المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رفْعُ الالْتِبَاس عَنْ تَنَازُعِ الوَصِي وَالْعَبَّاس لابن الأمير الصنعاني


الشريف الحسني
11 Oct 2010, 11:20 AM
الكتاب : رفْعُ الالْتِبَاس عَنْ تَنَازُعِ الوَصِي وَالْعَبَّاس
تأليف: الإمام العلامة محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير الصنعاني (1099ـ 1182هـ )



رفْعُ الالْتِبَاس
عَنْ تَنَازُعِ الوَصِي وَالْعَبَّاس

تأليف
الإمام العلامة محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير الصنعاني
( 1099ـ 1182هـ )






بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين


اعلم أَنَّ حديث مالك بن أوس بن الحدثان في قصة تنازع الوصي وعمه العباس عليهما السلام، في وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإتيانهما إلى عمر بن الخطاب ليحكم بينهما فيما تنازعا فيه،وهو حديث أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وفي رواياتهم اختلاف في ألفاظه . وقد استوفاها ابن الأثير في جامع الأصول قد أُورِدت عليه إشكالات ، فوجدت في هامش جامع الأصول نسخة السيد العلامة الحسن بن أحمد الجلاَّل رحمه الله ما لفظه: " قالت الشيعة هذا مشكل من وجهين:
أحدهما: أنَّهُ لا يَعْرِف حديث انتفاء الإرث إلاَّ أبو بكر وحده، ذكر ذلك معظم المحدثين والأصوليين ومقتضى هذه الرواية أنَّ عبدالرحمن ومن ذكر معه يعرفونه.
الثاني: أنَّ عمر ناشد عليًا والعبَّاس هل يعلمان ذلك؟. قالا: نعم . فإِذا كانا يعلمانه فكيف جاء العباس وفاطمة إلى أبي بكر يطلبان الإرث؟ وهل يجوز أنَّ عليًا يعلم ذلك ويُمَكِّن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه؟ وهل نازعت أبا بكرٍ إلا بإذنه." انتهى.
ثُمَّ كتب فيه أيضًا: "وأشكل مما تقدم أيضًا أنهما حضرا يستبينان لا في الميراث بل في صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيهما يتولاها عمالة لا إرثًا؟".
ثُمَّ كتب السيد حسن رحمه الله:


"قلت:لا إشكال في الإشكال، وقد صرَّحَ الحافظ البارع النَّاقد عبد الرحمن بن خِراش بأنَّه يتهم مالك بن أوس بن الحدثان بوضع هذا الحديث ذكر ذلك الذهبي في ترجمة ابن خِراش في تذكرة الحفَّاظ . وأمَّا من خرَّجه من الجماعة، فلا يدل تخريجهم على حقيَّته فإِنَّهُ لم يخرج من رتبة الآحاد" انتهى ما في هامش الجامع .





ثُمَّ اتفق وصول السؤال من السيد العلامة علم الدين القاسم بن محمد السبكي(1)، ومن الولد العلامة شرف الدين الحسن بن محمد (الأخفش)، عمَّر الله بعلومهما معالم الدين، سؤالان في حين واحد، يتضمنان استشكال الحديث بما قد تضمن الجواب عن الإشكالين كشف النقاب، وإبانة وجه الصواب حسب الإمكان ، فإن كان صوابًا فمن فضل الله من له الامتنان وإن كان خطأ فمن قصور النَّاظر. والحديث قد أعيا وجه بيان إشكاله القرون الأولى، وصعب عليهم تطبيقه على الطريقة المثلى كما سيعرفه الناظر مما يأتي في الجواب. وأقول: إنَّهُ يتبين النظر فيما ذكر، والتحقيق لما رُقِمَ وصدر. فأمَّا الإشكال الأول: وهو معرفة الستة المذكورين
__________
(1) "السبكي" كذا في المخطوطتين والذي يظهر أنه الكبسي (ت 1201هـ) انظر البدر الطالع (570).





لحديث: "لا نُوْرَثُ" مع ذكرمعظم المحدثين والأصوليين أنَّهُ لا يعرف إلاَّ من حديث أبي بكر. ... ... فالجواب: أنَّهُ لا يخفى أنَّ البتول عليها السلام والعباس - رضي الله عنه - كما قال الحافظ ابن حجر:"أنَّ العباس أيضًا أتى معها إلى أبي بكر" والذي في البخاري الاقتصار على فاطمة عليها السلام وأنها سألت أبا بكرٍ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقسم لها نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر وَفَدَك وصدقته بالمدينة، فقال لها أبو بكر:إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا نُوْرَثُ ما تركناه صدقة" فقنعت به، ولم تعاوده في طلب الميراث، وكذلك العباس لا نعلم أنه طلب الميراث بعد ذلك. ...


وما يأتي عن ابن تيمية أنَّه لم يطلب أحد من الورثة ميراثه بعد معرفته بالحديث، وإنَّما طلبا ميراثهما عملاً بعموم آية المواريث وأحاديثها فلمَّا روى لهما أبوبكر حديث " لا نُوْرَث" رأياه مخصصًا لعموم:{وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ}، ولعموم:"ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر". وشاع وذاع ما وقع من طلابهما وجواب أبي بكر عليهما، وعرفه كل من في المدينة أوغالبهم، وكان ذلك في حضرة جماعة من الصحابة كما قال المحقق النجري في شرح القلائد: " أنها أتت فاطمة عليها السَّلام أبا بكر ومعها جماعة من نسائها وخدم أهلها حتى أتت إليه وهوفي مجلس المهاجرين والأنصار، ثُمَّ ذكر رواية أبي بكر لها حديث: "لا نُوْرَثُ". قال: فصدقه سائر الصحابة وشهد بسماعه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض الحاضرين أيضًا." انتهى
فهؤلاء الستة عرفوه من رواية أبي بكر، فإنَّ القصة أمْرُها لا يخفى عادة وعرفًا.
ولمَّا ناشدهم عمر: هل تعلمون ذلك ؟أجابوه بنعم أي نعلمه، والمراد نعلمه من رواية أبي بكرٍ له فلا إشكال.



وأمَّا التعبير بالعلم من عمر ومنهم، مع أنَّهُ عن خبر أحادي، فالعلم يأتي بمعنى الظن. ومن العلماء من يقول:"خبر الآحاد يفيد العلم" وقد بسطنا ذلك في شرح التنقيح .
وإذا تقرر هذا، علمتَ أَنَّه لم يأت الحديث إلاَّ من رواية أبي بكرٍ، وأنَّ غَيرَهُ لم يستفدْهُ إلاَّ من روايته، إلاَّ ما يأتي من دعوى ابن تيمية، أنَّهُ رواه جماعة كثيرون، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى الإِشكال كما يأتي.
وأمَّا جواب الإِشكال الثاني: أنَّهُ كيف يأتي العباس إلى أبي بكرٍ يطلبه الميراث؟وكيف يأذن علي - عليه السلام - لِفَاطِمة أن تأتي أبا بكرٍ لذلك، مع علم علي والعباس بحديث" لا نُوْرَثُ" وكيف يطلبان ما لا حق لهما فيه؟ فإِنَّهُما قد أقرَّا عند عمر أنَّهُما يعلمان حديث "لا نُوْرَثُ"، فالجواب: أنَّهُ قد سلف قريبًا أنَّهُما، إنَّما علماه من رواية أبي بكر التي شاعت، لا أنَّهما سمعاه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالبتول والعباس والوصي عليهم السلام، لم يقع الطلب منهما كذا، ولا الإذن من الوصي للبتول إلاَّ قبل علم الجميع بحديث "لا نُوْرَثُ"، وأنَّهُ بعد العلم به لم يطالبه أحد، لأنَّا نعلم يقينًا أنَّهم لا يطالبون فيما يعلمون أنَّه لاحقَّ لهم فيه. وكيف وهم أعيان الأمة وسُرُج كل ظلمةٍ، ولِمَا يأتي من الأدلة.



وإذا عرفت هذا، عرفت قول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "أنَّ فاطمة عليها السلام اعتقدت تخصيص العموم في قوله: "لا نُوْرَثُ" و رأت أنَّ منافع ما خلَّفه صلى الله عليه وآله وسلم من أرضٍ وعقارٍ، لا يمتنع أن تورثَ عنه، وتمسك أبوبكرٍ بالعموم"هذا كلامه، وبهذا أجاب عن الإشكال، بأنَّهُ كيف يطلب علي والعباس الميراث من أبي بكرٍ ومن عُمر؟ لأنهما قد علما قوله: صلى الله عليه وآله وسلم،"لا نُوْرَثُ"فإنَّهما: إن كانا سمعاه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يطلبانه من أبي بكرٍ؟ وإن كانا سمعاه من أبي بكرٍ، أوفي زمنه، بحيث أفاد عندهما العلم بذلك، فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر؟. وقال: إنَّه إشكال شديد.
ثُمَّ قال:" والذي يظهر، والله أعلم أنَّ الأمر في ذلك على ما تقدم من الحديث الذي قبله في حق فَاطِمَةَ، عليها السلام وأنَّ كلاً من عليٍ وفَاطِمَةَ اعتقدا أنَّ عموم قوله "لا نُوْرَثُ" مخصص ببعض ما يخلفه دون بعض، ولذلك نسب عمر إلى علي والعباس، أنَّهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما."انتهى.
وهوكلام يحتاج إلى النظر فيه، فإنَّهُ يعلم يقينًا أنَّ الثلاثة لم يسمعوا حديث "لا نُوْرَثُ" منه صلى الله عليه وآله وسلَّم ، فإنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها أتت لطلب ميراثها قبل علمها بحديث"لا نُوْرَثُ"فلمَّا رواه لها أبو بكرٍ قبلته وقنعت، ولم تعاوده في طلب الميراث بعد علمها بحديث "لا نُوْرَثُ" ولم يُرْو ذلك، أي معاودتها لطلب الميراث من طريق صحيحة ولا ضعيفة.



قال النجري في شرح القلائد:"أنَّه لما قال أبوبكرٍ لِفَاطِمَة بعد طلبها الميراث: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إِنَّا معاشر الأنبياء لا نُوْرَثُ، ما خلفناه صدقة" فصدقه سائر الصحابة في ذلك، وشهد بسماعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض الحاضرين أيضًا، فسكتت فَاطِمة انقيادًا للحق، وطوعًا للشرع." انتهى بلفظه.
قلت: ودل على انقيادها للحق، أنها لم تعاود طلب الميراث، ولاعُلِمَ منها تجرمًا، ولا تظلماً ولا ملامةً لأبي بكرٍ، فعَرَفْتَ بطلان تأويل الحافظ وأنَّها اختلفت هي وأبوبكر في العموم والخصوص، كما يعرف بطلان قوله:"إنَّ عليًا والعباس اختلفا هما وأبوبكرٍ في ذلك" ، فإنَّهما لم يطلبا الميراث بعد معرفة حديث:"لا نُوْرَثُ" حتى يقال: أنَّهما تأولا، بل لمَّا سمعاه لم يطلبا ميراثًا من أبي بكر، ولا سمعاه إلا من روايته، لا أنَّهما سمعاه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا طلبا من عمر ميراثًا كما سنقرره، ولا يتم أنَّهما تأولاه، وتأولته البتول عليها السلام إلاَّ لونازعوا في ذلك أبا بكرٍ بعد علمهما بحديث "لا نُوْرَثُ" ولا توجد رواية صحيحة ولا سقيمة أنهم نازعوا أبا بكرٍ بعد معرفتهما بحديث "لا نُوْرَثُ" فكيف يقال تأولوا شيئًا ما عرفوه؟، فتدبر!.
والعجب من قول الحافظ: " إنَّه لاختلافهما ، هم وأبو بكرٍ في الحديث ، وأنَّهُ أخذ بعمومه، وأخذا هما بالخاص، نسبهما عمر إلى اعتقاد ظلم من خالفهما"يريد قول عمر: "تزعمان أنَّه ظالم- أي أبابكرٍ-" فإنَّ هذا الذي قاله ابن حجر باطل من وجهين:



الأول): أنَّهُ لوفرض صحة ما قاله من اختلافهما مع أبي بكر في التأويل، فغاية ذلك أنَّها مسألة اجتهادية، كل منهم أي أبي بكر و علي والعباس مأجور غير ملوم، ولا يجوز أن يسمى ظالمًا، وقد قال عمر:"تزعمان أنَّ أبا بكرٍ ظالم، غادر، فاجر" وحاشاهما أن يعتقدا ذلك في مسألة اجتهادية ظنيّة.
(الثاني): أنَّ أمير المؤمنين - عليه السلام - لمَّا صار خليفة لم يغير ما كان من أبي بكرٍ، ولوكان عنده ظالمًا فاجرًا لما حلَّ له أن يقرَّ ما فعله، ولَوَجب عليه تغييره، فانظر هذا التفريع الذي فرَّعه الحافظ على الاختلاف في مسألة ظنيةٍ اجتهادية لوصحَّت، وإلاَّ فإِنَّ دعوى ابن حجر أنَّهما خصصا العموم، هما والبتول دعوى لا دليل عليها، فإِنَّهُ لم يذكر أحد منهم مخصصا، ولاحام حوله، ولا علم أنهم طلبوا الميراث بعد علمهم بحديث "لا نُوْرَثُ" فأقرب ما يُحمل عليه قول عمر أنهما يزعمان أن أبا بكرٍ ظالم أنها كلمات حدة تقع في موقف الخصام، وإن كان الغالب إنَّما يقع من المتخاصمين، كما وقع من العباس في جناب الوصي أنَّهُ ظالم، ولم يجب الوصي على عمه بشيء.


قال الحافظ: "ولم أر في شيء من الطرق أنَّهُ صدر من علي في حق العباس شيء، بخلاف ما يفهم من رواية أنَّهما استبّا". قال المازري : "أجود ما يحمل عليه أنَّهُ قال ذلك- أي العباس- إذلالاً على علي، لأنَّهُ كان عنده بمنزلة الولد، فأراد ردعه عمَّا يعتقد أنَّه مخطيء فيه"انتهى.
وإذا تقرر لك أنَّ البتول لم تطلب الميراث بعد علمها بحديث "لا نُوْرَثُ" فاعلم أنَّه قد رُويَ أنها طلبت النحلة، ففي شرح النجري على القلائد:
وهو بهذا السياق :"وهذا اللفظ الذي وقع من العباس لا يليق بمثله ، وحاشا علياً رضي الله عنه أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف فضلاً عن كلِّها ... إلى أن يقول : وهذا اللفظ لابد من إثباته ولا يضاف الوهم إلى رواته ، فأمثل ما يُحمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه ، لأنه في الشرع أنزل منزلة أبيه وقال في ذلك مالا يُعتقد براءة ابن أخيه منه ، ولعله قصد بذلك ردعه وزجره عما يعتقد أنه مخطيء فيه ... ".


" وهو مشهور على الألسنة، أنَّ فَاطِمَة عليها السلام بعد ذلك ادعت أنه ملّكها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهامًا في فدك ، وأنَّ أبا بكرٍ طلب منها البيِّنة فأتت بعلي - عليه السلام - وأم أيمن، فقال: رجل مع الرجل أو امرأة مع المرأة" انتهى كلام النجري. وإلى هذا أشار المهدي عليه السلام في القلائد حيث قال " مسألة: وقضاء أبي بكرٍ في فَدَك صحيح خلافًا للإمامية، وبعض الزيدية لها، كذا لوكان باطلاً لنقضه علي عليه السلام ولوكان ظالمًا لأنكره (بنو)هاشم والمسلمون" انتهى بلفظه.


قلت: إلا أنَّ رواية النحلة لم نجدها في شيء من كتب المحدثين المعروفة، إلا أنه أخرج عمر بن شبَّةَ أنَّه قيل لزيد بن علي - رضي الله عنه - أنَّ أبا بكرٍ انتزع من فَاطِمَة فَدَك، فقال: إنَّه كان رحيمًا، وكان يكره أن يغير شيئًا تركه صلى الله عليه وآله وسلم،وأتته فَاطِمَة رضي الله عنها، فقالت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاني فَدَكًا، فقال: هل لك بينة ؟ فشهد علي - رضي الله عنه - وأمُّ أيمن . قال لها : لكن برجل وامرأة تستحقيها، فقال زيد بن علي: "إنَّه والله لو رجع الأمر فيها إليَّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر"(4)انتهى.
" .


وأمَّا الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد عليهم السلام فجزم بصحة النحلة وردّ على المهدي والإمام يحي ، وقال:"إنَّ قضاء أبي بكرٍ باطلٌ بالإجماع لأنَّه المُنازَع فحكم لنفسه"، وأطال في المسألة وليس المراد لنا إلاَّ الإتيان بما في ألفاظ حديث مالك بن أوس من الإشكالات، وليس فيه ذكر النحلة، إنَّما ألجأنا فيه إلى الخوض ما أفهمه كلام الحافظ ابن حجر، أنَّ فَاطِمَة رضي الله عنها اختلفت هي وأبوبكر في طريقة الاجتهاد، فَحَمَلَ الحديث على العموم، وحَمَلَتْهُ على التخصيص، وأنَّها طالبته بعد معرفة حديث "لا نُوْرَثُ" في الميراث إنَّما روى مطالبتها له بعد ذلك في النحلة.

ثُمَّ لايخفى أنَّ قول المهدي: قضاء أبي بكرٍ الخ. تسامُحٌ لأنَّه لم يحكم هنا بشيءٍ، ولا قضى به، بل طلب تكميل البينة لِيَحْكُم، ولم تقم فبقي الشيء على أصله، فلا حكم فيه أصلاً.
إذا عرفت أنَّه لم يطلب الوصي ولا عمه عليهما السلام الميراث بعد علمهما بحديث "لاَ نُوْرَثُ" وأنَّهما عرفاه إمَّا من رواية أبي بكر أوفي زمنه، بحيث أفاد عندهما العلم كما قدمناه عن الحافظ ابن حجر، عرفت الإشكال الشديد حقيقةً في قول عمر في هذه القصة: "جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا- يعني عليًا- يسألني نصيبه من امرأته" فإنَّه ظاهر أنهما أتيا عمر في خلافته يطلبان الميراث.
والحافظ ابن حجر، قد تنبه للإشكال وأجاب عنه، فقال في فتح الباري:
"أمَّا قول عمر:جئتني يا عباس، تسألني نصيبك من ابن أخيك، فإنما عبر بذلك لبيان قسمة الميراث أن لوكان هناك ميراث، لا أنّه أراد الغض منهما".
قلت: يريد أنهما لم يسألاه الميراث لعِلْمهما أنَّه لا ميراث لهما بعد معرفتهما حديث : "لا نُوْرَثُ" وإقرارهما في صدر القصة بمعرفة ذلك بل بعلمه ، فاحتاج ابن حجر إلى تأويل قول عمر للعباس:" تسألني نصيبك من ابن أخيك" لأنَّه ظاهر في طلب ما عَلِمَا أنَّه لا يحل طلبه، فتأوله بأنه عبَّر عمر بهذا اللفظ يعني لفظ نصيبك لبيان قسمة الميراث لوكان هناك، وأنَّه يكون للبنت النصف، وللعم النصف.
قلت: وهو تأويل في غاية السماجة، وغاية البعد عن القبول، وكيف يبين لعلي رضي الله عنه كيفية قسمة تركةٍ انحصر وارثها في البنت والعم والزوجات؟ وقد كان عمر يرجع إلى علي - رضي الله عنه - في عدة قضايا ،ويستعينه في عدة وقائع ويقول:



"لولا علي لهلك عمر"، ويقول له : "أطال الله بقاءك"، وفي الحديث : "أنَّ عليًا باب مدينة العلم"، مع أنَّه تسامح ابن حجر في قوله:"لبيان قسمة الميراث لوكان"، فإنَّه لوكان هناك ميراث، لما استحق العم والبنت النصفين إلاَّ بعد إخراج ثُمن الزوجات.
وإذا بطل ما قاله، فالذي يظهر لي بعد التأمل، أنَّ مراد عمر - رضي الله عنه - "جئتني إلى آخره" أي في أيَّام أبي بكر وحياته، ويحتمل أمرين: (الأول): جئتما أبا بكر، ونسب إتيانهما إلى نفسه، لأنه كان أقرب الناس إلى أبي بكرٍ، وأشدهم اتصالاً به، وكان شَويرَه ووزيره، فنسب المجيء إليه، إمَّا لأنه كان حاضرًا في موقف مجيئهما أو لأنَّه لما كان بتلك المثابة نسب إتيانهما إليه، كما يقول وزير الملك: جاءنا اليوم كذا، وقلنا كذا، أوجاءني وقلت،مع أنَّ الجائي جاء إلى الملك.

(والأمر الثاني): من الاحتمالين، وهوالذي ظهر لي بعد طول التأمل، أنَّ مراد عمر بقوله: جئتني يا عباس تسألني نصيبك إلى آخر كلامه، أنَّه إخبار عن مجيءٍ متقدمٍ، وقع عقب وفاته صلى الله عليه وآله وسلم وأنَّ العباس والوصي رضي الله عنهما وصلا إلى عمر يسألانه أن يبلغ أبا بكرٍ مطلوبهما من الميراث، لأنَّ عمر كان أخص النَّاس بأبي بكرٍ وأقربهم منه مجلسًا بمنزلة الوزير والشَّوير له ، وأنَّ مراد عمر جئتني ياعبَّاس أبلغ مطلبك إلى أبي بكرٍ، ومثله قوله للوصي، وقوله: فقلت لكما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا نُوْرَثُ ما تركناه صدقة" أي قلت مبلغًا عن أبي بكرٍ جوابه عليكما، وهذا التأويل هو الذي ينشرح له الصدر، فإنَّه سالم عن كل إشكال، وإيراد الأدلة قائمة على أنَّه المراد:


الأوَّل) من الأدلة أنَّه من أبعد البعيد، بل من المحال عادة أن يسكتا عن طلب الميراث أيام خلافة أبي بكرٍ، ثُمَّ يأتيا يطلبانه من عمر بعد وفاة أبي بكرٍ .
(الثَّاني) من الأدلة أنَّه لا يجوز أن يقال قد طلباه في حياة أبي بكرٍ، وأجاب عليهما بحديث "لا نُوْرَثُ" ثُمَّ يطلبان بعد وفاته من عمر، فإنَّ هذا يرده المعلوم لنا من تقواهما، ومروءتهما، أن يطلبا شيئًا قد علما أنَّه لا حق لهما فيه.
(الثَّالث) من الأدلة أنَّ هذا الحديث في القصة، منادٍ بأنهما كانا عالمين عند مجيئهما إلى عمر هذا المجيء الذي في القصة بحديث "لا نُوْرَثُ"،كما قرره عليهما عمر وأقرا به، وقالا: نعم.
(الرَّابع) إنَّ في صدر الحديث هذا أنهما أتيا يختصمان ويطلبان من عمر أن يقضي بينهما ، ولو كانا وصلا إليه لطلب الميراث لما اختصمافي شيءٍ لم يدخل تحت أيديهما، ولا وصلا إليه.
(الخامس ) من الأدلة قول عمر:"جئتماني وكَلِمَتكُما واحدة "أي لا خصومة بينكما، وهذا يناقض قول الراوي في أول حديث القصة، أنَّ العباس قال لعمر: "يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا" فإنَّه صريح أنهما أتيا إليه هذه المرة وكلمتهما مفترقة، وهما يختصمان، فلابد من حمل قوله جئتماني وكلمتكما واحدة، على مجيءٍ غير هذا قطعًا، وهوكما ذكرناه من أنَّه مجيء أوَّلٌ كان في حياة أبي بكر
(السَّادس) أنهما لوكانا وصلا إلى عمرهذه المرة لطلب الميراث، لما قال الأربعة من الصحابة الذين حضروا الموقف:"يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر".
(السَّابع) من الأدلة أنَّ قول عمر: فقلت لكما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا نُوْرَثُ ما تركناه صدقة" ، فإنَّ هذا الحديث مما تفرَّد بروايته أبوبكرٍ ، فالمراد أنَّه قاله عمر مبلغًا عن أبي بكرٍ، جوابًا عليهما بعد أن أبلغه عمر مطلبهما من الإرث.


الثَّامن)، منها: تعبيره بالماضي في:"جئتني يا عبَّاس" فإنَّه مشعر بأنه مجيء متقدم عن هذا المجيء الذي وقع فيه الخصام.
(التَّاسع) استيفاء عمر لأمر الفيء من أوَّل أمره، وذكر ما كان يصنعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وغير ذلك وذكر مجيئهما إليه يسألانه، أي إبلاغ أبي بكرٍ بعد ذكر جميع ما وقع قبل مجيئهما هذه المرة التي هي مرَّةُ الخصام.
إذا عرفت ما سقناه من الأدلة، الدَّالة على أنَّ هذا أقرب التأويل، وأنَّه يجب المصير إليه،وعرفت كم بينه وبين تأويل ابن حجر الحافظ بقوله:"إنَّما عبر بذلك لبيان قسمة الميراث" فإنَّ ذلك في نهاية البعد والبطلان.
والحاصل أنَّه يستفاد من مجموع الروايات أنَّ الوصي وعمه رضي الله عنهما وصلا إلى عمر ثلاث مرَّاتٍ:
(الأولى) في حياة أبي بكرٍ ليبلغه مطلوبهما.
(والثَّانية) حين بدا لعمر أن يدفع إليهما صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويوليهما أمرهما والتصرف فيها ولاية مشتركة بينهما، مع أنَّه يحتمل أنهما هذه المرة ما وصلا إليه بأنفسهما بل استدعاهما أونحوه.
(والثَّالثة) هذا المجيء المذكور في القصة مجيء الاختصام، وأنَّهما يطلبان منه أن يجعل ولاية الصدقة بينهما على جهة استقلالِ كل واحد بولاية ما هو إليه، وأن يقسمها بينهما فامتنع عمر من ذلك قائلاً: "لا أوقع عليهما اسم القسمة، أدعه على ما هو عليه".
فإن قيل: إذا كانا قد علما أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لانُوْرَثُ" من إتيانهما إلى عمر، لإبلاغ مطلبهما إلى أبي بكرٍ وجوابه برواية الحديث ، فكيف ساغ للوصي أن يأذن للبتول عليها السلام في إتيانها أبا بكرٍ لطلب الميراث وقد عَلِم أنه لا ميراث لها؟ قُلْتُ: كأنه والله أعلم كره إيحاسَّها بإخبارها أنَّه لا ميراث لها، وأراد أن تأخذ الحديث من رواية عالية من رواية أبي بكر، فإن قُلْتَ : ومن أين عُرف أنَّ الوصي وعمه رضي الله عنهما تقدماها في طلب الميراث ؟ قُلْتُ عُرف بأمرين:
(الأوَّل) أنَّ المعروف أنَّه يطلب المواريث الرِّجال، فإنَّهم هم الذين يخاطبون الأجانب دون النساء وإنِ الحق لهن ، فهذه أعراف سلفًا وخلفًا.
(الثَّاني ) أنها لوكانت البتول ذهبت أوَّلاً إلى أبي بكرٍ لطلب الميراث،وأجاب عليها برواية الحديث، لكان من المعلوم أنها تذكر للوصي - رضي الله عنه - ذلك ولو عُرِف ذلك ما طلب بعد معرفة حديث "لا نُوْرَثُ" كما قررناه آنفًا.
وأمَّا الإشكال الثَّالث في حواشي جامع الأصول ، وهو: أنَّ تنازع الوصي والعبَّاس رضي الله عنهما إنَّما كان في ولاية وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيهما يتولاها لا في الميراث ،وكأنه يريد قصة عمر، وذكره حديث "لا نُوْرَثُ" وتفصيله أمر الذي أفاء الله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أوَّل أمره إلى آخره.


والجواب: أنَّه اختلف الناظرون فيما إذاوقع التشاجر بينهما، فقال الحافظ ابن حجر: "إنه قال إسماعيل القاضي(1)فيما رواه الدارقطني من طريقه لم يكن أي تنازعهما في الميراث، إنما تنازعا في ولاية الصدقة، وفي صرفها كيف ُتصرف ، وفي السنن لأبي داود وغيره أرادا أنَّ عمر يقسمها بينهما لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه، فامتنع عمر من ذلك ، وأراد أن لا يقع عليها اسم القسمة" قال: "وعلى هذا اقتصر أكثر الشراح واستحسنوه، وجزم ابن الجوزي ، ثُمَّ الشيخ محي الدين - أي النووي كما يأتي قريبًا - بأنَّ عليًا وعبَّاسًا عليهما السلام لم يطلبا من عمر إلاَّ ذلك"ولكنه تعقب ذلك الحافظ ابن حجر بقوله:

"لكن في رواية النسائي وعمر بن شبَّة(1)من طريق أبي البختري مايدل على أنهما أرادا أن يقسم بينهما على سبيل الميراث ، ولفظه في آخره: ثُمَّ جئتماني الآن تختصمان يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، وهذا يقول: أريد نصيبي من امرأتي"انتهى. يريد ابن حجر أنه قيد عمر المجيء بلفظ الآن، أي هذا المجيء.
وأقول: إنَّه لابد من تأويل هذه الرواية، أوترجيح غيرها عليها فإن فيها نكارة لقوله: "تختصمان" ثُمَّ فسَّر الاختصام بقوله:"يقول هذا أريد نصيبي من ابن أخي... إلى آخره" وهما لوأتيا لطلب الإرث لما صحَّ قوله تختصمان، كما قدمناه أنه لا اختصام عند طلبه، ثُمَّ إنه لا يصح طلبهما الميراث من عمر، لما عُرف مما قدمناه من الأدلة، ثُمَّ قال في تمام رواية النسائي وابن شبَّة التي نقلها الحافظ أنه قال عمر: "والله لا أقضي بينكما إلاَّ بذلك" . قال ابن حجر:"أي بما تقدم من تسليمها لهما على سبيل الولاية" انتهى.


قلت: وهذا عجيب،! كيف يظن بهما أنهما بعد أن ولياها من عمر على أنها صدقة، يأتيان إليه يطلبانها ميراثًا؟ فإنَّه قال عمر كما في لفظ البخاري : "ثُمَّ بدا لي أدفعها إليكما. قلت: إن شئتما دفعتها إليكما؟ على أنَّ عليكما عهد الله وميثاقه تعملان فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبما عمل فيها أبو بكرٍ، وبما عملت فيها منذ وَلِيْتُها فقلتما: ادفعها إلينا، فبذلك دفعتها إليكما".
فهل يذهب وهم واهم أنهما يطلبان الميراث بعد هذا ؟!، فلا بد من حمل رواية النسائي وعمر بن شبَّة على ما حملنا عليه رواية البخاري، وأنَّه إتيان أوَّلٌ في حياة أبي بكرٍ، وأنَّ لفظة (الآن) منكرة لمخالفتها للأدلة الدالة على تقدم مجيئهما في طلب الميراث، ولأنها لفظة لم يروها الشيخان ولا غيرهما غير من ذكر ، ورواية الشيخين أرجح من رواية عمر بن شبَّة والنسائي ، فالحق أنهما ما طلبا إلا ما قاله الإسماعيلي ورواه أبوداود وجزم به ابن الجوزي والنووي(4)ولا يصح غير ذلك، وكيف وفي رواية أنه امتنع عمر عن إيقاع القَسْم عليها.
وإذا عرفت أرجحية ما هوفي غير الرواية التي فيها لفظ (الآن) عرفت أنَّه لا إشكال في كون عمر ذكر القصة في صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أوَّل أمرها من إفاءة الله عليه إلى آخره، لأنَّ غايته أنَّه أتى بإطناب غير مطلوب للمتنازعين، ولكنه غير مبطل للخوض معهما وفصل نزاعهما كما ذكر في الإشكال الثالث في هامش الجامع، فليس الإطناب محل إشكال حتَّى يقال أنَّه أشكل مما تقدم هذا.


وأمَّا ما كتبه العلامة الجلاَّل في دفع الإشكال، بأنَّ حديث مالك بن أوس اتُّهِمَ مالك بن أوس بأنَّه وضعه، واستند في ذلك إلى كلام ابن خِراش الذي نقله عن ترجمته في تذكرة الذهبي ، فإنه نَقْلٌ فيه غش " وليس منا من غش "،وذلك أنَّه ذكر الذهبي أنَّ ابن خِراش زنديق معاند للحق، وأنَّهُ صنَّف بمثالب الشيخين -يريد أبا بكرٍ وعمر- جزئين، بجُعْلٍ جعله له بعض المنحرفين عنهما، ولفظه في التذكرة:[ سمعت عبدان يقول:حمل ابن خِراش إلى بُندار كان عندنا جزئين صنفهما في مثالب الشيخين، فأجازه بألفي درهم، بنى له بها حجرة فمات إذ فرغ منها. وقال أبو زرعة محمد بن يوسف: خرَّج ابن خِراش مثالب الشيخين وكان رافضيًا. وقال ابن عدي : سمعت عبدان يقول: قلت لابن خِراش حديث "ما تركنا صدقة" قال: باطل، أتهم به مالك بن أوس.



قال الذهبي: قلت جهلةُ الرافضة لم يدروا الحديث ولا السير ولا كيف ثمَّة ؟! فأمَّا أنت أيها الحافظ البارع الذي شربت بولك إن صدقت في الترحال، فما عذرك عند الله مع خبرتك بالأمور ، فأنت زنديق معاند للحق فلا رضي الله عنك ]. انتهى لفظ التذكرة . وقوله : "شربت بولك" يشير إلى ما قدمه رواية عنه في أوَّل الترجمة ، أنَّه قال:"شربتُ بولي في هذا الشأن خمس مرات" انتهى. يريد أنَّه كان يعطش في أسفاره في طلب الحديث، فلا يجد ماءً، فشرب بوله. ...
إذا عرفت أنَّ هذا كلام الذهبي في ابن خِراش وأنَّه زنديق معاند للحق فكيف تقبل روايته أودعواه وضع الحديث، أوالاتهام به، فما كان للسيد حسن الجلاَّل رحمه الله أن يوهم صحة ما قاله ابن خِراش وينقل كلامًا مبتورًا، يوهم فيه أنَّه قد ارتضى الذهبي ما قاله ابن خِراش وأنَّه لم يجرحه.
وأمَّا قول السيد "فإنَّه لم يخرج عن رتبة الآحاد"، فجوابه: أنَّ الأحاديث مقبولة معمول بها حتى في اختياره، فإنَّ العمل عنده بها رخصة.
قلت : العجب من قول ابن خِراش أنَّه اتهم مالك بن أوس بحديث:"لا نُوْرَثُ" وهو حديث رواه أبوبكر باتفاق العلماء عقب وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.

ومالك ابن أوس، قيل: إنَّه صحابي من صغار الصحابة، وقيل: من التابعين. قال الحافظ ابن حجر: "أبوه صحابي، وهوقد ذكر في الصحابة" . وقال أبو حاتِم وغيره :"لا تصح له صحبة"انتهى.
فعلى التقديرين حديث "لا نُوْرَثُ" رواه أبو بكرٍ قبل دخول مالك بن أوس المدينة، على تقدير أنَّه صحابي، قال ابن حجر بعد أن ذكر أنَّه قد روى أنَّه ركب الخيل في الجاهلية: "قلت: فعلى هذا لم يدخل المدينة إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم"انتهى،فيقال:فمتى وضعه؟فروايته هذه في قصة اتفقت في خلافة عمر.
قلت: وقد ذهب ابن تيمية إلى أنَّ حديث "لا نُوْرَثُ" رواه أبوبكرٍ و عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس وأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبوهريرة. قال: "والرواية عن هؤلاء، ثابتة في الصحاح والمسانيد، مشهورة، يعلمها أهل العلم بالحديث. فقول القائل: إنَّ أبا بكرٍ انفرد بالرواية له، يدل على فرط جهله، وتعمده الكذب" انتهى بلفظه.
قلت: وكأنَّه استند إلى رواية الستة الذين قدَّمناهم بقولهم لعمر: (نعم) لمَّا قرر عليهم أنهم يعلمون ذلك. قلت: ولعل الستة لم يستفيدوا الحديث إلا من رواية أبي بكرٍ كما قدَّمنا، إلا أنَّ طلحة ليس فيمن حضر موقف عمر الذي اتفقت فيه هذه القصة.


وأما أبو هريرة فأخرج عنه الشيخان بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:"لا نُوْرَثُ ما تركناه صدقة". ... ... ... ... ... ... ... ... وقال ابن تيمية في محل آخر:"إنَّ هذا الخبر يعني حديث "لا نُوْرَثُ" رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس وليس فيهم من ينكره، بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق، ولهذا لم يصر أحد من الورثة على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئًا وأُخبِر بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين، إلى علي - عليه السلام - ، فلم يغير شيئًا من ذلك، ولا قسم له تركة" انتهى.
وفي قوله: أنَّ أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم من رواة حديث "لا نُوْرَثُ" لم أطلع على رواية واحدة منهن، فكأنه جعل سكوتهن من طلب ميراثهن إقرارًا بالحديث، وأن الإقرار كالرواية، وإنَّ ابن تيمية كثير الإطلاع يعرِف ما لا يعرفه غيره، فيمكن أنَّه وقف على روايات صريحة عنهن بذلك، وإن كنا نستبعده.


واعلم أنَّ من الأدلة على تصديق الوصي لرواية حديث " لا نوْرَثُ" أنها لما أفضت إليه الخلافة لم يغير شيئًا مما فعله أبو بكرٍ وعمر، ولو كان عنده عملهما على خلاف الواجب لوجب عليه أن يقسم تركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعطي أزواجه الثمن، ويقسم البقية، فيأخذ حصَّته وحصة الحسنين رضي الله عنهما ويعطي ورثة عمِّه العبَّاس ما هو لهم، ولم يفعل شيئًا من ذلك بالاتفاق ولذا قال الإمام المهدي فيما نقلناه عنه آنفًا:"ولو كان-أي قضاء أبي بكرٍ- باطلاً لنقضه علي - رضي الله عنه - " ومن هنا يُعرَف أن قول عمر: "تزعمان أنَّ أبا بكرٍ ظالم غادر فاجر" كلمات أخرجتها الحدة التي كان عمر معروفًا بها، ولذا لم يُجبْ الوصي وعمه رضي الله عنهما بل سكتا لا لتقرير كلامه فيما نسبه إليهما من الزعم، بل لعلمهما أنها كلمة صادرة من غير رويَّة، إذ لو كان أبو بكرٍ عند الوصي ظالمًا غادرًا فاجرًا، لما جاز له إقرار ما فعله مدة خلافته - رضي الله عنه - ، ولا سكت السبطان عن ذلك في خلافة أبيهما.



فائدة) لمَّا قام السفّاح(1)أوَّل خلفاء بني العباس في الخلافة وأجلى بني أمية، قام إليه رجل في أوَّل خطبة خطبها، معلِّقًا في عنقه مصحفًا، فقال للسفَّاح:أنشدك الله إلاَّ حكمت بيني وبين خصمي بهذا المصحف،فقال: من خصمك؟ قال: أبوبكرٍ في منعه فَدَك، قال: أظلمك؟قال: نعم،قال: فمن بعده؟قال: عمر،قال: أظلمك؟ قال: نعم، ثُمَّ ذكر عثمان، قال: فمن بعده؟ قال:علي،قال: أظلمك؟، فسكت الرجل، فأغلظ له السفاح. قال الخطَّابي :"إنَّ الرجل من آل أبي طالب، وإنَّ السفاح قال له:والله الذي لا إله إلاَّ هو لولا أنَّه أوَّل مقام قمته، وأنِّي لم أكن أعذرت إليك في مثل هذا، لأخذت الذي فيه عيناك، وأقبل على الخطبة"

قلت وأخرج أبو داود عن المغيرة، أنَّ عمر بن عبد العزيز جمع بني مروان حين استُخلف، فقال:"إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت له فَدَك، فكان ينفق منها ويعول على فقير بني هاشم ويزوج منها أيِّمهم ، وأنَّ فَاطِمَةَ سألته أن يجعلها لها، فكانت كذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مضى لسبيله، فلما أن وَليَ أبو بكرٍ عمِلَ فيها بما عمل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته حتى مضى لسبيله، إلى أن وَليَ عمر بن الخطَّاب عمل فيها بما عملا، ثُمَّ أقطعها مروان، ثُمَّ صارت لعمر بن عبد العزيز، فرأيت أمرًا منعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَاطِمَةَ ليس لي بحقٍ، أُشْهدكم أني رددتها على ما كانت، يعني على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكرٍ وعمر" انتهى لفظ رواية أبي داود.
وبهذا يعرف أنَّ عمر بن عبد العزيز، ردَّها صدقةً على ما كانت عليه، وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعطها فَاطِمَة رضي الله عنها لمَّا طلبتها.



واعلم أنَّ مما كتب العلامة السيد حسن الجلاَّل بخطه على جامع الأصول في آخر الروايات ما لفظه: "تنقيح لا يخفاك أنَّ مدار حجة أبي بكرٍ وعمر في منع علي والعبَّاس هو أمران : أحدهما : دعواه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:"إِنَّا لا نُوْرَثُ" ودعوى عمر أنَّهما يعرفان ذلك القول من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنَّهما اعترفا بمعرفته ، وهذا مندفع بقوله: "فرأيتماه كاذبًا غادرًا آثمًا" لظهور منافاة ذلك لإقرارهما بكونه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وثانيهما: احتجاجه بفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكيفة تصرفه ذلك المال، على نفي كونه موروثًا.
وهذا احتجاج ساقط لأن إنفاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لشيءٍ منه في الجهاد وابن السبيل، لا ينافي كونه مملوكًا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومدار الجهاد والصدقة على إنفاق خاصَّةِ مُلك الرجل التَّالد و الطَّارف، والحثِّ على ذلك ضروري في كتاب الله، فكيف يكون إنفاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشيء من ماله دليلاً على عدم ملكه باستحقاق الله، هل هذا إلاَّ قلب للحقائق، فإنَّا لله و إِنَّا إليه راجعون" انتهى من خطه.
قلت لا يخفى أنَّ في الصدقة هذه التي دارت، بين الوصي وعمِّه وعمر ثلاثة أشياء، قالها عمر لهم ، الأوَّل: قال لهما: "أنَّهما يزعمان أويَريَان أنَّ أبا بكرٍ كاذب ظالم ".
الثَّاني: قوله "أنَّه بارٌّ صادقٌ".
الثَّالث: قوله: "أتعلمان أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك ؟، أي: "لا نُوْرَثُ" الحديث. قالا: نعم "، فسَكتا عن جوابه في الأمرين الأولين.
فإِن قلنا:سكوتهما يكون تقريراً لما قاله وتصديقًا له كان تصديقًا للمتناقضين، أنَّ أبا بكرٍ كاذب، وهذا لا يصدر من مثلهما، ولا عمَّن هودونهما من العقلاء فضلاً عن النبلاء.



وإِن قلنا: سكوتهما معناه: أنَّا نرى صدقك إنَّا نراه كاذبًا وصدقك أنَّك تراه بارًا صادقًا، كان هذا باطلاً مردودًا بقولهما: نعم. أي أنَّ حديث "لا نُوْرَثُ" قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقدم أنهما إنما عرفاه من رواية أبي بكرٍ مشافهةً أو بواسطةٍ كما قدَّمنا، فإِنَّ إقرارهما بالحديث وأنَّه قاله صلى الله عليه وآله سلم تصديقًا لأبي بكرٍ. إِذ لا يجوز أن يصدقا ويقرَّا بأنَّه حديثه صلى الله عليه وآله وسلم وراويه عندهما كاذب، حاشاهما عن ذلك كيف وقد ثبت أنَّ الوصي - رضي الله عنه - قال:وحدثني أبوبكرٍ وصدق الحديث.
فإِن قلت: فإِن كانا يعتقدان أنَّ أبا بكرٍ صادق فكيف تركا الرد على عمر فيما نسبه إليهما من زعمهما أنَّ أبا بكرٍ كاذبًا ؟ ونسبته ذلك إليهما باطل، ورد الباطل واجب سيَّما فيما فيه القدح في المؤمن.
قلت وقد شمل تصديقهما حديث "لا نُوْرَثُ" وأنَّه قاله صلى الله عليه وآله وسلم وعلماه من رواية أبي بكرٍ لمَّا قال لهما عمر في هذه القصة أنّه قال أبو بكرٍ لهما إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا نُوْرَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة" قالا: نعم، فقولهما: نعم ، تصديق أنَّه قاله صلى الله عليه وآله وسلم عملاً برواية أبي بكرٍ، فتضمن ذلك الرد على عمر في أنهما يريان كذب أبي بكرٍ وظلمه، إذ لا يصح إقرارهم شيئًا منسوبًا إليه صلى الله عليه وآله وسلم إِلاَّ وراويهِ صادق غير ظالم، وبهذا يندفع ما يقال: أنَّه كان يجب عليهما الذبُّ عن سوء الظن بهما، لأنهما قد ذبَّا عن أنفسهما بطريقة بديعة سلما فيها عن مواجهة عمر بالتكذيب، بكلام تضمن رد ما قاله وبهذا اندفع الدليل الأوَّل من دليلي الجلاَّل، وهذا مبني على خلاف ما قدمنا من أنَّ تلك الكلمات خرجت من عمر مخرج الاحتداد عند الخصام، بل هذا يبُاعِدُ أنها مرادة له مقصودة. ... ...


وأما دليله الثاني، فليس فيه أنَّ عمر ولا أبا بكرٍ قالا: لا يملك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما خلَّفه مما كان تحته، بل في قول عمر: "إنَّ الله خصَّ رسوله بخاصَّة لم يخصَّ بها أحدًا غيره فقال:{مَا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَللَّهِ وَلِلرَّسُولِ}الآية ما يدل على أنَّه ملك له صلى الله عليه وآله وسلم. وإنَّما ذكر عمر مصارف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنًّه لم يستأثر بما هو له ، ولذا قال : "فوالله ما أستأثر بها عليكم، ولا آخذها دونكم" ولو كانت ليست ملكًا له لما قال ذلك، ولا كان مدحًا له صلى الله عليه وآله وسلم وهو خلاف ما ساق له الكلام.
وإلى هنا انتهى الخوض في المسألة، وقد أطلناه لأن المسألة من محط رجال العصبيات، ومطارح أنظار الأهميات، وهذا الكلام الذي سقناه معمُور بالإنصاف، مُشيَّد الأركان بالأدلة الخالية عن الاعتساف إن أنصف النَّاظر، بعد معرفته لكلام النَّاس في هذا الخبر، وأن ما قلناه، أقرب الأقوال من السلامة وفي دفع الإشكال.

خاتمة


لا يستنكر ما وقع بين هؤلاء الأعيان من الخصام والترافع فإِنَّ هذه المطالب الدنيوية لا تدخل بين اثنين،ولا تكون مطلبًا لأحدٍ إلاَّ غيَّرت الآداب وأثارت من الوحشة بينهما، وفتحت الشجار كل باب،ولأمرٍ مَّا قال الله تعالى: { ولاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ { 36 } إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ { 37 } }فإِنَّه لم يأت في آيةٍ إخراج الأضغان وهي الأحقاد إلا عند فرض سؤال الله إياهم الأموال، والغرض أنَّ السائل هو رب العالمين،وقال تعالى: { وإنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ }سواء كان من كلام الله أومن كلام داود وأقرَّه الله واستثنى الذين آمنوا وأخبر بِقلَّتهم،وناهيك بما وقع معه صلى الله عليه وآله وسلم من العباد كقولهم له:"اتق الله واعدل"وقولهم:"هذه قسمة ما أريد بها وجه الله" وقول القائل:"إنكم يا بني عبد المطلب، قومٌ مُطل" وقول القائل:"أنْ كان بن عمتك" وقول الأنصاري:"يعطي قريشًا وسيوفنا تقطر من دمائهم"واحتاج صلى الله عليه وآله وسلم أن يترضاهم .


وهل أعقب الله ثعلبة بن حاطب نفاقًا في قلبه إلى يوم يلقاه إلاَّ بمنعه الواجب من الزكاة . وهل قال صلى الله عليه وآله وسلم للسَّاعي الذي قال: هذا أهدي لي: "هلاَّ جلس في بيت أمه".وهل قال: "إنَّ الشَّمْلَة التي غلَّها لتشتعل عليه ناراً"إلا من الغال . وبالجملة فغالب الفتن بين العباد، لا تنشأ إلا من المطالب الدنيوية ، وهل نصَّبوا الحكام إلا لفصل الخصومات بين العباد، ولا نجدها دائمًا إلا في المطالب الدنيوية، فلا يستنكر الإنسان ما يقع بين أفاضل العباد من ذلك، فكان ذلك جِبِلَّةً بشرية لا يكاد يخلو منه أحد من البريَّة، ولقد ألَّفوا بين أعيانٍ من الآل في ولاية صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.



هذه شجارات يطول شرحها، ووصول إلى من يكرهون رؤيته من أمراء تلك الأعصار، يعرف ذلك من عرف ما في بطون الأسفار من أخبار الأخيار والأشرار، واللهَ أسأل أن يلهمنا ما فيه صلاح الدنيا والدين، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. ...
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وعلى آله الطاهرين ، آمين

الحسين
11 Oct 2010, 01:30 PM
بارك الله فيك استاذي الشريف الحسني

الشريف الحسني
12 Oct 2010, 06:38 PM
بارك الله فيك استاذي الشريف الحسني
وفيكم استاذي الحسين