المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وقفات مع كتاب الزهري أحاديثه وسيرته "لبدر الدين الحوثي"


السيد الحسيني
25 Jan 2009, 08:46 AM
الحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله
وبعد:

فهذه دراسة يسيرة ومناقشة بسيطة لما كتبه بدر الدين الحوثي حول الإمام الزهري وأحاديثه

الحديث الأول:
قال الحوثي: أخرج البخاري(3/1127) ومسلم(3/1376) المسميان الصحيحين واللفظ لمسلم أخرج عن مالك عن الزهري أن مالك بن أوس حدثه، قال: أرسل إلي عمر بن الخطاب فجئته حين تعالى النهار، قال: فوجدته في بيته جالسا على سرير، مفضيا إلى رماله، متكئا على وسادة من أدم، فقال لي يا مال، إنه قد دف أهل أبيات من قومك وقد أمرت فيهم برضخ، فخذه فاقسمه بينهم، قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري ؟ قال خذه يا مال، قال: فجاء يرفا، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر، نعم. فأذن لهم فدخلوا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم. فأذن لهما، فقال عباس يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن، فقال القوم أجل يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وأرحهم، ( فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك) فقال عمر: اتئدا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث ما تركنا صدقة » قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث ما تركناه صدقة » قالا: نعم. فقال عمر إن الله عز و جل كان خص رسوله صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره، قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر:7]، ( ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا)، قال فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير، فو الله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي أسوة المال، ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون ذلك ؟ قالوا: نعم ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد به القوم، أتعلمان ذلك ؟ قالا: نعم. قال: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما نورث ما تركنا صدقة »، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبا بكر، فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم إني بار راشد تابع للحق، فوليتها، ثم جئتني أنت وهذا وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتما ادفعها إلينا، فقلت، إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك ؟ قالا: نعم قال ثم جئتماني لأقضي بينكما، ولا والله لا أقضي بينكما بغير ذلك، حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها إلي.

استنكار الحوثي لهذا الحديث.

قال الحوثي في كتابه الزهري أحاديثه وسيرته ص21: "هي نكارة مكشوفة عند من أنصف، وأهل السنة ينصون أن ظاهر الحديث لا يليق أن يصدر منه، ونزه عليا أن يكون فيه ما حمله الحديث" .

قلنا: الجواب على ما أنكره الكاتب هو:


أولا : أما ما نص عليه أهل السنة من أن الحديث لا يراد به ظاهره فقد تأولوه تأويلا لا يؤدي إلى إسقاط الحديث، أو الطعن في رواته لجلالتهم وحفظهم.

ثانيا: إن منهج أهل السنة يقوم على أساس أن لا عصمة لأحد إلا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبما أنا مأمورون بحسن الظن في الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فإن نقول: إن ما صدر من العباس نحو علي رضي الله عنهم أجمعين إنما صدر على جهة الإدلال على ابن أخيه؛ لأنه بمنزلة ابنه، وقال ما لا يعتقده وما يعلم براءة ذمة ابن أخيه منه، ولعله قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن قصد، ومن هنا فلا يصار إلى الطعن في أحد الرواة إلا إذا لم نستطع أن نوجه الحديث.

وأيضا إن هذه الحادثة حصلت بين يدي سادة الصحابة، باقي العشرة المبشرين بالجنة ولم ينكروا على العباس ذلك، وما ذلك إلا لأنهم فهموا بقرينة الحال أن العباس قال الذي قال في علي ما لا يعتقد ظاهره.

النكارات التي أوردها الحوثي:

حشد الكاتب على هذه الرواية نكارات كثيرة ليرد الحديث فمنها

النكارة الأولى : بقاء مالك بن أوس بعد أن استوفى غرضه من عمر، وكان من حقه الانصراف مباشرة بعد معرفة ما كلفه فيه عمر.
قلنا: هذه النكارة لا تصلح أن تكون قرينة لرد الحديث لأمور:
أولا: أن من الأدب أن لا يُنصرف من مجالس العلماء والولاة إلا بعد إذنهم، ولم يأذن له عمر بذلك.
ثانيا: أن الرواية أثبتت أن مالك بن أوس طلب من عمر أن يأمر آخر فيقوم مقامه، فبينما هم يتكلمون إذ جاء الرهط.
ثالثا: ذكر ابن عبد البر أن عليا والعباس دخلا وهما يستبان، فقطع عمر كلامه مع مالك بن أوس وقال لهما مه مه. التمهيد 6/162.

النكارة الثانية: أنه لم يروها إلا مالك بن أوس مع حضور من روايته عند الجمهور أفضل منه ص22.

هذه النكارة لا تقدح في الحديث عند من أنصف، لأن مالك بن أوس إما أن يكون من الصحابة فإنه عدل والطعن في تحمله وأداءه لا يجوز لعدالته، وتوثيق الله ورسوله له، وقد تفرد الصحابة رضوان الله عليهم بأحاديث كثيرة ك "إنما الأعمال بالنيات" تفرد به عمر، و"كبيع الولاء وهبته"، وغيرها من الأحاديث التي شهدها الكثير من الصحابة ثم لم يروها إلا القليل منهم. وإذا لم يكن مالك بن أوس صحابي فهو ثقة مأمون.

النكارةالثالثة: ص 22-23. أن الزهري تفرد بهذه الرواية عن مالك، مع شدة توفر الدواعي إلى نقل مثله، ومن أجل ذلك فأن الذين رووا هذه القصة عن الزهري كثير.

قلنا: ماذا يقصد الحوثي بالتفرد هنا؟ هل يقصد به التفرد بالرواية عن مالك بن أوس رحمه الله، وهو المتبادر إلى الأذهان، أو يقصد بالتفرد، تفرده بسياقة الحادثة، وطول القصة، فإن كان قصد التفرد بالرواية عن مالك بن أوس، فهذا باطل، لأن هذا الحديث روي عن مالك بن أوس رضي الله عنه من غير طريق الزهري رحمه الله كما أخرجه أحمد (1/49)، والنسائي(13/113) وغيرهما عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان.
وأخرجه أبو الشيخ مختصراً (ص78) ،عن عكرمة بن خالد، والزهري، وأبي الزبير، عن مالك بن
أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب.

وذكر ابن عدي في الكامل (4/22) أن هذا الحديث رواه الزهري وأبو الزبير وعكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثان، ومن هنا فإن الحافظ في الفتح (6/240) قال: تنبيه. ظن قوم أن الزهري تفرد برواية هذا الحديث، فقال: أبو علي الكرابيسي: أنكره قوم. وقالوا: هذا من مستنكر ما رواه بن شهاب، قال: فإن كانوا علموا أنه ليس بفرد فهيهات، وأن لم يعلموا فهو جهل، فقد رواه عن مالك بن أوس عكرمة بن خالد، وأيوب بن خالد، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم، وذكر نحو كلامه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/63) .

وإن كان قصد الحوثي بالتفرد، أن الزهري رحمه الله تعالى روى القصة بطولها عن مالك بن أوس، ولم يروها غيره كذلك، فالجواب:

أولا: أن الإمام أحمد والنسائي رويا من طريق عكرمة ما يؤيد ما رواه الزهري.

ثانيا: لا يلزم كل من سمع القصة أن يرويها بتمامها، سواء كان من الصحابة، أو ممن أتى من بعدهم، فربما أن الواحد ممن سمع القصة يذكر منها ما يريد أن يستشهد به، على أمر معلوم فيرويها الذي يرويها عنه بما سمع.

ثالثاً: أن الذين رووا القصة عن الزهري رحمه الله تعالى عدد كبير، ومن جملتهم عبد الرزاق الذي يحمل التشيع لآل البيت، فلم يطعن في رواية الزهري، ولم يشر أن الزهري أتى بها من عند نفسه ومن ضمن رواة هذا الحديث عن الزهري مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة رحمهما الله تعالى، وقد جعلتهما الزيدية من عداد رجالها فلو كان تفرد الزهري بهذا الحديث مما يعاب عليه، لنبها إلى ذلك أحدهما أو كلاهما.

أما قول الحوثي (ص 22): إن مالك بن أوس كان مظنة إشاعة الخبر لتبرئة الشيخين في الميراث.

فالجواب: إن مضمون هذا الحديث يعتبر محل اتفاق بين المسلمين إلا الشذاذ من الروافض الذين لا يعتبر بخلافهم، ولا يلتفت إلى مجانبتهم، ومن هنا فقد رواه جم غفير من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وأزواج النبي صلى الله عليه و سلم، وأبي هريرة، وحذيفة، فهو حديث صحيح متواتر.

فإذا كان رواة هذا الأثر أغلبهم من العشرة الذين بشروا بالجنة، فإن مالك بن أوس رحمه الله تعالى إنما روى بما سمع، ولم يتفرد هو برواية هذا الحديث حتى نجعله هو الذي أشاع في الناس هذا الحكم. وهذا الحديث يجرنا إلى نقطة مهمة وتحرير القول فيها، ألا وهي (مسألة ميراث النبي صلى الله عليه وآله وسلم).

من المعلوم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يخلقوا من أجل الدنيا وتجميعها، وإنما خلقوا من أجل الآخرة وهداية الناس إليها، وترغيبهم إلى الدخول في دين الله سبحانه ومن هنا فإن فاطمة رضي الله عنه بضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته جاءت إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله ميراثها من أبيها: فقال لها الصديق الأكبر رضي الله عنه،إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لانورث ما تركناه صدقة"، وتابعه على هذا الحكم أكابر الصحابة رضوان الله عليهم، كما مضى تقرير ذلك .

وهذا الحديث المتواتر الصحيح يخصص الأدلة العامة ، فلم يدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عموم تلك الأدلة بهذا الحديث، وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على عدم إرث النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وقد روى الكليني في كتابه الكافي(1/32) عن أبي عبد الله أنه قال: إن العلماء ورثة الأنبياء وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظا وافرا ، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه.

وأيّد ما ذهب إليه أبو بكر رضي الله عنه الإمام زيد حيث روي عنه أنه قال: أما أنا فلو كنت مكان أبى بكر رضي الله عنه، لحكمت بمثل ما حكم به أبو بكر رضي الله عنه في فدك، وهو المشهور من أقوال الإمام يحي بن حمزة، وصححه أحمد بن يحيى المرتضى.

وزيادة على ما مر، رضى فاطمة رضي الله عنها بما أخبرها به أبو بكر رضي الله عنه، من أن الأنبياء لا يورثون، كما روى أحمد (1/4) وأبو داود(2/159) وغيرهما عن أبي الطفيل، قال: أرسلت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أبي بكر. فقالت: مالك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أم أهله؟ قال: لا، بل أهله. قالت: فما بال سهم رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه، جعله للذي يقوم بعده، أنا أرده على المسلمين، فقالت: أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

أما قول الحوثي: إن حديث "لا نورث" بذر بذره أبو هريرة.

قلنا: قد بينا أن الذي رووه كثير، من جملتهم ابن عباس وعلي والعباس بن عبد المطلب، وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم، وهم الذين يهمهم هذا الشأن، لأنهم الورثة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إن زيدا وافق حكم أبي بكر، وهو الذي روته الشيعة عن الصادق.

ودعوى أن أبا هريرة رضي الله عنه هو الذي بذر هذا الأثر، فيه اتهام لعلي رضي الله عنه وسائر أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إذ كيف به سيبذر هذه البذرة ثم يأتي علي أو العباس أو نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيقولون بقوله، ويتابعونه على هذه الكذبة، ويروون هذه البذرة .

النكارة الرابعة: (ص24) من قرائن كذب الرواية، مناشدة عمر للرهط الأربعة... لأنه لا يخشى منهم كتمان الحديث.. وكان يكفي أن يقول: ألم تعلموا.

ولنا إن المناشدة تعنى أنه سألهم بالله واستحلفهم به، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا نورث، وهو من باب التوكيد، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك »، فهل يعني هذا أن الله تعالى سيخلف وعده، ولا ينصر جنده، أم أنه من باب الإلحاح في المسألة، وطلب النصر من الله تعالى.

ولعل مناشدة عمر للرهط، كان قبل أن يعرف مراد علي والعباس، بدليل أن من حضر من الصحابة قال لعمر رضي الله عنه: اقض بينهما، فتكون مناشدة عمر لهما بشأن الإرث من باب التقرير به وإقرارهم بذلك، ومعرفة موقف علي والعباس رضي الله عنهما من هذا القضية، بعد أن أبانها أبو بكر رضي الله عنه .

فإن قال قائل: فما معنى اختصام علي والعباس رضي الله عنهما عند عمر رضي الله عنه؟ بعد أن أوضح لهما أبو بكر رضي الله عنه أن الأنبياء لا يورثون، وأن ما تركوه صدقة.

قلنا: إن هذا الحديث له قضية خاصة به، ولم يذكر إرث الأنبياء فيه إلا لقصد التذكير به فقط، وزيادة في تقريره، وإلا فهو معلوم عند الكل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث، وعمر لما دفع لعلي والعباس بعض هذه الصدقة دفعها إليهما على أن يكونا مثلهما مثل العامل عليها، لا علي هيئة الإرث قال بعض أهل العلم: وإنما اختصما في قسمتها، وسألا عمر أن يقسمها بينهما نصفين، ليستبد كل واحد منهما بولايته، فلم ير عمر أن يوقع القسمة على الصدقة، ولم يطلبا قسمتها ليتملكا ذلك، وإنما طلبا القسمة لأنه كان يشق على كل واحد منهما ألا يعمل عملا في تلك الأموال حتى يستأذن صاحبه.

النكارة الخامسة: إن عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد لم يرو عنهم هذا الحديث إلا من طريق الزهري مما يدل على كذب الرواية.

فهذه النكارة الرد عليها مثل الرد على النكارة الثالثة التي أوردها الحوثي، وقد تم نقاشها هناك، فلا داعي إلى تكرارها.

والزهري رحمه الله تعالى روى الحادثة عن مالك بن أوس، الذي حضر مجلس عمر رضي الله عنه، وكان في المجلس قد حضره - لما جاء علي والعباس رضي الله عنهما يختصمان إليه- عبد الرحمن بن عوف، وعثمان، وسعد، والزبير، رضي الله عنهم أجمعين، فكان من عمر رضي الله عنه أن قررهم بقضية نفي الميراث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقروا بذلك، كما أقرا علي والعباس رضي الله عنهما بأن النبي صلى اله وعليه وآله وسلم لا يورث، فكان إقرارهم بعدم إرث النبي كالرواية عنهم، ولا يشترط أن هؤلاء الرهط الأربعة يروون هذه الحديث لكل الناس وفي كل المواطن، لشهرة مضمونها بين الصحابة رضوان الله عليهم، وعند الناس الآخرين.

النكارة السادسة: ص24-26 التناقض بين رواية الزهري ورواية عكرمة بن خالد، وذلك أن رواية الزهري ذكر فيها المناشدة من عمر، وإقرار علي والعباس، وأما رواية عكرمة ففيها أن هذه القضية أمر معلوم لهما.

هذه النكارة التي أورها الحوثي تؤيد ما ذهبنا إليه أن الزهري رحمه الله تعالى لم يتفرد بهذا الحديث، أما أن بين الروايتين تناقضا فإن عمر لما ناشد عليا والعباس رضي الله عنهما في قضية الميراث، ثم قال لهما: تعلمان ذلك، فقالا: نعم. دل على أن المناشدة صدرت منه تجاههما وهما عالمان بأن الأنبياء لا يورثون، كما صرح بذلك عكرمة بن خالد رحمه الله في روايته، إذا فلا تناقض بين الروايتين البتة، فرواية عكرمة بن خالد تعتبر اختصارا لرواية الزهري، ولم يذكر فيها المناشدة، وذكر في روايته حصول العلم عند علي والعباس رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث.

النكارة السابعة: (ص27) أن عمر رضي الله عنه ناشد عليا والعباس بقوله: أتعلمان أن رسول الله قال: لا نورث، فإذا كان قد علماه، فكيف رأيا أبا بكر كاذبا حين رواه.

قلنا: إن قول عمر رضي الله عنه لعلي والعباس رضي الله عنهما: فرأيتماه كاذبا...الخ معناه أنكما تعتقدان أن الواجب أن نفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر، فنحن على مقتضى رأيكما لو أتينا ما أتينا ونحن معتقدان ما تعتقدانه لكنا بهذه الأوصاف، أو يكون معناه أن الإمام إنما يخالف إذا كان على هذه الأوصاف، إذاً فهما لا يريدان حقيقة ما قاله عمر.

النكارة الثامنة: إن قول الزهري فقلتما ادفعها إلينا، وكذلك إن شئتما دفعتها، فهذا إقرار للإرث وإنما يوجب عليهما التصدق بالفاضل، لأن المال قد أصبح نصيبهما، ولهما التصرف فيه كالنبي.

ينبغي أن يعلم أن هذا المال صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليس ميراثا لأحد، ولذلك منع أبو بكر رضي الله عنه أن يدفعه لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى العباس رضي الله عنهما، وعمر رضي الله عنه لما دفع إليهما هذا المال كان فيه مجتهدا، ودفعه لهما بشرط أن يكونا كالعاملين عليه.

ومما يدل على ذلك أن عليا والعباس رضي الله عنهما أنهما عادا إلى عمر وهما يختصمان، كما بين اختصامهما هذا الحديث الذي معنا، ويريدان من عمر رضي الله عنه كما بينته الرواية أن يقسم بينهما هذا المال فأبي أن يقسم بينهما هذا المال، وما ذلك إلا حسما لهذه النقطة، وعملا بأن الأنبياء لا يورثون.

ثم إنه لو كان هذا إقرارا للإرث، ثم إن عليا رضي الله عنه حصل منه أنه استبد عن العباس ذلك المال
وحصل من العباس أنه قال ما قال في علي رضي الله عنه، كان علي إذا مستبدا على حق لا يملكه وحده، وكيف سيعطى المال عليا والعباس، ونساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعطيْن من الإرث شيئا، فهل نظن أن الصحابة عليا والعباس وعمر والباقين اجتمعوا على الظلم، وقسموا أموال رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم، ولم يعطوا نسائه شيئا حتى مساكنهن بعد أن رحلن عن الدنيا لم يرثها أحد من ورثتهن.

وأولاد فاطمة لم يطالبوا بهذا الحق لا من عمر ولا من أبي بكر ولا من غيرهما ولم يحصل من علي رضي الله عنه أنه في أيام خلافته تطرق إلى هذا المال أن يوزعه على هيئة الميراث، ولا حتى ساور نفسه على ذلك.

وخلاصة القول: إن ما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أفاء الله عليه من أرض فدك أو خمس خيبر أو ما كان في المدينة، فهو خالص لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعده يوزع توزيع مال الله، بعد أن تعطى نسائه نصيبهن منه، ويتولاه الخليفة من بعده وهلم جرا، وهو الذي كان ساريا في عهد الخلافة الراشدة من بعده .

والغرض من إيراد هذه الرواية هو التفاهم الذي كان جاريا بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وقبولهم للحق، وليس فيها ما أورده الكاتب من أن الغرض منها تصغير شأن علي رضي الله عنه، فعلي رضي الله عنه كما بيناه لم يأت كما فهمه الكاتب طالبا لميراث زوجته من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما كان مجيئه ليقسم بينه وبين العباس تلك الصدقات.

الفارس
27 Jan 2009, 10:28 AM
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

الأسيف
27 Jan 2009, 08:32 PM
شكراً لك أخي السيد الحسيني على هذه الدرر والردود القوية

أرجو أن تواصل الردود وفقك الله

شوقي لصنعاء
17 Mar 2009, 10:30 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تسجيل متابعة لهذا البحث الهام
ارجو مواصلته