بعضهم
ببعض ، ويفنوا وجودهم في سبيل تكوين الجماعة ، بحيث يحسبهم مَن يراهم شيئًا
واحدًا ، ولا يكون ذلك إلا بعد الامتزاج التام .
وأما ( النظام ) فهو أن يحل كل فرد في الجماعة محله ، يدور في دائرته ،
ويسعى في داخل حدوده ، ويعمل عمله الاجتماعي فيه .
ولا تتحقق هذه الأمور إذا لم تكن قوة مسيطرة على الاجتماع ، ويد مدبّرة
للجماعة ، فتوحد الآحاد المنتشرة ، وتؤلف بينهم ، وتمزج بعضهم ببعض ،
وتخرطهم في نظام الجماعة ، فلا بد إذًا من ( إمامٍ وخليفةٍ ) ولا مفر للأفراد من
طاعته والخضوع ، إذا كانوا يريدون أن يحيوا حياة اجتماعية طيبة ، فمقام
الإمام أو الخليفة في الهيئة الاجتماعية مقام النقطة من الدائرة ، وعماله بمنزلة
الدائرة نفسها ، فآحاد الأمة يدورون حول هذه الدائرة ، وهي تدور حول تلك النقطة ،
وبهذه الصورة تتكون من اجتماع الأفراد ( الجماعة ) ويصيرون كتلة واحدة
وجسمًا واحدًا حيًّا ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد ، وبهذا أُمر
المسلمون ومُنعوا من الوحدة والفرقة ، وأوجب عليهم أن لا يعيشوا بدون إمام ،
سواء كثروا أم قلوا ، حتى لو كانوا ثلاثة وجب عليهم أن يؤمِّروا أحدهم لقوله -
صلى الله عليه وسلم - : ( إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ) .
وقد جعل الله سبحانه صلاة الجماعة - التي هي عماد الدين ومثال كامل
للعقائد والأعمال - نموذجًا ليهتدي بها المسلمون إلى تنظيم حياتهم الاجتماعية ،
فانظر كيف يجتمع مئات وألوف أوطانهم متنائية ، وجهاتهم متباعدة ، وألوانهم
متغايرة ، وألبستهم متخالفة ، فبينما هم في هذه الحالة ، إذ تقرع سمعهم التكبيرة ،
فيتحول الانتشار إلى الاجتماع ، والتفرق إلى الائتلاف ، فهم وقوف في صفٍّ واحدٍ ،
أجسامهم متلامسةٌ ، أكتافهم متلاصقةٌ ، أقدامهم متقاربةٌ ، ووجوههم متوجهةٌ إلى
جهةٍ واحدةٍ ، إذا كانوا قيامًا ، فكلهم قيام ، كأنهم بنيان مرصوص ، وإذا كانوا قعودًا
فكلهم قعود ، باطنهم كظاهرهم متحد ومؤتلف ، قلوبهم بذكر واحدٍ مشغولة ،
وألسنتهم للفظ واحد مرددة ، ثم انظر أمامهم فلا ترى هنالك إلا رجلاً واحدًا يؤمهم
ويقودهم ، متى شاء أقامهم ، ومتى شاء أقعدهم ، كلهم طوْع أمره ، وسمَّاعون لكلمته ،
لا يخالفونه ، ولا ينازعونه ، بل يتبعونه ، ويقتدون به ، ويطيعون له [1] .
هذه هي ( الجماعة ) التي يطالب بها الإسلام ، ويأمر المسلمين أن يجعلوا
هيئتهم الاجتماعية على أسلوبها ، لا كما يزدحم الهمج في الأسواق .
هذا ، وكل ما ذكرناه من أوصاف الجماعة وخصائصها مأخوذة من الكتاب
والسنة ، وقد أغفلنا ذكر الشواهد عمدًا لضيق المقام وعدم الحاجة إليها .
ثانيهن - ( السمع ) وهو أن تستمع الأمة أوامر الإمام ، وتستهدي به ؛ فكلمة
( السمع ) توضح أن مقام الإمام في الأمة مقام المعلم والمرشد ؛ فعليها أن تتلقى
أوامره بالقبول ، وتسترشد به في مهماتها .
ثالثهن - ( الطاعة ) وهي أن يطاع الإمام طاعة تامة ، ويفوَّض إليه جميع
القوى العاملة تفويضًا كليًّا[2] ، ويعمل كل فرد من الأمة بأمره بدون أدنى عذر ، ولا
ضجر ، ومعلوم أن الطاعة في المعروف لا في المنكر .
رابعهن - ( الهجرة ) وهي من ( الهجر ) ومعناه ( الترك ) ففي المفردات :
( الهجر والهجران : مفارقة الإنسان غيره ، إما بالبدن ، أو باللسان ، أو بالقلب ،
والمهاجرة : مصارمة الغير ومتاركته ) ( صفحة 558 ) ، وأما في الشريعة فهي :
أن يترك رجل أو جماعة الملاذّ الدنيوية ، والرغائب النفسية في سبيل الحق
والسعادة[3] ، فمثلاً إذا ترك أحد لغرض سامٍ وقصد عالٍ - مالَه وراحته ، وأهله ،
وأقاربه ، وعشيرته ، وبيته ، ووطنه ، يسمى عمله هذا في الشريعة ( الهجرة إلى
الله والذهاب إلى الله ) وقد غلب استعمال ( الهجرة ) في ترك الوطن ؛ لأن تركه
يستلزم ترك المال ، والأهل ، والأصدقاء ، وكل ما يُحَبّ ويُؤْلَف في الوطن ؛ ولذا
إذا أُطلقت يكون معناها ( ترك الوطن ) وإذا أضيفت إلى شيء يُفهم معناها حسب
الإضافة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمَن
كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومَن كانت هجرته لدنيا
يصيبها ، أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ( البخاري عن عمر رضي
الله عنه ) فالهجرة أنواع وأقسام تجدها مبينة في الكتاب والسنة ، وليس هنا محل
تفصيلها .
خامسهن - ( الجهاد في سبيل الله ) وهو من ( الجهد ) ومعناه : ( استفراغ
الوسع في مدافعة العدو ظاهرًا أو باطنًا ) ( مفردات ) ، فالجهاد هو السعي البليغ
لدفع الأعداء ، والذود عن الأمة ، ويكون باللسان ، والمال ، والنفس ، فكل ما يبذله
الرجل في سبيل الله - حسب الحاجة والضرورة - فهو جهاد في سبيل الله ، كما
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم
وألسنتكم ( رواه أحمد وأبو داود ، والنسائي ، وابن حبان عن أنس رضي الله
عنه ) .
ولسنا في حاجة إلى أن نُثْبت أن على هذه الخمسة تتوقف حياة الأمم وقيامها
وبقاؤها ؛ إذ كل مَن له ذرة من العقل يعلم حق العلم أنه لا تستطيع أمة أن تفوز في
معترك الحياة بدونها ، أو تنجح في أعمالها - صغيرة كانت أو كبيرة - بغيرها ،
فسواء عليها أن تسعى لحصول خبز من البر ، أو تذهب لكشف القطب الشمالي ،
فهي على كل حال تحتاج إلى هذه الأصول الخمسة ، والتي تعرض عنها تخسر ،
ثم تسقط حتمًا ، وإن كل ما نراه الآن في هذه المعمورة العظيمة من الحضارة
والرقي والصناعة ، نتيجة لهذه الخمسة : ( الجماعة ، والسمع ، والطاعة ، والهجرة ،
والجهاد ) .
إن النزاع والخلاف الذي ملأ الخافقين إنما هو ناتج عن شيءٍ واحدٍ ، وهو
تعدد الأسماء لمسمى واحد ، وكثرة المصطلحات لحقيقة واحدة ، فإنك إن دققت
النظر في جدال الناس ترى معظمهم متشاجرين في الأسماء والألفاظ والمصطلحات ،
مع أنهم لو جردوا الحقيقة عن الظواهر لعلموا أنها واحدة ، وعند الجميع سواء ،
لكنهم لسوء الحظ لا يفعلون ذلك ، فيتخبَّطون طول عمرهم في تيهاء الألفاظ
والمصطلحات ، ويتناطحون عليها .
وقد كثر مثل هذا النزاع في العلوم والمعارف ، والموفق مَن لا تخدعه
الظواهر ، فلا يرى الحقيقة بمنظاره الخاص المصنوع من الألفاظ والمصطلحات ،
بل يراها مجردة كما هي ، وهذا المقام مقام الرسوخ في العلم ، ويسميه الشيخ أحمد
ولي الله صاحب ( حجة الله البالغة ) بعلم الجمع بين المختلفات ، وعامة أصحاب
السلوك والإشارات يسمونه ( بمشهد الوحدة ) ، ويقصدون به نفس هذا المقام الذي
يصله السالك بعد زوال الحجب والأستار عن عينيه .
فإذا بحثت بعد هذا تعلم أن الجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد - من
تلك الحقائق العامة المسلَّمة التي لا ينكرها أحد من البشر - والأمم بأجمعها سائرة
عليها من أول خلقها ، ومتمسكة بها أشد التمسك ، وإنما النزاع فيها والإنكار عليها
جاء من تلك البلية التي ذكرناها آنفًا ، أي التشبُّث بالأسماء والمصطلحات ، فلأجل
هذا أنكرها كثير من الناس لأسمائها الإسلامية ، ولكنهم يقبلونها ، ويعملون بها بغير
هذه الأسماء ، والذي يَرُدّ هذه الحقائق نفسها يحرم من الحياة ، ولا يرى في دنياه إلا
الخيبة والخسران .
وها أنا ذا أسوقها إليك واحدةً واحدةً مع بيان وجيز لِتَفْهَم ما مر حق الفهم ،
فانظر إلى أولهن ، وهي ( الجماعة ) التي علمت معناها وخصائصها ، فقل أي
شيء يتم بدون الجماعة والاجتماع ؟ ، دع ما قالت فيها الفلاسفة والحكماء ؛ فإنه
دقيق يخفى على كثير من الناس ، وألقِ عليها نظرة عامة ترى أن الغرض من
البيئات والأحزاب ، والجمعيات والمنتديات ، والمجالس ، والمحافل ، والبرلمان ،
بل من الأمة ، والوطن ، والجيش ( الجماعة والتزام الجماعة ) أيمكن لأحدٍ أن
يستغني عن الجماعة ؟ ، حتى إن أولئك الذين يعيشون في الغابات عراة متوحشين-
يضطرون إلى الاجتماع إذا أهمَّهم أمر ، أو وقع فيهم شقاق ؟ ، يجتمعون للبحث
في شئونهم ، وإصلاح ذات بينهم ، ولو تحت شجرة على التراب ، فتلك ( الجماعة).
ولكن ماذا تُغني الجماعة إذا لم يوجد مَن يرأسها ويرشدها ؟ ؛ ولذا إذا اجتمع
بضعة رجالٍ لأمر جامع بينهم تبادروا إلى انتخاب الرئيس ، وقالوا : إذا لم يرأس
الجلسة أحد لا تكون قانونية ونظامية ، وكذلك إذا أرادوا تنظيم جيش قسَّموه فِرَقًا من
ألف ومائة وعشرة ، وجعلوا على كل منها رؤساء ( أي تابعين لرئيس واحد وهو
القائد العام ) وقالوا : بدون هذا لا يكون الجيش جيشًا ، ولا يستطيع أن يعمل عملاً ، فإذا كان قولهم هذا عن جماعة من عشرة أو خمسة ، فماذا يقال عن أمة مكونة من
ألوف وملايين من الرجال والنساء ، أفلا تحتاج إلى قائد يقودها ، ورئيس يرأسها ؟!
وهل نقدر على عمل اجتماعي بدون الأمير ؟ ثم أي فائدة من الأمير إذا لم يُطَعْ ؟
خذ لك أقرب مثال إليك وهو بيتك الذي تسكنه مع زوجتك وولدك - فإن عصت
الزوجة أمرك ، وتنمَّر عليك أولادك ، أفلا تغضب عليهم وتقول - والناس معك - :
هذا بيت لا يفلح أهله أبدًا ؛ لأنه لا نظام فيه ولا راحة ، بل هو مُبتلًى بحرب
أهلية ! وهل هذا الذي تقول غير ( الجماعة والسمع والطاعة ) ؟ فكما أن هذا
البيت لا يفلح كذلك لا تفلح الأمة التي لا جماعة فيها ولا سمع ولا طاعة .
وأما ( الهجرة ) فينفر منها كثير من الناس ؛ لأنهم يحسبونها من بقايا ذلك
العهد الذي كان فيه الإنسان في جهل ، ووحشية ، وهمجية ومصابًا بالجنون الديني ،
فكان يهلك نفسه ، ويقتل عواطفه ، ويترك راحته لأجل الدين ، ولكنهم ينسون أن
ما يفرون منه تدعو إليه البشر مدنيتهم أيضًا ، وإنك قد علمت معنى ( الهجرة ) ،
وهو أن يُؤْثِر الإنسان المقاصد العليا الدنيا ، وإن اضطر في هذه السبيل إلى
هجران أهله ، وماله ، ووطنه ، وأمته ، ومَلاَذِّهِ هجرها فرحًا مطمئنًّا ، فقل أي
نجاح يصادفه الإنسان في العلم والعمل إن لم يكن صدره مملوءًا بهذه العاطفة العالية ؟
وما هذا التقدم المدني والعلمي ، وما هذه الاختراعات العجيبة والاكتشافات
المدهشة ، والأموال الكثيرة ، والتجارة الواسعة ، والمستعمرات العظيمة ، ووسائل
المعيشة المتنوعة ، ورقي البلاد ، وعلو الأمم ، وسعة المدنية ؟ أليست نتائج
(الهجرة ) وثمراتها ؟ وذلك لأن الإنسان - أفراده وجماعاته - لو لم يؤثر المقاصد
العالية والعزائم الكبيرة على راحته وأهله ووطنه ولم يهجر كل شيء في سبيلها -
لما رأينا اليوم ما نراه في الدنيا ، بل لرأينا الجهل مقام العلم ، والوحشية مقام المدنية ،
والخراب مقام العمران ، وما قولك في علم الطب وتقويم البلدان وعلم الحياة
الإنساني ؟ أكان يمكن أن تصل هذه العلوم إلى ما وصلت إليه لو لم يهاجر كثير من
البشر في سبيلها لأجل معرفة تفاصيلها واستقراء جزئياتها ؟ ، لو لم يهاجر
كولمبوس لما علمنا عن نصف الدنيا شيئًا ، ولو لم يهاجر الغربيون لما شاهدنا في
واشنطون ، ونيويورك المباني الفخمة والقصور العالية ، ولو لم تهاجر الأمم
الأوربية لما أصبحت أغنى الأمم ، عجبًا ! ، إذ رأوا المهاجرين زرافات ووحدانًا
يقصدون إلى منطقة القطب الشمالي قالوا : هؤلاء عظماء الرجال حقًّا ، كمل العلم
فيهم ، وحلت الوطنية الصادقة في قلوبهم ، ثم إذا علموا أنهم هلكوا على بكرة أبيهم
دون أن ينالوا بغيتهم - أقاموا عليهم المآتم ورثَوْهم ، وبكوا عليهم وقالوا : مات
النجباء ! ، ولكن إذا سمعوا الشريعة الإلهية تسمي مثل هذا العمل ( بالهجرة ) ،
وتدعو الناس إليه - نفروا منه ، وأنكروا واسودت وجوههم - تراهم يمجدون أولئك
الرجال الذين هجروا أوطانهم لكشف منبع النيل وهلكوا في مجاهيل إفريقية ، ولكن
إذا علموا برجال هاجروا في سبيل الحق ، وإعلاء كلمة الله - ذمّوهم أشد الذم ،
وسموهم ( مجانين وهمجًا ) ! ، ثم إذا رأوا نيوتن يهجر نومه ، ويسهر الليالي
الطويلة ليحقق ( ناموس الشغل ) أعظموه ، وسموه بأسماء كريمة ، ولكن إن رأوا
رجلاً يُجهد نفسه مثل نيوتن - لا لناموس الشغل - بل لناموس نجاة العالم ،
وسعادته ، وهدايته أنكروا عليه عمله وعدّوه من الوحوش ! ، فما هذا الجنون ؟
وما هذا التناقض يا تُرى ؟ !
نرى اليوم الأمم الغربية تعتقد أن فَلاحها وحياتها في الاستعمار ( كانونيل
سستم ) وتتصادم وتتناطح ، ويهلك بعضها بعضًا ؛ لأجل المستعمرات ، ولكن ما
الاستعمار ؟ أليس الغرض منه ترك الوطن والهجرة من أرض إلى أخرى
وتعميرها ، واستحصال الثروة منها ، وتكثير غنى الأمة بها ؟ فما رأيك بعد هذا ؟
أليست الدنيا كلها متمسكة بنظام ( الجماعة والسمع والطاعة والهجرة ) ؟ نعم ،
هي متمسكة بها إلا أنها لا تسميها بأسمائها الإسلامية !
وأما ( الجهاد ) فما أكثر استفظاع بعض الناس له ، وما أشد إنكارهم عليه ! ،
إذا سمعوه جعلوا أصابعهم في آذانهم ، واضطربوا منه اضطرابًا شديدًا ، وقالوا
الإسلام يستحل الدماء البريئة ، ويدعو البشر إلى القساوة والبربرية ، والمجزرة
الإنسانية ، فهو دينُ وحشيةٍ وهمجيةٍ ، ولكن ما أشد استماعهم لقول دارون ، ورسل ،
وويلس : ( إن من الحقائق الثابتة ناموس تنازع البقاء ، وناموس انتخاب الطبيعة ،
وناموس بقاء الأصلح ) ، فإذا سمعوا هذه الكلمات أصغوا إليها هادئين ، ساكنين ،
وآمنوا بها مصدقين ، موقنين ، ولم ينزعجوا من هذه النواميس القتَّالة ، والداعية
إلى سفك الدماء ، بل قالوا : إنها كلها حق ، ومؤيدة بالبراهين القوية ، والمشاهد
العينية ؛ لأنَّا نرى الحياة كلها عراكًا ومزاحمةً ، الإنسان وما دونه من الأحياء - كله
يزاحم معارضه في الحياة ، ويدافع غيره ، ويُهلكه ويحل محله ، وهذا طبيعي ، ولا
بقاء لحي بدونه ! ، ثم إذا أخبرهم بأن النواميس التي يخضع لها سائر الموجودات
يخضع لها الجنس البشري ، وأن الأمة التي تُثبت أنها أصلح للقيام بالحق والهداية-
تعيش وتحيا ، والأمة الفاسدة وغير الصالحة تهلك وتفنى ! وتحل محلها الأولى
{ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } ( التوبة : 33 ) - لم يقبلوا هذا ، وتولوا عنه مدبرين!
ولو رجعوا إلى رشدهم لضحكوا على أنفسهم ؛ إذ الذي يردونه باسم ( الجهاد ) [4]
يقبلونه بأسماء أخرى ناقصة الدلالة على مسماها ! ، والله يهدي مَن يشاء إلى
سواء السبيل !
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) المنار : وظاهر أن هذا الاتِّباع يتقيد به الإمام كالمأموم بنصوص الشرع ، فمشيئته فيه لإقامة المأمومين وأفعالهم ليست مطلقة ، فإذا خرج عن الشرع فارقوه وأدبوه ، وكذلك الإمام الأعظم وهو الخليفة ، وقد أشار الكاتب إلى ذلك في الكلام على الطاعة .
(2) المنار : الحق أن الخليفة مقيد في الإسلام بمشاورة أهل الحل والعقد ، كما أنه مقيد بالشرع ؛ فتفويضه ليس مطلقًا .
(3) الهجرة الشرعية هي ترك دار الكفر إلى دار الإسلام ، وكذا كل مكان لا يستطيع فيه أن يقيم دينه بحرية ، وليس هو المعنى الشرعي الأصلي ، ويحتجون له بحديث : (والمهاجر مَن هجر السوء) ، وهو وصف للمهاجر الكامل ، كحديث : (المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده) ، فإن لم يهجر السوء لا يكون صادقًا في هجرة وطنه لأجل الحق الذي يُرضي الله تعالى ، كما يؤخذ من حديث النية.
(4) المنار : أوجز الكاتب واختصر في بيان هذه المسألة ، وأسهب فيما عداها ، وأطنب ، صواب القول في الجهاد الإسلامي أنه : (بذل الجهد في حفظ الحق ودفع الباطل) ، لتقرير المصالح وإزالة المفاسد ، وأما الجهاد العام - غير المقيد بهداية الإسلام - فهو : بذل الجهد من كل حي لحفظ حياته ومنافعه ، شخصًا كان أو جماعة بالحق أو بالباطل ، ولكن قصروا في بيان حقيقة الإسلام حتى لأهله، وأعداؤهم جدُّوا وشمروا في تصويره بضد حقيقته ، فنفَّروا منه حتى الكثير من اللابسين للباسه .

الصارم المسلول
20 Jan 2009, 11:50 PM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
الخلافة الإسلامية
ألَّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

( 5 )
فصل
الجماعة والتزام الجماعة
وفي هذا الحديث - الذي نحن بصدده - أمر مهم يستحق أن نتأمل فيه ،
وهو أن الشريعة نصَّت على أن الحياة الإسلامية إنما هي في التزام الجماعة وطاعة
الخليفة ، والحياة الجاهلية في الانحراف عنها ، ولقد أوضح القرآن أن الجاهلية هي
التفرق والتشتت ، وانتشار الكلمة ، وعدم الاجتماع على مركزٍ واحدٍ ، وأن الحياة
الإسلامية هي الحياة الاجتماعية ، والاتحاد ، والائتلاف بين الأمة ، واجتماع الآحاد
المنتشرة ؛ قال الله تعالى : { وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا } ( آل
عمران : 103 ) إلخ .
فالجاهلية الفرقة ، والإسلام الجماعة ؛ ولذا أكد النبي - عليه الصلاة والسلام-
مرة بعد مرة أن مَن يحيد عن الجماعة ، وينزع يده عن طاعة الخليفة ، يكاد
يخرج من الإسلام ، وتكون ميتته على الجاهلية لا على الإسلام ، وإن صلى وصام ،
وزعم أنه مسلم .
وها هي ذي بعض الأحاديث الصحيحة المشهورة في هذا الباب :
قال صلى الله عليه وسلم : ( مَن أطاعني فقد أطاع الله ، ومَن أطاع أميري
فقد أطاعني ، ومَن عصى أميري فقد عصاني ) رواه البخاري ، و مسلم عن أبي
هريرة ، وفي رواية أخرى لمسلمٍ : ( مَن أطاع الأمير ) أي أطاع إمام المسلمين ،
وقال : ( اسمعوا وأطيعوا ، وإن استُعمِل عليكم عبد حبشي ، كأن رأسه زبيبة )
( البخاري ومسلم عن أنس ) .
يظهر أن هذه الجملة كثيرًا ما كان يكررها صلى الله عليه وسلم ، ولا سيما
في خطبه ؛ ولذا تجدها مرويةً بألفاظٍ مختلفةٍ ، ونُسبت إلى مواقع مختلفة ، وقد قال
يوم الحج الأكبر - في حجة الوداع التي كانت مشهدًا عظيمًا للمسلمين ، والتي لم
يعش صلى الله عليه وسلم بعدها إلا بضعة أشهر - : ( ولو استعمل عليكم عبد
يقودكم بكتاب الله ، اسمعوا وأطيعوا ) ( مسلم ) .
وقال : ( مَن خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة فمات مات مِيتة جاهلية )
وفي لفظ : ( فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبرًا فمات عليه إلا مات
ميتة جاهلية ) ( متفق عليه ) ، ومعلوم أن الجاهلية كانت قبل الإسلام ، فمعنى
الحديث : أنه مات على ضلالة عرب الجاهلية - والعياذ بالله ! - وفي رواية عبد
الله بن عمر ( رضي الله عنه ) : ( مَن خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا
حجة له ، ومَن مات وليس في عنقه بيعةٌ مات ميتة جاهلية ) .
وقال : ( مَن فارق الجماعة شبرًا فكأنما خلع رِبْقة الإسلام من عنقه )
( الترمذي ) ، وفي رواية : ( دخل النار ) ( أخرجها الحاكم على شرط الصحيحين) .
وقال : ( كانت بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياءُ ، كلما هلك نبي خلفه نبي ،
وإنه لا نبي بعدي ، وسيكون خلفاءُ ، فيكثُرون ، قالوا : فما تأمرنا ؟ ، قال : فُوا
ببيعة الأول فالأول ، وأَعطوهم حقَّهم ، فإن الله يسألهم عما استرعاهم ) ( متفق عليه).
وغير هذا كثير من الأحاديث التي لا تُحصى ، وشواهد الإجماع ونصوص
كتب العقائد والفقه لسنا في حاجة إليها بعد الحديث .
***
فصل
في شروط الإمام والخلافة
إذا استقصيت نصوص الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة - تعلم أن الشريعة
الإسلامية اعتبرت الإمامة والخلافة على شكلين متضادين ، واحد منهما أصلي
ومطلوب ، والثاني اضطراري .
وبيان هذا أن الشكل الأصلي المطلوب هو انتخاب الأمة خليفتَها بحيث
تجتمع آحادها ، وأهل الحل والعقد والرأي والبصيرة منها ، فيتباحثون ويتشاورون
طبقاً للآية : { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } ( الشورى : 38 ) ، ثم ينتخبون الخليفة
مراعين فيه شروط الخلافة الشرعية ، ومقاصدها الأساسية ، غير ناظرين إلى
الوجاهة الذاتية والجنسية النسبية[1] ؛ إذ الشريعة تعتبر في الانتخاب شورى الأمة ،
لا جنسية الخليفة وعشيرته ونسبه ، وقد تأسست الخلافة الراشدة على هذا الأساس
الجمهوري ، فالخليفة الأول انتخبته الأمة مباشرة ، والخليفة الثاني انتخبه الخليفة
الأول[2] ، ورضي به أهل الحل والعقد من الأمة ، والخليفة الثالث انتخبته جماعة
الشورى ، والرابع بايعته الجماعة بأسرها ، فانتخاب هؤلاء الخلفاء الأربعة كان
انتخابًا شرعيًّا وجمهوريًّا ، ولم تُراعَ فيه الجنسية ، والقبيلة ، والعهد البتَّة ، ولو
رُوعي فيه شيء من هذا القبيل لَبقيت الخلافة في بيت الخليفة الأول ، ولم تخرج
منه إلى آخر الدهر ، ولكن لم يكن شيء من ذلك ، بل لم يدَع الخليفة الثاني مجالاً
للأمة في أن تنتخب ابنه خليفة ؛ لأنه منع ، وأوصى بذلك وصيةً حين احتضاره -
رضي الله عنه وعنهم أجمعين - .
فإذا كان الأمر على هذا النهج الجمهوري ، واستطاعت الأمة انتخاب خليفتها-
فقد شرطت الشريعة فيه شروطًا تُراعَى عند الانتخاب :
وأما الشكل الثاني : وهو إذا تغلب متغلب بقوته وعصبيته على الخلافة ، ولم
يترك مجالاً للانتخاب ؛ فحينئذٍ ماذا يجب على الأمة إذا كان المتغلب غير أهل لها
وظالمًا ، وفاقدًا لشروطها ؟ ، فهل يجب عليها أن تخرج عليه وتقاتله ؟ ، أم يجب
عليها أن تطيعه ، وتنقاد له ، وتؤدي إليه الزكاة ، وتقيم وراءه الجمعة والجماعة ،
وتعمل تحت سيطرته سائر الأعمال التي لا تتم إلا بوجود الخليفة والإمام ؟
لما كانت هذه المسألة أهم المسائل الحيوية ، وأساس حياة الأمة الاجتماعية -
لم تكن الشريعة لتغفل عنها ، وتترك الأمة بلا هداية ، ولا بصيرة فيها ؛ ولذا تجدها
قد اهتمت بها أشد الاهتمام ، وبينتها بيانًا وافيًا بعبارات واضحة ونصوص صريحة ؛
ومن أجل ذا لم يتردد الصحابة - رضوان الله عليهم - في تعيين خطتهم لما قامت
الخلافة الأموية الاستبدادية بعد انقراض الخلافة الراشدة ، فعاملوها معاملة واحدة ،
كأنهم كانوا عينوها من قبل ، وصارت تلك المعاملة سُنَّة لمَن بعدهم ، وأجمعت
الأمة على استحسانها ، واتخذتها خطة اجتماعية لها ، نعم ، قد اختلف بعض الفرق
الإسلامية في الشكل الأول للخلافة ، ولكن لم يختلف أحد منهم في الشكل الثاني لا
قولاً ولا عملاً [3] .
وقد شرطت الشريعة في الشكل الأول الجمهوري شروطًا بالغة في الكمال
منتهاه ، وأوجبت على الأمة أن تنظر في الخليفة كل الأمور التي تلزم لهذا المنصب
الرفيع ، ولهذه المسئولية العظيمة ، وقد اشتهرت شروط الخلافة هذه اشتهارًا عظيمًا ،
حتى إنك تجدها في عامة كتب العقائد والفقه التي يتداولها طلبة العلم في المدارس
الدينية ، فترى فيها : ( ويُشترط أن يكون ) الخليفة ( من أهل الولاية المطلقة
الكاملة ، بأن يكون مسلمًا ، حرًّا ، ذكرًا ، عاقلاً ، بالغًا ، سائسًا بقوة رأيه ، ورويَّته ،
ومعونة بأسه وشوكته ، قادرًا بعلمه وعدالته وكفايته وشجاعته على تنفيذ الأحكام ،
وحفظ حدود الإسلام ، وإنصاف المظلوم من الظالم ، عند حدوث المظالم ... ) إلخ ،
راجع شرح المواقف ، و النسفي ، والتمهيد ، وشرح الفقه الأكبر للقارئ ، وشرح
المقاصد ، ومن كتب المحدثين شرح عقيدة ابن عقيل ، وفتح الباري ، وشرح
منظومة الآداب ، وخلاصة ابن مفلح ، ونيل الأوطار ووبل المرام للشوكاني ،
والإقناع وشرحه وغيرها من الكتب .
وأما شرط القرشية ففيه اختلاف[4] ، وقد كان يقول به أكثر العلماء والفقهاء
إلى زمن الدولة العباسية ، وبعدها بيسير ( سنة 640 هـ سنة 1243م ) لقوله
صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا الأمر في قريش ) ولذا ذهبت الإمامية إلى أن
الخليفة يجب أن يكون من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ونقول على
هذه القاعدة إن الخلافة لعلي - عليه السلام - ، ثم لأئمة العِتْرَة - رضوان الله
عليهم أجمعين - وذهبت الزيدية إلى أن الخلافة في بني فاطمة كلهم ، ولا خصوصية
فيها لأئمة أهل البيت ، فالإمامية تَشْترط في الخليفة - مع سائر الشروط المذكورة
آنفًا - أن يكون من أهل البيت النبوي ، والزيدية توسع فيها وتقول كل بني
فاطمة أهل للخلافة ، وهم يستحقونها دون غيرهم .
ولا تنسينَّ أن هذا الاختلاف في الشكل الأول ، أما في الشكل الثاني - أي
إذا لم تقدر الأمة على انتخاب الخليفة لتغلُّب المتغلِّبين - فلا خلاف فيه بين
المسلمين لكثرة الأحاديث الصحيحة ، وإجماع الصحابة ، وأئمة أهل البيت في هذا
الباب ؛ ولذا ترى الأمة قد اتفقت كلمتها على أنه إذا استولى مسلم بقوته وشوكته
وعصبيته على الخلافة - وتمكن فيها ، وقامت حكومته ، وقوي أمره - وجب على
الأمة أن تطيعه ، وتسمع له ، وتخضع لخلافته مثل ما لو كان أصابها بحق ، ولا
يجوز لأحد الخروج عليه ، والقيام على وجهه ، ومَن يفعل ذلك يقاتله المسلمون ،
ويعينون الخليفة عليه ، مهما كان الخارج ذا فضل وصلاح وأهلية ؛ لأنه مفارق
للجماعة ، وخارج على السلطان [5] .
هذا هو حكم الشريعة في هذه الصورة ، وحكمته واضحة جليَّة ، وهي أن
قيام الشريعة وبقاء الأمة يتوقف على الحكومة القوية ؛ إذ هي أساس للحياة
الاجتماعية ، وقد جعلت لها الشريعة نظامًا في غاية من الكمال والجودة ، فخولت
للأمة حق انتخاب الأمير ، وجعلت الشورى أساسًا للانتخاب ، وشرطت شروطًا في
الأمير ، ولم تعتمد في الإمارة على امتيازات الجنس والعصبية والملوكية ، بل
جعلتها حرة وجمهورية محضة لا يشوبها الاستبداد والضغط أبدًا ، ثم حذرت الناس
من أن يتصدوا لها ، ويرشحوا أنفسهم لأجلها ، وينافسوا فيها ، ويتطلعوا إليها ،
فيقاتلوا ، ويحاربوا عليها ، ويسفكوا الدماء في سبيلها ، وقد كان رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يبايع الناس على هذا ، فيقول : ( لا ينازع الأمر أهله ) [6] هذه
كلمة صغيرة في ظاهرها ، كبيرة في ذاتها ، وكافية لإبطال الحروب والمنازعات
بأسرها ، وقد بوَّب البخاري في صحيحه عليها بابًا فقال : ( باب ما يُكره من
الحرص على الإمارة ) ، وروى فيه حديث أبي موسى الأشعري قال : قال النبي -
صلى الله عليه وسلم - : ( إِنَّا لا نولي هذا الأمر مَن سأله ، ولا مَن حرص عليه ) ،
وكان الغرض من هذا التحذير والمنع ؛ لأن الناس إذا لم يحرصوا عليها سهل
للأمة انتخاب الأصلح والأهل لها .
هذا هو النظام الحقيقي الذي جعلته الشريعة للخلافة الإسلامية ، ولو بقي
معمولاً به لصلحت الدنيا كلها ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أنه لا
يدوم أكثر من ثلاثين سنة ، فبيَّن للأمة ما يجب عليها عندما ينهدم ذلك ، ويحل
محله الاستبداد والقهر .
لنفحص المسألة فحصًا جيدًا ؛ لنرى أية خطة أحسن عند تغلب المتغلبين على
الخلافة ؛ فإن هنا خطتين :
( إحداهما ) أن يقبل الاستبداد ، ويخضع له صيانةً للجماعة ، وحفظًا لنفوس
الأمة ، وذَوْدًا عن البلاد الإسلامية من الأعداء ، وصونًا لأوامر الشريعة من
التعطيل وغيرها كثير من المصالح العامة ، ولا تنسَ أن هذه الحكومة ، وإن كانت
مستبدة قاهرة إلا أنها إسلامية تغار على الدين ، وترفع شأن الأمة في نظر الأعداء ،
نعم تنتقل الحكومة الإسلامية في هذه الصورة إلى مستبد تغلَّب عليها ، ولم يبالِ
بالنظام الشرعي لها ، ولا ريب في أنه تنشأ عن هذا مفاسد كثيرة [7] .
وأما الخطة الثانية : فهي أن يقاتل المتغلب ، ويخرج عليه ، وترد الخلافة
على مَن هو أصلح لها منه ، ولكن إذا فعل ذلك جرت الدماء أنهارًا في حروب
تشيب من هولها الولدان ، واختلَّت المصالح العامة ، وتزلزلت الهيئة الاجتماعية ،
وبطل الأمن ، وعمت الفوضى ، وتعطَّلت أوامر الشريعة ، وهُدمت الجوامع ،
ونهبت البيوت ، وخربت البلاد ، وانصبت على رأس الأمة المصائب ، وأصابها
كل ما يصيب الأمم في مثل هذه الحروب التي تثيرها الأهواء والشهوات ، ومع هذا
لا يُعرف متى يستتب الأمن وتعود الراحة ؟ إذ كل صاحب عصبية وذي مطامع
كبيرة ينهض قائلاً : أنا أحق بالخلافة من صاحبها ، فعلى الناس أن يبايعوني ،
ويقاتلوا في صفي ، وينصروني على عدُوي ) ! [8] ، فماذا تكون حال الأمة إذ ذاك؟،
ألا تكون كالريشة في مهب العواصف ، تقلبها الرياح كيف ما شاءت ؟ أَوَلا
تصبح كسفينة في بحر محيط لا ربان عليها ، تتقاذفها الأمواج يمنة ويسرة ، فتعلو
تارة ، وتسفل أخرى ، ويُخشى عليها الغرق كل آن ؟ ولا ينكر أن مع هذه
المخاوف والأهوال يُحتمل أن ترد الخلافة إلى الأصلح لها ، فأي صورة أحق أن
ترجحها الشريعة الغرَّاء ؟ أتلك التي مصالح الأمة فيها مصونة مضمونة ،
والمفاسد محتملة ؟ أم هذه التي الخراب والدمار فيها محقَّق ، ورَدّ الحق إلى أهله
محتمل ؟
كل مَن له أدنى حظ من العقل الصحيح لا يتردد في الجواب بأن الصورة
الأولى أحق أن تُقبل ، وتعوَّل عليها في مثل هذه الحالات ، وقد فعلت الشريعة ذلك
جَرْيًا على قاعدة ( المنافع تُجلَب ، والمضار تُدفَع ) ، وإذا اختلطت المصالح
والمفاسد تختار الشريعة طريقًا أقل مضرة ، وأكثر مصلحة ، وترجح أهون الشرّين ؛
إذ لو لم تفعل ذلك ، وفَرَضَتْ على الأمة عدم الخضوع لأحدٍ سِوَى جامع شروط
الخلافة والمنتخب على الطريقة الجمهورية الصحيحة لقام - كما قلنا - كل مَن اتخذ
إلهه هواه لنيل الخلافة ، وقال : هذا الخليفة ليس بأهلٍ ، وأنا أحق منه ، وأجمع
للشروط ، ثم ماذا كان بعد ذلك ؟ : القتل والسلب ، وإهراق الدماء ، وزهق النفوس ،
وانهدام الهيئة الاجتماعية ، وتزعزع أركان الأمة ، فمَن كان يحافظ على البلاد ،
ويحكم بين العباد ، ويعاقب المجرمين ، ويحد السُّرَّاق ، وقُطَّاع الطريق ، ويأخذ
الزكاة ، ويقيم الجمعة والعيدين ، ويدافع عن الثغور ، ويرابط على الحدود ؟ .
وايم الله ، لو كان كذلك لتداعت الأمم الأكالة على المسلمين ، ولاحتلت
بلادهم ، وخضدت شوكتهم ، واستعبدتهم ، وأذلتهم ، وفعلت بهم ما فعلت ! ، فقبول
خلافة المتغلب أحسن وأهون ، أم هذا الخراب والدمار الذي ليس فوقه خراب ولا
دمار ؟ ؛ ولذا أمرت الشريعة بطاعة الخليفة المسلم مهما كان ظالمًا ومستبدًا ، وكيفما
كانت سيرته وسريرته ما لم يأمر بمعصية الله ، وما أقام الصلاة - والله تعالى أعلم
بما يأمر ، وهو بصير بمصالح العباد ! .
***
فصل
نصوص السنة وإجماع الأمة
مَن يلقِ نظرة سطحية على الأحاديث النبوية يَرَ أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - كان يخبر بما سيكون في المستقبل من انقلاب الحال ، وتغير الناس ،
ويبين لكل حالة وكل دور علائم وآيات ، ويرسم للأمة خطة تناسب كل وقت
وزمان ، وإن هذا لَمن أكبر الأدلة على صدقه ، وصدق نبوته ؛ إذ كل ما أخبر جاء
كفلق الصبح ، وإن كان الناس لا يصدقون بذلك ، فبأي دليلٍ يثبتون ما جرى في
الزمان الغابر ، فكل أحد يستطيع أن ينكر حينئذٍ وجود الإسكندر المقدوني ، و الدولة
الرومانية ، بل نابليون ، وحرب واترلو .
والحاصل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم بما يقع بعده ؛
ولذا جعل لكل حالةٍ ووقت أمرًا وحكمًا ، وأمر الأمة بامتثال أمره ، فيجب على
الباحث أن لا يخلط بين الأوامر والأحوال خلْطًا ، بل يضع كلاًّ منها في موضعه ،
والذين لم يفعلوا ذلك أخطئوا ، وغلطوا في فهم الأحاديث ، ولم يستطيعوا التوفيق
والتطبيق بينها .
يرى الناظر أولاً الأحاديث التي ذُكرت فيها الخلافة الراشدة ، ولكوْنها كانت
معلومة لديه بأنها ستقوم على منهاج النبوة تمامًا - أوصى الأمة بطاعتها ، واتخاذ
أعمالها قدوة وسُنَّة كسنته نفسه - صلى الله عليه وسلم - ففيها روى العرباض بن
سارية حديثه المشهور ، قال : ( قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ،
فوعظنا موعظة بليغة ، وجلت منها القلوب ، وذرفت منها العيون ، فقيل يا رسول
الله ، وعظتنا موعظة مودِّع ، فاعهد إلينا بعهد ، فقال : عليكم بتقوى الله ، والسمع
والطاعة ، وإن كان عبدًا حبشيًّا ، وسترون بعدي اختلافًا شديدًا ، فعليكم بسُنتي
وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عَضُّوا عليها بالنواجذ ) ( ابن ماجه والترمذي ) ،
وحديث : ( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ... ) إلخ ، وحديث : ( أما طبقتي
وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان ... ) إلخ ( رواه البغوي عن أنس ) ، وحديث
عبد الله بن مسعود : ( ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا وكان له حواريون
وأصحاب يأخذون بسُنته ، ويقتدون بأمره ) إلخ ( مسلم ) ، وغيرها كثير .
ففي هذا الدور أمرت الأمة بأمرين : الطاعة والاقتداء بالخلفاء ، ثم تأتي بعده
أحاديث الدور الثاني ، فيبقى حكم الطاعة على حاله ، فتطيع الأمة خلفاء هذا الدور
أيضًا مثل طاعتها لخلفاء الدور الأول ، ولكن يتغير الحكم الثاني ، أي حكم الاقتداء ،
فلا يُقتدَى بهم ، ولا تتخذ أعمالهم سُنة متبعة ؛ لأنه كان معلومًا من قبل أنهم لا
ينالون الخلافة على النظام الشرعي ، ولا يكون سيرهم طبقًا للكتاب والسنة ، فيكون
فيهم الصالح ، والطالح ، والقبيح ، والحسن ؛ فلذا أُمرت بطاعتهم ، ونُهيت عن
اتباعهم ، والاقتداء بهم ، بل إذا قاموا لنشر بدعتهم ، وترويج فسادهم - وجب على
كل أحد السعي لسد فسادهم ، ومنع منكرهم بيده ولسانه ، وإن لم يستطع فبقلبه
يبغض أعمالهم ، ( وذلك أضعف الإيمان ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)،
فعن عبادة بن الصامت ( رضي الله عنه ) قال : ( بايعنا رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - على السمع والطاعة في منشطنا ، ومكرهنا ، وعسرنا ، ويُسرنا ،
وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ؛ إلا أن تروا كفرًا بواحًا ، عندكم فيه من الله
برهان ) ( متفق عليه ) ، أي يطاع الإمام في كل حال إلا أن يظهر منه كفر صريح .
وقال : ( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ، ويحبونكم ، وتصلون عليهم ويصلون
عليكم ، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ، ويبغضونكم ، وتلعنونهم ، ويلعنونكم ، قال :
قلنا أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال : لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، إلا مَن ولي عليه والٍ
فرآه يأتي شيئًا من معصية الله ، فليكره ما يأتي من معصية الله ، ولا ينزعنَّ يدًا من
طاعة ) ، ( رواه أحمد ومسلم ) .
وعن حذيفة قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( يكون بعدي أئمة ، لا يهتدون
بهدْيِي ، ولا يستنُّون بسنتي ، وسيقوم فيكم رجال ، قلوبهم قلوب الشياطين في
جثمان إنس ، قال : قلت : كيف يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال : تسمع
وتطيع ، وإن ضرب ظهرك ، وأخذ مالك فاسمعْ وأطعْ ) ( أحمد ومسلم ) .
وقال صلى الله عليه وسلم ستكون بعدي أثرة ، وأمور تنكرونها ، قالوا : فما
تأمرنا ؟ ، قال : تؤدون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم ( متفق عليه عن
ابن مسعود ، وأخرجه أيضًا الحارث بن وهب وأورده الحافظ في التلخيص ) .
وعن جابر بن عتيك مرفوعًا عند أبي داود بلفظ : ( سيأتيكم ركب مبغضون ،
فإذا أتَوْكم فرحِّبوا بهم ، وخلّوا بينهم وبين ما يبتغون ، فإن عدلوا فلأنفسهم ، وإن
ظلموا فعليهم ) .
وعن وائل بن حجر قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجل
يسأله ، فقال : أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ، ويسألونا حقهم ؟ ، قال :
اسمعوا وأطيعوا ؛ فإنما عليهم ما حُمِّلوا ، وعليكم ما حُملتم ) ( مسلم والترمذي
وصححه ) .
قال صلى الله عليه وسلم : ( على المرء المسلم ، السمع والطاعة فيما أحب
وكره ، إلا أن يؤمر بمعصية ، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) ( أخرجه
الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ) ؛ إذ لا يُعصَى اللهُ خالقُ السموات والأرض في
شيء مهما صغر وقل لمخلوق مهما كبر وعظم وارتفع شأنه ، وإن هذا ما قاله
الإسلام ، وجميع الأديان ، وكل العقلاء والحكماء .
ولذا أمرت الشريعة بأداء الصدقات والزكاة إلى العاملين عليها ، مهما كانوا
ظلمة وفسقة وخونة ، ولا يجوز منْعها عنهم لأجل ذلك ، نعم يجوز السعي عند
الإمام في عزلهم ، ولكن ما داموا على عملهم لا يجوز منع الزكاة عنهم ؛ لئلا يختل
نظام الأمة - كما في رواية بشير بن خصاصة أنه قال : ( قلنا : إن قومًا من
أصحاب الصدقة يعتدون علينا ، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا ؟ فقال : لا )
( قال أبو داود رفعه عبد الرزَّاق عن معمر ) ، وفي رواية سعد بن أبي وقاص ،
قال : ( ادفعوا إليهم ما صلُّوا ) ، وروى ابن أبي شيبة أنه ( قال رجل لابن عمر :
إلى مَن نؤدي الزكاة ؟ قال إلى الأمراء ، فقال الرجل : إذًا يتخذون بها ثيابًا وطِيبًا ،
قال : وإن فعلوا ذلك أَدِّ إليهم الزكاة ! ) ؛ ولذا ترجم أصحاب الحديث ( باب براءة
رب المال بالدفع إلى السلطان مع العدل والجور ) ( كما في المنتقى ) ، وبه قال
جمهور الفقهاء وأئمة أهل البيت ، كما نُقل عن الإمام الباقر - عليه السلام - في
الأصول وإلى هذا ذهب المحققون من الإمامية والزيدية [9] .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) أي لم يُراعَ فيه الأشرف نسبًا من بيوت قريش التي حصر الرسول الخلافة في جملتها ، بل يرجحون كفاءته من أي بيت منهم كان ، وسيعلله بعد بأنها لو جُعلت وراثية في بيت معين لبقيت في بيت الخليفة الأول - كما هو الشأن في بيوت الملوك - إلى عهدنا هذا ، وضرب له المثل بالخلفاء الراشدين .
(2) يعني أنه رشحه ، والأمة رضيته ، فبايعته .
(3) إطلاق النفي خطأ ؛ فالخلاف وقع قولاً وعملاً ، ذهب كثيرون إلى مقاومة السلطة الجائرة وغير الشرعية ، وكثيرون إلى طاعتها ، وسيأتي تحقيقه ، ومازالوا يستعدون لإسقاط خلافة الأمويين حتى أسقطوها ، وهي في رِيق شبابها .
(4) يظهر أن للكاتب - عفا الله عنه - ميلاً إلى إضعاف هذا الشرط الذي أجمع عليه أهل الصدر الأول قبل ظهور الشقاق في الأمم ، وهم أهل الإجماع دون غيرهم ، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة متفق عليها ، وقد ذكر حديثًا واحدًا منها لم يقرنه بذكر مَن خرجه من رواة الصحيح ، وقد صرحت الكتب التي ذكرها كلها بشرط القرشية ولما ذكروا أن الخوارج وبعض المعتزلة خالفوا سائر المسلمين في اشتراط القرشية - ردوا عليهم بأن الإجماع كان قد انعقد على ذلك من عهد الصحابة مستندًا إلى النص، فلا عبرة بخلافه قال السعد التفتازاني في شرح المقاصد : (ويُشترط أن يكون مكلفًا مسلمًا عدلاً حرًّا ذكرًا مجتهدًا شجاعًا ذا رأي وكفاية سميعًا بصيرًا ناطقًا قرشيًّا ، فإن لم يوجد من قريش مَن يستجمع الصفات المعتبرة وُلِّيَ كناني ، فإن لم يوجد فرجل من بني إسماعيل فإن لم يوجد فرجل من العجم) إلخ (ص 271 ، ج2 ، طبع الآستانة) وقال الحافظ في شرح البخاري - بعد إيراد الأحاديث في حصر الإمامة في قريش المؤيدة لما رواه البخاري منها - ما نصه : (ويؤخذ منه أن الصحابة اتفقوا على إفادة المفهوم للحصر خلافًا لمَن أنكر ذلك ، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيًّا) ، ثم ذكر مَن قيده ببعض قريش ، كالشيعة ورأي الخوارج وبعض المعتزلة بعدم اشتراط القرشية ، وتعقبه بقوله : (قال أبو بكر بن الطيب : لم يعرج المسلمون على هذا القول بعد ثبوتِ حديث :) الأئمة من قريش) ، وعملِ المسلمين به قرنًا بعد قرن ، وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف (ص 581 ، ج29 طبعة الهند) ثم ذكر الحافظ ما رواه أحمد عن عمر من ميله إلى استخلاف أبي عبيدة وهو غير قريشي ، أو معاذ بن جبل وهو أنصاري ، وجمع بينه وبين نقلهم للإجماع باحتمال أن يكون رجع عن ذلك ، أو يكون الإجماع قد انعقد بعده والصواب أن أبا بكر قد احتج على الأنصار - وعمر بظاهره - بحديث حصر الأئمة في قريش ؛ فأذعنوا ، ولم يعارض فيه أحد منهم ولا من غيرهم ؛ فانعقد الإجماع من ذلك اليوم ، ويكفي هذا إعلالاً لرواية قول عمر إنه كان يحب أن يستخلف أحد الرجلين ، وهل يوجد شيء يُرَدُّ به أثر آحادي أقوى من هذا الإجماع ، وهذه النصوص المتفق عليها ؟ ! وذكر الحافظ قبل ذلك ما أورد على حديث : (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) - على القول بأنه خبر محض من أنه تولى أمرَ السلمين كثيرٌ من غير قريش، وأجاب عنه أولاً بأن تولي هؤلاء لم يمنع وجود أئمة من قريش في اليمن ، و المغرب وغيرهما ، وأن بعض أولئك كان يدَّعي القرشية كبني عبيد ، ثم قال : (وأما سائر مَن ذُكر ومن لم يُذكر فهم من المتغلبين ، وحكمهم حكم البغاة ، فلا عبرة بهم) ، (قال) : وقال القرطبي : هذا الحديث خبر عن المشروعية ، أي لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وُجد منهم أحد ، وكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر ، وقد ورد الأمر بذلك في حديث : (قدِّموا قريشًا ، ولا تَقْدموها) أخرجه البيهقي ، وذكر له شواهد من الصحاح وغيرها (ص581 ، ج 29 أيضًا) .
(5) حكاية الإجماع باطلة كما أشرنا إليه في حاشية سابقة ، وإن الحافظ ابن حجر قال إنهم يعدون المتغلبين على الخلافة من البُغاة الخارجين عن السلطة الإسلامية ، وسيأتي مزيد بيان لذلك .
(6) بتأمل كلمة (أهله) - وما يراد بها شرعًا - هل يمكن أن يكون منها الظالمون المستبدون ؟ ! .
(7) أكثر هذه المفاسد على جرثومتها أن الأمر يجري على القوة لا على الشريعة ، وأي حاكم تخضع له الأمة خضوعًا أعمى ، ثم يقف عند حدود الحق والعدل فلا يتعداها على علم ولا عن جهل .
(8) الصواب أن هذا من لوازم الخضوع لكل قوي يتغلب ؛ إذ لو كان أصحاب هذه المطامع يعلمون أن الأمة إنما تخضع للحق لا للقوة ، وأنها لا تزال تقاتل المستبد الخارج حتى يهلك أو تهلك - لما خرج عليها خارج ، ولا تغلَّب مستبد ظالم ، وكلام الأستاذ أبي الكلام هنا متعارض متدافع ، وبعض ما فرضه من صور المسالة غير متعين الوقوع بل نادر ، ومقاومة الظلم والاستبداد ، وتغيير المنكر فرض لازم ، ولكن يُراعَى في تنفيذه ارتكاب أخف الضررين عند التعارض .
(*) الكاتب فرض صورة للتعارض بين الحق والتغلب لا تطَّرِد ، بل قلما تقع ، وجعلها قاعدة للترجيح، إن مجموع الأحاديث الواردة في الإمامة والإمارة تدل على أمور يعزّ أن تجدها مجموعة في مكانٍ واحدٍ ، فتجمع بها بين ما يتراءى لك فيها من التعارض :
(أ) أن الإمام الأعظم (الخليفة) يجب أن يكون من قريش ،
(ب) أن طاعة الإمام واجبة شرعًا ما دام مسلمًا ، يقيم الصلاة بالناس ، ويقودهم بكتاب الله ، وإنما الطاعة بالمعروف ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ،
(ج) أن طاعة الأمراء والولاة والعمال - الذين يوليهم الإمام قيادة الجيوش والإدارة والقضاة والجباية- يطاعون ، وتؤدَّى إليهم الحقوقُ بالشرط الذي يطاع فيه الإمام بالأولى ، وفي حديث يحيى بن حصين ، عن جدته أم الحصين بنت إسحق الأحمسية أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يخطب في حجة الوداع ، وهو يقول : (ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) رواه مسلم وفي أحاديث أخرى : (ولو كان عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف) ، ومنه حديث علي عند الحاكم مرفوعًا بإسناد جيد ، ورجح الدارقطني وقفه ، قال في آخره : (وإن أمرت قريش فيكم عبدًا حبشيَّا مجدعًا فاسمعوا له وأطيعوا) ،
(د) أن ظلم الأئمة والأمراء وفسقهم وأثَرَتهم لا تبيح لأفراد الأمة عصيانهم فيما يأمرون به من المعروف ؛ لأن ذلك يستلزم ما هو شر منه ، وهو الفوضى وفساد جميع الأمور العامة ، فكل ما ورد في كتب الكلام والفقه وشروح الأحاديث من وجود الطاعة فالمراد به ما ذكرنا لما عللناه به ،
(هـ) أن ذلك كله لا يدل على وجوب رِضَى الأمة بالظلم والبغي والأثرة ، ولو من قريش ، ولا على الخضوع لكل قوي مستبد ، ويستحيل أن يكون هذا حكم الدين وهو يهدم الحق والعدل والفضيلة ويفسد على الأمة دِينها ودُنياها ، ولا يمكن ترجيح أحاديث الطاعة المطلقة على الأحاديث المقيدة لها بالمعروف والشرع وعلى سائر النصوص المعلومة من الدين بالضرورة ، وإنما يظهر الجمْع بينها بأن على الأفراد السمع والطاعة وعلى أهل الحل والعقد من زعماء الأمة التي هي صاحبة السلطان ، وهم أهل الشورى والزعامة فيها أن يوقفوا الأئمة والأمراء عند ما أوجب الله من الحق والعدل والتزام الشرع بما دون الخلع لغير الكافر إن أمكن ، وأن يستعدوا لذلك بما تترجَّح به المصلحة على المفسدة ، وكذلك فعلت كل الأمم التي استقام أمر حكومتها ، ولم توطن أمة نفسها على الخضوع إلا كانت من الهالكين ، وإطلاق القول بالخضوع للمستبدين الجائرين لأجل قوتهم خطأ عظيم ، وأية حكومة قامت بالقوة ، ثم قاومتها الأمة برأي زعمائها ولم تسقط ؟ وسيأتي ما يقرب من هذا الجمع من النووي .
(9) قال الحافظ - في شرح حديث البخاري في المبايعة على السمع والطاعة الذي تقدَّم في الأصل عند قوله فيه من كتاب الفتن : (وأن لا ننازع الأمر أهله) ، أي المُلك والإمارة ، ثم ذكر زيادات في الحديث من روايات أخرى ، منها : (وأن نقوم بالحق حيث كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم) وذكر - في شرح قوله - : (إلا أن تروا كفرًا بواحًا) روايات أخرى بلفظ المعصية والإثم بدل الكفر ، ثم قال : وفي رواية إسماعيل بن عبد الله عند أحمد والطبراني والحاكم من روايته عن أبيه عن أُبَيّ عن عبادة: (سيلي أمورَكم من بعدي رجالٌ يعرفونكم ما تنكرون ، وينكرون عليكم ما تعرفون ، فلا طاعة لمَن عصى الله) ، وعند أبي بكر بن أبي شيبة من طريق أزهر بن عبد الله عن عبادة رفْعه : (سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ، ويفعلون ما تنكرون ، فليس لأولئك عليكم طاعة) وقال - في شرح قوله - : (عندكم من الله فيه برهان) ، أي من نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل ، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل ، قال النووي : المراد بالكفر هنا المعصية ، ومعنى الحديث : لا تُنازِعوا ولاة الأمور في ولايتهم ، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا ، تعلمونه من قواعد الإسلام ، فإذا رأيتم ذلك فأنكِرُوا عليهم ، وقولوا بالحق حيثما كنتم اهـ ، وقال غيره : المراد بالإثم هنا المعصية والكفر فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر والذي يظهر حمْل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية ، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر ، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية ، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ، ويتوصَّل إلى تثبيت الحق بغير عنف ، ومحل ذلك إذا كان قادرًا ، والله أعلم ونقل ابن التين عن الداودي ، قال : الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إذا قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب ، وإلا فالواجب الصبر ، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداءً ، فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلاً ، فاختلفوا في جواز الخروج عليه ، والصحيح المنع إلا أن يكفر ، فيجب الخروج عليه اهـ (ص524 ، ج 29 طبعة الهند) .

الصارم المسلول
20 Jan 2009, 11:54 PM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
الخلافة الإسلامية
ألَّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

فصل
إذا بويع الخليفتان فاقتلوا آخرهما
أي إذا قامت خلافة خليفة ، وتمكنت حكومته في الأرض - فلا يجوز لأحد
الخروج عليه ، ومَن يخرج يجب قتله ؛ لأنه غادر ، وفتنة ، ومَهلكة للهيئة
الاجتماعية ، يريد أن يفرق بين المسلمين ، ويهدم النظام القائم { وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ
الْقَتْلِ } ( البقرة : 191 ) [1] .
وعن عرفجة الأشجعي قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول : ( مَن أتاكم وأمركم جميعٌ على رجل واحد - يريد أن يشق عصاكم ، أو
يفرق جماعتكم - فاقتلوه ) ( أحمد و مسلم ) .
ولذا اتفقت كلمة المسلمين [2] أن الخليفة - سواء كان أهلاً أو غير أهل - إذا
قامت خلافته - لا يخرج عليه ، ومَن يخرج يُقتل بعد إتمام الحجة عليه ، والدعوة
إلى الصلح { فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي } ( الحجرات : 9 ) .
وفي نيل الأوطار : قد حكى في البحر عن العترة جميعًا أن جهادهم أفضل من
جهاد الكفار في ديارهم ؛ إذ فِعْلهم في دار الإسلام كفعل الفاحشة في المسجد ( ج7 ،
ص80 ) .
وحكمة هذا الحكم ظاهرة ؛ لأنه لو لم يسد باب الخروج بتاتًا لا تسلم الحكومة
الإسلامية من الخارجين والثائرين مهما كانت صالحة وحسنة ، ومهما كان صاحبها
أهلاً وجامعًا للشروط ؛ إذ كل ذي عصبية يدَّعي لنفسه الحق والفضيلة أكثر منه ،
والناس لا يستطيعون التفاضل بينهما ، فيتفرقون حزبين ، حزب مع هذا ، وحزب
مع ذاك ، ثم يخوضون غمار حروب لا تنتهي أبدًا ، فوجب أن يُمنع الخروج منعًا
تامًّا ، ويُعاقب الخارج عقابًا شديدًا ؛ ليكون عبرةً لغيره ، فقتْل نفس واحدة خيرٌ من
قتل الألوف ، وقد أُشير على هذه الحكمة في الحديث : ( يريد أن يشق عصاكم ) .
وقد وردت في هذا الباب أحاديث كثيرة مَن يرد الاطلاع عليها فليراجع كتب
الصحاح .
***
فصل
إجماع الأمة وجمهور الفقهاء
قد قامت حكومة أمراء بني أمية على القهر والاستبداد في زمنٍ كان أصحاب
النبي - صلى الله عليه وسلم - وأئمة أهل بيته موجودين فيه بكثرة زائدة ، ثم تلتها
الخلافة العباسية ، وظلت خمسة قرون ، وفي عصرها دُوِّنت العلوم الشرعية ،
وأُلفت الكتب الدينية ، ووجدت أئمة المذاهب ، بَيْد أنه لم يختلف طوَل هذا الزمن
أحد من الصحابة والعترة ، والأئمة والفقهاء في هذه المسألة ، بل كلهم أجمعوا على
قول واحد ، وعمل واحد ، ولعله لا يوجد بعد العقائد الأساسية وأركان الإسلام
الأربعة إجماع على شيءٍ غير هذا .
فعمل الصحابة معلوم ومشهور ، كان مروان بن الحكم واليًا على المدينة ،
و أبو هريرة صحابي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذّنًا في المسجد النبوي ،
وكان مروان يستعجل في الصلاة إلى درجة لا يقول ( التأمين ) استثقالاً ، ولا يقف
بعد الفاتحة وقفة ليقوله المأمومون ، بل يُسرع ويبدأ - بعد أم الكتاب - بسورة
أخرى ، مع أن فضل التأمين ثابت في السنة ، كما في حديث : ( فمَن وافق تأمينُهُ
تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه ) ( بخاري ) ، ولكن مع هذا لم يتخلف أبو
هريرة عن الصلاة وراءه ، ولم يخرج من طاعته ، إلا أنه كان يأخذ عليه العهد
فيقول : ( لا تفتني بآمين ) [3] .
وكذلك كان الناس في عهد بني أمية يكرهون سماع خُطبهم الخرافية ، فكانوا
يتفرقون بعد صلاة العيد ، ولا ينتظرون الخطبة ، فأراد مروان أن يخطب قبل
الصلاة ؛ ليضطر الناس إلى سماعها - فقام رجل في وجهه ، وأنكر عليه عمله ،
فروى إذ ذاك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه حديث : ( مَن رأى منكم منكرًا
فليغيره ... ) إلخ [4] .
وهكذا كان أمراء بني أمية يخالفون صريح السنة كل يوم ، وينكر عليهم
الصحابة بكل جرأة وشجاعة ، ولا يتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
ولكن مع كل هذا لا ينزعون اليد عن طاعتهم ، ولا يخرجون عليهم ، ولا ينكرون
خلافتهم لأجل أن خالفوا النظام الشرعي ، وتسلطوا على الخلافة بغير حق ، وحادوا
على الصراط السويّ .
وكان سيد التابعين سعيد بن المسيب يقول في بني مروان : ( يُجيعون الناس ،
ويُشبعون الكلاب ) ( تذكرة الحفاظ للذهبي ج1 ، ص47 ) ، ويُعاقَبُ بأنواع من
العذاب ، ولكن يطيعهم ، ولا ينكر خلافتهم ( ؟ ) .
وقد قامت فتنة القول بخلق القرآن في عهد المأمون ، و المعتصم ، وابتُلِيَ بها
علماء السنة ابتلاءً شديدًا ، فجُلد الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - ثمانين
جلدة ، وحُبس في السجن سنين عديدة ، ولكن لا داهن المأمون والمعتصم في
بدعتهما ، ولا خرج عن طاعتهما ، بل كتب في وصيته : ( والدعاء لأئمة المسلمين
بالصلاح ، ولا تخرج عليهم بالسيف ، ولا تقاتلهم في الفتنة ) ، كذا نقل عنه ابن
الجوزي في سيرته .
وقد نقل ابن حجر العسقلاني قولاً لابن التين يخالف ما قلناه من الإجماع ،
فقال : ( وقد أجمعوا أنه - أي الخليفة - إذا دعا إلى كفر ، أو بدعة أنه يقام عليه ) ،
ثم رد عليه قائلاً : ما ادعاه من الإجماع على القيام - فيما إذا دعا إلى البدعة -
مردود ، إلا إذا حمل على بدعة تؤدي إلى صريح الكفر ، وإلا فقد دعا المأمون ،
والمعتصم ، و الواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن ، وعاقبوا العلماء من أجلها
بالقتل ، والضرب ، والحبس ، وأنواع الإهانة ، ولم يقل أحد بوجوب الخروج
عليهم بسبب ذلك ، ودام الأمر بضع عشرة سنة ، حتى ولي المتوكل الخلافة ،
فأبطل المحنة . ( فتح ، ج 13 : 103 ) .
والحقيقة التي لا مراء فيها أن كل ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر
به من طاعة الخلفاء ، وما ينبغي أن يُعامَلوا به - فسَّره السلف الصالح بعملهم الحق ،
وقد علمت في الفصول الماضية الأحاديث التي تبين أدوار الخلافة الإسلامية ،
وما لكل دور من الأحكام ، فدور الخلافة الراشدة كان دور رحمة واسعة للأمة ، وأما
دور الملك العَضوض فكانت خصائصه المتضادة ، وأحواله المتناقضة - ابتلاءً
عظيمًا لها ، فكان ذا وجهين مختلفين ، اجتمع فيه البياض والسواد ، والنور والظلمة ،
والحق والباطل ، ويستلزم الحب والبغض ، والترك والطلب ، والقطع والوصل ،
والطاعة والخلاف ، وطُولِبت الأمة بالقيام بكل منهما في وقته ومحله ، فتطيع
هؤلاء الملوك ، وتسمع لهم ؛ لأنهم أولياء الأمور والقائمون بالحكومة الإسلامية ،
فلا تخرج عليهم ، ولا تقوم في وجههم ، ونُهيت من جهة أخرى أن تتبعهم ، وتقتدي
بهم ؛ لأن أعمالهم لا تكون مرضية ، فتطيعهم ، ولكن لا تستنُّ بسُنَّتهم ، وإن دعوا
إلى المنكر ردت دعوتهم ، وخالفتهم في ذلك باليد ، واللسان ، والقلب ، ولا تزيغ
عن الحق ابتغاءً لمرضاتهم .
فما أصعب هذا المقام ! ، ولعمري ، إن الإنسان ليزلُّ قدمه دون أن يبلغ هذا ،
فكيف السبيل إلى القيام فيه ؟ ! ؛ لأن الإنسان طوع عواطفه ، فلا يستطيع أن يجمع
بين عاطفتين متناقضتين ، فإنه إما أن يحب ويطيع ، وإما أن يبغض ويعصي ،
فمَن يحسبه أهلاً لحبه وطاعته يحلو منه كل شيءٍ في عينه ، فيطيعه بكل قلبه ، ولا
يعصي له أمرًا ، ومَن يبغضه يبغضه بكل قلبه فلا يطيعه ألبتة ، نعم ، لا سبيل إلى
النجاح إلا أن يدركه الله بتوفيقه ، فيجعل كل عاطفة في محلها ، ولا يدع بعضها
يغلب بعضها الآخر ، فيهلك ، ويضل ضلالاً بعيدًا ؛ لأنه لو تجاوز الحد في الطاعة
دخل في الاقتداء ، والتأسِّي الذي يجرُّ إلى الغلو في الباطل ، والانحراف عن الحق ،
ثم إنه لو تصلَّب في المخالفة ، وغلا في الأمر بالمعروف خُشي عليه الخروج من
الطاعة ، ومن ثَمَّ الولوج في الحروب ، وقتل النفوس ، والفوضى ، وهذه هي علة
تلك الفتن التي لا تزال تنزل بهذه الأمة من ثلاثة عشر قرنًا ؛ لأن الناس لا
يستطيعون التوازن بين العواطف ، فكم من أُناس غلوا في التمسك بالحق ، والأمر
بالمعروف - فخرجوا على السلاطين والخلفاء ، وأضعفوا بعملهم هذا الخلافة والأمة
معًا ، وكم مثلهم مَن غلوا في الطاعة - فجعلوا الحق باطلاً ، والباطل حقًّا ، مداراةً
للأمراء والملوك ؛ فأفسدوا بذلك نظام الأمة !
ولقد ابيضَّت عين الدهر ، ولم ترَ أمة سارت على مثل هذا الطريق
الاجتماعي المحفوف بالمصائب والمصاعب سالمة آمنة إلا الأمة الإسلامية ؛ فإنها -
ولا شك - سارت عليه بكل فوز ونجاح وسلامة ، مراعيةً كل جوانبه ، متجنِّبةً
جميع مزالقه ، فعملت في آنٍ واحدٍ عملين متناقضين ، فأطاعت الخليفة وخالفته ،
أطاعت فيما تجب فيه طاعته ، وخالفت فيما تجب فيه مخالفته ، وقد شرحت بعملها
مسألة ( الاقتداء والطاعة ) ، والفرق بينهما بكل وضاحة ، تحير منها علماء
الأخلاق ؛ إذ لم يكونوا وُفِّقوا إلى حلها من قبل .
وأي طاعة للحكومة القومية تكون أكمل من طاعة الصحابة والتابعين للأمراء
الجائرين المستبدين من بني أمية ، ثم من بعدهم من طاعة علماء السلف لدعاة
البدعة من الخلفاء العباسيين ؟ ! ، فقد عُذِّبوا بأنواع من الظلم والعسف ، وحُبسوا
في السجون ، وقُتلوا ، وأُوذُوا بكل ما كان يمكن أن يؤذوا به ، ولكنهم تحملوا كل
ذلك ، ولم يخرجوا عن الطاعة قيد شبر ، بل إذا حرضهم أحد على العصيان
قالوا : ( يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة ، ونحن بايعناهم ) .
هكذا كانت حالهم في الطاعة ، أما التمسُّك بالحق ، والأمر بالمعروف ،
والعمل بالسنة - فكانوا فيه كالجبال راسخين ، فلم يهابوا سيف عبد الملك ولا قهر
الحجاج ، ولا تنمُّر المأمون والمعتصم ، فإذا نطقوا نطقوا بالحق ، وإذا عملوا عملوا
بالحق ، ولم يكن في قلبهم سعة لشيء إلا لكتاب الله ، وسنة رسول الله ، فهم عملوا
بكل دقة على أمر : ( تسمع وتطيع ، وإن ضُرب ظهرك ، وأُخذ مالك فاسمع وأَطِعْ )
( مسلم ) ، وعلى أمر : ( ... فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) ، وأمر :
( مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، وإن لم يستطع فبقلبه ،
وذلك أضعف الإيمان ) ( مسلم ) .
وحسبنا محنة الإمام أحمد بن حنبل عبرة ، فقد كان يجلد ظهره تسعة رجال ،
والمعتصم واقف على رأسه ، ينظر إلى دمه الطاهر الذي يفور من جسمه فورًا ،
ويأمره بأن يقول كلمة في القرآن ، ما قالها الله ولا رسوله ، ولا أمر بها ، فكان
يتحمَّل كل هذا العقاب الشديد ، ولكن لا يفوه بشيءٍ إلا قوله : ( أعطوني شيئًا من
كتاب الله وسُنة رسوله حتى أقول ) [5] .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) المنار : الفتنة المرادة من الآية هي ما كان من إكراه المشركين للمسلمين على الرجوع عن الإسلام بالتعذيب والنفي من الوطن ؛ فاللام فيها للعهد لا الجنس .
(2) المسألة خلافية فيما ذكره ، وهو أعم مما ورد في الحديث .
(3) استدل على دعوى الإجماع بسكوت الأفراد وسكونهم ، ومن الضروري أن الفرد لا يقاوم الدولة لعجزه ، وقد روى البخاري وغيره أن أبا هريرة كان يكنِّي ويُعرِّض بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في إفساد أُغَيلمة من قريش لأمر هذه الأمة - وهم هم - ويقول إنه لو صرح لقُطع بلعومه ، ولا شك في أنه لو كان له قوة من الأمة لأسقط بها إمارتهم ، كما فعل المسلمون بعد ذلك عندما أسسوا العصبية ، والمراد أن المسلمين لم يجمعوا على الخضوع لأهل الجور والباطل ، وتقدم نقل الخلاف في حاشية سابقة .
(4) المنار : تتمة الحديث : (بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان) .
(5) المنار : قد سدد الكاتب في آخر هذا الفصل وقارب ، ولا شك في أن عمل علماء الصدر الأول من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار - كالإمام أحمد - خير قدوة في كل محنة ، ولا شك في أن أفراد الأمة لا يجوز لهم الخروج على أمرائهم ، وإن ظلموا ، ولا يجوز لهم طاعتهم في معصية الله إلا مَن أُكره بالتعذيب أو القتل على الشيء ، وحكمه وشروطه معروفة ، وأما جماعة أهل الحل والعقد من زعماء الأمة - الذين لا تنعقد الخلافة إلا ببيعتهم ، ويتقيد الخليفة بمشورتهم - فحكمهم غير حكم الأفراد ، هؤلاء هم الجماعة [الذين] يمثلون الأمة صاحبة السلطة في الإجماع الواجب الاتباع ، الذي عناهم الخليفة الأول بقوله في خُطبته الأولى بعد البيعة : (فإذا استقمت فأعينوني ، وإذا زُغت فقوِّمُوني) ، فعليهم أن يقوِّموا الخليفة ، فإن لم يستقم بتقويمهم خلعوه ، وولوا غيره ، فإذا غلبهم المستبد المتغلب على أمرهم ، أو فقدوا من الأمة شدة الجور والقهر - فقد زالت الجماعة ، وصار أمر الأفراد أمر ضرورة ، والضرورة تقدَّر بقدرها ، ويجب السعي الدائم لإزالتها .

الصارم المسلول
20 Jan 2009, 11:57 PM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
الخلافة الإسلامية
ألَّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

فصل
إجماع أهل السنة والشيعة
ومثل الصحابة والتابعين كانت سيرة أئمة العترة - عليهم السلام - مع خلفاء
بني أمية ، وبني العباس ، وإن كانوا يرون أنفسهم أحق بالخلافة منهم ، ولكن مع
ذلك لم يخرج عليهم أحد منهم ، ولا انحرف عن طاعتهم ، بل ظلوا تحت أمرهم
طائعين ؛ لأن حكومتهم كانت قد تمكَّنت ، ولما خرج من أهل البيت زيد ، أنكر
عليه الإمام جعفر الصادق عمله لنفس هذه العلة ، ولأجلها قَبِلَ الإمام علي الرضا
عهد المأمون بالخلافة إليه ؛ لأنه لو لم يكن من المُسَلِّمين لخلافته لما قَبِلَ العهد ، بل
لردَّه ، واجتنبه منه ، ولكنه لما لم يفعل ذلك ثبت أنه كان يرى خلافة المأمون
صحيحة وشرعية .
ولا يُؤثْر عن هؤلاء الأئمة الأطهار شيءٌ يثبت أنهم منعوا أحدًا من طاعة
خلفاء بني أمية ، أو بني العباس ، بل في كتب الحديث للإمامية - مثل أصول
الكافي وغيره - ما يُثْبِتُ أنهم مع إظهار استحقاقهم للخلافة ، وشكوى الغصب
والتعدي عليهم - منعوا الناس من الخروج والغدر .
وأقطع برهان على ذلك عمل أمير المؤمنين علي - عليه السلام - نفسه ،
الذي تدَّعي الإمامية أن خلافته كانت منصوصة ، وأنه لم تكن الخلافة جائزة لغيره
في حياته ، ولكن مع ذلك معلوم لكل الناس أنه عليه السلام لم يخرج على الخلفاء
الثلاثة الذين مَضَوْا قبله ، ولا تخلَّف عن بيعتهم ، ولا تنحَّى عنهم ، بل ظل عشرين
سنة على طاعتهم ، ومؤازرتهم ، ومناصحتهم ، حتى لحقوا بربهم ، وآلت الخلافة
إليه ، فأثبت بعمله هذا أن الأمة إذا اجتمعت على رجل فلا تجوز مخالفته وعصيانه ،
والخروج عليه ، بل على كل الناس أن يطيعوه ، ويسمعوا له ، فإذا كان هذا غير
جائز للخليفة المنصوص على خلافته فكيف يجوز لعامة الناس ؟ !
فأهل السنة والإمامية كلاهما متفقان في هذه المسألة ، وأما الخلاف المشهور
بينهما فإنما هو في الخلافة الجمهورية ، أي إذا قدرت الأمة على نصب الخليفة فمَن
تنصب ؟ فالشيعة تشترط أن يكون من أهل البيت فقط ، وأهل السنة ينكرون هذا
الشرط ، ولكن إذا لم يبق هذا النظام ، ولم تقدر الأمة على الانتخاب لتغلُّب
المتغلِّبين على الخلافة ، فإن قويت شوكتهم ، وانقادت لهم الأمور انقيادًا - فكل من
الشيعة وأهل السنة يقول قولاً واحدًا ، وهو أنه يجب طاعته ، وإلى هذا ذهبت
الزيدية ، وغيرها من الفرق الإسلامية .
***
فصل
الشواهد من كتب العقائد والفقه
وإِنَّا لنورد ههنا بعض مقالات كتب العقائد والفقه التي يتدارسها المسلمون في
مدارسهم ومساجدهم من قرون عديدة ؛ ليسهل على الناس مراجعتها :
ففي شرح المقاصد : ( وأما إذا لم يوجد مَن يصلح لذلك ، أو لم يقدر على
نصبه لاستيلاء أهل الباطل وشوكة الظلمة وأرباب الضلال - فلا كلام في جواز
تقليد القضاء ، وتنفيذ الأحكام ، وإقامة الحدود ، وجميع ما يتعلق بالإمام من كل ذي
شوكة ) ، ثم بعد بيان شروط الإمامة - يقول : ( نعم ، إذا لم يقدر على اعتبار
الشرائط جاز ابتناء الأحكام المتعلقة بالإمامة على كل ذي شوكة يقتدر ، تغلب أو
استولى ) ، وفيه أيضًا : ( فإن لم يوجد من قريش مَن يجمع الصفات المعتبرة وُلِّيَ
كناني ، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل ، فإن لم يوجد فرجل من العجم ) .
وفي المرقاة شرح المشكاة : ( وأما الخروج عليهم ، وقتالهم فمحرم ، وإن
كانوا فسقة ظالمين ) ، ويكتب في شرح حديث : ( مَن أتاكم وأمرُكُمْ جميعٌ على
رجلٍ واحدٍ ... ) - : ( أي له أهلية الخلافة أو التسلُّط والغَلَبَة ) .
وفي الشامي : ( ويثبت عقد الإمامة إما باستخلاف الخليفة إياه كما فعل أبو
بكر ، وأما ببيعة جماعة من العلماء ، أو من أهل الرأي ) .
وفي المسامرة : ( والمتغلب تصح منه هذه الأمور - أي ولاية القضاء
والإمارة والحكم بالاستفتاء ونحوها - للضرورة ، وصار الحال عند التغلب كما لو
لم يوجد قرشي عدل ، أو وُجد ولم يقدر - أي لم توجد قدرة على توليته لغلبة
الجَوَرَة - ، إذ يُحكم في كل من الصورتين بصحة ولاية مَن ليس بقرشي ، ومَن
ليس بعدل للضرورة ) .
وفي شرح المواقف - بعد بيان شروط الإمامة - : ( ولكن للأمة أن ينصبوا
فاقدها ؛ دفعًا للمفاسد التي تندفع بنصبه ) ( 634 ) .
وقد أعطى البحث حقه الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري ، حيث
يقول : ( وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه ، وأن
طاعته خير من الخروج عليه ؛ لما في ذلك من حقن الدماء ، وتسكين الدهماء ، ولم
يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح - فلا تجوز طاعته في ذلك ،
بل تجب مجاهدته لمَن قدر عليها كما في الحديث ) ( ج 13 : 7 ) ، ويكتب في
شرح حديث حذيفة : ( ... فاعتزل الفرقَ كلها ) ... إلخ ، ( قال ابن بطال : فيه
حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين ، وترك الخروج على أئمة
الجور ؛ لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم ، ومع ذلك أمر
بلزوم الجماعة ) ( كتاب الفتن ، ج 13 ، صفحة 31 ) .
ويشرح حديث : ( اسمعوا ، وأطيعوا ، وإن استُعمِل عليكم عبد حبشي ) -
بقوله : ( وأما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة فإن طاعته تجب إخمادًا للفتنة )
( فتح ، 13 : 109 ) .
وقال النواوي في شرح مسلم : ( وهذه الأحاديث في الحث على السمع
والطاعة في جميع الأحوال ، وسببها اجتماع كلمة المسلمين ؛ فإن الخلاف سبب
لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم ، وقوله : صلى الله عليه وسلم : ( وإن كان عبدًا
مجدع الأطراف ) ، يعني مقطوعها ، والمراد أخس العبيد ، أي اسمع وأطع للأمير ،
وإن كان دنيء النسب ... ويتصور إمارة العبد إذا ولاه بعض الأئمة ، أو تغلب
على البلاد بشوكته ) .. إلخ ( ج2 : 125 ) .
وقال الشوكاني في الدرر البهية : ( وطاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله ،
ولا يجوز الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة ) ( شرح الدرر : 414 ) .
وفي حجة الله البالغة لشاه ولي الله الدهلوي : ( إن الخليفة إذا انعقدت خلافته
ثم خرج آخر ينازعه حل قتله ) .
وقال رضي الله عنه في كتابه ( إزالة الخفاء ) بالفارسية ما ترجمته - وقد
بحث في هذا الكتاب مسألة الخلافة بحثًا مفصلاً وجامعًا لم يبحث مثله أحد قبله -
( والخروج على السلطان الفاقد للشروط أيضًا حرام بعد اجتماع المسلمين
عليه ، إلا أن يُظهر كفرًا بواحًا ، وقد تواتر هذا معنى ) ( ج 1 ، ص 132 ) .
وحاصل هذه الشواهد ما مر بك من قبل ، وهو أنه يجب أن يكون للأمة إمام
وخليفة ذو شوكة ومَنَعَة في كل زمان ، فإن استطاعت الأمة نصبه فعليها أن تراعي
الشروط التي شرطتها الشريعة في الخليفة ، وإن استولى على الخلافة رجل مسلم
بقوته وعصبيته ، وانعقدت حكومته - فيجب على كل الناس طاعته ، وقبول
خلافته ، سواء أكان قرشيًّا أو غير قرشي ، عادلاً أو ظالمًا ، عالي النسب أو دانيه ،
حتى وإن كان عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف ، فيجب طاعته ، ومناصرته على
أعدائه ، إلا أن يُرَى منه كفرٌ ظاهرٌ ، فلا طاعة في هذه الحالة ، ولا سمع ولا بيعة ،
بل يجب الخروج عليه ومقاتلته ، ومَن لم يستطع ذلك يهاجر من بلده ، قال
العسقلاني في الفتح : ( فمَن قام على ذلك فله الثواب ، ومَن داهن فعليه الإثم ، ومَن
عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض ) ( 109 : 13 ) .
وعلم من هذا أيضًا أن الكفار إذا استولوا على بلد إسلامي يجب على أهله
الخروج عليهم ، ومقاتلتهم ، ولا يحل لهم أن يداهنوهم ، ويداروهم ، ومَن عجز
فعليه الهجرة من ذلك البلد ؛ لأنه لا يجوز لمسلمٍ البقاء تحت حكم الكفار .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________

الصارم المسلول
21 Jan 2009, 12:01 AM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
الخلافة الإسلامية
ألَّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

فصل
واقعة الإمام الحسين عليه السلام
ولمعترضٍ أن يقول : لو كانت طاعة الخليفة واجبة في كل حالة - كما ذكرتَ-
لما خرج الإمام الحسين على خلافة يزيد بن معاوية ، ولما عدته الأمة محقًّا
وشهيدًا مظلومًا !
والجواب على هذا أن الإمام لم يحارب أهل الشام في ذلك الحين الذين كان
يدَّعي الإمامة لنفسه ، ولطلب الخلافة دون يزيد ، والذي يعتقد غير هذا فكأنه لم
يطَّلع على واقعة كربلاء كما ينبغي ، ويجب أن يفرق الناس بين الحالتين : حالة
خروجه من المدينة ، وحالة قتله بكربلاء ؛ فإنهما مختلفتان اختلافًا كليًّا ، ولهما
حكمان مختلفان في الشريعة .
فالحالة - التي كانت عند خروجه من المدينة - أن حكومة يزيد لم تكن
تمكَّنت بعد ، ولم تتم بيعته بالخلافة في المراكز الإسلامية المهمة والعواصم
والقصبات ، ولا اجتمع عليه أهل الحل والعقد من المسلمين ؛ لأن صوت أهل
المدينة كان من الأول أقوى الأصوات في مسألة الخلافة ؛ لكونهم كانوا في العاصمة
الإسلامية ، وفيهم أهل الحل العقد ، ثم لما انتقلت العاصمة في زمن علي عليه
السلام إلى الكوفة - أصبح للكوفة شأن عظيم في السياسة ، فلما خرج الإمام كانت
المدينة غير متفقة على يزيد ، أما الكوفة فجميع أهلها كانوا ضده ، وكانوا يلحون
على الإمام أن يقوم للخلافة ، ويأخذ بيعتهم عليها ، فالحسين عليه السلام لا حرص
على الخلافة ، ولا خرج على الإمام ، بل قام في الحين الذي تُوفي خليفة المسلمين
فيه ، وخلا محله ، ولم يتمكن أحد في مقامه تمام التمكن ، مجيبًا لطلب الجم الغفير
من المسلمين الذين كانوا في المراكز المهمة - مثل أهل الكوفة والعراق - ولا
ريب أنه كان يراعي في قيامه مصلحة كبيرة أخرى أيضًا ، وهي صَوْنُ الأمة من
مثل يزيد وخلافته .
وإن قيل : إن معاوية كان عهد بالولاية إليه ، فما كان يجوز للإمام أن يخرج
عليه ؟ ، فجوابه أن الشريعة لا تعتبر عهد الأب إلى ابنه بالخلافة شيئًا ؛ ولذلك لما
ألح معاوية على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بأن يبايع يزيد - قال : ( لا
أبايع لأميرين ) ( رواه ابن حبان ونقله في الفتح ) .
وإن سلمنا جدلاً أن هذا العهد معتبر وصحيح فلا يُعتد به ما لم تتمكن الحكومة ؛
إذ الشرط الجوهري للخلافة - كما علمت - انعقاد الحكومة ، فمَن انعقدت حكومته
فقد صحَّت خلافته ، وإلا فلا .
فهذه الحالة كانت عند خروجه من المدينة ، ولكن تغيَّرت عند وصوله الكوفة ؛
لأن أهلها بايعوا يزيد على يد ابن زياد ، وقلبوا للإمام ظهر المِجن ، كما فعلوا مع
أبيه من قبل ، فلما رأى - عليه السلام - أن الناس دخلوا في طاعة يزيد ، وتمكنت
حكومته - أقلع عن المطالبة بالخلافة ، وعزم على أن يعود إلى المدينة ، إلا أن ابن
سعد وجيشه لم يسمح له بذلك ، بل حاصره ، وحاول أسره وأهلَه وحرمَه ، فقال لهم
الإمام : ( خلُّوا سبيلي ؛ لأذهب إلى دمشق ، فأخاطب يزيد في شأني ) ، ولكن
الظالمين أَبَوْا إلا أسره .
فلم يكن للإمام حينئذٍ إلا طريقان : إما أن يسلِّم نفسه وأهله إلى هؤلاء الطغاة ،
وإما أن يستشهد بطلاً مِغْوارًا ، والشريعة لم تجبر أحدًا على أن لا يدافع عن نفسه ،
ويدَعها أكلة للآكلين ، فاختار - عليه السلام - الطريق الثاني بالشجاعة الهاشمية ،
وكمال العزيمة ، واستشهد مظلومًا !
فتأمل في هذه الحالة ؛ فإنها غير ما كانت عند خروجه من المدينة ؛ فإنه إذ
ذاك كان مطالِبًا بالخلافة ، أما في كربلاء فلم يكن مدَّعيًا لها ، ولا محاربًا لأجلها ،
بل كان معصومًا ، طاهرًا زكيًّا ، وقع في مخالب الظلمة الأشقياء ، الذين لا يعرفون
الحق ولا الإنسانية ، فأبت نفسه الأبيَّة أن تخضع لهم ، وتذل أمامهم ، فقام وجهًا
لوجه يدافع عن شرفه وناموسه ؛ فقُتل ظلمًا وعدوانًا وبغير حق ، ومن العجيب أن
الناس من قرون يُخْطئون في فهم هذه الواقعة ، مع أنها واضحة ، ومَن أراد التوسع
فعليه ( بمنهاج السنة ، ج 2 ) لشيخ الإسلام ابن تيمية .
***
فصل
شرط القرشية
قد علمت - مما مَرَّ - أن الخليفة إذا انتُخب فله شروط ، وقد ظل العلماء إلى
زمن طويل يحسبون منها القرشية أيضًا ، أي إن الخليفة مع سائر الشروط يجب أن
يكون قرشيًّا ، وإلا لا تصح خلافته ، هذا في صورة الانتخاب ، أما إذا استولى
عليها مستولٍ فلا يُنظر فيه إلى شرطٍ ما إلا الإسلام وانعقاد حكومته ، ولا خلاف في
أنه لم توجد بعد الخلافة الراشدة خلافة جامعة لسائر الشروط ؛ فخلافة بني أمية
وبني العباس إن كانت قرشية فقد كانت فاقدة لشروط أخرى كثيرة ، سيما الشرط
الأساسي لها ، وهو أن تكون بانتخاب الأمة ، لا بالسيف والدم ، وهذا الشرط لم
يوجد في أي خلافة بعد الخلافة الراشدة [1] ، ثم بعد هذا الشرط يُشترط أن يكون
الخليفة عادلاً ، غير مستبد ، يحكم برأيه بالشورى ، ويسير على كتاب الله وسنة
رسول الله وسنة الخلفاء الراشدين ، ومعلوم أنه لم يكن أحد من الخلفاء هكذا غير
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه [2] ، وقد استولى الأعاجم على الحكومة بعد
العباسيين ، ثم انتقلت الخلافة من العباسيين - الذين كانوا بمصر - إلى الترك
والعثمانيين ، فهي فيهم من ذلك الحين إلى الآن بلا نزاع ، وقد أجمعت الأمة
الإسلامية على طاعة هذه الخلافة العثمانية [3] ، وتحسب السلاطين العثمانيين خلفاء
من قرون عديدة ، فإن كان خلفاء بني أمية وبني العباس فاقدين لخمسة شروط مثلاً ،
فنفرض الخلفاء العثمانيين فاقدين لسبعة شروط ، فإذا لم يضر بالأولين فقدان هذه
الشروط فكيف يضر بالآخرين ؟ ! ، فإن كان العثمانيون ليسوا من العرب ، ولا
قريش فلا يقدح به في خلافتهم ؛ لأن المسألة هنا ليست مسألة انتخاب الخليفة حتى
يُنظر في شروطه ، وإنما الذي يهم في هذه الصورة هو أن يقوم قائم بالخلافة
والحكومة الإسلامية ؛ لئلا يضطرب أمر الأمة ، ويصبح فوضى ؛ فلذا لا أهمية
لشروط الخلافة ههنا ، وُجدت أو لم تُوجَد .
ومن شروط الخلافة المتفق عليها ( الحرية ) ، أي يجب في الخليفة أن يكون
حرًّا لا عبدًا ، ولكن العبد إذا تغلب بشوكته وقوته ، وقامت حكومته - فلا خلاف
في أن طاعته واجبة ، ولا يوجد مثال في تاريخ الأمم بأسرها إلا في الأمة الإسلامية-
أن العبيد صاروا فيها أئمةً وملوكًا وقوادًا ! وخضع لهم المسلمون من العرب
والعجم بلا عذر ولا إنكار ، والأحاديث النبوية أكبر شاهد على ذلك ؛ فقال النبي
صلى الله عليه وسلم : ( اسمعوا وأطيعوا ، وإن استُعمِل عليكم عبدٌ حبشيٌّ ، كأن
رأسه زبيبة ، وفي رواية مسلم عن أبي ذر : وإن كان عبدًا مجدع الأطراف ) ،
وفي رواية ابن حصين : ( ولو استعمل عليكم عبد - يقودكم بكتاب الله - اسمعوا
وأطيعوا له ) ، والنواوي يقول في شرحه : والمراد أخس العبيد ، اسمع وأطع ،
وإن كان دنيء النسب ، حتى لو كان عبدًا أسود مقطوع الأطراف ، فطاعته واجبة ،
ويتصور إمارة العبد إذا ولاه بعض الأئمة ، أو تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه ،
ولا يجوز ابتداء عقد الولاية له مع الاختيار ، بل شرطها الحرية ( ج2 : 125 ) ،
وفي فتح الباري : ( لو تغلب حقيقةً - بطريق الشوكة - فإن طاعته تجب إخمادًا
للفتنة ) ( 13 : 109 ) .
فمادام هذا النواوي - الذي هو من أكبر أنصار القرشية - يقول بنص هذا
الحديث : إن إمارة العبد مهما كان دنيء النسب خسيس الحال - صحيحة في
صورة الاستيلاء والغلبة ، فكيف يُعترض على الخليفة العثماني القائم المتمكن بكونه
ليس من قريش ؟ ! ، إن سلمنا أن القرشية شرط ضروري للخلافة [4] .
والحقيقة أن البحث في شروط الخلافة لا علاقة له بالمسألة التي نحن بصددها ،
إلا أننا لا نرى بأسًا في أن نتكلم على شرط القرشية ؛ إذ هو مزلَّة لأقدام كثير من
الناس .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) هذا مبالغة ، والواقع أن بدء خلافتهما كان بالقوة ، لا خلافة كل فرد منهما .
(2) هذا الحصر غير صحيح على إطلاقه .
(3) دعوى الإجماع ممنوعة .
(4) لا شك في أن صديقنا - مؤلف هذه الرسالة - لا غرض له من تأليفها إلا تأييد الخليفة العثماني التركي ، وإثبات صحة خلافته ، ووجوب طاعته شرعًا ، وهذا الغرض لم يوضع موضع خلاف جديد لأجل القرشية ، فيحتاج في تأييده إلى التحريف والإيهام ، الذي ارتكبه في نقل نصوص العلماء ، والتصرف فيها ، وهو غافل عن الحقائق الواقعة في هذا العصر ، وأهمها أن الخليفة العثماني في حكم الأسير المحجور عليه من سلطة أجنبية غير إسلامية ، وأن القوة المتغلبة في الأمة التركية خصم له ، وإنما يمثلها مصطفى كمال باشا ؛ فهو الذي تجب طاعته إذا أمر أو نهى بحسب القاعدة التي ذكرها ، وإن لم يتحلَّ بلقب الخلافة ! ! ! ، وهذا اللقب ليس بواجب شرعًا ، وبمقتضى هذه القاعدة يجب طاعة كل متغلب بالقوة أينما كان ، ومهما يكن لقبه ، وإن تعدد ، وعليه الحكومات الإسلامية في الشرق كالفرس والأفغان ، وفي الجنوب كاليمن و نجد ، وفي الغرب كمصر و مراكش ، فالخليفة العثماني غير متغلب عليها ، ولا أمر له فيها ولا نهي فيُطاع أو يُعصَى ، سواء منها ما سيطرت عليه دولة أجنبية ، وما لا سيطرة عليه لأحد ، والمعترف بهذه الخلافة وغيره والعمل بهذه القاعدة هو الذي أضاع الخلافة الصحيحة المستوفاة الشروط ؛ إذ وُجد في كل عصر مَن يؤيد كل متغلب مهما تكن
حاله ، وجعلوا الضرورة العارضة أمرًا شرعيًّا ثابتًا ، والذنب الأكبر في هذه السُّنَّّّّّة السيئة على معاوية الذي سَنَّها ؛ فعليه وزرها ووزر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة على أن أكثر خلفاء بني أمية وبني عباس كانوا قائمين بأهم واجبات الخلافة : من نشر الإسلام ، وحماية دعوته ، والجهاد في سبيلها ، وإقامة الحدود ، والحكم بالشرع في كل شيء وإنما كان أكثر ظلمهم في التصرف في أموال الأمة ، وفي التنكيل بمَن يتصدون لنزع السلطة منهم ، وأقله في أمور اجتهادية أخطأوا فيها ، كحمْل الناس على القول بخلق القرآن وإذا مارى المؤلف في الإجماع على شرط القرشية فهل يماري في الإجماع على الحرية ، وهل يجهل أن المتغلِّبين (حكمهم حكم البغاة وقُطَّاع الطرق ؛ فلا يعتد بهم) كما صرح به الحافظ ابن حجر في شرح حديث ابن عمر : (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) من شرحه للبخاري ؟ ! ، إنه لا يجهل ذلك وإنا ندعو كل مسلم يستطيع أن ينصر الترك - على أعدائهم المعتدين على ملكهم ، أو يساعدهم عليهم ولو بالمال - أن يفعل ؛ لأنهم مسلمون معتدًى عليهم ، وإذلالهم إذلال للإسلام ، لا لأجل وجود الخليفة فيهم ، وإلا فإن هذا الخليفة حكم - بفتوى من شيخ الإسلام عنده - بأن الكماليين خارجون عليه يجب قتالهم ، فأنكر السواد الأعظم من المسلمين عليه ذلك ، وكان عطفهم على الكماليين عامًّا ، ومساعدتهم لهم بالمال ترد من كل قطر ، وقد كان لانتصارهم على اليونان من السرور والابتهاج في الشرق والغرب ما لم يسبق لمثله نظير ، ولو أطاعوا هذا الخليفة - كما يوجب عليهم المؤلف - لاستأصلوا الكماليين ؛ ذلك بأن قاعدة السياسة العامة هي ترجيح المصلحة العامة ، ولا نحتاج فيها إلى الخروج عن الأحكام الشرعية الإجماعية ، أو القريبة من الإجماعية بقوة أدلتها ، وضعف الخلاف فيها .

الصارم المسلول
21 Jan 2009, 12:04 AM
الكاتب : محيي الدين آزاد
__________
الخلافة الإسلامية
ألَّفه باللغة الأُوردية أحد زعماء النهضة الهندية
مولانا أبو الكلام محيي الدين آزاد - صاحب مجلة ( الهلال ) الهندية
وترجمه بالعربية أحد تلاميذ دار الدعوة والإرشاد
الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي - محرر جريدة ( بيغام ) الهندية

باب الأئمة من قريش
فصل
تحقيق إمارة قريش واشتراط القرشية
إذا تتبعت الكتاب والسنة والآثار والدلائل الشرعية والعقلية - لا تجد فيها
نصًّا قطعيًّا على تخصيص الخلافة ، والإمامة بقريشٍ ، نعم ، نجزم بصحة
الأحاديث التي وردت في هذا الباب ، وكذلك خطبة أبي بكر الصديق في سقيفة بني
ساعدة على مسمع من الصحابة ، وعدم إنكارهم عليها ، وشهرة هذا الأمر فيهم ،
ومَن بعدهم إلى انقراض الدولة العباسية أيضًا صحيحة ، ولكن الحقيقة مع ذلك كله
على خلاف ما يفهمه الناس ؛ لأنه كما لا يُنكر ما ذكرناه آنفًا - لا ينكر أن الشريعة
الغراء لم تحصر الخلافة قط في قومٍ دون قومٍ ، وقبيلة دون أخرى ، قل ما شئت
عن هذه الشريعة ، ولكن لا يسعك أن نقول هذا ؛ لأنها إنما جاءت لتحرير الإنسانية
من القيود ، والأغلال التي كانت عليها ، ولإعلاء شأنها ، ورفع معالمها ، وإعلان
ناموس العمل ، وهدم أوثان العصبية ، والامتيازات القومية الباطلة ، فهل ترجع بعد
هذا القهقرى ، وتشيد بأيديها هيكلاً جديدًا لتلك الأوثان المجذوذة ؟ ! [1]
لسنا في حاجة إلى الإطناب والتفصيل ؛ إذ كل مَن له أدنى معرفة بالشريعة
يعلم حق العلم أنها من أول نشأتها انقضَّت على قصور الامتيازات القومية الفخمة ،
ودكَّتها دكة واحدة ، حتى جعلتها أثرًا بعد عين ، ماذا كان حال العرب قبل الإسلام ؟ ،
كانوا في غاية من العصبية ، مبالغين في اعتبار النسب ، غير مبالين بمَن سواهم ،
لا يرون لأحدٍ شرفًا ولا فضلاً ، حتى الرعاة منهم كانوا يشمخون أمام الملوك
والعظماء ، ويعدون القياصرة والأكاسرة مَهينين أمام عزِّهم القوي وشرفهم النَّسبي ،
ليست العرب وحدها ، بل الدنيا كلها كانت سائرة على هذا المنهج ، عاكفة على هذه
الأوثان ، موثقة بهذه القيود والأصفاد ، ظهر الإسلام ، فهاجم قبل كل شيء هذه
الأصنام ، ونادى مناديه - بأعلى صوته - : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ
وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } ( الحجرات :
13 ) ، فجعل أساس الشرف والفضل العمل وحده ، فمَن علا به عمله فهو شريف
فاضل ، ومَن سقط به عمله فهو ساقط مهين ، مهما كان كريم النسب عالي الحسب ،
وقال : { أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ
سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } ( النجم : 38-40 ) ، وكان صاحب لوائه صلى الله عليه وسلم
يصيح بين الأنام : ( ليس منا مَن دعا إلى عصبية ، ليس منا مَن قاتل على عصبية ،
وليس منا مَن مات على عصبية ) ، وأوصى أمته - في آخر حياته يوم الحج
الأكبر - قائلاً : ( لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، كلكم
أبناء آدم ) ( الشيخان ) ، وقال : ( ليس لأحد فضل على أحد إلا بدين وتقوى ،
الناس كلهم بنو آدم ، وآدم من تراب ) ( رواه الجماعة ) ، فظهور الإسلام وقيامه
ضمان للمساواة في النوع الإنساني ، فلا فضل بعده لعربي على عجمي ، ولا
لعجمي على عربي ، الناس كلهم إخوان ، أبوهم آدم ، وأمهم حواء ، وإنما الأفضل
أحسنهم عملاً ، وأقومهم طريقةً ، وأتقاهم لربهم .
أما عمله صلى الله عليه وسلم فشاهد على ذلك ؛ فإنه لما بعث آخر بعث في
حياته أَمَّرَ أسامة بن مولاه زيد ، فأنكر عليه هذا بعض السذج فقال صلى الله عليه
وسلم : ( لقد طعنتم في إمارة أبيه ، وكان أهلاً لها ، وإن أسامة لها أهل ) ، فتأمل
في قوله عليه السلام كيف كرر كلمة ( الأهل ) ؛ ليُعلم أن الإمارة والرئاسة تتوقف
على الأهلية لا غير [2] ، وقول عائشة رضي الله عنها في زيد مشهور ، حيث قالت :
( لو كان زيد حيًّا ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره ) [3] ،
وسرية أسامة - التي نحن بصددها - كانت مشتملة على سادات من المهاجرين
والأنصار وفحول من العرب العرباء ، وقريش أصحاب المجد الباذخ ، وكان فيها
أبو بكر الصديق الذي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصار بعد بضعة أيام
أميرًا للمؤمنين ، ورئيسًا للمسلمين [4] .
وهكذا أمرُ بلال الحبشي ، و صهيب الرومي ، و سلمان الفارسي معلوم
مشهور ، حتى إن عمر الفاروق القرشي كان يقول في بلال : سيدنا ومولانا ، وإذا
رأى صهيبًا يقول : ( نِعم العبد صهيب لو لم يَخَفِ الله لم يعصِهِ ) ، وأوصى عند
وفاته أن يصلي عليه صهيب ، وأمير المؤمنين علي - عليه السلام - القرشي
الهاشمي كان يقول في سلمان : ( سلمان منا أهل البيت ) [5] ، فكان من أمر العرب
بعد الإسلام أن انحلت عصبيتهم النسبية في خلال قرن ، وسبقهم العجم في مضمار
المحاسن والفضائل ، وخضعت العرب أما علمهم وعملهم ، كما كانت تخضع أمام
قريش ، و بني هاشم ، حتى اضطر الخليفة القرشي هشام بن عبد الملك أن يقول
للإمام الزهري : ( والله ليسودنَّ الموالي العربَ ، ويُخطَب لهم على المنابر ،
والعرب تحتهم ) ( العِقد الفريد ) [6]
فهل يتصور بعد هذا أن داعي الإسلام صلى الله عليه وسلم الذي دعا النوع
الإنساني إلى نبذ العصبية وغرور النسب وإقامة المساواة العامة - يرجع القهقرَى ؟!
فيتبع الهوى ؟ ويحصر الحكومة والسلطنة والخلافة في قومه وقبيلته إلى
آخر الدهر ؟ ويقول لسائر الناس لا فضل ولا شرف ولا حق إلا بالعمل والأهلية ،
ثم ينسى هذا ، ويترك العمل وراء ظهره ، ويقول لنفسه : النسب ، القبيلة ،
الوطن ، ويسلط قومه على العالم كله ؟ ! لعَمْر أبيك إن هذا لشيء عُجاب ! [7]
نعم ، إنه من عجب العجب ، ولكن ما كنا لنبالي به لو نطق به كتاب الله
وسنة رسوله ؛ لأن ميزان الحق عندنا الكتاب والسنة ، فإذا ثبت فيهما شيء فهو
حق ، سواء فهمناه أو لم نفهمه ؛ ولذا لم نستبعده بمجرد فهمنا وعقلنا ، بل استبعدناه
لأنَّا ما وجدناه فيهما ، وقلنا إنه لا يليق بهذا الدين ، دين الفطرة ، دين المساواة ،
دين العمل .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) يا لَلْعجب ! ، اعترف الكاتب بصحَّة الأحاديث وإجماع الصحابة ، ومَن بعدهم قولاً وعملاً على كوْن الخلافة في قريش ، ثم شرع ينفي هذا الإثبات بنظرية ظاهرة البطلان ، وهي كون ذلك يعارض تحريرها للإنسانية ! إلخ ، ثم يبني على ذلك تأويل الأحاديث وإنكار الإجماع بما سيأتي من الروايات الشاذة ، والآراء التي سنبين بطلانها في مواضعها ، ثم نعرضها على القراء ؛ ليميِّزوا راجحها من مرجوحها .
(2) هذا لا يعارض الأحاديث التي هي أصح منه ، والإجماع في الإمامة العظمى ، وهو في إمارة سَرِية من الجيش ، ولو عارضها لكانت هي أولى بالترجيح .
(3) رأي عائشة هذا شاذ ، وقد ثبت بطلانه بنصوص الأحاديث في إمامة قريش ، حتى ما كان منها إخبارًا عن المستقبل ؛ إذ كيف نستخلفه ، وقد أعلمه الله بأن الخلافة ستكون في قريش عدة قرون ، وبما ظهر من حكمة الشرع في عدم استخلاف شخص بعينه .
(4) سبحان الله ! ، كيف نذكر المسلمين اليوم أن الأنساب والأحساب - التي يفتخرون بها ، ويعدّونها موازين الشرف بينهم - كانت منبوذة من ذلك الزمن المبارك ، فلم يكن يُنظر إذ ذاك إلا في العمل والتقوى ، فأتقاهم وأقربهم إلى الله وإلى رسوله كان أشرف وأكبر من غيره ، وهذا أسامة - مع تأخُّره في النسب - كان يُقدَّم في العطاء على شرفاء قريش ، وقد اعترض مرة عبد الله بن عمر على تقديم أسامة عليه ، فقال له أبوه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين : (كان أبوه أحبَّ إلى رسول الله من أبيك ، وكان أحب إلى رسول الله منك) ! ، فما أعجب هذا الانقلاب الذي أحدثه الإسلام في أولئك الذين كانوا يحتقرون سائر الناس ، ويعدون كافة البشر أدنى وأحط منهم ، حتى إنهم أَنِفُوا يوم بدر من منازلة كماة يثرب ، فردُّوهم بلا قتال ، ولكنهم - بعد الإسلام - يخضعون لإمارة العبيد وأبناء العبيد ، ولا يستنكفون منها ، يُقدَّم ابن العبد على ابن السلطان ، فيظل ساكنًا ، ولا يفوه بكلمة ! اهـ من حاشية الأصل .
(5) بل هذا حديث مرفوع رواه الطبراني في الكبير ، و الحاكم عن عمرو بن عوف .
(6) القول في سبق العجم للعرب باطل كما يعلمه كل منصف يعرف التاريخ ، نعم ساهموهم ، ولكن ما فاقوهم في شيء ، وقد قصدوا إذلال العرب ، ولم تقصد العرب إلا عزهم ، ومساواتهم بهم في
الإسلام .
(7) كل ما ذكره شعريات وخطابيات متكلَّفة تعود على ما أراده من جعْل الخلافة في بني عثمان
المحصورين بالنقض ، وأما جعْلها في قريش فلا يقتضي ذلك ، ولا عدم المساواة بين الناس في الدين والفضل والحقوق والجزاء في الآخرة ، من أدلته أنه لم يمنع من ارتفاع شأن الموالي والأعاجم حتى في أزمنة الخلفاء الجائرين من قريش ، وقد كان أكثر ولاة بني العباس وقوادهم من الأعاجم في النسب ، ولولا ذلك لسادوا قريشًا وغيرها ، وأفسدوا أمر الإسلام ، حتى بالغلو في تعظيم آل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد زلَّ قلمه زلة فاحشة ، بل زلت قدمه بما قاله في حيز هذا الاستفهام ، مما لا يليق التفوُّه به في حق خير الأنام ، وإن كان الاستفهام إنكاريَّا ، ولو يكن كذلك لكان كفرًا صريحًا وقذفًا فظيعًا ، وإنما نشرناه أداءً لأمانة النقل ، ونستغفر الله تعالى منه لنا وله ، ومن لوازمه أن جميع أهل السنة القائلين بحصره صلى الله عليه وسلم للإمامة في قريش - يرمونه صلى الله عليه وسلم بما برَّأه الله منه من اتباع الهوى ، وهو تكفير لهم غير مقصود للكاتب ، ولازم المذهب غير مذهب في الأغلب .