المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرأة في الشريعة الإسلامية والموروث الفقهي (1- 3) - د. أنور أبو زيد


الحقيقة
29 Jan 2009, 09:21 AM
المرأة في الشريعة الإسلامية والموروث الفقهي (1- 3)


د. أنور أبو زيد


أولاً: عناية الشريعة الإسلامية بمخاطبة المرأة وتكليفها أسوة بالرجل:
من تتبع أحكام الفقه الإسلامي لم يجد فرقاً بين أهلية الرجل والمرأة في شتى أنواع التصرفات المالية (1)، فلقد أعطى الإسلام المرأة وأحلها المكانة اللائقة بها في عدة مجالات.

ثانياً: الجوانب التي ساوت فيها الشريعة بين المرأة والرجل، والحكمة من ذلك:
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فهذا -أي التسوية بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والحدود- من كمال شريعته وحكمتها ولطفها، فإن مصلحة العبادات البدنية ومصلحة العقوبات، الرجال والنساء مشتركون فيها، وحاجة أحد الصنفين إليها كحاجة الصنف الآخر، فلا يليق التفريق بينهما، نعم فرقت بينهما في أليق المواضع بالتفريق...إلى أن قال: وسوت بينهما في وجوب الحج لاحتياج النوعين إلى مصلحته، وفي وجوب الزكاة والصيام والطهارة... إلخ. ا. هـ (2).

ونجد أن الإسلام أحل المرأة المكانة اللائقة بها في ثلاثة مجالات رئيسة(3):
1. المجال الإنساني: فاعترف بإنسانيتها كالرجل، وهو الأمر الذي كان مرفوضاً عند أكثر الأمم السابقة.
2. المجال الاجتماعي: حيث فتح أمامها مجال التعلم وأكرمها بحفاوة اجتماعية لا يعرف لها نظير عند غير المسلمين، فلها حق الأمومة على ولدها، وحق الأخوة على إخوتها، وحق الزوجية على زوجها، وحق البنوة على والديها.
3. المجال الحقوقي: فقد أعطاها الإسلام الأهلية الكاملة في جميع التصرفات حال بلوغها سن الرشد.
وفيما يلي بيان بعض الجوانب التي ساوت فيها الشريعة بين الرجل والمرأة:

1) المساواة في أصل النشأة:
قرر الإسلام بشكل قاطع وحدة أصل النوع البشري وذلك في عدة آيات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] وقال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ.. } [الحجرات: 13].

2) المساواة في المصير:
كما قرر أن البشر جميعاً صائرون إلى الله الذي خلقهم أول مرة وكل واحد منهم ذكراً كان أم أنثى سيلقى هناك جزاء عمله في هذه الدنيا، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، قال - سبحانه -: {وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95]، وقال أيضاً: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى} [النَّجم]، {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.. } [آل عمران: 195]، وقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

3) المساواة في أهلية الخطاب الشرعي:
فخطاب الله إلى البشر ورسالته إلى الناس متجهة إلى المرأة والرجل على حد سواء، وشخصية المرأة تجاه الرجل مستقلة تماما: فهي مطالبة بالإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر ومخاطبة بكافة التكاليف الشرعية دون وساطة أحد أو وصايته، وهي تتحمل المسؤولية الكاملة في كل ذلك قال - تعالى -: {إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب(35)(36)]، وقال جل جلاله: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ} [التَّحريم(10) (11) (12)].
ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابنته فاطمة: « يا فاطمة! لا أغني عنك من الله شيئا ».

الحقيقة
29 Jan 2009, 09:23 AM
4) المساواة أمام القضاء:
والمرأة كذلك لها حصانتها القانونية ولها حق التقاضي ورفع الظلم إن وقع عليها قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا.. } [النساء: 135] وكثيرات هن النساء اللاتي جئن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتكين من الظلم الواقع عليهن من بعض أقاربهن فأنصفهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفع عنهن ذلك الظلم. فمنهن تلك التي منعها أخوها عن الزواج ممن ترضى فجاءت تشكوه إلى الرسول فنزل قوله - تعالى -: {.. فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوفِ.. } [البقرة: 232] وتلك التي زوجها أبوها وهي كارهة فرد الرسول - صلى الله عليه وسلم - نكاحها، وتلك الفتاة التي زوجها أبوها ممن تكره فجاءت إليه - صلى الله عليه وسلم - فخيرها فقالت: « قد أجزت ما فعل أبي، ولكن أردت أن يعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء ».
وأخرى جاءته وقد منع عم ابنتيها من الميراث من أبيهما فنزل قوله - تعالى -: {.. فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ.. } [النساء: 11] وغيرهن كثيرات.

5) المساواة في الحقوق العامة:
فقد أعلن الإسلام المساواة والتكافؤ بين الحقوق والواجبات الأسرية للمرأة، فقال - تعالى -: {.. وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ.. } [البقرة: 228] وأعلن كذلك حقها في الشورى داخل الأسرة في أمر الأبناء وتربيتهم وغير ذلك من أمور الأسرة فقال - تعالى - في شأن فطام الأبناء: {.. فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا.. } [البقرة: 233]، وقال: {.. وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ.. } [الطَّلاق: 6] أي ليأمر كل واحد من الزوجين الآخر بالمعروف في شئون الأسرة - من إرضاع للأبناء وتربيتهم وغير ذلك.

‌أ- حق المرأة في التفكير والاعتقاد:
كفل الإسلام للإنسان ذكراً أو أنثى حق التفكير والاعتقاد، بل اعتبر التفكير والنظر أمراً واجباً على الإنسان، فتعددت الآيات التي تحض الإنسان على النظر والتفكير في ظواهر الكون والحياة قال - تعالى -: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ.. } [الأعراف: 185]، {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.. } [يونس: 101]، وقال: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ.. } [العنكبوت: 20]، {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ.. } [سبأ: 46].
أما حق الاعتقاد فقد كفله الإسلام للإنسان ومنع الإكراه على تغيير المعتقد: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ.. } [البقرة: 256]، {.. أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية(21) (22)].
وقد توعد القرآن أولئك الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات عن دينهم، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ} [البروج: 10]، ومن كل تلك النصوص تتجلى استقلالية الشخصية الدينية للمرأة وأنه لا أحد يقرر لها معتقدها وإنما هي التي تقرره بإرادتها الحرة.
غير أن الإسلام حدد المعتقد الصحيح، وبين ثواب من تمسك به، وما يترتب من عقاب من أعرض عنه.
قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ.. } [الممتحنة: 10] ، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ.. } [الممتحنة: 12]، {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ.. } [الأحزاب(30) (31)].
ولما جاء الإسلام أسلمت المرأة وهاجرت، مع كفر الزوج والأب وكافة الأقارب من الرجال فهذه أم حبيبة بنت أبي سفيان تسلم وتهاجر مع أن أباها كان إذ ذاك من رؤوس الكفر ويرتد زوجها فتثبت هي على الإسلام.
وهذه فاطمة بنت الخطاب تسلم قبل إسلام أخيها عمر وتكون هي سبب إسلامه بواسطة تصديها وتحديها له لما علم بإسلامها وأراد أن يفتنها.
وهذه أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط تسلم وتهاجر رغم أن كل أفراد أسرتها كانوا على الشرك. وكثيرات هن اللواتي كن السبب في إسلام أزواجهن منهن أم سليم زوجة أبي طلحة الأنصاري، وأم حكيم بنت حزام زوجة عكرمة بن أبي جهل، وغيرهن كثير.

‌ب- حق حرية إبداء الرأي:
أعطى الإسلام للمرأة الحق في المطالبة بحقها إذا سلب منها أو منع عنها.
كما في قصة المجادلة التي ظاهر منها زوجها، جادلت في حكم كان من شأنه في الجاهلية أنه لا رجوع فيه، حتى أنزل الله فيه حكم الظهار(4).
وقصة خنساء بنت خدام الأنصارية لما زوجها أبوها رجلاً لا تريده، وكانت كبيرة عاقلة، فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكاحها (5).
وقصة المرأة التي ردت على عمر - رضي الله عنه - نهيه عن المغالاة في المهور تالية عليه قوله - تعالى -: {.. وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا.. } [النساء: 20] فرجع عمر - رضي الله عنه - إلى قولها (6).
وهذه الحرية مضبوطة بضوابط الشرع، ليس الغرض منها إثارة فتنة أو طعناً في الدين، أو هوى يقوده أو شهوة تعميه، أو استغلالاً لهذا المبدأ الكريم فيتجاوز به الحد كما صنع من درس من أبناء المسلمين في الغرب فتأثر بهم.

الحقيقة
29 Jan 2009, 09:23 AM
‌ج- حق التعلم:
وجميع النصوص في القرآن والسنة الواردة في الرفع من شأن العلم تشمل الرجال والنساء، وقد نقل إلينا كثير من أحكام مسائل الدين عن طريق أزواج النبي صلوات الله وسلامه عليه، كعائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وصفية، ومن غيرهن أيضاً: كأم سليم، وأم حرام، وأم عطية، وأم شريك، وأم الدرداء، وغيرهن.
فللمرأة الحق في تعلم ما تحتاجه من العلوم النافعة لها مما يناسب طبيعتها، كالتفقه في الأمور التي تخص المرأة ويكثر السؤال عنها.
ومعرفة أمور التطبب والتمريض وما له اتصال من هذه الأمور بحاجة المرأة.
كما أن من المهم أن تتعلم صنعة في يدها كالخياطة والحياكة، وأصول الطبخ، وتدبير شؤون المنزل، ونحو ذلك.
وهذا يجعلنا هنا ننبه على الطريقة العصرية للتعليم في وقتنا الحاضر حيث تتلقى الأنثى جميع العلوم التي يتلقاها الرجل دون مراعاة ونظر إلى ما يناسب طبيعتها وقدراتها، فنجد الفتاة تدرس علوم الهندسة، والرياضة، والأحياء، ونحو ذلك، وهذه مناهج يجب أن يعاد فيها النظر، وينشأ جامعات متخصصة تراعي ما يعطى للمرأة بقدر الحاجة، كما تراعي من جانب آخر تخفيف الجدول وساعات العمل، مع التخفيض في الأجر، وتخفيض سنوات الخدمة، لأن المنزل بحاجة إليها.

‌د- حق المرأة في التملك:
العمل من أعظم أسباب التملك وكانت المرأة في عهد الجيل الأول تشارك زوجها في العمل، كعمله في الغزل مثلا، وربما كسبت مالاً كثيراً تجب فيه الزكاة، فتعطيه زوجها وأيتاماً في حجرها، كما صنعت ذلك زينب زوج ابن مسعود - رضي الله عنهما - (7).
والمرأة يمكنها أن تحترف مهنة تتكسب منها وهي في منزلها كبعض المصنوعات التي تعرض في الأسواق، وفي زمننا يمكن استفادتها من علم الحاسوب في البرمجة وإدخال المعلومات، وكتابة البحوث، والتعامل الصحيح مع الإنترنت، كل ذلك يدر عليها مالا وهي في بيتها لا تكاد تحتاج إلى الخروج منه.
فالإسلام أعطاها حرية التملك من وجوه متعددة كالعمل، والإرث، وكونها مكفولة من جميع النواحي فهي إما تحت زوج، أو أب، او أخ، أو قريب، أو بيت مال المسلمين، وهذه حقوق لها بكل حال حتى لو تعطلت يجبر السلطان على الإنفاق عليها.
كما أن للمرأة أن تتصرف في مالها كيف شاءت من صدقة أو هبة أو قرض أو اتجار، أو وقف أو وصية، ما دامت في كل ذلك كاملة الأهلية من البلوغ والعقل والرشد وعدم الحجر عليها.
يؤيد ذلك ما جاء في السنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعظ النساء في يوم عيد الفطر وأمرهن بالصدقة، فكانت المرأة تلقي بالخواتيم، والقرط، والخلخال (8).
وهذا فعل منهن دون إذن الأزواج، وقد أجازه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهذه الميزة غير موجودة عند أصحاب الديانات الأخرى، كاليهودية، والنصرانية.

‌ه- حق المرأة في الزواج:
ذلك أن من الحكم في الزواج الاستمتاع الشرعي، وقضاء الوطر، وحصول الولد، وهو مطلب للرجل والمرأة معاً. وقد يصل إلى حد الوجوب عند الخوف من الوقوع في الزنا، وهذه المعاني تشترك فيها المرأة مع الرجل فلكل منهما حق التزوج، واختيار شريك حياته، وانتقاء الأصلح.

ثالثاً: الجوانب التي ميزت فيها الشريعة المرأة عن الرجل والحكمة من ذلك:
مع وجود المساواة بين الرجل والمرأة كما سبق بيانه إلا أننا نجد أن الإسلام قد فرق بينهما في بعض الجوانب، وهذا التفريق هو من باب تحقيق العدل وإعطاء كل ما يناسبه بحسب طبيعته، وعند التأمل في هذه الفروق نجد أنها خاضعة لاعتبارات معينة تعود إلى طبيعة تكوين كل من الجنسين، ضعفاً وقوة، ونقصاً وكمالا، وتحملاً وأداء، ونحو ذلك، فإذا تساوت مع الرجل في جانب من الجوانب بحيث لا يكون لهذه الاعتبارات أثر، فليست حينها قاصرة عن الرجل.
وقد جعل - سبحانه - المرأة على النصف من الرجل في عدة أحكام(9): الشهادة (10)، الميراث (11)، الدية، العقيقة، العتق (12).
وقد ذكر الله الحكمة من كونهما في الشهادة اثنتان لا واحدة أنه لأجل إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط، وإلى هذا المعنى أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: « أما نقصان عقلهن فشهادة امرأتين بشهادة رجل » فبين أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة، لم تكن فيه على نصف الرجل، وما يقبل فيه شهادتهن منفردات إنما هو أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة، والاستهلال، والارتضاع، والحيض، والعيوب تحت الثياب، فإن مثل هذا لا ينسى في العادة ولا تحتاج معرفته إلى كمال عقل. ا. هـ (13).
قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فرقت -أي الشريعة- بينهما -أي الرجل والمرأة- في أليق المواضع بالتفريق وهو الجمعة والجماعة، فخص وجوبهما بالرجال دون النساء لأنهن لسن من أهل البروز ومخالطة الرجال، وكذلك فرقت بينهما في عبادة الجهاد التي ليس الإناث من أهلها.
وأما الشهادة فإنما جعلت المرأة فيها على النصف من الرجل لحكمة أشار إليها العزيز الحكيم في كتابه، وهي أن المرأة ضعيفة العقل، قليلة الضبط لما تحفظه، وقد فضل الله الرجال على النساء في العقول والفهم والحفظ والتمييز، فلا تقوم المرأة في ذلك مقام الرجل، وفي منع قبول شهادتها بالكلية إضاعة لكثير من الحقوق وتعطيل لها، فكان من أحسن الأمور وألصقها بالعقول أن ضم إليها في قبول الشهادة نظيرها لتذكرها إذا نسيت، فتقوم شهادة المرأتين مقام شهادة الرجل، ويقع من العلم أو الظن الغالب بشهادتهما ما يقع بشهادة الرجل الواحد.
وأما الدية فلما كانت المرأة أنقص من الرجل، والرجل أنفع منها، ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين لم تكن قيمتهما مع ذلك متساوية، وهي الدية، فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال، فاقتضت حكمة الشارع أن جعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما.. إلى أن قال:.. وأما الميراث فحكمة التفضيل فيه ظاهرة فإن الذكر أحوج إلى المال من الأنثى؛ لأن الرجال قوامون على النساء، والذكر أنفع للميت في حياته من الأنثى، وقد أشار - سبحانه وتعالى - إلى ذلك بقوله بعد أن فرض الفرائض وفاوت بين مقاديرها قال - تعالى -: {.. آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا.. } [النساء: 11]، وإذا كان الذكر أنفع من الأنثى وأحوج كان أحق بالتفضيل.. إلى أن قال: وأما العقيقة فأمر التفضيل فيها تابع لشرف الذكر، وما ميزه الله به على الأنثى، ولما كانت النعمة به على الوالد أتم، والسرور والفرحة أكمل، كان الشكران عليه أكثر، فإنه كلما كثرت النعمة كان شكرها أكثر. ا. هـ (14).

_____________________
(1) كالبيع، والإقالة، والسلم، والشفعة، والإجارة، والرهن، والقسمة، والهبة، والوقف وغيرها.
(2) إعلام الموقعين 2/ 168.
(3) انظر: المرأة بين الفقه والقانون للسباعي ص22 بتصرف.
(4) قصتها في صدر سورة المجادلة، ورواها أبو داود في سننه كتاب الطلاق باب في الظهار حديث رقم 2214
(5) رواه البخاري في صحيحه كتاب النكاح -
(6) أصل الحديث في سنن البيهقي 7/ 233.
(7) الحديث في صحيح البخاري كتاب الزكاة باب الزكاة على الزوج والأيتام حديث رقم 1466.
(8) صحيح البخاري كتاب العيدين باب موعظة الإمام النساء (فتح الباري 2/ 466).
(9) انظر الطرق الحكمية لابن القيم ص149، إعلام الموقعين 2/ 168، تحفة المودود ص47، وتهذيب السنن 4/ 129.
(10) قال - تعالى -: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} سورة البقرة آية: 282.
(11) قال - تعالى -: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} سورة النساء آية: 11.
(12) في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أعتق امرأ مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار، ومن أعتق امرأتين مسلمتين أعتق الله بكل عضو منهما عضوا من النار).
(13) انظر الطرق الحكمية لابن القيم ص150.
(14) إعلام الموقعين 2/ 168، 169.

الحقيقة
31 Jan 2009, 08:54 AM
رابعاً: مقاصد الشريعة من الأحكام الخاصة بالمرأة:
إن من أهم المقاصد التي أراد الإسلام تحقيقها في هذه الحياة: العدل الذي يعني وضع الشيء في موضعه اللائق به، وعليه نجد أن الإسلام أناط بالرجل من الأعمال والمهام ما يتناسب مع قدراته وإمكانياته، كما أناط بالمرأة ما يناسب قواها الجسمية والعقلية، ويمكن تلمس بعض المقاصد من الأحكام الخاصة بالمرأة ببيان ما يلي:
أولاً: في إعطائها إنسانيتها وكرامتها وأهليتها إبطال لتلك الاعتقادات السائدة التي وجدت قبل الإسلام وحين ظهوره من جعل المرأة كسقط المتاع.
ثانياً: في اعتراف الإسلام بالمرأة وما لها من حقوق وما عليها من واجبات دليل على الرقي في التفكير الإسلامي وفي التعامل الإنساني، ومدى تهاوي الحضارات الأخرى والتي من إفرازاتها الحضارة الغربية الحديثة في التعامل مع هذا الجنس من البشر (1).

خامساً: مبنى التصور العام للمرأة الذي راعته الشريعة في تكليفها:
النساء في الإسلام شقائق الرجال، ومن حكمة الاستخلاف الإلهي للإنسان في الأرض أن يعمرها ويطبق شرع الله فيها، فكان خلق آدم للقيام بهذه المهمة لكنه وحده قد يعجز فخلق من تلك النفس امرأة تعينه على المهمة قال تعالى: [وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً..] {الرُّوم:21}.
فعمارة الأرض منوطة بهذا الكائن البشري المكون من الرجل والمرأة.
لذا فالملاحظ أن آدم لم يعش يوماً بمفرده على الأرض، ولا حواء كذلك، ومن هنا يمكن القول بأن: " أقدم مؤسسة اجتماعية تربوية عرفها الإنسان هي الأسرة " (2).
إن اللبنات الأساس التي تتكون منها الأسرة هي الزوج والزوجة، ومن هنا جاء اهتمام الإسلام بالأسرة اهتماماً بالغاً وذلك لأمرين (3):

الأول: أن الأسرة تلبي مطالب الفطرة البشرية بالآتي:
‌أ- إيجاد الولد الذي يحمل اسم أبيه من بعده، ويكون عوناً له في شيخوخته.
‌ب- هي البيئة الأولى لتدريب الإنسان على المسؤلية التي كلفه الله بها من عمارة الأرض.
‌ج- أن سنة التزاوج تحقق سنة الله في خلقه وهي: ( نظام الزوجية ) كما قال الله تعالى:[.. خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] {الذاريات:49}.
‌د- إشباع مطالب الروح والجسد في الإنسان عن طريق الزواج الشرعي المهذب للنفوس والأخلاق.

الثاني: أن للأسرة مهام اجتماعية، ومنها:
‌أ- حفظ النسب من الاختلاط، إذ بها تعرف الأنساب وفي الحديث ( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم )(4).
‌ب- حماية المجتمع من الأمراض الاجتماعية والانحلال الخلقي.
‌ج- حماية المجتمع من الأمراض الجنسية المصاحبة للزنا.
‌د- إعداد الفرد ليكون صالحا في نفسه وأسرته ومجتمعه.
ومن خلال هذه النظرة للأسرة ندرك ذلك التصور الذي راعته الشريعة في تكليفها للمرأة حيث هي ركن الأسرة التي هي نواة المجتمع.
لذا فالإسلام لا ينظر إلى المرأة كما نظرت إليها اليهودية والنصرانية من أنها جرثومة خبيثة،وكما نظر إليها العرب في الجاهلية من كونها حق موروث، وكانوا يئدون البنات خشية العار والمشاركة في المطعم.

بل هي في ميزان الإسلام كالرجل فرض الله عليها القيام بالتكاليف الشرعية، كما عاملها بالثواب عند الاستجابة لأمره والعقاب عند النكول عنه قال تعالى: [مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ] {غافر:40}.
ولم تنل المرأة رعاية منذ طفولتها حتى مماتها إلا في ظل الإسلام:
فهي مخلوقة لحكمة لا غنى للرجل عنها ولا غنى لها عن الرجل.
لم يحجر الإسلام على المرأة، ولم يمنعها من ممارسة حقوقها التي شرعها الله سبحانه، صمن حدود لا ينبغي تجاوزها، وفي حال التجاوز لا بد من المؤاخذة لكي يقطع دابر الفساد، ولا تحدث بسببها فتنة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجل، ولهذا خصت بالاحتجاب، وترك إبداء الزينة، وترك التبرج، فيجب في حقها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب في حق الرجال؛ لأن ظهور النساء سبب الفتنة، والرجال قوامون عليهن (5).
الحرية التي تطالب بها المرأة ينبغي أن تفهم الفهم الصحيح، فالحرية الحقة:
هي العبودية التامة لله عز وجل والتحرر من قيود الهوى والشيطان.
هي أن تعامل في المجتمع على أنها مكرمة كرمها الله تعالى كما كرم الرجل، ولا يحق للرجل أن يهضمها حقوقها التي منحها الشرع، أو يكلفها مالم يكلفها الشرع تحت شعار التسلط أو القوامة، لأن القوامة بمفهومها الإسلامي جزء من نظام متكامل يحفظ للمرأة حقوقها وإنسانيتها، فهي ليست قهرا أو استعبادا كما يحلو لأعداء المرأة أن يفسروا القوامة بذلك.

إن من أعظم ما جاء به الإسلام للمرأة أن صان كرامتها الإنسانية، وأوضح لها شخصيتها المستقلة، وأعطاها حريتها السامية في العمل والتعلم، والتملك، وإبداء الرأي فجعلها مسؤولة عن أعمالها كالرجل تماما.
فالإسلام رفع عن المرأة لعنة الخطيئة الأبدية، ووصمة الجسم المرذول التي ألصقها بها رجال الدين السابقون، وجعلها كالرجل في الإنسانية والمسؤولية والواجبات الدينية (6).
كما أوصى الإسلام بالمرأة خيرا، وحض على تربيتها تربية صالحة، ورتب على ذلك الثواب المضاعف كما جاء في الحديث: « فاستوصوا بالنساء خيرا »(7).
وحديث: « من يلي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار »(8).

الحقيقة
31 Jan 2009, 08:56 AM
سادساً: الآراء الفقهية الشاذة التي تخالف الشرع في مجال المرأة:
رأي ابن حزم الذي يجيز أن تلي المرأة ما عدا الولاية العامة، مستنداً إلى أثر عمر رضي الله عنه حيث ولى الشفاء بنت عبدالله العدوية قضاء الحسبة على سوق المدينة (9) وهذا الأثر ذكره ابن حزم بدون سند، وهو غير ثابت فقد قال عنه ابن العربي المالكي: لم يصح فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة (10).
وذكر الماوردي أن الإجماع كان قائما على انعقاد بطلان ولاية المرأة للقضاء وإثم موليها، فلا يعتد برأي من قال بجواز توليتها بعد انقراض عصر الإجماع من غير دليل شرعي (11).
وفي مجال النظر للمخطوبة قال داود: ينظر إلى جميع بدنها.
قال صاحب عون المعبود: "وهذا خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع" (12).

سابعاً: الجهود العصرية لإخراج رؤية فقهية جديدة وفهم جديد للنصوص حول المرأة بما يتفق مع متغيرات العصر ومقررات المنظمات الدولية:

* (نماذج للاجتهادات المطروحة في الساحة)

أولاً: المشاركات السياسية:
اتفق الفقهاء جميعاً على عدم جواز تولي المرأة منصب الإمامة العظمى، وأن الذكورة شرط فيمن يتولى هذا المنصب (13).
كما أن من تأمل تاريخ الإسلام تبين له أنه لم يحدث أن تولت امرأة الخلافة أو أي ولاية من الولايات، وهذا إجماع عملي.
قال ابن قدامة: ولا تصلح المرأة للإمامة العظمى، ولا تولية البلدان، ولذا لم يول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء، ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالبا (14).

وما ذلك إلا لأنه قد استقر في أذهان المسلمين أن الولاية تتنافى مع طبيعة المرأة وتلزمها بمخالطة الرجال والبروز إلى المجالس، والتعرض للنظر إليها والخروج عن الآداب الخاصة بالمرأة (15).
وقال الجويني -وهو يتكلم عن شروط الإمامة-: فما نعلمه قطعا أن النسوة لا مدخل لهن في اختيار الإمام وعقد الإمامة، فإنهن ما روجعن قط، ولو استشير في هذا الأمر امرأة، لكان أحرى النساء وأجدرهن بهذا الأمر فاطمة ثم نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ونحن بابتداء الأذهان نعلم أنه ما كان لهن في هذا المجال مخاض في منقرض العصور، وكر الدهور (16).
ومع هذا إلا أن دعاة التجديد العصراني كعادتهم في مجاراة الغربيين ولو على حساب الشرع والعقل والواقع، وتناغما مع دعوى المساواة بين الجنسين أعلنوا جواز تولي المرأة أي عمل أو وظيفة مهما كانت، ولم يفرقوا بين الولاية العامة والوظيفة العادية، وتأولوا حديث: « ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة » (17) على أنه خاص في مناسبة معينة ولبلد معين(18).
قال الخطابي: في الحديث أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء (19).
فكان تولية المرأة الولاية العامة والقضاء أمراً جائزاً مطلقاً لدى العصرانيين، زاعمين أن هذا الأمر إنما هو فكر إسلامي وآراء فقهية وليس دينا وضعه الله أو وحياً أوحى به إلى رسوله عليه الصلاة والسلام (20)، مع أن هذا القول يخالف المذاهب الأربعة، واجتهادات جمهور الفقهاء، وما قاله هؤلاء خروج على النصوص المحكمة في الكتاب والسنة(21).

ومن أوائل الاتفاقيات التي صدرت في هذا الشأن اتفاقية الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1952م بعنوان: ( اتفاقية خاصة بشأن الحقوق السياسية للمرأة ) (22) وكان فيما قررته الأحكام التالية:

المادة الأولى: للنساء حق التصويت في جميع الانتخابات، بشروط تساوي بينهن وبين الرجال دون أي تمييز.
المادة الثانية: للنساء الأهلية في أن ينتخبن لجميع الهيئات المنتخبة بالاقتراع العام.
المادة الثالثة: للنساء أهلية تقلد المناصب العامة وممارسة جميع الوظائف العامة.
ثم توالت المؤتمرات والبرامج الغربية تؤكد على توسعة مشاركة النساء السياسية، والذي يعكس بدوره مدى تحقيق الديموقراطية لدى الحكومات والدول المفعلة لذلك.
وقد سارعت بعض الدول العربية وحققت هذه الرغبة فكان تعيين أول امرأة وزيرة في قطر، وتعيين ست نساء في مجلس شورى البحرين، وتعيين رئيسة للهيئة العامة للشؤون الحرفية في عمان بدرجة وزير، كما تشغل امرأتان مقعدين في المجلس الاستشاري العماني.

وفي الكويت تشارك المرأة بمنصب سفير، ويصدر قرار بمنح المرأة الكويتية حقوقا سياسية كاملة بحلول عام 2003م.
أما بالنسبة لمصر فإن مشاركتها النسائية السياسية متقدمة على مستوى الدول العربية، فقد أصبح حقل الدبلوماسية المصرية حافلا بالموظفات من النساء بعد أن صارت هناك امرأة دبلوماسية بين كل ستة رجال، الأمر الذي بات معه الرجال يخشون من احتكار النساء للوظائف الدبلوماسية.

وهناك نقاش كبير بين كثير من الباحثين حول هذا الموضوع فمنهم من يمنع ومنهم من يجيز، وكان لهذا النقاش أثر على رؤية العاملين في الساحة من مختلف الاتجاهات الإسلامية المعاصرة، وكان من أبرز الاتجاهات التي أعطت المرأة الحق في المشاركة السياسية الإخوان المسلمون فرأوا أن لها حقا في الانتخابات وفي عضوية المجالس النيابية وفي تولي الوظائف العامة.
زاعمين أن ليس ثمة نص في الشريعة يمنع من ذلك وأن النصوص الحاثة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدعم هذا الرأي حيث فيه تكليف للمرأة بذلك.
قالوا: بل إنه في بعض الأحوال تكون المشاركة واجبة وضرورة لأجل تكثير الأصوات للإسلاميين وعدم تضعيف فرصة فوز المرشح الإسلامي.

ومثل ذلك حقها في عضوية المجالس النيابية، وتوليها للوظائف العامة دون الإمامة العظمى، كالقضاء فقد استندوا إلى اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، وإلى جواز عملها شرعا فيما هو حلال من الأعمال المهنية كالطب والتدريس، والتمريض ونحوه (23).
كما نادى القرضاوي بضرورة أن يفسح للمرأة مكان لتشارك في قضايا الأمة السياسية والاجتماعية والثقافية ناخبة ومرشحة لكل ما تحسنه من الأعمال (24).
كما أن الترابي ذهب إلى تولية المرأة كل القضاء، وقال أيضا: ليس في الدين مصدر يمنع المرأة أن تؤم الصلاة، وأن تلي بعض الأمر... الخ (25).
كذلك ادعى الغزالي بأن الإسلام يرحب بالمرأة قاضية (26).

ثانياً: ما يتعلق بالأحوال الشخصية:
مع أنها هي التي بقيت لم تعبث بها يد القوانين الوضعية ومع هذا طالتها محاولات التغيير في مصر والمغرب، بل والسعي لتنزيل هذه الخطط والقرارات لبلاد أخرى كالنيجر واليمن وغيرهما من الدول العربية.
ومما دعت إليه هذه الخطة رفع سن الزواج لدى الفتيات من 15 إلى 18 سنة، وتقاسم الممتلكات في حالة الطلاق، وإلغاء تعدد الزوجات، وإضفاء الاختيارية على وجوب حضور ولي المرأة عند الزواج.
وإمعاناً من دعاة التجديد العصراني في متابعة الغربيين حذو القذة بالقذة فقد ناقضوا هدي الشريعة في هذه المسائل:
فذهب قاسم أمين إلى أن الطلاق محظور في نفسه، مباح للضرورة فقط، وأنه لا يقع بمجرد التلفظ بكلمة الطلاق مهما كانت صريحة، بل لا بد من إيقاعه أمام القاضي في وثيقة رسمية بحضور شاهدين.
وتابعه على ذلك العديد من العصريين منهم محمد فتحي عثمان(27)، ومحمود الشرقاوي (28)
كما عد هؤلاء العصرانيون مسألة تعدد الزوجات -التي شرعها الله- من سمات عصر الإقطاع(29).
يتبع ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])

(1) في القانون الروماني، وفي القانون الفرنسي حتى عام 1938م أسباب الحجر هي الصغر، والجنون، والأنوثة.( المرأة بين الفقه والقانون ص31).

(2) انظر بحثا بعنوان الأسرة والعولمة لفؤاد بن عبدالكريم نشرته مجلة البيان في تقريرها الاستراتيجي – الإصدار الثالث ص365.

(3) باختصار من المصدر السابق ص369.

(4) سنن الترمذي – كتاب البر والصلة – باب ما جاء في تعليم النسب – حديث رقم 1902- صححه الألباني في صحيح الترمذي برقم 1612، وهو في صحيح الجامع برقم 2965.

(5) مجموع الفتاوى 15/ 297.

(6) انظر الإنسان وحريته في الإسلام لمحمود بابلي ص191، وحق الحرية في العالم لوهبة الزحيلي ص258.

(7) صحيح البخاري – كتاب النكاح – باب الوصاة بالنساء – حديث رقم 4787- وصحيح مسلم – كتاب الرضاع – باب الوصية بالنساء – حديث رقم 2671.

(8) صحيح البخاري – كتاب الأدب – باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته – حديث رقم 5995، صحيح مسلم – كتاب البر والصلة – باب فضل الإحسان إلى البنات – حديث رقم 4763.

(9) المحلى 9/ 429.

(10) أحكام القرآن 3/482.

(11) الأحكام السلطانية ص83.

(12) انظر: عون المعبود 6/ 97.

(13) انظر أحكام القرآن لابن العربي 3/ 568، وتفسير ابن كثير 3/ 491، وزاد المسير لابن الجوزي 6/ 379، وفتح الباري 13/ 146-147.

(14) المغني 9/ 41.

(15) احكام القرآن لابن العربي 3/ 1458.

(16) غياث الأمم والتياث الظلم ص62.

(17) صحيح البخاري – كتاب المغازي – باب كتاب النبي إلى كسرى وقيصر – حديث رقم 4073.

(18) انظر كتاب العصرانيون لمحمد الناصر ص267.

(19) فتح الباري 8/ 128.

(20) الإسلام والمستقبل – محمد عمارة – ص237.

(21) بالنسبة لتولية المرأة للقضاء أجازه الحنفية في غير الحدود والقصاص ( الهداية للمرغيناني 3/ 101).

(22) انظر أضواء على الحركة النسائية لروز غريب ص174-175.

(23) انظر الاختلافات الفقهية لدى الاتجاهات الإسلامية المعاصرة لمحمد عبداللطيف محمود ص331 وما بعدها.

(24) انظر كتابه الإسلام والعلمانية ص39.

(25) انظر كتاب منهج التيسير المعاصر للطويل ص 33 نقلا عن كتاب الدكتور الترابي وفساد نظرية تطوير الدين لعبدالفتاح محجوب ص33.

(26) مستقبل الإسلام ص56.

(27) انظر كتابه الفكر الإسلامي في التطور ص190.

(28) انظر كتابه التطور روح الشريعة ص275.

(29) انظر كتاب العصرانيون لمحمد حامد الناصر ص261، وبين مقالات هؤلاء الجريئة على شرع الله من أمثال محمد عمارة , وفتحي عثمان.