المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تمويل العمل الخيري للشيخ حسن شبالة


الحقيقة
03 Feb 2009, 08:52 AM
تمويل العمل الخيري



تسعى كافة المنظمات الخيرية إلى تنمية مواردها البشرية والمالية؛ لتواكب باقي المنظمات في القطاع العام والخاص، ولتتماشى مع عصر العولمة والانفتاح الاقتصادي والتطور التكنولوجي.
والنجاح في المنظمات الخيرية مرتبط إلى حد بعيد بمدى قدرتها تنمية مواردها البشرية والمالية، وكذلك استمراريتها وفعاليتها في المجتمعات التي تعمل ضمنها. وما سنتناوله ونركز عليه في ورقة العمل هذه هو تمويل العمل الخيري.

مما لا شك فيه أن الأموال الخيرية من الضخامة بمكان، وتحتاج إلى تنمية مستمرة، فالجهات المانحة تسعى إلى تنمية مواردها بشكل مستمر . وكذلك الأمر بالنسبة للجهات المتلقية؛ وذلك نظراً لتزايد العوز والفقر في المنطقة العربية والإسلامية، خاصة وأن الحكومات العربية في ظل العولمة بدأت بالرفع التدريجي للدعم عن السلع والخدمات التي توفرها لشعوبها، شأنها شأن باقي دول العالم.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى للتباطؤ الاقتصادي الذي تواجهه معظم دولنا العربية والإسلامية مع معظم دول العالم، بالإضافة إلى ارتفاع الدين العام وقلة الضخ الحكومي.

ولكل ما تقدم نرى ضرورة التركيز على إيجاد بدائل للتمويل الخيري العربي والإسلامي، بعد تراجع الدور الحكومي وانحسار التمويل الدولي -إن لم نقل بجفافه- وخاصة بعد المتغيرات الأخيرة.


أولاً: مفهوم العمل الخيري وأهميته:
المقصود بالعمل الخيري : هو المجهود الذي يبذله فرد أو جماعة أو مؤسسة؛ لمساعدة الآخرين المحتاجين دون أن ينتظر مقابلاً مادياً عما يقدمه أو يبذله.
وقد يكون العمل الخيري أمراً واجباً كما هو الحال في الزكاة المفروضة في المال، وهي تعادل اثنين ونصف بالمائة في الأموال النقدية، وهي واجبة بل هي أحد أركان الإسلام.
وقد يكون العمل الخيري أمراً تطوعياً، كالصدقات المستحبة، والأوقاف والمساعدات الأخرى المختلفة.
والإنسان لا ينتظر مقابلاً مادياً، بمعنى أنه لا يقوم بهذا العمل من أجل الحصول على ربح؛ لأنه ينتقل إلى أن يكون عملاً تجارياً واستثمارياً، لكنه قد ينتظر أو يأتيه بإذن الله سبحانه وتعالى مردود معنوي.
وبعضهم يقول: لا مادي ولا معنوي، ونعتقد أنه لا بأس، بل ينبغي أن يكون للإنسان مطلب معنوي، مثل : كسب رضوان الله سبحانه وتعالى ودخوله الجنة والنجاة من سخط الله سبحانه وتعالى ومن عذابه كمثال، هذا أمر متفق عليه من أعظم المقاصد الشرعية، كذلك طلب الإنسان السعادة في الدنيا، لأنه من خلال التجربة تبيَّن أنه كلما يعطي الإنسان الآخر ين يحصل على السعادة، سواء أعطاهم من وقته، أو من عقله ومشورته ونصحه، أو من ماله أو من إمكانياته أو من جاهه.. فبقدر ما يعطي الآخرين يحصل على الرضا والسعادة.
لذلك تجد أن الكثيرين، الذين يشعرون بشيء من التعاسة والقلق والتوتر، يكون عندهم حرص على الدعم وعلى مساندة الآخرين؛ لأنهم يستشعرون لحظات وومضات من الإيمان والرضا والسرور في مثل هذه الحالة، كذلك الصحة، فالله سبحانه وتعالى حكم عدل.
إن الذين يحسنون إلى الخلق في الدنيا قد يطيل الله سبحانه وتعالى في أعمارهم وقد يمنحهم العافية والصحة حتى ولو كانوا غير مسلمين، وهذا معنى قد يخفى على الكثيرين. إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يفعله الإنسان في الدنيا، فقال: إن كان مؤمناً فإن له الأجر في الدنيا والآخرة لكن إن كان غير مؤمن فإن الله تعالى يجازيه بما عمل في الدنيا؛ لأنه في الآخرة ليس له جزاء عند الله سبحانه وتعالى، فيجازى في الدنيا بالصحة أو بسعة الرزق أو بالسمعة الحسنة عند الناس، أو بها كلها.
نظرة الإسلام إلى العمل الخيري:
الإسلام دين إنساني، فمنذ بزغ الإسلام في مكة -حتى قبل أن يكون للإسلام دولة أو نفوذ- كان هناك عناية شديدة جداً بالفقراء والمساكين والضعفاء كما في قوله سبحانه وتعالى: [وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ(3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6) وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ(7) ] {الماعون}. بل قال الله سبحانه وتعالى: [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] {الإنسان:8} . والأسير آنذاك لم يكن مسلماً لأنه كان في مكة قبل الهجرة.
إذاً هناك حث عظيم في القرآن الكريم، بل حتى في الزكاة المفروضة فيها سهم للمؤلفة قلوبهم، وهذا يدخل فيه إعطاء الكفار الذين يرجى إسلامهم، أو كف شرهم أو إسلام نظرائهم، أو هناك مصلحة للمسلمين من وراء ذلك.
وفي حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن إطعام البهائم والكلاب والدواب، وهل فيها أجر قال صلى الله عليه وسلم: «في كل كبدة رطبة أجر»، وهذا عام يشمل أي معروف: «كل معروف صدقة».
وحينما نقول إن الإسلام دين إنساني نكون صادقين في ذلك، فالإسلام دين جاء يراعي المشاعر الإنسانية ويقيم للإنسان وزنه وقيمته، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضرب المسلم أخاه على وجهه مثلاً، ونهى عن السب والشتم، وغير ذلك من المعاني التي فيها إشادة بالإنسان وتكريمه: [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ] {الإسراء:70} .
فهذا المعنى الإنساني والإسلامي الصحيح الثابت في القرآن وفي خطاب الله تعالى للبشر: [يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ] {الانشقاق:6} . هذا المعنى هو بمعزل عن النظرة الوجودية الإلحادية التي نشأت في أوربا.
والمهم أن العمل الخيري هو عمل إنساني إسلامي، وهو عمل ذو صبغة شمولية، فهو بناء مؤسسات المجتمع المدني التي تنظم حياة الناس، وتنظم معاشهم، وتحل مشكلاتهم، وتسد العجز الذي لا تستطيع حتى الحكومات أن تقوم به.
وإذا كنا نعرف أن في الغرب مثلاً في أمريكا وأوروبا (الوزارات - الدول - الحكومات) تفيد تقارير موثقة أنها تعتمد على جمعيات يسمونها الجمعيات الأهلية والخيرية واللاربحية، وتعتمد عليها للوصول إلى مواطن لا تستطيع الوصول إليه، أو تحقيق أهداف تعجز الحكومات نفسها عن تحقيقها، مع أنها حكومات متقدمة ومتطورة- فما بالك بالعالم الإسلامي الذي يعيش أحياناً حالة غياب الدولة؟!
كما هو الحال مثلاً في الصومال، أو كما هو الحال في العراق أو فلسطين أو أفغانستان، أو غيرها من البلدان المنكوبة.
وفي بقية الحالات، فإنه مع وجود الدول والحكومات إلا أنها تتمتع بوضع عادي، ولا تستطيع أن تستوعب كل احتياجات الناس وتطلعاتهم.
إذن، مثل هذه الأعمال الخيرية من شأنها أن تقيم مؤسسات المجتمع المدني، وأن تقوم بعبء كبير قد تعجز كثير من الحكومات عنه.
إن بناء الإنسان وإعداده مهم جداً، إضافة إلى توفير الحاجات الضرورية كالخدمات السكنية مثلاً والمساعدات المتنوعة ودعم الأوقاف،إلى غير ذلك من الأشياء التي يحتاجها الناس.
ومن خلال هذا العمل الخيري يوجد الترابط، ويوجد الإخاء، وتوجد الروح الإيمانية الملائكية الراقية التي تربط المسلم بأخيه المسلم، حتى ولو كان لا يعرفه اسماً ولا شكلاً ولا لوناً، ولكنه يتعاطف معه، فدور الجمعيات كبير جداً في تثقيف الأمة ورفع وعيها، كذلك تعدُّ من مراكز صناعة القوة والممانعة في الأمة، ورفض العولمة الثقافية والتغريب والتنصير وغير ذلك.
فهذا العمل يحتفظ بوحدة المجتمعات الإسلامية، ويحافظ عليها، ويحقق الأمن للمجتمع ويقيه من شر النزاعات والعدوان والحسد، ويربي الناس على التعامل الأمثل مع الأحداث الطارئة.
كما أن مفهوم العمل الخيري والتطوعي يرتبط مباشرة بالتنمية الشاملة، من خلال الكثير من تلك الأعمال والبرامج التي تستهدف الإنسان وترقى به ابتداء بالفرد ثم الأسرة، ومن ثم تمتد إلى المجتمع، تلك الحلقات الثلاث المترابطة بمجموعها ومفرداتها، فصلاح الأسرة من صلاح الفرد، وصلاح المجتمع من صلاح الأسرة.
ثانياً: مفهوم تمويل العمل الخيري:
يكتسب مفهوم تمويل العمل الخيري أهمية حيوية؛ لأنه يفتح آفاقاً كبيرة لتنمية موارد الخير العربي والإسلامي، وعلى كل مؤسسة خيرية أن تراعي عدداً من الشروط لتحقيق هذا الهدف، وذلك بتخفيض المصاريف من ناحية، وزيادة الدخل من ناحية أخرى عن طريق الإدارة الفعالة التي تجعل من عملائها ليسوا فقط مستفيدين من مواردها، ولكن تجعلهم في آن واحد مصدراً لتمويل الأنشطة. ومن جانب آخر فإن أمام المؤسسات الخيرية معادلة صعبة، فالإحجام عن الإنفاق على أنشطتها اللازمة لجمع التبرعات يقلل من عوائد تبرعاتها النقدية والعينية، ومن المهم أن تتضافر جهود المؤسسات الخيرية للتوصل للنسبة المعقولة للمصاريف الإدارية والفصل بينها وبين مصاريف تنمية الموارد.
إن تمويل العمل الخيري يعتبر عنصراً فاعلاً لزيادة النشاطات وتوفير الخدمات ، ومعظم المؤسسات العاملة في هذا الميدان هي مؤسسات أهلية تعتمد على التمويل الذاتي والتبرعات والهبات والوقف في تمويل مشاريعها الاجتماعية، وهناك من المؤسسات ما تتلقى الدعم الحكومي لتشجعها، أو لكي تنوب عن الحكومة أو بعض الجهات الأخرى.
ومن المعروف أن المؤسسات العاملة في ميدان العمل الاجتماعي تمر بعدة مراحل فيما يتعلق بتمويل المشاريع بداية من التمويل غير الذاتي، وصولاً إلى الاعتماد على الذات، أو الاعتماد المتبادل كمرحلة عليا، وإحداث الشراكة مع الجمعيات والمنظمات الأخرى.
ثالثاً: مصادر تمويل العمل الخيري:
تشكل قطاعات المجتمع المختلفة (وهي القطاع الحكومي ، والعام، القطاع الخاص، والقطاع التعاوني، والقطاع الأهلي والأفراد بصفتهم الطبيعية) مصادر خصبة للتمويل وتنمية موارد مؤسسات العمل الخيري.
وتضطلع أغلب تلك القطاعات بأدوار متفاوتة في دعم العمل الخيري وتمويل برامجه وأنشطته ومشاريعه الخدمية والتنموية.
كما تعتبر الزكاة والأوقاف من المصادر الرئيسية لتمويل العمل الخيري، وسنعرض فيما يلي مساهمات كل قطاع من تلك القطاعات في تمويل العمل الخيري.
1- القطاع الحكومي:
بدأت الحكومات العربية، ولا سيما في السنوات الأخيرة، تراعي في أنظمتها دعم وتشجيع المؤسسات غير الحكومية الربحية، سواء كانت تقوم بعمل اجتماعي أو علمي أو ثقافي أو فني أو رياضي.. إلخ، إلا إن الدعم الحكومي أصبح يشهد تراجعاً في الآونة الأخيرة، ولا يجب النظر إلى الحكومة في الوقت الحاضر كأكثر مصادر التمويل أهمية؛ لأن الدعم الذي تقدمه للعمل الخيري لا يشكّل إلا نسبة ضئيلة من مصادر التمويل الأخرى.
والمعروف أن العمل الاجتماعي ومؤسساته في أغلب الدول العربية قد اعتاد الاعتماد على الدولة في تنفيذ أنشطته وبرامجه خلال العقود الماضية، الأمر الذي أدى إلى بروز إشكالية أحادية التمويل لمشاريع وبرامج وأنشطة العمل الاجتماعي، وضعف المصادر التمويلية الأخرى، وأثرها بالتالي على فاعلية مؤسسات العمل الاجتماعي، مما حال دون تنمية مواردها وتفعيل مساهماتها الاجتماعية. ولكن الحال يختلف بالنسبة للعمل الخيري، إذ لا يشكل الدعم الحكومي لها سوى نسبة ضئيلة جداً، فضلاً عن أن بعض الجمعيات الخيرية لا تأخذ أي دعم مالي من الحكومة، حيث أنها تكتفي بمصادرها الذاتية ومصادر التمويل الأخرى غير الحكومية.
2- القطاع الخاص:
يجب التمييز هنا بين الشركات العائلية المملوكة لشخص وعائلته والشركات المساهمة مثل : شركات التأمين والبنوك والشركات المساهمة العامة. فالملاحظ في الوطن العربي أن الشركات العائلية أو الفردية لها نصيب الأسد في المساهمات الخيرية، وتعتبر أهم الروافد المالية للعمل الخيري، أما الشركات المساهمة فيعتبر دورها ضعيفاً جداً في دعم العمل الخيري العربي، مع العلم بأن رأس مال تلك الشركات يعتبر كبيراً جداً بالمقارنة مع الشركات العائلية، وأن ما يميز الغرب هو الاعتماد على الشركات المساهمة الكبيرة في دعم النشاط الخيري، والمطلوب عربياً هو تكثيف الجهود على تلك المؤسسات والشركات المساهمة لإقناعها وإقناع مجلس إدارتها والمساهمين فيها بضرورة القيام بدورهم المجتمعي بشكل أكبر ويتماشى مع دورهم الاقتصادي والمالي، فبذلك نكون قد ضمنا موارد مالية كبيرة تدعم العمل الخيري بشكل كبير ولأمد طويل.
إن هذه المسألة الحيوية حول أهمية النظر إلى القطاع الخاص، كمصدر واعد لتمويل مشاريع الخير العربية والإسلامية، يتطلب التفكير في وضع نظم تحفيزية لجذب هذا القطاع، وتفعيل مشاركته المجتمعية لتمكين مؤسسات الخير العربية والإسلامية، وهذا يتطلب أن يرتقي القطاع الخيري بتنظيماته وآليات عمله لكسب ثقة القطاع الخاص، ويمكنه في ذلك اتباع الخطوات التالية:
أ- اعتماد سياسة الشفافية والمساءلة من قبل المؤسسات الخيرية، وإقناع المتبرعين في القطاع الخاص بحيوية المشاريع والبرامج التي تنفذها.
ب- إعداد مشاريع متكاملة مقرونة بدراسات جدوى اقتصادية واجتماعية، وتقديمها لمؤسسات وشركات القطاع الخاص لتوفير التمويل، ودعم تلك المشاريع ولو على مراحل وبشكل تدريجي.
ج- إشراك القطاع الخاص في إبداء الرأي والمشورة، والأخذ بمقترحاته في اختيار المشاريع، الأمر الذي يجعله متبنياً ومنتسباً للأفكار المطروحة.
د‌- اطلاع الشركات والمساهمين في تمويل المشاريع الخيرية وبشكل موثق وشفاف بالنتائج المتحققة عن المشاريع المساهم في تمويلها.
هـ- دعم شركات ومؤسسات القطاع الخاص التي تتبرع وتقوم بتقديم خدماتها للمجتمع، من خلال خفض ضرائبها أو إلغائها .
و‌- دعوة القائمين على مؤسسا ت القطاع الخاص لتحمل مسئولياتهم نحو المجتمع ن من خلال المساهمة في مشاريع التنمية والبرامج الإنسانية .
3- المصادر الدولية:
تعتبر المصادر الدولية من مصادر تمويل العمل الخيري في الوطن العربي، ولا شك أن هذا المصدر يقع تحت تأثير المتغيرات الدولية والسياسية كما يقع تحت نفوذ الدول العظمى والدول الصناعية الكبرى، والتي تعتبر من المساهمين الرئيسيين في تمويل الصناديق الدولية ، وعلينا الاهتمام بهذا الأمر، ولكن لا يجب علينا كقائمين على العمل الخيري الإسلامي التعويل عليه كثيراً، فالمصدر المتاح اليوم قد لا يتاح غداً لتغير المواقف السياسية.
ولا يخفى على القائمين على العمل الخيري صعوبات التقديم وطول الإجراءات وتعقيدها للحصول على المنح من الصناديق الدولية المانحة، وبرأينا نحن كمسلمين لدينا من الموارد المالية والجهات المانحة ما يكفينا عن اللجوء للمصادر الدولية، ولكن علينا إعادة ترتيب أوراقنا، وحسن تقديم أنفسنا للغير.
4- الزكاة:
تعتبر الزكاة أهم مصدر من المصادر المالية الرافدة والداعمة للعمل الخيري؛ كونها فريضة من الله سبحانه وتعالى خالق الكون ومقدر الأقدار ومصرف الأمور والعالم بخلقه، فالزكاة لما لها من دور كبير في إعادة توزيع الثروة في المجتمع المسلم بشكل عام، بالإضافة إلى الدور الاجتماعي وتدوير الأموال وعدم اكتنازها، فهي تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. ولا يجب علينا أن نستهين بنسبة 2.5% فهي يجب أن تخرج من كل مالك للنصاب وحال عليه الحول، وبالتالي لو أخرج الناس زكاة أموالهم كما أمر الله سبحانه وتعالى لن يبقى في المجتمع المسلم فقير واحد أو محتاج، وهذا برأينا هو مقصد العمل الخيري بشكل عام، وهو رفع المعاناة عن الفقراء والمحتاجين في الدرجة الأولى، ومن ثم يأتي دور الزكاة التنموي في بناء المستشفيات والمدارس والطرقات والمصالح العامة، كما حصل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وعلينا كقائمين على العمل الخيري العربي إيقاظ الحافز الديني لدى الجمهور لإخراج زكاة أموالهم، وبالتالي مطلوب منا تحفيز الجمهور كما نحفز الشركات.

الحقيقة
03 Feb 2009, 08:57 AM
5- الصدقات:
تأتي بالمرتبة الثانية بعد الزكاة من حيث الأهمية في تمويل العمل الخيري الإسلامي، فهناك الكثير من الكفارات والنذور التي يخرجها الناس بشكل اختياري، وتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وتصنع مشاركة المسلمين فيما يمرون به من محن وكوارث.
6- الأوقاف:
هذه سنة مهملة -وللأسف- في وطننا العربي والإسلامي، فهناك الكثير من إدارات الأوقاف هنا وهناك، ولكن دورها في الحفاظ على الوقف وتنميته وتطوير موارده يكاد يكون أقل من الحد الأدنى إن لم يكن سلبياً. فالأوقاف الإسلامية لعبت دوراً كبيراً في دعم العمل الخيري منذ مئات السنين، وتعتبر بحق الرافد الأساسي والمنتظم في الدخل للمؤسسات الخيرية، وبالتالي علينا اعتماد سياسة وقفية واضحة المعالم من حيث تطوير الوقف المالي وتنميته، بإضافة أوقاف جديدة لكل مؤسسة من المؤسسات الخيرية مما يعطيها الاستقرار.
وهناك شكلان من الأوقاف من حيث تمويل الوقف: الأول هو أن تقوم جهة أو شخص معين ببناء وقف خاص به يعود دخله إلى الفقراء من عائلته والباقي إلى المجتمع وهو الأكثر شيوعاً في عالمنا العربي.
أما الثاني: (وقف الذرية )، فهو أن تقوم المؤسسات الخيرية بمشاريع وقفية وبيع أسهمها للجمهور، فيكون وقفاً خيرياً مساهماً، وهذا ما ندعو إلى تطويره في الوقت الحالي.
رابعاً: وضع مؤسسات الخير العربية والإسلامية المانحة والمتلقية:
أخذت ظاهرة تأسيس وانتشار المؤسسات الخيرية نمواً ملحوظاً في الآونة الأخيرة، وإن هناك ملامح جديدة قد شهدها القطاع الخيري، وذلك من خلال ظهور العديد من المؤسسات المانحة ممثلة في المؤسسات الأسرية والعائلية والفردية، وفي ظهور مؤسسات خيرية أخرى في بلدان عربية مختلفة كما هو الحال في : مؤسسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية، وهيئة آل مكتوم في الإمارات، ومؤسسة الحريري في لبنان ومؤسسة عبد الحميد شومان في الأردن، وبرنامج الخليج العربي الإنمائي، ومؤسسات الراجحي والصانع في السعودية، وعدد آخر في بلدان عربية أخرى، فضلاً عن المؤسسات الخيرية المتلقية التي تنتشر على نطاق واسع في كل أرجاء الوطن العربي.
ونرى نشاطاً ملحوظاً ومساهمات كبيرة لتلك المؤسسات في مشاريع التنمية التعليمية والصحية، وفي دعم مؤسسات الرعاية الاجتماعية ومكافحة الفقر، كما تشهد مؤسسات الخير العربي محاولات حثيثة لتوجيه منافع الخير العربي إلى القطاعات التنموية التي هي في أمس الحاجة إلى الجهد والإمكانيات المالية والبشرية. فهناك حاجة ماسة إلى تحديد أولويات العمل في مجال الخير، وتوجيه إمكانيات الراغبين في الإسهام في عمل الخير إلى الميادين التي تحقق أفضل خدمة لمن هو في حاجة إليها.
وعلى الرغم من الدور الملحوظ للخير العربي في الآونة الأخيرة وانتشار منافعه، إلا أن هذا الدور لم يحقق بعد الأهداف المؤمل منها، إن ذلك يتطلب توطيد العلاقة ما بين الجهات المانحة أفراداً ومؤسسات وشركات، والجهات المتلقية من أفراد ومؤسسات وهيئات وجمعيات خيرية.
لقد شهد الوطن العربي نمواً كبيراً في حجم المؤسسات العاملة في ميادين العمل الاجتماعي بما فيها المؤسسات الخيرية، وذلك تحت وطأة وضغط سلسلة التغيرات البنيوية التي يشهدها الاقتصاد العربي بتأثير ظاهرة العولمة التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على كل أنماط المعيشة والسلوك والإنتاج والاستهلاك.
ولمواجهة الآثار السلبية لبرامج التصحيح والخصخصة، والتي يترتب عليها إضرار بالفقراء من ذوي الدخل المحدود، أصبحت معظم الدول العربية تعتمد على شبكات الأمان الاجتماعي، والتي تهدف إلى تخفيض معاناة هذه الفئات، وتلبية احتياجاتها الأساسية، وتوفير الموارد اللازمة للإنفاق على تلك الاحتياجات.
ونظراً لعجز الموارد المالية المتاحة في بعض الدول العربية عن تمويل الاستثمارات الكبيرة المطلوبة للتوسع في توفير خدمات التعليم والصحة ومياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء، فقد سعت تلك الدول التي سلكت طريق التصحيح الاقتصادي إلى تشجيع القطاع الخاص لكي يلعب دوراً فاعلاً في هذا المجال، وقد بدأت بعض تلك الدول في تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في قطاعات التنمية الاجتماعية، خاصة في مجالات التعليم والصحة لتقديم الخدمات لغير الفقراء، على أن تركز الدولة على توجيه جزء هام من الموارد العامة لخدمتهم.
يجدر التأكيد في هذا الشأن على أهمية الدور الذي تقوم به جمعيات النفع العام والخيرية، على وجه التحديد، في تمويل العمل الخيري، والتي أصبحت ظاهرة عامة في كثير من الدول العربية، وأصبحت الحكومات تولي أهمية لدورها المجتمعي من خلال الاعتراف بها ودعمها وتشجيعها وسن القوانين والمنظمات لعملها.
وفي ظل تراجع الدولة عن الوفاء بالتزاماتها في دعم الخدمات الاجتماعية، أصبح يعول على دعم القطاع الخاص، حيث يمكن لهذا القطاع من خلال استثماراته الكبيرة في المجالات الاقتصادية المختلفة المساهمة في توفير التمويل اللازم لمشاريع التنمية والخدمات الأساسية مثل: التعليم والخدمات الصحية والضمان الاجتماعي، ودعم مؤسسات الرعاية الاجتماعية، فضلاً عن دعم مشاريع الخير العربي، وتأصيل دوره الخيري والتنموي.
وفي ظل هذا الواقع المتغير أصبح يقع على عاتق مؤسسات الخير العربي مسئولية اجتماعية في تفعيل أدوارها؛ للتخفيف من حدة آثار التغيرات الهيكلية، وآثار العولمة الاقتصادية بمختلف أبعادها.
وقد شهد العمل الخيري تطوراً كبيراً في العقد الأخير من القرن الماضي، وذلك من الناحية الإدارية، حيث انتقل العمل في الهيئات الخيرية من الطرق القديمة، حيث يمثل الفرد فيها العمود الفقري إلى العمل المؤسسي مستخدماً أحدث الوسائل التكنولوجية. ومن الناحية المالية التي شهدت بدورها نمواً كبيراً من ناحية الكم (المجموع) والكيف المتعلق بطرق الجمع والإضافة إلى الكم المصروف على المشاريع الخيرية، وهذا ينطبق على معظم الهيئات الخيرية في الدول العربية مع مراعاة الفرق بين الدول الغنية والأقل غنى.
كما نود الإشارة إلى أن العمل الخيري لا يقتصر نشاطه على الدول العربية، بل امتد إلى الدول الصديقة ودول الجوار، بالإضافة إلى الوقوف مع كثير من الدول التي تعرضت وتتعرض إلى كوارث طبيعية أو غيرها.. إلخ.
ويعتبر هذا بحق مظهراً حضارياً متميزاً، حيث تقاس الدول والشعوب بمعدل مساهماتها في العمل الخيري والإنساني.
خامساً: وضع المؤسسات الخيرية في ظل العولمة:
تتعرض الجمعيات الخيرية بصفتها جزءاً من حركة المجتمع الأهلي إلى تغيرات تؤثر في بنياتها وآليات ومجالات عملها بتأثير عوامل التغير السريعة التي يشهدها العالم، وتأتي العولمة في مقدمة تلك العوامل، كما أصبح للعامل السياسي دور أخطر في تسريع إجراء التغيرات المطلوبة في واقع الجمعيات الخيرية والتشكيك بالأدوار المنوط القيام بها، الأمر الذي سيترك آثاراً بالغة الأهمية في واقع الخير العربي ومدى فاعليته الاجتماعية.
إن التحولات الراهنة التي يشهدها النظام الدولي سيؤدي بلا شك إلى تشديد الرقابة على الفعاليات الخيرية، ولا يستبعد إخضاع حركته لإجراءات دولية كما حصل بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهذا بدوره سيؤدي إلى انحسار الدعم الدولي وحتى الحكومي، الأمر الذي يحتم البحث عن مصادر تمويل أخرى وتفعيل مصادرها الذاتية.
ومما يؤسف له حدوث ذلك الخلط بين ما يسمى الإرهاب والعمل الخيري، بسبب عدم وضوح الرؤية حول طبيعة عمل الخير ولا يمكن إزالة تلك الرؤية الضبابية ما لم يقم المعنيون بالأمر بحملات دولية لتوضيح رسالة الخير، وتبديد كل أشكال الشكوك والريبة لدى المجتمع الغربي.
سادساً: مقترحات لمعالجة معوقات تمويل العمل الخيري:
عندما كان العمل الخيري الذي تقدمه الدول الإسلامية الغنية من خلال مؤسساتها الخيرية متفوقاً، وكان يعطي بسخاء كانت العيون الغربية تحاصره وتكيل له التهم المتنوعة التي أظهرت المحاكم الغربية نفسها براءته من التهم.
وفي الوقت الذي كان فيه أصحاب الأموال في العالم الإسلامي ينفقون بسخاء على مؤسساتهم وعلى المحتاجين والفقراء من زكواتهم وصدقاتهم، كانت الاستخبارات الغربية تراقب تحويلاتهم ومصروفاتهم، حتى أصبح العمل الإنساني للمسلمين تهمة جديدة في تصنيفات الإرهاب.
ولكن وبصورة متناقضة عندما يخصص (بيل غيتس) أثرى أثرياء العالم مبلغ (50) مليار دولار لمؤسسة خيرية تجد الإعلام الغربي يهلل ويصفق ويرحب.
إن العمل الخيري الإسلامي يحتاج إلى آلية جديدة ومتطورة تسهم بإذن الله في استمرار هذا العمل الخيري الإنساني للمحتاجين والفقراء.

ويمكن عرض أبرز الوسائل المناسبة لاستمرار هذا العمل الخيري كما يلي:
أولاً: ضرورة استشعار معنى العمل الخيري: وهو إيصال الخير للغير، فالمسلمون أمة واحدة تجمعهم الأخوة في الله، ولذا لا بد من العمل على تحقيق ذلك امتثالاً لقوله تعالى: [إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] {الحجرات:10} . وقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». ومعظم الكوارث والزلازل والفيضانات والفقر والأمراض، وكذلك الحروب تقع في البلاد الإسلامية، فأولئك يعيشون في أوضاع مأساوية، ويجب مد العون إليهم.
ثانياً: إذا أردنا تنظيم وتفعيل العمل الخيري فيلزمنا إيجاد مرجعية له.
ثالثاً: وضع الأنظمة واللوائح للجمعيات الخيرية العاملة لكي تعمل على بصيرة،أو يستعان بذلك بالخبراء الأكادميين والعاملين في مجال الجمعيات، والاتجاه للعمل المؤسسي المحدد الأهداف، ونبذ العمل الارتجالي الفردي.
رابعاً: تعيين محاسبين قانونيين يصادقون على الميزانيات والتقارير المالية للجمعية، تأكيداً لمصداقية ضبط الجمعية المالي وبراءة لذمة العاملين فيها.
خامساً: ضرورة تعيين محامين واستشاريين للجمعيات الخيرية، ويلزم معرفتهم بالأنظمة الدولية، كي تنبثق الاستشارة من رؤية واضحة ومعلومة.
سادساً: ضرورة التخصص النوعي للعمل الخيري لكل جمعية أو منظمة، والتركيز على الكيف لا الكم، فالتخصص يؤدي إلى إتقان العمل والتركيز عليه وسهولة وضع ضوابط له، ومن ثم مراجعته وتقويمه.
سابعاً: ضرورة إنشاء مراكز تدريب ومراكز دراسات واستشارات وقواعد معلومات لتستفيد منها الجمعيات والعاملون فيها.
ثامناً: الاهتمام بالجانب الإعلامي ودوره في إبراز حجم المؤسسات وعكسه للصورة المشرفة لتلك الإنجازات، ويجب أن يراعى فيها الصدق والشفافية، بعيداً عن التضخيم والتهويل.. «والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» في الجانب المقابل يجب على الكتاب أن يتقوا الله فيما يكتبون، فإنهم بين يدي الله موقوفون.
تاسعاً: على الجمعيات والمنظمة أن تستفيد من الأحداث السابقة، وتتلافى الأخطاء إن وجدت، وتعد خططها وبرامجها وفق تصور عام للقضايا الدولية.
عاشراً: تنسيق الجهود: يضم ميدان العمل الخيري عدداً من المؤسسات الخيرية المعنية بالعمل، تتوزع جهودها في مناطق مختلفة، وقد تتقاطع هذه الجهود في مناطق مشتركة؛ مما يحتم على الجهات العاملة في منطقة واحدة الترتيب فيما بينها توفيراً للوقت والجهد.



ومن صور التنسيق المطلوبة:
1) إفادة كل مؤسسة من التجارب الناجحة للمؤسسات الأخرى، ومحاولة تطبيقها في مناطق عملها، ومن جهة أخرى على المؤسسات أن تتجنب ما تحمله تلك التجارب من سلبيات.
2) إقامة مجلس تنسيق للجمعيات الخيرية في كل محافظة على الأقل، على غرار مجلس تنسيق أعمال المؤسسات والجمعيات الخيرية وعلمائها في محافظة إب.
الحادي عشر: التدريب، فالحرص على تدريب وتأهيل الكفاءات العاملة في مجال العمل الخيري، وإكسابهم المهارات الإدارية والفنية المختلفة، كمهارات التواصل والتخطيط أمر في غاية الأهمية.
الثاني عشر: إيجاد مراكز المعلومات والأبحاث المتخصصة، نظراً لاتساع رقعة العمل الخيري، وتنوع احتياجات ومشكلات وبيئات مناطق العمل، كما تقوم كثير من الأزمات على خلفيات تاريخية قديمة. ولا شك أن مراكز المعلومات والأبحاث من شأنها أن تعطي صورة واضحة عن حجم الأزمات لتسهم في تقديم الحلول المثلى لها، كما توفر المعلومات اللازمة للعمل في أي منطقة.
الثالث عشر: الأخذ بأحدث ما يمكن من وسائل التقنية للرقي بمستوى أدائها في ظل عالم يتجه نحو العولمة والحكومة الإلكترونية.
الرابع عشر: نصيحة لإخواننا العاملين في القطاع الخيري في الداخل أو الخارج بأن يخلصوا العمل لله تعالى، وأن يتعاونوا فيما بينهم، وأن يطرحوا الخلافات والمنافسات غير الشريفة جانباً، وأن يكون الهم والعمل لهذا الدين وفق ما جاء في الكتاب والسنة.


مقترحات إضافية لتطويل تمويل العمل الخيري:
1- إيجاد مصادر وقفية استثمارية لتغطية نشاطاتها.
2- مساهمة الحكومة في منح تلك الجمعيات أراضي لإقامة مشاريعها ومقارها لتعفيها من تكاليف الإيجار.
3- زيادة الدعم الحكومي للجمعيات الخيرية والطوعية.
4- منح الجمعيات إعفاءات من الرسوم الحكومية وتخفيضات في أسعار التذاكر والشحن والجمارك، والإعلانات في وسائل الإعلام للإعلان عن نشاطاتها وبرامجها.
5- تخصيص جزء من إيرادات بعض الرسوم والضرائب المحصلة لصالح الجمعيات الخيرية، وإعفاء المتطوعين بمالهم وجهدهم من الضرائب بما يتناسب مع قيمة التبرعات والأعمال الخيرية.