الحقيقة
25 Jan 2009, 07:36 AM
حوار مع الشيخ أحمد المعلم
لقد رُفعت في الآونة الأخيرة رايات الصوفية من جديد، في ظل الأحداث الساخنة التي صاحبها الدعوة إلى تهميش دعاة الحركة الإسلامية؛ حين وجدوا في خطاب الصوفية دوراً يصلح لهذه المرحلة. ومن بين هذه الرايات راية الصوفية في حضرموت التي نريد أن نسلط الضوء على بعض ما يتعلق بها من خلال هذا الحوار مع فضيلة الشيخ أحمد بن حسن المعلم صاحب كتاب " القبورية في اليمن":
الصوفية: إن المتأمل لكتابكم الكشف المبين عن حقيقة القبوريين ورسالة القبورية في اليمن يلحظ لاستعاضة بلفظة القبورية عن مصطلح الصوفية. فهل هي وجه آخر لها، أم أنها الصفة السائدة فيها؟
الشيخ أحمد المعلم: الحمد لله رب العالمين، وبعد:
لقد عدلتَ عن اسم الصوفية إلى اسم القبورية عمداً؛ وذلك لئلا يقع القارئ في شئ من اللبس، حيث أن الدعايات الصوفية قد زينت هذا الاسم (الصوفية) لدى عامة الأمة حتى أصبح يساوي الزهد والورع والاستقامة والبعد عن عبادة الدنيا والشهوات.
وذلك أنهم عندما يستشهدون على عظمة التصوف وجماله، يأتون بالزهاد والعباد والمتنسكين من رجال القرون المفضلة فيقدمونهم أمثلة على المتصوفة كأمثال الحسن البصري، سفيان الثوري، والفضيل بن عياض، والجنيد بن محمد الزجاج، ونحوهم ممن لم يعرفوا التصوف الحادث، ولم يخطر على بالهم، حتى لقد عاب ذلك أشد العيب الإمام ابن الجوزي فقال كتابه في " تلبيس إبليس " (ص 216): (و جاء أبو نعيم الأصفهاني فصنف لهم كتاب " الحلية "، وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستحِ أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعلياَ وسادات الصحابة - رضي الله عنهم -، فذكر عنهم فيه العجب وذكر منهم شُريحاً القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السُّلميُّ في " طبقات الصوفية " الفُضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفاً الكَرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد.
فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد، وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره...) انتهى موضع الشاهد منه.وكذلك يستشهدون ببعض الفقهاء والعلماء المتأخرين الذين عُرفوا بشيء من الميل إلى بعض أعمال الصوفية دون أن يدخلوا في فلسفتها المستوردة من خارج إطار الإسلام وعقائدهم الكفرية التي حلت مؤخراً محل زهد وورع وعبادة أولئك الزهاد والعباد المتقدمين. وإنما هم في الحقيقة أتباع الحلاج الزنديق، وأبي يزيد البسطامي الملحد، وابن عربي مجمع النفاق والباطنية بل المصرح بالكفر البواح في العديد من كتبه، ومكمل وضع عقيدة وحدة الوجود الكفرية والتي حكم مئات العلماء بكفره وأفتى معاصروه بقتله، وهم كذلك أتباع الدجاجلة من شيوخ الطرق الذين لا يمكن حصر كذبهم ودجلهم على الله - تعالى -ولا يتصور المسلم الذي لم تلوث فطرته مدى ما وصلوا إليه من الشطح والدعاوى التي هي مضادةٌ كل المضادةِ لدين الإسلام.
فإذا تكلم متكلم أو نقد ناقد على الصوفية ذهب وهل السامع إلى أنه ينتقص علماء الإسلام وزهاده وعباده؛ فمن أجل ذلك اخترت اسماً لا يمكن حمله إلا على طائفة المتصوفة الضالة أو على من هو مثلهم وأضل منهم من الشيعة والباطنية وهو اسم (القبورية) المشتق من القبور؛ لشدة تعلقهم بأربابها واعتمادهم على أصحابها وجعلهم وسائط بينهم وبين الله، كما جعل الوثنيون أوثانهم كذلك باقتراح ماكر خبيث من واضعي رسائل " إخوان الصفا " المعروفين بعدائهم للإسلام وعملهم على هدمه وإعادة الأمة إلى الوثنية من جديد. وقد شهد بذلك الفخر الرازي في عدة مواضع من تفسيره وفي كتابه " المطالب العالية " وقبله الغزالي في كتابه "المضنون به على غير أهله ".
فصفة القبورية لازمة لهم منحصرة فيهم ومن هو أشر منهم، لا يمكن إلصاقها بالأخيار من رجال القرون المفضلة، كما هو الحال في اسم (الصوفية).
الصوفية: ما عدا سمة القبورية، ما هي أبرز معالم الطريقة الصوفية بحضرموت، وخاصة موقعها من الفكر الصوفي الفلسفي؟
الشيخ أحمد المعلم: صوفية حضرموت المعاصرة كأي صوفية معاصرة في أي بلد من بلدان العالم الإسلامي، تشاركهم في معظم سماتهم، وتعتقد معظم عقائدهم، غير أنها والحق يقال أهون من غيرها من ناحيتين: الناحية الأولى أن أصحابها لا يتظاهرون بما يتظاهر به الآخرون من المجون والتهتك واختلاط الرجال بالنساء والمردان في حلقات ذكرهم ومواضع إقامة طقوسهم بالشكل الذي عليه صوفية بعض البلاد الأخرى، وإن كان يقع شئ من ذلك قديماً أثناء الزيارات الحولية للأولياء غير أنه ليس كما نقرأ عنه لدى غيرهم.
والثانية أن عقيدة وحدة الوجود والحلول والاتحاد لم تكن سمة ظاهرة لهم، وإن كان قد يجد الباحث في كلام بعضهم شيئاً من ذلك غير أن أسا طينهم يحذرون من الاشتغال بذلك وخصوصاً لمن كان مبتدئاً في الطريق.
ولكن ليس هذا عن قناعة ببطلان تلك العقائد وخروجها عن الإسلام وضلال أو كفر أصحابها، بل إنما هي سياسة تربوية يرونها حتى لا ينحرف بسببها المبتدئ من المريدين قبل أن يحكم ما يجب أ ن يحكمه قبل هذه المرتبة.
ومما يدل على ذلك ثناؤهم العاطر على كل أئمة تلك العقائد بدون استثناء، بل ودفاعهم عنهم وتصريحهم بولايتهم وإمامتهم في الدين، والشواهد على ذلك كثيرة في كتبهم.
أما ما عدا ذلك من عقائد وطقوس عبادية وسلوك فردي وجماعي وولاء وبراء وغير ذلك مما هو موجود لدى جماعات وطرق التصوف المعاصر فكل ذلك موجود لدى صوفية حضرموت في الغالب.
وأما الفكر الفلسفي فلا أظن أحداً منهم حسب الظاهر يُعَدُّ فيلسوفاً من فلاسفة التصوف غير أنهم يقلدون فلاسفة المتصوفة في فلسفتهم، وذلك بنشرها والعمل بموجبها تقليداً لأولئك الفلاسفة، فآثار الفلسفة موجودة لديهم ومؤثرة في عقائد بعضهم وأعمالهم، ويمكن أن تلحظ ذلك في بعض كتب العيدروس العدني والشيخ أبي بكر بن سالم.
ومما يجب معرفته أن جميع الطقوس والبدع في العبادات سواء ما كان منها مجرد سلوك ومجاهدات أو دعاوى ومقالات كل ذلك مرتبط بالفكر الفلسفي عَلِمه من علمه وجهله من جهله.
والمتأمل لكتابَي " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام " للدكتور علي سامي النشار، وكتاب " الصلة بين التصوف والتشيع " للدكتور كامل مصطفى الشيـبي يتأكد من ذلك، إضافة إلى أن معظم كتابات المستشرقين عن التصوف تثبت ذلك وتؤكده، وشواهد ذلك موجودة في كتب الصوفية أنفسهم، ولصوفية حضرموت من ذلك حظ وافر.
والطريقة الصوفية العلوية - صوفية حضرموت - أخطر من غيرها من حيث سعة انتشارها وكثرة أتباعها: فهي الغالبة على مسلمي شرق آسيا وشرق أفريقيا وبعض مناطق أفريقيا الأخرى ولها وجود كبير في الهند، وقد وصل بعض أبناء أسرها إلى مناصب سياسية كبيرة في تلك البلاد فهناك ملوك ورؤساء ووزراء من أسر معروفة بتصوفها في بعض دول آسيا وأفريقيا. وهي بذلك تجمع بين السلطتين الروحية والسياسية.
الصوفية: البعض يصور أن الخلاف بين أهل السنة والصوفية هو فقط بعض البدع العملية كالموالد والسماع ونحوها فما رأيكم؟
الشيخ أحمد المعلم: إن تصوير بعض دعاة التصوف بأن المعركة بينهم وبين أهل السنة هي حول إقامة الموالد وبدع العبادات فقط، مغالطة كبيرة جداً وتدليس على الناس وكلام خارج موضوع النقاش، فأهل السنة يعتبرون مجرد إقامة الموالد لو كان كما تحدّث عنه المتقدمون قراءة للسيرة النبوية، و تذكير بمناقب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك الأوراد التابعة للصلوات أو للأذان، ورفع الصوت بالذكر ونحو ذلك يعتبرونه من البدع العملية التي لا تعدو أن تكون مكروهة أو محرمة ليس إلا.
ولكن المعركة الحقيقية هي في العقائد الزائغة والفلسفة الإلحادية أو الوثنية، التي هي أصل تلك البدع وأساسها، فكم لهم من عقائد باطلة في الله وفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي أوليائهم وأقطابهم وفي منهج التلقي ومنهج السير إلى الله، كل تلك الجوانب مبنية عندهم على عقائد منحرفة وبعضها كفرية مجلوبة من غير المصادر الإسلامية، ثم إن من أدخلوها على المسلمين ألبسوها لباس الإسلام، وربطوها بالكتاب والسنة على طريقة التأويل الباطني، ثم إن أتباعهم ومعظمهم محبون للخير محسنون الظن بأولئك الزنادقة، اعتقدوا ذلك، وتوسعوا في جميع الشبهات المؤيدة لتلك العقائد فأعماهم التعصب الأعمى والتقليد المذموم عن التنبه لحقيقة الأمر وأصل تلك العقائد، وربما قسا عليهم بعض معارضيهم من أهل السنة؛ مما أوجد لديهم ردة فعل عنيفة جعلتهم في حالة المدافع المستميت عن نفسه وعما يعتقد أنه حق.
وإلا فإني متفائل غاية التفاؤل بأن أحدهم لو خلى بينه وبين الأدلة الصحيحة والبراهين الصريحة دون أن يشعر أنها حجج خصومه، لفهمها واقتنع بها وسلم لما تدل عليه من الحق.
الصوفية: يركز بعض رموز الصوفية على نوع خاص من الخطاب يحمل في طياته: أن التصوف معركته تربية الذات وجهاد النفس كبديل للخطاب الصحوي. فما رأيكم في هذه الشبهة؟ وهل ترون في خطاب الصحوة قصوراً في هذا الباب؟
الشيخ أحمد المعلم: إن منهج التصوف الفلسفي الطرقي منذ قرون وهو يركز على مجاهدة النفس حسب زعمهم والتخلي عن الدنيا، ويقصدون بمجاهدة النفس ترويضها وتزكيتها بما ابتدعوه من وسائل تزكية مجلوبة من خارج الإسلام من أمم الشرق والغرب التي اعتنت بالرياضة والمجاهدة حسب أديانها ومللها المختلفة، مع محاولة إظهارها بمظهر إسلامي مقبول، فهم من ذلك المنطلق ينطلقون وحوله يدورون مع التخلي عن كثير من فرائض الإسلام الكفائية وربما بعض الفرائض العينية، متخلون عن أي مساهمة إيجابية في مجتمعاتهم حتى في كسب معاشهم والسعي لإقامة حياة كريمة ينعم بها المجتمع فضلاً عن تخليهم عن الفرائض الكبرى مثل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعلم العلم وتعليمه، وإن ظهر من أفراد منهم خلاف ذلك فإنما هو على وجه الاستثناء وليس عل الأصل؛ مما أثار العلماء والمؤرخين ومخالفيهم عليهم، وفي نفس الوقت أفرح وأطمع الأعداء فيهم، وأكسبهم مودة وتقدير أولئك الأعداء؛ لما يحققونه لهم - ولو بغير قصد - من خدمات جليلة في جانب إخضاع الأمة الإسلامية لعدوها وعزوفها عن مقاومته.
وبينما نجد بعض المدافعين عنهم يحاول رفض هذه التهمة وردها بإبراز بعض النماذج التي كان لها مواقف مشرفة في الجهاد أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، حينما كانت الأمة تعد الجهاد فضيلة وميزة قبل الأحداث الأخيرة - إذ بنا نجد معظم رموز التصوف اليوم يعودون إلى الأصل ويحاولون أن يثبتوا لأمم الشرق والغرب المعادية للإسلام وأصوله العظيمة (مثل الجهاد)، أن التصوف يقوم على جهاد النفس وتربية الذات والتخلي عن جهاد الأعداء والإنكار عليهم أو بغضهم، وأن ذلك هو الإسلام الذي يدينون الله به، وهذه هي العلمانية بذاتها كما سبق وأن وصفتهم إحدى صحف لندن بقولها: (إن مدرسة علي زين العابدين الجفري - مدرسة التصوف الحضرمي - علمانية).
وعلى ذلك فخطابهم ذلك جاء موافقاً للحقيقة في شطره الأول.
وأما الشطر الثاني وهو أن الصحوة الإسلامية المعاصرة تقصر خطابها على جهاد ومقاتلة الأعداء وبغضهم فقط فهذا غير صحيح، فإن للصحوة منهجاً متكاملاً ولله الحمد، يوفر لأتباعه تربية الذات وجهاد النفس وإقامة الشريعة وحفظ العقيدة ونشرها والجهاد في سبيلها، فخطاب الصحوة خطاب شامل متكامل، يشمل ما يزعم الصوفية العناية به مع الانضباط بالمنهج الشرعي الصحيح، وزيادة جوانب التربية والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وسائر ما تحتاجه الأمة من أمر دينها ودنياها.
لقد رُفعت في الآونة الأخيرة رايات الصوفية من جديد، في ظل الأحداث الساخنة التي صاحبها الدعوة إلى تهميش دعاة الحركة الإسلامية؛ حين وجدوا في خطاب الصوفية دوراً يصلح لهذه المرحلة. ومن بين هذه الرايات راية الصوفية في حضرموت التي نريد أن نسلط الضوء على بعض ما يتعلق بها من خلال هذا الحوار مع فضيلة الشيخ أحمد بن حسن المعلم صاحب كتاب " القبورية في اليمن":
الصوفية: إن المتأمل لكتابكم الكشف المبين عن حقيقة القبوريين ورسالة القبورية في اليمن يلحظ لاستعاضة بلفظة القبورية عن مصطلح الصوفية. فهل هي وجه آخر لها، أم أنها الصفة السائدة فيها؟
الشيخ أحمد المعلم: الحمد لله رب العالمين، وبعد:
لقد عدلتَ عن اسم الصوفية إلى اسم القبورية عمداً؛ وذلك لئلا يقع القارئ في شئ من اللبس، حيث أن الدعايات الصوفية قد زينت هذا الاسم (الصوفية) لدى عامة الأمة حتى أصبح يساوي الزهد والورع والاستقامة والبعد عن عبادة الدنيا والشهوات.
وذلك أنهم عندما يستشهدون على عظمة التصوف وجماله، يأتون بالزهاد والعباد والمتنسكين من رجال القرون المفضلة فيقدمونهم أمثلة على المتصوفة كأمثال الحسن البصري، سفيان الثوري، والفضيل بن عياض، والجنيد بن محمد الزجاج، ونحوهم ممن لم يعرفوا التصوف الحادث، ولم يخطر على بالهم، حتى لقد عاب ذلك أشد العيب الإمام ابن الجوزي فقال كتابه في " تلبيس إبليس " (ص 216): (و جاء أبو نعيم الأصفهاني فصنف لهم كتاب " الحلية "، وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستحِ أن يذكر في الصوفية أبا بكر وعمر وعثمان وعلياَ وسادات الصحابة - رضي الله عنهم -، فذكر عنهم فيه العجب وذكر منهم شُريحاً القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السُّلميُّ في " طبقات الصوفية " الفُضيل وإبراهيم بن أدهم ومعروفاً الكَرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد.
فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد، ويدل على الفرق بينهما أن الزهد لم يذمه أحد، وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره...) انتهى موضع الشاهد منه.وكذلك يستشهدون ببعض الفقهاء والعلماء المتأخرين الذين عُرفوا بشيء من الميل إلى بعض أعمال الصوفية دون أن يدخلوا في فلسفتها المستوردة من خارج إطار الإسلام وعقائدهم الكفرية التي حلت مؤخراً محل زهد وورع وعبادة أولئك الزهاد والعباد المتقدمين. وإنما هم في الحقيقة أتباع الحلاج الزنديق، وأبي يزيد البسطامي الملحد، وابن عربي مجمع النفاق والباطنية بل المصرح بالكفر البواح في العديد من كتبه، ومكمل وضع عقيدة وحدة الوجود الكفرية والتي حكم مئات العلماء بكفره وأفتى معاصروه بقتله، وهم كذلك أتباع الدجاجلة من شيوخ الطرق الذين لا يمكن حصر كذبهم ودجلهم على الله - تعالى -ولا يتصور المسلم الذي لم تلوث فطرته مدى ما وصلوا إليه من الشطح والدعاوى التي هي مضادةٌ كل المضادةِ لدين الإسلام.
فإذا تكلم متكلم أو نقد ناقد على الصوفية ذهب وهل السامع إلى أنه ينتقص علماء الإسلام وزهاده وعباده؛ فمن أجل ذلك اخترت اسماً لا يمكن حمله إلا على طائفة المتصوفة الضالة أو على من هو مثلهم وأضل منهم من الشيعة والباطنية وهو اسم (القبورية) المشتق من القبور؛ لشدة تعلقهم بأربابها واعتمادهم على أصحابها وجعلهم وسائط بينهم وبين الله، كما جعل الوثنيون أوثانهم كذلك باقتراح ماكر خبيث من واضعي رسائل " إخوان الصفا " المعروفين بعدائهم للإسلام وعملهم على هدمه وإعادة الأمة إلى الوثنية من جديد. وقد شهد بذلك الفخر الرازي في عدة مواضع من تفسيره وفي كتابه " المطالب العالية " وقبله الغزالي في كتابه "المضنون به على غير أهله ".
فصفة القبورية لازمة لهم منحصرة فيهم ومن هو أشر منهم، لا يمكن إلصاقها بالأخيار من رجال القرون المفضلة، كما هو الحال في اسم (الصوفية).
الصوفية: ما عدا سمة القبورية، ما هي أبرز معالم الطريقة الصوفية بحضرموت، وخاصة موقعها من الفكر الصوفي الفلسفي؟
الشيخ أحمد المعلم: صوفية حضرموت المعاصرة كأي صوفية معاصرة في أي بلد من بلدان العالم الإسلامي، تشاركهم في معظم سماتهم، وتعتقد معظم عقائدهم، غير أنها والحق يقال أهون من غيرها من ناحيتين: الناحية الأولى أن أصحابها لا يتظاهرون بما يتظاهر به الآخرون من المجون والتهتك واختلاط الرجال بالنساء والمردان في حلقات ذكرهم ومواضع إقامة طقوسهم بالشكل الذي عليه صوفية بعض البلاد الأخرى، وإن كان يقع شئ من ذلك قديماً أثناء الزيارات الحولية للأولياء غير أنه ليس كما نقرأ عنه لدى غيرهم.
والثانية أن عقيدة وحدة الوجود والحلول والاتحاد لم تكن سمة ظاهرة لهم، وإن كان قد يجد الباحث في كلام بعضهم شيئاً من ذلك غير أن أسا طينهم يحذرون من الاشتغال بذلك وخصوصاً لمن كان مبتدئاً في الطريق.
ولكن ليس هذا عن قناعة ببطلان تلك العقائد وخروجها عن الإسلام وضلال أو كفر أصحابها، بل إنما هي سياسة تربوية يرونها حتى لا ينحرف بسببها المبتدئ من المريدين قبل أن يحكم ما يجب أ ن يحكمه قبل هذه المرتبة.
ومما يدل على ذلك ثناؤهم العاطر على كل أئمة تلك العقائد بدون استثناء، بل ودفاعهم عنهم وتصريحهم بولايتهم وإمامتهم في الدين، والشواهد على ذلك كثيرة في كتبهم.
أما ما عدا ذلك من عقائد وطقوس عبادية وسلوك فردي وجماعي وولاء وبراء وغير ذلك مما هو موجود لدى جماعات وطرق التصوف المعاصر فكل ذلك موجود لدى صوفية حضرموت في الغالب.
وأما الفكر الفلسفي فلا أظن أحداً منهم حسب الظاهر يُعَدُّ فيلسوفاً من فلاسفة التصوف غير أنهم يقلدون فلاسفة المتصوفة في فلسفتهم، وذلك بنشرها والعمل بموجبها تقليداً لأولئك الفلاسفة، فآثار الفلسفة موجودة لديهم ومؤثرة في عقائد بعضهم وأعمالهم، ويمكن أن تلحظ ذلك في بعض كتب العيدروس العدني والشيخ أبي بكر بن سالم.
ومما يجب معرفته أن جميع الطقوس والبدع في العبادات سواء ما كان منها مجرد سلوك ومجاهدات أو دعاوى ومقالات كل ذلك مرتبط بالفكر الفلسفي عَلِمه من علمه وجهله من جهله.
والمتأمل لكتابَي " نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام " للدكتور علي سامي النشار، وكتاب " الصلة بين التصوف والتشيع " للدكتور كامل مصطفى الشيـبي يتأكد من ذلك، إضافة إلى أن معظم كتابات المستشرقين عن التصوف تثبت ذلك وتؤكده، وشواهد ذلك موجودة في كتب الصوفية أنفسهم، ولصوفية حضرموت من ذلك حظ وافر.
والطريقة الصوفية العلوية - صوفية حضرموت - أخطر من غيرها من حيث سعة انتشارها وكثرة أتباعها: فهي الغالبة على مسلمي شرق آسيا وشرق أفريقيا وبعض مناطق أفريقيا الأخرى ولها وجود كبير في الهند، وقد وصل بعض أبناء أسرها إلى مناصب سياسية كبيرة في تلك البلاد فهناك ملوك ورؤساء ووزراء من أسر معروفة بتصوفها في بعض دول آسيا وأفريقيا. وهي بذلك تجمع بين السلطتين الروحية والسياسية.
الصوفية: البعض يصور أن الخلاف بين أهل السنة والصوفية هو فقط بعض البدع العملية كالموالد والسماع ونحوها فما رأيكم؟
الشيخ أحمد المعلم: إن تصوير بعض دعاة التصوف بأن المعركة بينهم وبين أهل السنة هي حول إقامة الموالد وبدع العبادات فقط، مغالطة كبيرة جداً وتدليس على الناس وكلام خارج موضوع النقاش، فأهل السنة يعتبرون مجرد إقامة الموالد لو كان كما تحدّث عنه المتقدمون قراءة للسيرة النبوية، و تذكير بمناقب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك الأوراد التابعة للصلوات أو للأذان، ورفع الصوت بالذكر ونحو ذلك يعتبرونه من البدع العملية التي لا تعدو أن تكون مكروهة أو محرمة ليس إلا.
ولكن المعركة الحقيقية هي في العقائد الزائغة والفلسفة الإلحادية أو الوثنية، التي هي أصل تلك البدع وأساسها، فكم لهم من عقائد باطلة في الله وفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفي أوليائهم وأقطابهم وفي منهج التلقي ومنهج السير إلى الله، كل تلك الجوانب مبنية عندهم على عقائد منحرفة وبعضها كفرية مجلوبة من غير المصادر الإسلامية، ثم إن من أدخلوها على المسلمين ألبسوها لباس الإسلام، وربطوها بالكتاب والسنة على طريقة التأويل الباطني، ثم إن أتباعهم ومعظمهم محبون للخير محسنون الظن بأولئك الزنادقة، اعتقدوا ذلك، وتوسعوا في جميع الشبهات المؤيدة لتلك العقائد فأعماهم التعصب الأعمى والتقليد المذموم عن التنبه لحقيقة الأمر وأصل تلك العقائد، وربما قسا عليهم بعض معارضيهم من أهل السنة؛ مما أوجد لديهم ردة فعل عنيفة جعلتهم في حالة المدافع المستميت عن نفسه وعما يعتقد أنه حق.
وإلا فإني متفائل غاية التفاؤل بأن أحدهم لو خلى بينه وبين الأدلة الصحيحة والبراهين الصريحة دون أن يشعر أنها حجج خصومه، لفهمها واقتنع بها وسلم لما تدل عليه من الحق.
الصوفية: يركز بعض رموز الصوفية على نوع خاص من الخطاب يحمل في طياته: أن التصوف معركته تربية الذات وجهاد النفس كبديل للخطاب الصحوي. فما رأيكم في هذه الشبهة؟ وهل ترون في خطاب الصحوة قصوراً في هذا الباب؟
الشيخ أحمد المعلم: إن منهج التصوف الفلسفي الطرقي منذ قرون وهو يركز على مجاهدة النفس حسب زعمهم والتخلي عن الدنيا، ويقصدون بمجاهدة النفس ترويضها وتزكيتها بما ابتدعوه من وسائل تزكية مجلوبة من خارج الإسلام من أمم الشرق والغرب التي اعتنت بالرياضة والمجاهدة حسب أديانها ومللها المختلفة، مع محاولة إظهارها بمظهر إسلامي مقبول، فهم من ذلك المنطلق ينطلقون وحوله يدورون مع التخلي عن كثير من فرائض الإسلام الكفائية وربما بعض الفرائض العينية، متخلون عن أي مساهمة إيجابية في مجتمعاتهم حتى في كسب معاشهم والسعي لإقامة حياة كريمة ينعم بها المجتمع فضلاً عن تخليهم عن الفرائض الكبرى مثل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعلم العلم وتعليمه، وإن ظهر من أفراد منهم خلاف ذلك فإنما هو على وجه الاستثناء وليس عل الأصل؛ مما أثار العلماء والمؤرخين ومخالفيهم عليهم، وفي نفس الوقت أفرح وأطمع الأعداء فيهم، وأكسبهم مودة وتقدير أولئك الأعداء؛ لما يحققونه لهم - ولو بغير قصد - من خدمات جليلة في جانب إخضاع الأمة الإسلامية لعدوها وعزوفها عن مقاومته.
وبينما نجد بعض المدافعين عنهم يحاول رفض هذه التهمة وردها بإبراز بعض النماذج التي كان لها مواقف مشرفة في الجهاد أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، حينما كانت الأمة تعد الجهاد فضيلة وميزة قبل الأحداث الأخيرة - إذ بنا نجد معظم رموز التصوف اليوم يعودون إلى الأصل ويحاولون أن يثبتوا لأمم الشرق والغرب المعادية للإسلام وأصوله العظيمة (مثل الجهاد)، أن التصوف يقوم على جهاد النفس وتربية الذات والتخلي عن جهاد الأعداء والإنكار عليهم أو بغضهم، وأن ذلك هو الإسلام الذي يدينون الله به، وهذه هي العلمانية بذاتها كما سبق وأن وصفتهم إحدى صحف لندن بقولها: (إن مدرسة علي زين العابدين الجفري - مدرسة التصوف الحضرمي - علمانية).
وعلى ذلك فخطابهم ذلك جاء موافقاً للحقيقة في شطره الأول.
وأما الشطر الثاني وهو أن الصحوة الإسلامية المعاصرة تقصر خطابها على جهاد ومقاتلة الأعداء وبغضهم فقط فهذا غير صحيح، فإن للصحوة منهجاً متكاملاً ولله الحمد، يوفر لأتباعه تربية الذات وجهاد النفس وإقامة الشريعة وحفظ العقيدة ونشرها والجهاد في سبيلها، فخطاب الصحوة خطاب شامل متكامل، يشمل ما يزعم الصوفية العناية به مع الانضباط بالمنهج الشرعي الصحيح، وزيادة جوانب التربية والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وسائر ما تحتاجه الأمة من أمر دينها ودنياها.