حفيد الصحابة
04 Sep 2010, 06:18 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الصلاة و السلام على رسولنا و على اله الطيبين و صحابته اجمعين .
اللهم ارض عن ابي بكر الصديق و عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و على بن ابي طالب والحسن و الحسين و فاطمة الزهراء و عائشة بنت ابي بكر الصديق و حفصة بنت عمر بن الخطاب و على جميع الصحابة و امهات المؤمنين.
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
الأجوبة السنية عن الشبهات الشيعية
محمد بن عبد العزيز المسند
اللهم صل على محمد وآل محمد.
أطرح على الدكتور أدلة في خلافة الإمام علي - عليه السلام -، وأرجو منه أن يتكرم علينا بتفنيد هذه الأدلة:
قال الله - سبحانه - في محكم كتابه الكريم: ((أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) (النساء: 59).
السؤال الذي يطرح نفسه من هو هذا الولي الذي أمرنا الله بطاعته المطلقة بحكم أنه معطوف على الله ورسوله، وكلنا نعلم أن الله طاعته مطلقة وكذلك طاعة رسوله وأن الولي عُطف على الله ورسوله بالواو، والواو أداة عطف تفيد (مطلق الجمع) إذن هذا الولي طاعته مطلقة.
والبعض يقول أن طاعة ولي الأمر هنا ناقصة متبجحا بفكرة أوهى من بيت العنكبوت، حيث يقول: لماذا لم يقل الله جل شأنه: ((أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) ولكنه ذكر الطاعة فقط له ولرسوله! إذن هذا يلزم أن الطاعة المطلقة له وللرسول فقط وليست للولي لأنها مجرد معطوف؟! هذه حجة من قبيل المغالطة. كلنا يعلم أن ولاية الرسول صلوات الله وسلامه عليه وآله ولاية مطلقة فلماذا لم يقل الله - سبحانه - في الآية الكريمة ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ)) (المائدة: 55). واكتفى بعطف الولاية على رسوله وعلى الذين آمنوا؟ !
إذن العطف كافٍ بحكم أن الواو العاطفة - كما يقول النحويون - تفيد مطلق الجمع.
ولكن ما هو سبب تخصيص الله جل شأنه لنفسه طاعة، للنبي صلوات الله عليه وآله طاعة أخرى؟ ! الجواب: طاعة الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآية هي طاعة تعبدية، ولكن طاعة النبي صلوات الله عليه وآله طاعة اتباعية. وفرق آخر بين الطاعتين: أن طاعة النبي صلوات الله عليه وآله فرع من طاعة الله، أي أن طاعة الله هي الأصل.
نعود إلى سؤالنا: من هو هذا الولي الذي أمرنا الله بطاعته بالإطلاق؟! نجد جواب هذا السؤال في نفس القرآن الكريم، حيث يقول الله - سبحانه وتعالى -: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)).
لقد ترك الله لنا علامة تميز الولي عن غيره من الناس، وهذه العلامة هي: أن الولي هو الذي أتى بالزكاة في لحظة ركوع ولقد أكد المفسرون أجمعهم "سنة وشيعة" بأن هذه الآية نزلت في أبي الحسن صلوات الله وسلامه عليه"1"، إذن علي بن أبي طالب - عليه السلام - هو ولي الله، وهو الذي أوجب الله طاعته. ولك أن تقرأ هذا الحديث الذي قاله رسول الله صلوات الله عليه وآله: ((عن أبي ذر رضي الله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصي الله ومن أطاع عليا فقد أطاعني ومن عصي عليا فقد عصاني))[1].
ورب قائل يقول معترضا: أن الولاية هي المحبة والنصرة، بدليل قوله جل شأنه: "يا أيها الذي آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"
هذه الحجة خاطئة لكونها ناقصة، فالولاية لها معانٍ كثيرة جدا، ومن ضمن معانيها هي المحبة والنصرة، ولكن لماذا حصر المعترض الولاية في المحبة والنصرة؟!
والجواب على هذه الشبهة أقول: لقد فسر اللغويون كلمة ولي -: الوالي وهو اسم الله، ووليته أي أمرته، وتولى أي أدبر، واستولى أي بلغ الغاية، والمولى هو الرئيس، والولي هو النصير، ولي الأمر أي صاحب الأمر ووو إلخ.
إذن نفهم أن الولي بإلإصطلاح المنطقي والأصولي هي "لفظ مشترك"، ولهذا فهي تحتاج لقرينة مُعيِّنة تحدد المعنى المقصود. فماهي قرينة المعترض في كون الولاية هنا محصورة في النصرة والمحبة؟! بكل بساطة لا توجد قرينة مُعيِّنة، ولكن توجد دلالة تدعم رأينا وهي: من الواضح أن ولاية الله معطوفة على الرسول وعلى الولي، والعطف هنا كما قال اللغويون تفيد "مطلق الجمع" إذن كل معنى كامن في ولاية الله هو لرسوله وأيضا هو لوليه.
وسؤال أطرح على المعترض: هل ولاية الله جل شأنه منحصرة فقط في المحبة والنصرة؟! من الجهل أن نقول بالإيجاب.
ثانيا السنة هي من تفسر القرآن، فماذا قالت السنة؟! لقد قالت: أن الرسول صلوات الله عليه وآله وقف بغدير خم وهو رافع يد علي بن أبي طالب - عليه السلام - وهو يقول: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم إذن من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر معه الحق حيثما دار، حتى قال عمر لعلي، بخ بخ يابن أبي طالب صرت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة!)"3"
ثالثا: ليسمح لي المعترض أن أطرح عليه سؤالي آخر: لقد قال الرسول صلوات الله عليه وآله ((علي وهو وليكم بعدي وإنه مني وأنا منه))[2].
يا حضرة المعترض، هل محبة علي بن أبي طالب - عليه السلام - ونصرته، فقط بعد وفاة النبي؟! "مالكم كيف تحكمون" أليست المحبة والنصرة هي عامة لكل المؤمنين بدليل قوله - تعالى -: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)) فلماذا كل هذا العناء الذي يبديه الرسول صلوات الله عليه وآله حيث أنه قطع عشرات الكيلومترات في حر الشمس ليذهب غدير خم ليؤكد ويثبت الولاية لعلي - عليه السلام - مادامت هي أمر عام وليس بخاص؟! ألا تعتقد أن هذا من اللهو والعبث! فبالتالي هي منقصة في رسول الله!
دليل آخر
أيضا وأكثر وضوحا من الدليل السابق، لقد قال رسول الله صلوات الله عليه وآله - كما يخبرنا البخاري - لعلي بن أبي طالب - عليه السلام - ((أما ترضى أنتكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي من بعدي))[3].
أقول: فماذا كانت منزلة هارون من موسى؟! نجد الجواب في القرآن الكريم: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)) (طه: 25-32).
إذن لقد ورث علي - عليه السلام - من هارون كل المنازل سوى النبوة، ومن ضمن هذه المنازل هي الخلافة والوصاية والأمر الذي من أجله بعث رسول الله صلوات الله عليه وآله، ولا أظن أن هذا الكلام يحتاج لشرح؛ ليفهم القارئ أكثر ويعي ما أراد الله ورسوله!!
فهل من مناظر يفند ما أوردته من أدلة دامغة
والسلام عليكم جميعاً
الجواب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغرّ الميامين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)) (الحشرة: 10).
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه..
أما بعد، فلقد اطلعت على هذا التقرير الذي يفيد أحقيّة عليّ - رضي الله عنه - بالخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإبطال خلافة الأئمة الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان خلافاً لما عليه أهل السنّة والجماعة وسلف الأمّة - رضي الله عنهم - جميعاً - والجواب عنه في النقاط التالية:
أوّلاً: الاستدلال بقوله - تعالى -: ((وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) (النساء: 59).
مردود من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ الصحابة جميعاً الذين نزل عليهم القرآن - ومنهم عليّ وسلمان وعمّار والمقداد.. لم يفهموا من هذه الآية ما فهمت، ولو فهموا ذلك لما أجمعوا على بيعة أبي بكر الصدّيق - رضي الله عنه - ورضوا به.. فإن قلت إنّهم فهموا ولكنّهم خالفوا القرآن وخانوا الأمانة، فقد طعنت في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ هو الذي ربّاهم وعلّمهم، أفيعقل أن تكون هذه هي نتيجة التربية النبوية؟!!!.
الوجه الثاني: أنّ هذا التفسير لم يقل به أحد من المفسّرين المعتمدين، لا من الأوّلين ولا من الآخِرين!!!.
الوجه الثالث: تخصيص الطاعة بالله وبالرسول دون أولي الأمر يدلّ على أنّ طاعة أولي الأمر غير مطلقة، بدليل تمام الآية: ((فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)).
فجعل الردّ عند التنازع إلى الله والرسول دون أولي الأمر، ولو كانت طاعة أولي الأمر مطلقة لجعل الردّ إليهم مع الله والرسول.
الوجه الرابع: أنّ الله قال: ((وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) والمراد - كما هو ظاهر - كلّ من تولّى أمر المسلمين من الخلفاء والحكّام الذين يحكمون بشرع الله، ولو كان المراد علياً وحده - رضي الله عنه - لقال (ووليّ الأمر منكم)، كما أفرد الله والرسول.
الوجه الخامس: الاستدلال بأنّ المراد بأولي الأمر في هذه الآية تفسّره آية المائدة: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) (المائدة 55: ) مردود من وجوه كما سيأتي.
الوجه السادس: التفريق بين الطاعتين بأنّ الأولى تعبّدية والثانية اتباعية؛ لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، بل لا معنى له، فإنّ الاتباع عبادة، ولذا جاء في بعض الآيات توحيد الطاعة لله والرسول كما في قوله - تعالى -: ((قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ)) (آل عمران: 32).
وقوله - سبحانه -: ((مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ)) (النساء: 80).
الوجه السابع: أنّ طاعة الرسول ليست مطلقة، بل هي مقيّدة بالمعروف، كما في قوله - تعالى -في بيعة النساء: ((وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)) (الممتحنة: 12).
فإذا كانت طاعة الرسول ليست مطلقة، فكيف تكون طاعة أولي الأمر مطلقة؟!!.
وبناء على هذه الوجوه، فليس هناك وليّ تجب طاعته على الإطلاق، حتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما في الآية السابقة وغيرها.
أمّا تفسير أولي الأمر في هذه الآية بآية المائدة، وأنّ المقصود بها هو عليّ - رضي الله عنه - فهو مردود من وجوه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كتابه القيّم (منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية)، وهذه الوجوه هي:
الوجه الأوّل: أنّ الحديث المروي في تفسير هذه الآية (وهو تصدّق عليّ وهو راكع) كذب باتّفاق أهل العلم بالنقل. وكذبه بيّن من وجوه، منها:
* أنّ قوله - تعالى -في الآية (الذين) صيغة جمع، وعليّ واحد.
* أنّ الواو في قوله: (وهم راكعون) ليست واو الحال، إذ لو كانت كذلك لكان لا يسوغ للمؤمنين أن يتولّوا إلاّ من أعطى الزكاة وهو راكع، وهذا بيّن البطلان.
* أنّ الثناء إنّما يكون على عمل واجب أو مستحبّ، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجباّ ولا مستحبّاً باتّفاق علماء الملّة.
* أنّه لو كان إيتاء الزكاة في الصلاة حسناً، لم يكن فرق بين حال الركوع وغيره، بل إيتاؤها في القيام والقعود أولى.
* أنّ عليّاً لم يكن عليه زكاة على عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنّه كان فقيراً.
* أنّ إيتاء غير الخاتم في الزكاة، خير من إيتاء الخاتم، فإنّ أكثر الفقهاء يقولون: لا يجزىء الخاتم في الزكاة.
* أنّ هذا الحديث فيه أنّه أعطاه لسائل، والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداءً على الفور، ولا ينتظر أن يسأله سائل.
* أنّ الألفاظ المذكورة في الحديث ممّا يُعلم أنّها كذب على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنّ عليّاً ليس قائد البررة، ولا هو أيضاً قاتلاً لكلّ الكفرة، بل قتل بعضهم، كما قتل غيره بعضهم. وكذلك قوله (منصور من نصره، ومخذول من خذله) هو خلاف الواقع، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا يقول إلاّ حقّاً، لا سيّما وأنّهم يدّعون أنّ الأمة كلّها قد خذلت عليّاً إلى قتل عثمان. وإنّ من المعلوم أنّ الأمّة كانت منصورة في أعصار الخلفاء الثلاثة نصراً لم يحصل لها بعده مثله.
وهكذا سائر ألفاظ الحديث، فإنّ أمارات الوضع بادية عليها، لمن له أدنى أثارة من علم.
الوجه الثاني: أنّ سياق الكلام في هذه الآية، وما قبلها، وما بعدها، إنّما هو في النهي عن موالاة الكفّار، والأمر بموالاة المؤمنين، ويوضّح ذلك سبب النزول، فإنّها نزلت في بعض المنافقين الذين يوالون اليهود، ويقولون إنّا نخاف الدوائر. فقال بعض المؤمنين: إنّا نتولّى الله ورسوله، ونبرأ إلى الله ورسوله من هؤلاء الكفّار وولايتهم [4]وهذه الآية عامّة في جميع المؤمنين المتّصفين بهذه الصفات. لا تختصّ بواحد بعينه.
الوجه الثالث: أنّ هذه الآية بمنزلة قوله - تعالى -: ((وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ)) (البقرة: 43).
فهذا أمر بالركوع، والمقصود صلاة الجماعة، وإنّما خصّ الركوع بالذكر، لأنّ الجماعة إنّما تدرك بالركوع كما صحّ بذلك الحديث [5]
الوجه الرابع: أنّ غاية ما في الآية أنّ المؤمنين عليهم موالاة الله ورسوله والمؤمنين، فيوالون عليّاً، ولا ريب أنّ موالاة عليّ واجبة على كلّ مؤمن، كما يجب على كلّ مؤمن موالاة أمثاله من المؤمنين، قال - تعالى -: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)) (التوبة: 71).
فجعل كلّ مؤمن وليّاً لكلّ مؤمن، وذلك لا يوجب أن يكون أميراً عليه معصوماً، لا يتولّى عليه إلاّ هو.
الوجه الخامس: أنّهم لم يفرّقوا بين الوَلاية (بالفتح)، والوِلاية (بالكسر).
فالأولى: ضدّ العداوة، وهي المذكورة في الآية، وليست هي الوِلاية (بالكسر) التي هي الإمارة.
فالآية إنّما دلّت على الموالاة المخالفة للمعاداة، الثابتة لجميع المؤمنين، بعضهم على بعض. ولم تدلّ على أنّ أحداً منهم يكون أميراً على غيره، إذ لفظ الوليّ والولاية، غير لفظ الوالي. والآية عامّة في المؤمنين، والإمارة لا تكون عامّة.
الوجه السادس: أنّه لو أراد الولاية التي هي الإمارة، لقال: إنّما يتولّى عليكم الله ورسوله والذين آمنوا، ولم يقل: ومن يتولّ الله ورسوله.. فإنّه لا يُقال لمن ولي عليهم إنّهم تولّوه، بل يُقال: تولّى عليهم.
الوجه السابع: أنّ الله - سبحانه - لا يوصف بأنّه متولّ على عباده، فإنّه - سبحانه - خالقهم، ورازقهم، وربّهم، ومليكهم، له الخلق والأمر. وأمّا الولاية التي هي ضدّ العداوة؛ فإنّه يتولّى عباده المؤمنين، فيحبّهم، ويحبّونه، ويرضى عنهم، ويرضون عنه. وهذه الولاية من رحمته، وإحسانه، ليست كولاية المخلوق للمخلوق، لحاجته إليه.
الوجه الثامن: أنّه ليس كلّ من تولّى عليه إمام عادل، يكون من حزب الله، ويكون غالباً، فإنّ أئمّة العدل يتولّون على المنافقين، والكفّار. ولو أراد الإمارة في الآية، لكان المعنى أنّ كلّ من تأمّر عليهم الذين آمنوا، يكونون من حزبه الغالبين، وليس هذا هو المراد[6].
أمّا دعوى الإجماع على أنّها نزلت في عليّ، فقد أجاب عنها الشيخ من وجوه:
أحدها: أنّ مجرّد نقل الإجماع من غير العالمين بالمنقولات، الصادقين في نقلها، ليس بحجّة باتّفاق أهل العلم.
الثاني: أنّ قولهم: قد أجمعوا أنّها نزلت في عليّ، من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في عليّ بخصوصه، وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة. وأجمع أهل العلم بالحديث على أنّ القصّة المرويّة في ذلك، من الكذب الموضوع، وأمّا ما ينقله من تفسير الثعلبيّ، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أنّ الثعلبيّ روى طائفة من الأحاديث الموضوعات، كالحديث الذي يرويه في أوّل كلّ سورة، عن أبي أمامة في فضل تلك السورة، وكأمثال ذلك. ولهذا يقولون هو كحاطب ليل.. مع أنّ الثعلبيّ فيه خير ودين، لكن لا خبرة له بالصحيح والسقيم من الأحاديث، ولا يميّز بين السنّة والبدعة في كثير من الأقوال.
الثالث: أنّ هؤلاء المفسّرين الذين ينقل عنهم من كتبهم، هم ومَن هم أعلم منهم، قد نقلوا ما يناقض هذا الإجماع المدّعى، فقد نقل الثعلبيّ في تفسيره أنّ ابن عبّاس قال: نزلت في أبي بكر. كما نقل أقوالاً أخرى عن بعض السلف أنّ الآية عامّة في المؤمنين، وعليّ منهم.
الرابع: قال الشيخ: إنّا نعفيه [أي مدعي الإجماع] من إثبات الإجماع، ونطالبه أن ينقل ذلك بإسناد واحد صحيح، وهيهات [7]. انتهى كلام الشيخ
وبهذا يتبين بطلان الاستدلال بهذه الآيات على ما ذهب إليه الشيعة الإمامية من الطعن في إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وقصرها على عليّ وحده.
أمّا الأحاديث التي أوردها هذا المناظر؛ فالجواب عنها من وجهين، أحدهما مجمل، والآخر مفصّل..
أمّا المجمل، فيقال:
أوّلاً: هذه الأحاديث منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف وموضوع، وليس كلّ ما يذكر في كتب أهل السنّة يكون صحيحاً مقبولاً، كما أنّه ليس كلّ ما يذكر في كتب الإمامية يكون صحيحاً، ونحن إذا احتججنا عليهم ببعض ما في كتبهم قالوا: ليس كلّ ما في كتبنا صحيح، فكذلك نحن نقول.
وثانياً: إذا احتججتم ببعض ما في كتب أهل السنّة - لا سيما الصحيح منها - فعليكم أن تقبلوا غيرها من الأحاديث الصحيحة، أمّا الانتقاء وأخذ ما يوافق الهوى والمذهب، وترك ما لا يوافقهما، فهذا منهج مرفوض وغير علمي، وأنا أستطيع أن أذكر لكم من الأحاديث الصحيحة الثابتة في فضل أبي بكر الصدّيق والفاروق عمر وعثمان - رضي الله عنهم - ما يفوق ما هو مذكور في فضل عليّ - رضي الله عنه -.
وثالثاً: الأحاديث الصحيحة التي يستدلّ بها الإمامية على بطلان إمامة الثلاثة، وإثبات أحقيّة عليّ بالإمامة قبلهما، أحاديث محتملة وغير صريحة فهي من المتشابه الذي نهى الله عن اتباعه في مقابل ترك المحكم الواضح الصريح، وقد جعل الله ذلك سمة لمن في قلبه زيغ وذلك في قوله - سبحانه -: ((فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ)) (آل عمران: 7).
وأمّا التفصيل،
فحديث: ((اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)) كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، فليس هو في كتب أهل السنّة الصحيحة.
وأمّا قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) فليس في كتب الصحاح.
لذا اختلف أهل العلم في تصحيحه، فضعفّه بعضهم كالإمام البخاري وغيره. وحسّنه آخرون كالإمام أحمد. وعلى فرض صحّته فلا يدلّ على ما ذهب إليه هذا المناظر، وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث فذكر أنّه (إن كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قاله، فلم يرد به - قطعاً - الخلافة بعه، إذ ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلّغ بلاغاً مبيناً، وليس في الكلام ما يدلّ عليه دلالة بينة على أن المراد به الخلافة و ذلك أن المولى كالوليّ والله - تعالى -قال: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا.. ) وقال: (وإن تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) فبيّن أنّ الرسول وليّ المؤمنين، وأنهم مواليه أيضا، كما بين أنّ الله وليّ المؤمنين، وأنهم أولياؤه، وأنّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فالموالاة ضدّ المعاداة، و هي تثبت من الطرفين، وإن كان أحد المتواليين أعظم قدراً، وولايته إحسان وتفضّل وولاية الآخر طاعة وعبادة، كما أنّ الله يحب المؤمنين والمؤمنون يحبونه، فإنّ الموالاة ضدّ المعاداة والمحاربة والمخادعة. والكفار لا يحبون الله ورسوله، ويحادّون الله ورسوله، ويعادونه، وقد قال - تعالى -: (لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء) وهو يجازيهم على ذلك كما قال - تعالى -: (فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله.. ) وهو وليّ المؤمنين، وهو مولاهم يخرجهم من الظلمات إلى النور، وإذا كان كذلك؛ فمعنى كون الله وليّ المؤمنين ومولاهم وكون الرسول وليهم ومولاهم وكون علي مولاهم، هي الموالاة التي هي ضد المعاداة، والمؤمنون يتولون الله ورسوله الموالاة المضادة للمعاداة، وهذا حكم ثابت لكل مؤمن، فعلي - رضي الله عنه - من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه، وفي هذا الحديث إثبات إيمان علي في الباطن والشهادة له بأنه يستحق الموالاة باطناً وظاهراً، وذلك يردّ ما يقوله فيه أعداؤه من الخوارج والنواصب، لكن ليس فيه أنّه ليس للمؤمنين مولى غيره، فكيف ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - له موالي وهم صالحو المؤمنين، فعلي أيضاً له مولى بطريق الأولى والأحرى، وهم المؤمنون الذين يتولّونه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنّ أسلم و غفاراً ومزينة وجهينة وقريشاً والأنصار ليس لهم مولى دون الله ورسوله))، وجعلهم موالي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما جعل صالح المؤمنين مواليه، والله ورسوله مولاهم. وفي الجملة: فرق بين الولي والمولى ونحو ذلك، وبين الوالي، فباب الولاية التي هي ضد العداوة شيء، وباب الولاية التي هي الإمارة شيء. والحديث إنما هو في الأولى دون الثانية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: (من كنت واليه فعلي واليه) وإنما اللفظ: (من كنت مولاه فعليّ مولاه))، وأمّا كون المولى بمعنى الوالي فهذا باطل فإنّ الولاية تثبت من الطرفين فإنّ المؤمنين أولياء الله وهو مولاهم وأمّا كونه أولى بهم من أنفسهم فلا يثبت إلا من طرفه - صلى الله عليه وسلم -، وكونه أولى بكل مؤمن من نفسه من خصائص نبوته، ولو قُدّر أنّه نصّ على خليفة من بعده لم يكن ذلك موجباً أن يكون أولى بكل مؤمن من نفسه، كما أنّه لا يكون أزواجه أمّهاتهم، ولو أريد هذا المعنى لقال: من كنت أولى به من نفسه؛ فعليّ أولى به من نفسه. وهذا لم يقله ولم ينقله أحد، ومعناه باطل قطعاً لأنّ كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بكلّ مؤمن من نفسه، أمر ثابت في حياته و مماته، وخلافة عليّ لو قُدّر وجودها، لم تكن إلا بعد موته، لم تكن في حياته، فلا يجوز أن يكون عليّ خليفة في زمنه، فلا يكون حينئذ أولى بكلّ مؤمن من نفسه، بل ولا يكون مولى أحد من المؤمنين إذا أريد به الخلافة، وهذا ممّا يدلّ على أنّه لم يرد الخلافة، فإنّ كونه وليّ كلّ مؤمن؛ وصف ثابت له في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتأخر حكمه إلى الموت، وأمّا الخلافة فلا يصير خليفة إلا بعد الموت، فعُلم أنّ هذا ليس هذا. وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم في حياته وبعد مماته إلى يوم القيامة، وإذا استخلف أحداً على بعض الأمور في حياته، أو قُدّر أنّه استخلف أحداً على بعض الأمور في حياته، أو قُدّر أنّه استخلف أحداً بعد موته وصار له خليفة بنصّ أو إجماع؛ فهو أولى بتلك الخلافة وبكلّ المؤمنين من أنفسهم، فلا يكون قط غيره أولى بكلّ مؤمن من نفسه لا سيما في حياته. وأمّا كون عليّ وغيره مولى كلّ مؤمن، فهو وصف ثابت لعليّ في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد مماته وبعد ممات عليّ، فعليّ اليوم مولى كلّ مؤمن، وليس اليوم متولّياً على الناس، وكذلك سائر المؤمنين بعضهم أولياء بعض أحياءً وأمواتاً) منهاج السنّة النبوية: 4/ 86، 87، المكتبة العلمية بيروت.
وأمّا حديث: ((عليّ وليكم من بعدي.. )) فهو كذب، فالحديث في سنده (أجلح الكندي) وهو شيعي كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب، ولا تقبل رواية الشيعي فيما يتعلّق بفضائل عليّ - رضي الله عنه -، لا سيما فيما يخالف إجماع أهل السنّة، ومسند أحمد ليس كلّ ما فيه صحيح كما هو معلوم عند أهل العلم بالحديث. كما أنّ الحديث فيه الطعن في أمانة عليّ - رضي الله عنه - حيث ذُكر أنّه اصطفى امرأة من السبي لنفسه، وهذا غير لائق به، ولا يرضاه شيعي حرّ أبيّ.
وأمّا حديث: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) وقول المناظر إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت لعليّ - عليه السلام - جميع منازل هارون من موسى - عليه السلام - إلا النبوّة.. أقول: إنّ هذا الحديث لا يمكن أن يفهم إلا في السياق الذي ورد فيه، والسبب الباعث له، وقد بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه فقال: (إنّ هذا الحديث ثابت في الصحيحين بلا ريب وغيرهما، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ذلك في غزوة تبوك، وكان - صلى الله عليه وسلم - كلّما سافر في غزوة أو عمرة أو حجّ يستخلف على المدينة بعض الصحابة كما استخلف على المدينة في غزوة ذي أمر: عثمان، وفي غزوة بني قينقاع: بشير بن عبد المنذر. ولما غزا قريشاً ووصل إلى الفرع، استعمل ابن أم مكتوم، وذكر ذلك محمد بن سعد وغيره. وبالجملة فمن المعلوم أنّه كان لا يخرج من المدينة حتى يستخلف، وقد ذكر المسلمون من كان يستخلفه، فقد سافر من المدينة في عمرتين: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وفي حجّة الوداع، وفي مغازيه أكثر من عشرين غزاة، وفيها كلّها استخلف، وكان يكون بالمدينة رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه، فلمّا كان في غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلّف عنها، وهي آخر مغازيه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلّف عنه إلا النساء و الصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو من هو منافق، و تخلّف الثلاثة الذين تيب عليهم، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف عليهم في كلّ مرّة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه، لأنّه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحداً، كما كان يبقى في جميع مغازيه، فإنّه كان يكون بالمدينة رجال كثيرون من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم من يستخلف فكلّ استخلاف استخلفه في مغازيه مثل استخلافه في غزوة بدر الكبرى والصغرى، وغزوة بني المصطلق والغابة و خيبر وفتح مكة وسائر مغازيه التي لم يكن فيها قتال، ومغازيه بضع عشرة غزوة، و قد استخلف فيها كلّها إلا القليل، وقد استخلف في حجّة الوداع وعمرتين قبل غزوة تبوك، وفي كلّ مرّة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك فكان كلّ استخلاف قبل هذه يكون عليّ أفضل ممّن استخلف عليه علياً فلهذا خرج إليه عليّ - رضي الله عنه - يبكي، وقال أتخلّفني مع النساء و الصبيان؟ و قيل إنّ بعض المنافقين طعن فيه وقال أنما خلّفه لأنّه يبغضه، فبيّن له النبي - صلى الله عليه وسلم - أني إنما استخلفتك لأمانتك عندي، وأنّ الاستخلاف ليس بنقص ولا غضّ فإنّ موسى استخلف هارون على قومه، فكيف يكون نقصاً، وموسى يفعله بهارون فطيب بذلك قلب علي، وبين أنّ جنس الاستخلاف يقتضي كرامة المستخلَف وأمانته، لا يقتضي إهانته ولا تخوينه، وذلك لأنّ المستخلف يغيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - و قد خرج معه جميع الصحابة. والملوك وغيرهم إذا خرجوا في مغازيهم أخذوا معهم من يعظم انتفاعهم به ومعاونته لهم، ويحتاجون إلى مشاورته والانتفاع برأيه ولسانه ويده وسيفه. والمتخلّف إذا لم يكن له في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا كلّه فظنّ من ظنّ أنّ هذا غضاضة من علي ونقص منه وخفض من منزلته حيث لم يأخذه معه في المواضع المهمة التي تحتاج إلى سعي واجتهاد، بل تركه في المواضع التي لا تحتاج إلى كثير سعي و اجتهاد فكان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينا أنّ جنس الاستخلاف ليس نقصاً، ولا غضّاً إذ لو كان نقصاً أو غضّاً لما فعله موسى بهارون ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون، لأنّ العسكر كان مع هارون و إنما ذهب موسى وحده، و أمّا استخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجميع العسكر كان معه ولم يخلف بالمدينة غير النساء و الصبيان إلا معذور أو عاص. وقول القائل: هذا بمنزلة هذا وهذا مثل هذا هو كتشبيه الشيء بالشيء وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دلّ عليه السياق لا يقتضي المساواة في كلّ شيء، ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الأسارى لما استشار أبا بكر وأشار بالفداء واستشار عمر فأشار بالقتل، قال: ((سأخبركم عن صاحبيكم: مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: فمن تبعني فإنّه منّي ومن عصاني فإنّك غفور رحيم، ومثل عيسى إذ قال: إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. و مثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، ومثل موسى إذ قال: ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)) فقوله لهذا: مثلك كمثل إبراهيم وعيسى، ولهذا: مثل نوح وموسى؛ أعظم من قوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)) فإنّ نوحاً و إبراهيم وموسى وعيسى أعظم من هارون وقد جعل هذين مثلهم ولم يُرِد أنهما مثلهم في كلّ شيء لكن فيما دلّ عليه السياق من الشدّة في الله و اللين في الله، وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دلّ عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون، وهذا الاستخلاف ليس من خصائص عليّ بل ولا هو مثل استخلافاته فضلاً عن أن يكون أفضل منها، وقد استخلف مَنْ علي أفضل منه في كثير من الغزوات، ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المستخلف على عليّ إذا قعد معه فكيف يكون موجباً لتفضيله على عليّ، بل قد استخلف على المدينة غير واحد وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف علي، بل كان ذلك الاستخلاف يكون علي أكثر وأفضل ممن استخلف عليه عام تبوك وكانت الحاجة إلى الاستخلاف أكثر فإنه كان يخاف من الأعداء على المدينة، فأما عام تبوك فإنه كان قد أسلمت العرب بالحجاز وفتحت مكة وظهر الإسلام وعز ولهذا أمر الله نبيه أن يغزو أهل الكتاب بالشام ولم تكن المدينة تحتاج إلى من يقاتل بها العدو ولهذا لم يدع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند علي أحداً من المقاتلة كما كان يدع بها في سائر الغزوات، بل أخذ المقاتلة كلّهم معه، وتخصيصه لعلي بالذكر هنا هو مفهوم اللقب، وهو نوعان: لقب هو جنس، ولقب يجري مجرى العلم، مثل: "زيد وأنت"، وهذا المفهوم أضعف المفاهيم ولهذا كان جماهير أهل الأصول والفقه على أنه لا يحتجّ به، فإذا قال: "محمد رسول الله" لم يكن هذا نفياً للرسالة عن غيره لكن إذا كان في سياق الكلام ما يقتضي التخصيص فإنه يحتجّ به على الصحيح، كقوله (ففهّمناها سليمان) وقوله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، وأمّا إذا كان التخصيص لسبب يقتضيه، فلا يحتجّ به باتفاق الناس، فهذا من ذلك، فإنه إنما خصّ علياً بالذكر لأنه خرج إليه يبكي ويشتكي تخليفه مع النساء والصبيان، ومن استخلفه سوى عليّ لما لم يتوهموا أنّ في الاستخلاف نقصاً لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام والتخصيص بالذكر إذا كان لسبب يقتضي ذل؛ لم يقتض الاختصاص بالحكم، فليس في الحديث دلالة على أنّ غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى كما أنه لما قال للمضروب الذي نهى عن لعنه: ((دعه، فإنه يحب الله ورسوله)) لم يكن هذا دليلا على أنّ غيره لا يحبّ الله ورسوله، بل ذكر ذلك لأجل الحاجة إليه لينهى بذلك عن لعنه، ولما استأذنه عمر - رضي الله عنه - في قتل حاطب بن أبي بلتعة قال: ((دعه، فإنه قد شهد بدراً)) ولم يدلّ هذا على أنّ غيره لم يشهد بدراً، بل ذكر المقتضي لمغفرة ذنبه، وكذلك لما شهد للعشرة بالجنة، لم يقتض أنّ غيرهم لا يدخل الجنة، لكن ذكر ذلك لسبب اقتضاه، وكذلك لما قال للحسن و أسامة: ((اللهم إني أحبّهما فأحبّهما، و أحبّ من يحبّهما)) لا يقتضي أنه لا يحبّ غيرهما، بل كان يحبّ غيرهما أعظم من محبتهما. وكذلك لما قال: ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة))، لم يقتض أنّ من سواهم يدخلها و كذلك لما شبّه أبا بكر بإبراهيم وعيسى، لم يمنع ذلك أن يكون في أمّته وأصحابه من يشبه إبراهيم وعيسى، وكذلك لما شبّه عمر بنوح وموسى، لم يمتنع أن يكون في أمته من يشبه نوحاً وموسى.
فإن قيل إنّ هذين أفضل من يشبههم من أمّته.
قيل: الاختصاص بالكمال لا يمنع المشاركة في أصل التشبيه. وكذلك لما قال عن عروة بن مسعود إنه مثل صاحب ياسين وكذلك لما قال للأشعريين: ((هم مني وأنا منهم)) لم يختصّ ذلك بهم، بل قال لعلي: ((أنت مني و أنا منك)) و قال لزيد: ((أنت أخونا و مولانا)) وذلك لا يختصّ بزيد، بل أسامة أخوهم ومولاهم. وبالجملة: الأمثال والتشبيهات كثيرة جداً، وهي لا توجب التماثل من كلّ وجه، بل فيما سيق الكلام له ولا يقتضي اختصاص المشبّه بالتشبيه، بل يمكن أن يشاركه غيره له في ذلك، قال - تعالى -: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة.. )، و قال - تعالى -: (واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية.. )، وقال: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صرّ.. ) وقد قيل إنّ في القرآن اثنين وأربعين مثلاً.
وقول القائل: إنه جعله بمنزلة هارون في كلّ الأشياء إلا في النبوّة؛ باطل. فإنّ قوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)) دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيّب قلبه لما توهم من وهن الاستخلاف و نقص درجته، فقال هذا على سبيل الجبر له، وقوله: ((بمنزلة هارون من موسى)) أي مثل منزلة هارون فإن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره و إنما يكون له ما يشابهها فصار هذا كقوله: "هذا مثل هذا" وقوله عن أبي بكر مثله مثل إبراهيم وعيسى. وعمر مثله مثل نوح وموسى. ومما يبين ذلك: أنّ هذا كان عام تبوك ثم بعد رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر أميراً على الموسم وأردفه بعلي، فقال علي: أمير أم مأمور؟ فقال: (بل مأمور) فكان أبو بكر أميراً عليه وعلي معه كالمأمور مع أميره يصلّي خلفه ويطيع أمره وينادي خلفه مع الناس بالموسم ألا لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وإنما أردفه به لينبذ العهد إلى العرب فإنه كان من عادتهم أن لا يعقد العقود وينبذها إلا السيد المطاع أو رجل من أهل بيته، فلم يكونوا يقبلون نقض العهود إلا من رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومما يبين ذلك أنّه لو أراد أن يكون خليفة على أمته بعده لم يكن هذا خطاباً بينهما يناجيه به ولا كان أخره حتى يخرج إليه عليّ ويشتكي، بل كان هذا من الحكم الذي يجب بيانه وتبليغه للناس كلّهم بلفظ يبين المقصود. ثم من جهل الرافضة أنهم يتناقضون فإنّ هذا الحديث يدل على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخاطب علياً بهذا الخطاب إلا ذلك اليوم في غزوة تبوك، فلو كان علي قد عرف أنّه المستخلف من بعده كما رووا ذلك في ما تقدم لكان عليّ مطمئن القلب أنّه مثل هارون بعده وفي حياته، ولم يخرج إليه يبكي، ولم يقل له: أتخلّفني مع النساء والصبيان. ولو كان عليّ بمنزلة هارون مطلقاً لم يستخلف عليه أحداً، وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي وكان علي بها أرمد حتى لحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - الراية حين قدم، وكان قد أعطى الراية رجلاً فقال لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) انتهى من منهاج السنّة النبوية.
وبعد فلا أجد عبارة أختم بها هذه المناظرة أحسن من قول الشيعي المهتدي إلى السنّة: (ربحت الصحابة، ولم أخسر أهل البيت). أما أني أنصح كل شيعي بقراءة كتاب منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، فقد أجاب فيه عن جميع الشبه التي بتمسك بها الشيعة.
والله - تعالى -أعلم وصلّى على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
--------------------
[1] رواه الحاكم في المستدرك.
[2] مسند الإمام أحمد ابن حنبل.
[3] صحيح البخاري.
[4] ينظر: جامع البيان: 4/618، 619. وينظر: أسباب النـزول للواحديّ: ص113.
[5]قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: " من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة "، أخرجه البخاريّ في صحيحه في كتاب مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من الصلاة ركعة: 1/211، برقم: 555، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أدرك ركعة من الصلاة..: ص146، برقم: 607.
[6] منهاج السنّة النبويّة: 1/155، و4/4 ـ 9 (باختصار وتصرّف). وينظر: شرح مقدّمة التفسير للشيخ لمحمد ابن عثيمين (الرياض: دار الوطن): ص92.
[7] منهاج السنّة النبويّة: 4/3، 4. (باختصار وتصرّف).
المصدر :
نور الإسلام
منقول
الحمد لله الصلاة و السلام على رسولنا و على اله الطيبين و صحابته اجمعين .
اللهم ارض عن ابي بكر الصديق و عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان و على بن ابي طالب والحسن و الحسين و فاطمة الزهراء و عائشة بنت ابي بكر الصديق و حفصة بنت عمر بن الخطاب و على جميع الصحابة و امهات المؤمنين.
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
الأجوبة السنية عن الشبهات الشيعية
محمد بن عبد العزيز المسند
اللهم صل على محمد وآل محمد.
أطرح على الدكتور أدلة في خلافة الإمام علي - عليه السلام -، وأرجو منه أن يتكرم علينا بتفنيد هذه الأدلة:
قال الله - سبحانه - في محكم كتابه الكريم: ((أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) (النساء: 59).
السؤال الذي يطرح نفسه من هو هذا الولي الذي أمرنا الله بطاعته المطلقة بحكم أنه معطوف على الله ورسوله، وكلنا نعلم أن الله طاعته مطلقة وكذلك طاعة رسوله وأن الولي عُطف على الله ورسوله بالواو، والواو أداة عطف تفيد (مطلق الجمع) إذن هذا الولي طاعته مطلقة.
والبعض يقول أن طاعة ولي الأمر هنا ناقصة متبجحا بفكرة أوهى من بيت العنكبوت، حيث يقول: لماذا لم يقل الله جل شأنه: ((أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) ولكنه ذكر الطاعة فقط له ولرسوله! إذن هذا يلزم أن الطاعة المطلقة له وللرسول فقط وليست للولي لأنها مجرد معطوف؟! هذه حجة من قبيل المغالطة. كلنا يعلم أن ولاية الرسول صلوات الله وسلامه عليه وآله ولاية مطلقة فلماذا لم يقل الله - سبحانه - في الآية الكريمة ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ)) (المائدة: 55). واكتفى بعطف الولاية على رسوله وعلى الذين آمنوا؟ !
إذن العطف كافٍ بحكم أن الواو العاطفة - كما يقول النحويون - تفيد مطلق الجمع.
ولكن ما هو سبب تخصيص الله جل شأنه لنفسه طاعة، للنبي صلوات الله عليه وآله طاعة أخرى؟ ! الجواب: طاعة الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآية هي طاعة تعبدية، ولكن طاعة النبي صلوات الله عليه وآله طاعة اتباعية. وفرق آخر بين الطاعتين: أن طاعة النبي صلوات الله عليه وآله فرع من طاعة الله، أي أن طاعة الله هي الأصل.
نعود إلى سؤالنا: من هو هذا الولي الذي أمرنا الله بطاعته بالإطلاق؟! نجد جواب هذا السؤال في نفس القرآن الكريم، حيث يقول الله - سبحانه وتعالى -: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)).
لقد ترك الله لنا علامة تميز الولي عن غيره من الناس، وهذه العلامة هي: أن الولي هو الذي أتى بالزكاة في لحظة ركوع ولقد أكد المفسرون أجمعهم "سنة وشيعة" بأن هذه الآية نزلت في أبي الحسن صلوات الله وسلامه عليه"1"، إذن علي بن أبي طالب - عليه السلام - هو ولي الله، وهو الذي أوجب الله طاعته. ولك أن تقرأ هذا الحديث الذي قاله رسول الله صلوات الله عليه وآله: ((عن أبي ذر رضي الله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصي الله ومن أطاع عليا فقد أطاعني ومن عصي عليا فقد عصاني))[1].
ورب قائل يقول معترضا: أن الولاية هي المحبة والنصرة، بدليل قوله جل شأنه: "يا أيها الذي آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"
هذه الحجة خاطئة لكونها ناقصة، فالولاية لها معانٍ كثيرة جدا، ومن ضمن معانيها هي المحبة والنصرة، ولكن لماذا حصر المعترض الولاية في المحبة والنصرة؟!
والجواب على هذه الشبهة أقول: لقد فسر اللغويون كلمة ولي -: الوالي وهو اسم الله، ووليته أي أمرته، وتولى أي أدبر، واستولى أي بلغ الغاية، والمولى هو الرئيس، والولي هو النصير، ولي الأمر أي صاحب الأمر ووو إلخ.
إذن نفهم أن الولي بإلإصطلاح المنطقي والأصولي هي "لفظ مشترك"، ولهذا فهي تحتاج لقرينة مُعيِّنة تحدد المعنى المقصود. فماهي قرينة المعترض في كون الولاية هنا محصورة في النصرة والمحبة؟! بكل بساطة لا توجد قرينة مُعيِّنة، ولكن توجد دلالة تدعم رأينا وهي: من الواضح أن ولاية الله معطوفة على الرسول وعلى الولي، والعطف هنا كما قال اللغويون تفيد "مطلق الجمع" إذن كل معنى كامن في ولاية الله هو لرسوله وأيضا هو لوليه.
وسؤال أطرح على المعترض: هل ولاية الله جل شأنه منحصرة فقط في المحبة والنصرة؟! من الجهل أن نقول بالإيجاب.
ثانيا السنة هي من تفسر القرآن، فماذا قالت السنة؟! لقد قالت: أن الرسول صلوات الله عليه وآله وقف بغدير خم وهو رافع يد علي بن أبي طالب - عليه السلام - وهو يقول: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم إذن من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر معه الحق حيثما دار، حتى قال عمر لعلي، بخ بخ يابن أبي طالب صرت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة!)"3"
ثالثا: ليسمح لي المعترض أن أطرح عليه سؤالي آخر: لقد قال الرسول صلوات الله عليه وآله ((علي وهو وليكم بعدي وإنه مني وأنا منه))[2].
يا حضرة المعترض، هل محبة علي بن أبي طالب - عليه السلام - ونصرته، فقط بعد وفاة النبي؟! "مالكم كيف تحكمون" أليست المحبة والنصرة هي عامة لكل المؤمنين بدليل قوله - تعالى -: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)) فلماذا كل هذا العناء الذي يبديه الرسول صلوات الله عليه وآله حيث أنه قطع عشرات الكيلومترات في حر الشمس ليذهب غدير خم ليؤكد ويثبت الولاية لعلي - عليه السلام - مادامت هي أمر عام وليس بخاص؟! ألا تعتقد أن هذا من اللهو والعبث! فبالتالي هي منقصة في رسول الله!
دليل آخر
أيضا وأكثر وضوحا من الدليل السابق، لقد قال رسول الله صلوات الله عليه وآله - كما يخبرنا البخاري - لعلي بن أبي طالب - عليه السلام - ((أما ترضى أنتكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي من بعدي))[3].
أقول: فماذا كانت منزلة هارون من موسى؟! نجد الجواب في القرآن الكريم: ((قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)) (طه: 25-32).
إذن لقد ورث علي - عليه السلام - من هارون كل المنازل سوى النبوة، ومن ضمن هذه المنازل هي الخلافة والوصاية والأمر الذي من أجله بعث رسول الله صلوات الله عليه وآله، ولا أظن أن هذا الكلام يحتاج لشرح؛ ليفهم القارئ أكثر ويعي ما أراد الله ورسوله!!
فهل من مناظر يفند ما أوردته من أدلة دامغة
والسلام عليكم جميعاً
الجواب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغرّ الميامين، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)) (الحشرة: 10).
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه..
أما بعد، فلقد اطلعت على هذا التقرير الذي يفيد أحقيّة عليّ - رضي الله عنه - بالخلافة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإبطال خلافة الأئمة الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان خلافاً لما عليه أهل السنّة والجماعة وسلف الأمّة - رضي الله عنهم - جميعاً - والجواب عنه في النقاط التالية:
أوّلاً: الاستدلال بقوله - تعالى -: ((وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) (النساء: 59).
مردود من وجوه:
الوجه الأوّل: أنّ الصحابة جميعاً الذين نزل عليهم القرآن - ومنهم عليّ وسلمان وعمّار والمقداد.. لم يفهموا من هذه الآية ما فهمت، ولو فهموا ذلك لما أجمعوا على بيعة أبي بكر الصدّيق - رضي الله عنه - ورضوا به.. فإن قلت إنّهم فهموا ولكنّهم خالفوا القرآن وخانوا الأمانة، فقد طعنت في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ هو الذي ربّاهم وعلّمهم، أفيعقل أن تكون هذه هي نتيجة التربية النبوية؟!!!.
الوجه الثاني: أنّ هذا التفسير لم يقل به أحد من المفسّرين المعتمدين، لا من الأوّلين ولا من الآخِرين!!!.
الوجه الثالث: تخصيص الطاعة بالله وبالرسول دون أولي الأمر يدلّ على أنّ طاعة أولي الأمر غير مطلقة، بدليل تمام الآية: ((فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)).
فجعل الردّ عند التنازع إلى الله والرسول دون أولي الأمر، ولو كانت طاعة أولي الأمر مطلقة لجعل الردّ إليهم مع الله والرسول.
الوجه الرابع: أنّ الله قال: ((وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)) والمراد - كما هو ظاهر - كلّ من تولّى أمر المسلمين من الخلفاء والحكّام الذين يحكمون بشرع الله، ولو كان المراد علياً وحده - رضي الله عنه - لقال (ووليّ الأمر منكم)، كما أفرد الله والرسول.
الوجه الخامس: الاستدلال بأنّ المراد بأولي الأمر في هذه الآية تفسّره آية المائدة: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) (المائدة 55: ) مردود من وجوه كما سيأتي.
الوجه السادس: التفريق بين الطاعتين بأنّ الأولى تعبّدية والثانية اتباعية؛ لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، بل لا معنى له، فإنّ الاتباع عبادة، ولذا جاء في بعض الآيات توحيد الطاعة لله والرسول كما في قوله - تعالى -: ((قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ)) (آل عمران: 32).
وقوله - سبحانه -: ((مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ)) (النساء: 80).
الوجه السابع: أنّ طاعة الرسول ليست مطلقة، بل هي مقيّدة بالمعروف، كما في قوله - تعالى -في بيعة النساء: ((وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)) (الممتحنة: 12).
فإذا كانت طاعة الرسول ليست مطلقة، فكيف تكون طاعة أولي الأمر مطلقة؟!!.
وبناء على هذه الوجوه، فليس هناك وليّ تجب طاعته على الإطلاق، حتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما في الآية السابقة وغيرها.
أمّا تفسير أولي الأمر في هذه الآية بآية المائدة، وأنّ المقصود بها هو عليّ - رضي الله عنه - فهو مردود من وجوه ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في كتابه القيّم (منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية)، وهذه الوجوه هي:
الوجه الأوّل: أنّ الحديث المروي في تفسير هذه الآية (وهو تصدّق عليّ وهو راكع) كذب باتّفاق أهل العلم بالنقل. وكذبه بيّن من وجوه، منها:
* أنّ قوله - تعالى -في الآية (الذين) صيغة جمع، وعليّ واحد.
* أنّ الواو في قوله: (وهم راكعون) ليست واو الحال، إذ لو كانت كذلك لكان لا يسوغ للمؤمنين أن يتولّوا إلاّ من أعطى الزكاة وهو راكع، وهذا بيّن البطلان.
* أنّ الثناء إنّما يكون على عمل واجب أو مستحبّ، وإيتاء الزكاة في نفس الصلاة ليس واجباّ ولا مستحبّاً باتّفاق علماء الملّة.
* أنّه لو كان إيتاء الزكاة في الصلاة حسناً، لم يكن فرق بين حال الركوع وغيره، بل إيتاؤها في القيام والقعود أولى.
* أنّ عليّاً لم يكن عليه زكاة على عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنّه كان فقيراً.
* أنّ إيتاء غير الخاتم في الزكاة، خير من إيتاء الخاتم، فإنّ أكثر الفقهاء يقولون: لا يجزىء الخاتم في الزكاة.
* أنّ هذا الحديث فيه أنّه أعطاه لسائل، والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداءً على الفور، ولا ينتظر أن يسأله سائل.
* أنّ الألفاظ المذكورة في الحديث ممّا يُعلم أنّها كذب على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنّ عليّاً ليس قائد البررة، ولا هو أيضاً قاتلاً لكلّ الكفرة، بل قتل بعضهم، كما قتل غيره بعضهم. وكذلك قوله (منصور من نصره، ومخذول من خذله) هو خلاف الواقع، والنبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا يقول إلاّ حقّاً، لا سيّما وأنّهم يدّعون أنّ الأمة كلّها قد خذلت عليّاً إلى قتل عثمان. وإنّ من المعلوم أنّ الأمّة كانت منصورة في أعصار الخلفاء الثلاثة نصراً لم يحصل لها بعده مثله.
وهكذا سائر ألفاظ الحديث، فإنّ أمارات الوضع بادية عليها، لمن له أدنى أثارة من علم.
الوجه الثاني: أنّ سياق الكلام في هذه الآية، وما قبلها، وما بعدها، إنّما هو في النهي عن موالاة الكفّار، والأمر بموالاة المؤمنين، ويوضّح ذلك سبب النزول، فإنّها نزلت في بعض المنافقين الذين يوالون اليهود، ويقولون إنّا نخاف الدوائر. فقال بعض المؤمنين: إنّا نتولّى الله ورسوله، ونبرأ إلى الله ورسوله من هؤلاء الكفّار وولايتهم [4]وهذه الآية عامّة في جميع المؤمنين المتّصفين بهذه الصفات. لا تختصّ بواحد بعينه.
الوجه الثالث: أنّ هذه الآية بمنزلة قوله - تعالى -: ((وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ)) (البقرة: 43).
فهذا أمر بالركوع، والمقصود صلاة الجماعة، وإنّما خصّ الركوع بالذكر، لأنّ الجماعة إنّما تدرك بالركوع كما صحّ بذلك الحديث [5]
الوجه الرابع: أنّ غاية ما في الآية أنّ المؤمنين عليهم موالاة الله ورسوله والمؤمنين، فيوالون عليّاً، ولا ريب أنّ موالاة عليّ واجبة على كلّ مؤمن، كما يجب على كلّ مؤمن موالاة أمثاله من المؤمنين، قال - تعالى -: ((وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)) (التوبة: 71).
فجعل كلّ مؤمن وليّاً لكلّ مؤمن، وذلك لا يوجب أن يكون أميراً عليه معصوماً، لا يتولّى عليه إلاّ هو.
الوجه الخامس: أنّهم لم يفرّقوا بين الوَلاية (بالفتح)، والوِلاية (بالكسر).
فالأولى: ضدّ العداوة، وهي المذكورة في الآية، وليست هي الوِلاية (بالكسر) التي هي الإمارة.
فالآية إنّما دلّت على الموالاة المخالفة للمعاداة، الثابتة لجميع المؤمنين، بعضهم على بعض. ولم تدلّ على أنّ أحداً منهم يكون أميراً على غيره، إذ لفظ الوليّ والولاية، غير لفظ الوالي. والآية عامّة في المؤمنين، والإمارة لا تكون عامّة.
الوجه السادس: أنّه لو أراد الولاية التي هي الإمارة، لقال: إنّما يتولّى عليكم الله ورسوله والذين آمنوا، ولم يقل: ومن يتولّ الله ورسوله.. فإنّه لا يُقال لمن ولي عليهم إنّهم تولّوه، بل يُقال: تولّى عليهم.
الوجه السابع: أنّ الله - سبحانه - لا يوصف بأنّه متولّ على عباده، فإنّه - سبحانه - خالقهم، ورازقهم، وربّهم، ومليكهم، له الخلق والأمر. وأمّا الولاية التي هي ضدّ العداوة؛ فإنّه يتولّى عباده المؤمنين، فيحبّهم، ويحبّونه، ويرضى عنهم، ويرضون عنه. وهذه الولاية من رحمته، وإحسانه، ليست كولاية المخلوق للمخلوق، لحاجته إليه.
الوجه الثامن: أنّه ليس كلّ من تولّى عليه إمام عادل، يكون من حزب الله، ويكون غالباً، فإنّ أئمّة العدل يتولّون على المنافقين، والكفّار. ولو أراد الإمارة في الآية، لكان المعنى أنّ كلّ من تأمّر عليهم الذين آمنوا، يكونون من حزبه الغالبين، وليس هذا هو المراد[6].
أمّا دعوى الإجماع على أنّها نزلت في عليّ، فقد أجاب عنها الشيخ من وجوه:
أحدها: أنّ مجرّد نقل الإجماع من غير العالمين بالمنقولات، الصادقين في نقلها، ليس بحجّة باتّفاق أهل العلم.
الثاني: أنّ قولهم: قد أجمعوا أنّها نزلت في عليّ، من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنّها لم تنزل في عليّ بخصوصه، وأنّ عليّاً لم يتصدّق بخاتمه في الصلاة. وأجمع أهل العلم بالحديث على أنّ القصّة المرويّة في ذلك، من الكذب الموضوع، وأمّا ما ينقله من تفسير الثعلبيّ، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أنّ الثعلبيّ روى طائفة من الأحاديث الموضوعات، كالحديث الذي يرويه في أوّل كلّ سورة، عن أبي أمامة في فضل تلك السورة، وكأمثال ذلك. ولهذا يقولون هو كحاطب ليل.. مع أنّ الثعلبيّ فيه خير ودين، لكن لا خبرة له بالصحيح والسقيم من الأحاديث، ولا يميّز بين السنّة والبدعة في كثير من الأقوال.
الثالث: أنّ هؤلاء المفسّرين الذين ينقل عنهم من كتبهم، هم ومَن هم أعلم منهم، قد نقلوا ما يناقض هذا الإجماع المدّعى، فقد نقل الثعلبيّ في تفسيره أنّ ابن عبّاس قال: نزلت في أبي بكر. كما نقل أقوالاً أخرى عن بعض السلف أنّ الآية عامّة في المؤمنين، وعليّ منهم.
الرابع: قال الشيخ: إنّا نعفيه [أي مدعي الإجماع] من إثبات الإجماع، ونطالبه أن ينقل ذلك بإسناد واحد صحيح، وهيهات [7]. انتهى كلام الشيخ
وبهذا يتبين بطلان الاستدلال بهذه الآيات على ما ذهب إليه الشيعة الإمامية من الطعن في إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وقصرها على عليّ وحده.
أمّا الأحاديث التي أوردها هذا المناظر؛ فالجواب عنها من وجهين، أحدهما مجمل، والآخر مفصّل..
أمّا المجمل، فيقال:
أوّلاً: هذه الأحاديث منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف وموضوع، وليس كلّ ما يذكر في كتب أهل السنّة يكون صحيحاً مقبولاً، كما أنّه ليس كلّ ما يذكر في كتب الإمامية يكون صحيحاً، ونحن إذا احتججنا عليهم ببعض ما في كتبهم قالوا: ليس كلّ ما في كتبنا صحيح، فكذلك نحن نقول.
وثانياً: إذا احتججتم ببعض ما في كتب أهل السنّة - لا سيما الصحيح منها - فعليكم أن تقبلوا غيرها من الأحاديث الصحيحة، أمّا الانتقاء وأخذ ما يوافق الهوى والمذهب، وترك ما لا يوافقهما، فهذا منهج مرفوض وغير علمي، وأنا أستطيع أن أذكر لكم من الأحاديث الصحيحة الثابتة في فضل أبي بكر الصدّيق والفاروق عمر وعثمان - رضي الله عنهم - ما يفوق ما هو مذكور في فضل عليّ - رضي الله عنه -.
وثالثاً: الأحاديث الصحيحة التي يستدلّ بها الإمامية على بطلان إمامة الثلاثة، وإثبات أحقيّة عليّ بالإمامة قبلهما، أحاديث محتملة وغير صريحة فهي من المتشابه الذي نهى الله عن اتباعه في مقابل ترك المحكم الواضح الصريح، وقد جعل الله ذلك سمة لمن في قلبه زيغ وذلك في قوله - سبحانه -: ((فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ)) (آل عمران: 7).
وأمّا التفصيل،
فحديث: ((اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله)) كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، فليس هو في كتب أهل السنّة الصحيحة.
وأمّا قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) فليس في كتب الصحاح.
لذا اختلف أهل العلم في تصحيحه، فضعفّه بعضهم كالإمام البخاري وغيره. وحسّنه آخرون كالإمام أحمد. وعلى فرض صحّته فلا يدلّ على ما ذهب إليه هذا المناظر، وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا الحديث فذكر أنّه (إن كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قاله، فلم يرد به - قطعاً - الخلافة بعه، إذ ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلّغ بلاغاً مبيناً، وليس في الكلام ما يدلّ عليه دلالة بينة على أن المراد به الخلافة و ذلك أن المولى كالوليّ والله - تعالى -قال: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا.. ) وقال: (وإن تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) فبيّن أنّ الرسول وليّ المؤمنين، وأنهم مواليه أيضا، كما بين أنّ الله وليّ المؤمنين، وأنهم أولياؤه، وأنّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فالموالاة ضدّ المعاداة، و هي تثبت من الطرفين، وإن كان أحد المتواليين أعظم قدراً، وولايته إحسان وتفضّل وولاية الآخر طاعة وعبادة، كما أنّ الله يحب المؤمنين والمؤمنون يحبونه، فإنّ الموالاة ضدّ المعاداة والمحاربة والمخادعة. والكفار لا يحبون الله ورسوله، ويحادّون الله ورسوله، ويعادونه، وقد قال - تعالى -: (لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء) وهو يجازيهم على ذلك كما قال - تعالى -: (فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله و رسوله.. ) وهو وليّ المؤمنين، وهو مولاهم يخرجهم من الظلمات إلى النور، وإذا كان كذلك؛ فمعنى كون الله وليّ المؤمنين ومولاهم وكون الرسول وليهم ومولاهم وكون علي مولاهم، هي الموالاة التي هي ضد المعاداة، والمؤمنون يتولون الله ورسوله الموالاة المضادة للمعاداة، وهذا حكم ثابت لكل مؤمن، فعلي - رضي الله عنه - من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه، وفي هذا الحديث إثبات إيمان علي في الباطن والشهادة له بأنه يستحق الموالاة باطناً وظاهراً، وذلك يردّ ما يقوله فيه أعداؤه من الخوارج والنواصب، لكن ليس فيه أنّه ليس للمؤمنين مولى غيره، فكيف ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - له موالي وهم صالحو المؤمنين، فعلي أيضاً له مولى بطريق الأولى والأحرى، وهم المؤمنون الذين يتولّونه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنّ أسلم و غفاراً ومزينة وجهينة وقريشاً والأنصار ليس لهم مولى دون الله ورسوله))، وجعلهم موالي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما جعل صالح المؤمنين مواليه، والله ورسوله مولاهم. وفي الجملة: فرق بين الولي والمولى ونحو ذلك، وبين الوالي، فباب الولاية التي هي ضد العداوة شيء، وباب الولاية التي هي الإمارة شيء. والحديث إنما هو في الأولى دون الثانية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: (من كنت واليه فعلي واليه) وإنما اللفظ: (من كنت مولاه فعليّ مولاه))، وأمّا كون المولى بمعنى الوالي فهذا باطل فإنّ الولاية تثبت من الطرفين فإنّ المؤمنين أولياء الله وهو مولاهم وأمّا كونه أولى بهم من أنفسهم فلا يثبت إلا من طرفه - صلى الله عليه وسلم -، وكونه أولى بكل مؤمن من نفسه من خصائص نبوته، ولو قُدّر أنّه نصّ على خليفة من بعده لم يكن ذلك موجباً أن يكون أولى بكل مؤمن من نفسه، كما أنّه لا يكون أزواجه أمّهاتهم، ولو أريد هذا المعنى لقال: من كنت أولى به من نفسه؛ فعليّ أولى به من نفسه. وهذا لم يقله ولم ينقله أحد، ومعناه باطل قطعاً لأنّ كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بكلّ مؤمن من نفسه، أمر ثابت في حياته و مماته، وخلافة عليّ لو قُدّر وجودها، لم تكن إلا بعد موته، لم تكن في حياته، فلا يجوز أن يكون عليّ خليفة في زمنه، فلا يكون حينئذ أولى بكلّ مؤمن من نفسه، بل ولا يكون مولى أحد من المؤمنين إذا أريد به الخلافة، وهذا ممّا يدلّ على أنّه لم يرد الخلافة، فإنّ كونه وليّ كلّ مؤمن؛ وصف ثابت له في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتأخر حكمه إلى الموت، وأمّا الخلافة فلا يصير خليفة إلا بعد الموت، فعُلم أنّ هذا ليس هذا. وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم في حياته وبعد مماته إلى يوم القيامة، وإذا استخلف أحداً على بعض الأمور في حياته، أو قُدّر أنّه استخلف أحداً على بعض الأمور في حياته، أو قُدّر أنّه استخلف أحداً بعد موته وصار له خليفة بنصّ أو إجماع؛ فهو أولى بتلك الخلافة وبكلّ المؤمنين من أنفسهم، فلا يكون قط غيره أولى بكلّ مؤمن من نفسه لا سيما في حياته. وأمّا كون عليّ وغيره مولى كلّ مؤمن، فهو وصف ثابت لعليّ في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد مماته وبعد ممات عليّ، فعليّ اليوم مولى كلّ مؤمن، وليس اليوم متولّياً على الناس، وكذلك سائر المؤمنين بعضهم أولياء بعض أحياءً وأمواتاً) منهاج السنّة النبوية: 4/ 86، 87، المكتبة العلمية بيروت.
وأمّا حديث: ((عليّ وليكم من بعدي.. )) فهو كذب، فالحديث في سنده (أجلح الكندي) وهو شيعي كما قال الحافظ ابن حجر في التقريب، ولا تقبل رواية الشيعي فيما يتعلّق بفضائل عليّ - رضي الله عنه -، لا سيما فيما يخالف إجماع أهل السنّة، ومسند أحمد ليس كلّ ما فيه صحيح كما هو معلوم عند أهل العلم بالحديث. كما أنّ الحديث فيه الطعن في أمانة عليّ - رضي الله عنه - حيث ذُكر أنّه اصطفى امرأة من السبي لنفسه، وهذا غير لائق به، ولا يرضاه شيعي حرّ أبيّ.
وأمّا حديث: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)) وقول المناظر إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت لعليّ - عليه السلام - جميع منازل هارون من موسى - عليه السلام - إلا النبوّة.. أقول: إنّ هذا الحديث لا يمكن أن يفهم إلا في السياق الذي ورد فيه، والسبب الباعث له، وقد بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه فقال: (إنّ هذا الحديث ثابت في الصحيحين بلا ريب وغيرهما، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ذلك في غزوة تبوك، وكان - صلى الله عليه وسلم - كلّما سافر في غزوة أو عمرة أو حجّ يستخلف على المدينة بعض الصحابة كما استخلف على المدينة في غزوة ذي أمر: عثمان، وفي غزوة بني قينقاع: بشير بن عبد المنذر. ولما غزا قريشاً ووصل إلى الفرع، استعمل ابن أم مكتوم، وذكر ذلك محمد بن سعد وغيره. وبالجملة فمن المعلوم أنّه كان لا يخرج من المدينة حتى يستخلف، وقد ذكر المسلمون من كان يستخلفه، فقد سافر من المدينة في عمرتين: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وفي حجّة الوداع، وفي مغازيه أكثر من عشرين غزاة، وفيها كلّها استخلف، وكان يكون بالمدينة رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه، فلمّا كان في غزوة تبوك لم يأذن لأحد في التخلّف عنها، وهي آخر مغازيه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلّف عنه إلا النساء و الصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو من هو منافق، و تخلّف الثلاثة الذين تيب عليهم، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف عليهم في كلّ مرّة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه، لأنّه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحداً، كما كان يبقى في جميع مغازيه، فإنّه كان يكون بالمدينة رجال كثيرون من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم من يستخلف فكلّ استخلاف استخلفه في مغازيه مثل استخلافه في غزوة بدر الكبرى والصغرى، وغزوة بني المصطلق والغابة و خيبر وفتح مكة وسائر مغازيه التي لم يكن فيها قتال، ومغازيه بضع عشرة غزوة، و قد استخلف فيها كلّها إلا القليل، وقد استخلف في حجّة الوداع وعمرتين قبل غزوة تبوك، وفي كلّ مرّة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك فكان كلّ استخلاف قبل هذه يكون عليّ أفضل ممّن استخلف عليه علياً فلهذا خرج إليه عليّ - رضي الله عنه - يبكي، وقال أتخلّفني مع النساء و الصبيان؟ و قيل إنّ بعض المنافقين طعن فيه وقال أنما خلّفه لأنّه يبغضه، فبيّن له النبي - صلى الله عليه وسلم - أني إنما استخلفتك لأمانتك عندي، وأنّ الاستخلاف ليس بنقص ولا غضّ فإنّ موسى استخلف هارون على قومه، فكيف يكون نقصاً، وموسى يفعله بهارون فطيب بذلك قلب علي، وبين أنّ جنس الاستخلاف يقتضي كرامة المستخلَف وأمانته، لا يقتضي إهانته ولا تخوينه، وذلك لأنّ المستخلف يغيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - و قد خرج معه جميع الصحابة. والملوك وغيرهم إذا خرجوا في مغازيهم أخذوا معهم من يعظم انتفاعهم به ومعاونته لهم، ويحتاجون إلى مشاورته والانتفاع برأيه ولسانه ويده وسيفه. والمتخلّف إذا لم يكن له في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا كلّه فظنّ من ظنّ أنّ هذا غضاضة من علي ونقص منه وخفض من منزلته حيث لم يأخذه معه في المواضع المهمة التي تحتاج إلى سعي واجتهاد، بل تركه في المواضع التي لا تحتاج إلى كثير سعي و اجتهاد فكان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينا أنّ جنس الاستخلاف ليس نقصاً، ولا غضّاً إذ لو كان نقصاً أو غضّاً لما فعله موسى بهارون ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون، لأنّ العسكر كان مع هارون و إنما ذهب موسى وحده، و أمّا استخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجميع العسكر كان معه ولم يخلف بالمدينة غير النساء و الصبيان إلا معذور أو عاص. وقول القائل: هذا بمنزلة هذا وهذا مثل هذا هو كتشبيه الشيء بالشيء وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دلّ عليه السياق لا يقتضي المساواة في كلّ شيء، ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الأسارى لما استشار أبا بكر وأشار بالفداء واستشار عمر فأشار بالقتل، قال: ((سأخبركم عن صاحبيكم: مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم إذ قال: فمن تبعني فإنّه منّي ومن عصاني فإنّك غفور رحيم، ومثل عيسى إذ قال: إن تعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم. و مثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً، ومثل موسى إذ قال: ربّنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم)) فقوله لهذا: مثلك كمثل إبراهيم وعيسى، ولهذا: مثل نوح وموسى؛ أعظم من قوله: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)) فإنّ نوحاً و إبراهيم وموسى وعيسى أعظم من هارون وقد جعل هذين مثلهم ولم يُرِد أنهما مثلهم في كلّ شيء لكن فيما دلّ عليه السياق من الشدّة في الله و اللين في الله، وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دلّ عليه السياق، وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون، وهذا الاستخلاف ليس من خصائص عليّ بل ولا هو مثل استخلافاته فضلاً عن أن يكون أفضل منها، وقد استخلف مَنْ علي أفضل منه في كثير من الغزوات، ولم تكن تلك الاستخلافات توجب تقديم المستخلف على عليّ إذا قعد معه فكيف يكون موجباً لتفضيله على عليّ، بل قد استخلف على المدينة غير واحد وأولئك المستخلفون منه بمنزلة هارون من موسى من جنس استخلاف علي، بل كان ذلك الاستخلاف يكون علي أكثر وأفضل ممن استخلف عليه عام تبوك وكانت الحاجة إلى الاستخلاف أكثر فإنه كان يخاف من الأعداء على المدينة، فأما عام تبوك فإنه كان قد أسلمت العرب بالحجاز وفتحت مكة وظهر الإسلام وعز ولهذا أمر الله نبيه أن يغزو أهل الكتاب بالشام ولم تكن المدينة تحتاج إلى من يقاتل بها العدو ولهذا لم يدع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند علي أحداً من المقاتلة كما كان يدع بها في سائر الغزوات، بل أخذ المقاتلة كلّهم معه، وتخصيصه لعلي بالذكر هنا هو مفهوم اللقب، وهو نوعان: لقب هو جنس، ولقب يجري مجرى العلم، مثل: "زيد وأنت"، وهذا المفهوم أضعف المفاهيم ولهذا كان جماهير أهل الأصول والفقه على أنه لا يحتجّ به، فإذا قال: "محمد رسول الله" لم يكن هذا نفياً للرسالة عن غيره لكن إذا كان في سياق الكلام ما يقتضي التخصيص فإنه يحتجّ به على الصحيح، كقوله (ففهّمناها سليمان) وقوله: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، وأمّا إذا كان التخصيص لسبب يقتضيه، فلا يحتجّ به باتفاق الناس، فهذا من ذلك، فإنه إنما خصّ علياً بالذكر لأنه خرج إليه يبكي ويشتكي تخليفه مع النساء والصبيان، ومن استخلفه سوى عليّ لما لم يتوهموا أنّ في الاستخلاف نقصاً لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام والتخصيص بالذكر إذا كان لسبب يقتضي ذل؛ لم يقتض الاختصاص بالحكم، فليس في الحديث دلالة على أنّ غيره لم يكن منه بمنزلة هارون من موسى كما أنه لما قال للمضروب الذي نهى عن لعنه: ((دعه، فإنه يحب الله ورسوله)) لم يكن هذا دليلا على أنّ غيره لا يحبّ الله ورسوله، بل ذكر ذلك لأجل الحاجة إليه لينهى بذلك عن لعنه، ولما استأذنه عمر - رضي الله عنه - في قتل حاطب بن أبي بلتعة قال: ((دعه، فإنه قد شهد بدراً)) ولم يدلّ هذا على أنّ غيره لم يشهد بدراً، بل ذكر المقتضي لمغفرة ذنبه، وكذلك لما شهد للعشرة بالجنة، لم يقتض أنّ غيرهم لا يدخل الجنة، لكن ذكر ذلك لسبب اقتضاه، وكذلك لما قال للحسن و أسامة: ((اللهم إني أحبّهما فأحبّهما، و أحبّ من يحبّهما)) لا يقتضي أنه لا يحبّ غيرهما، بل كان يحبّ غيرهما أعظم من محبتهما. وكذلك لما قال: ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة))، لم يقتض أنّ من سواهم يدخلها و كذلك لما شبّه أبا بكر بإبراهيم وعيسى، لم يمنع ذلك أن يكون في أمّته وأصحابه من يشبه إبراهيم وعيسى، وكذلك لما شبّه عمر بنوح وموسى، لم يمتنع أن يكون في أمته من يشبه نوحاً وموسى.
فإن قيل إنّ هذين أفضل من يشبههم من أمّته.
قيل: الاختصاص بالكمال لا يمنع المشاركة في أصل التشبيه. وكذلك لما قال عن عروة بن مسعود إنه مثل صاحب ياسين وكذلك لما قال للأشعريين: ((هم مني وأنا منهم)) لم يختصّ ذلك بهم، بل قال لعلي: ((أنت مني و أنا منك)) و قال لزيد: ((أنت أخونا و مولانا)) وذلك لا يختصّ بزيد، بل أسامة أخوهم ومولاهم. وبالجملة: الأمثال والتشبيهات كثيرة جداً، وهي لا توجب التماثل من كلّ وجه، بل فيما سيق الكلام له ولا يقتضي اختصاص المشبّه بالتشبيه، بل يمكن أن يشاركه غيره له في ذلك، قال - تعالى -: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كلّ سنبلة مائة حبة.. )، و قال - تعالى -: (واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية.. )، وقال: (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صرّ.. ) وقد قيل إنّ في القرآن اثنين وأربعين مثلاً.
وقول القائل: إنه جعله بمنزلة هارون في كلّ الأشياء إلا في النبوّة؛ باطل. فإنّ قوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)) دليل على أنه يسترضيه بذلك ويطيّب قلبه لما توهم من وهن الاستخلاف و نقص درجته، فقال هذا على سبيل الجبر له، وقوله: ((بمنزلة هارون من موسى)) أي مثل منزلة هارون فإن نفس منزلته من موسى بعينها لا تكون لغيره و إنما يكون له ما يشابهها فصار هذا كقوله: "هذا مثل هذا" وقوله عن أبي بكر مثله مثل إبراهيم وعيسى. وعمر مثله مثل نوح وموسى. ومما يبين ذلك: أنّ هذا كان عام تبوك ثم بعد رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر أميراً على الموسم وأردفه بعلي، فقال علي: أمير أم مأمور؟ فقال: (بل مأمور) فكان أبو بكر أميراً عليه وعلي معه كالمأمور مع أميره يصلّي خلفه ويطيع أمره وينادي خلفه مع الناس بالموسم ألا لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان وإنما أردفه به لينبذ العهد إلى العرب فإنه كان من عادتهم أن لا يعقد العقود وينبذها إلا السيد المطاع أو رجل من أهل بيته، فلم يكونوا يقبلون نقض العهود إلا من رجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومما يبين ذلك أنّه لو أراد أن يكون خليفة على أمته بعده لم يكن هذا خطاباً بينهما يناجيه به ولا كان أخره حتى يخرج إليه عليّ ويشتكي، بل كان هذا من الحكم الذي يجب بيانه وتبليغه للناس كلّهم بلفظ يبين المقصود. ثم من جهل الرافضة أنهم يتناقضون فإنّ هذا الحديث يدل على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخاطب علياً بهذا الخطاب إلا ذلك اليوم في غزوة تبوك، فلو كان علي قد عرف أنّه المستخلف من بعده كما رووا ذلك في ما تقدم لكان عليّ مطمئن القلب أنّه مثل هارون بعده وفي حياته، ولم يخرج إليه يبكي، ولم يقل له: أتخلّفني مع النساء والصبيان. ولو كان عليّ بمنزلة هارون مطلقاً لم يستخلف عليه أحداً، وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي وكان علي بها أرمد حتى لحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - الراية حين قدم، وكان قد أعطى الراية رجلاً فقال لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) انتهى من منهاج السنّة النبوية.
وبعد فلا أجد عبارة أختم بها هذه المناظرة أحسن من قول الشيعي المهتدي إلى السنّة: (ربحت الصحابة، ولم أخسر أهل البيت). أما أني أنصح كل شيعي بقراءة كتاب منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، فقد أجاب فيه عن جميع الشبه التي بتمسك بها الشيعة.
والله - تعالى -أعلم وصلّى على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
--------------------
[1] رواه الحاكم في المستدرك.
[2] مسند الإمام أحمد ابن حنبل.
[3] صحيح البخاري.
[4] ينظر: جامع البيان: 4/618، 619. وينظر: أسباب النـزول للواحديّ: ص113.
[5]قال رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: " من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة "، أخرجه البخاريّ في صحيحه في كتاب مواقيت الصلاة، باب: من أدرك من الصلاة ركعة: 1/211، برقم: 555، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أدرك ركعة من الصلاة..: ص146، برقم: 607.
[6] منهاج السنّة النبويّة: 1/155، و4/4 ـ 9 (باختصار وتصرّف). وينظر: شرح مقدّمة التفسير للشيخ لمحمد ابن عثيمين (الرياض: دار الوطن): ص92.
[7] منهاج السنّة النبويّة: 4/3، 4. (باختصار وتصرّف).
المصدر :
نور الإسلام
منقول