الحقيقة
03 Feb 2009, 08:52 AM
تمويل العمل الخيري
تسعى كافة المنظمات الخيرية إلى تنمية مواردها البشرية والمالية؛ لتواكب باقي المنظمات في القطاع العام والخاص، ولتتماشى مع عصر العولمة والانفتاح الاقتصادي والتطور التكنولوجي.
والنجاح في المنظمات الخيرية مرتبط إلى حد بعيد بمدى قدرتها تنمية مواردها البشرية والمالية، وكذلك استمراريتها وفعاليتها في المجتمعات التي تعمل ضمنها. وما سنتناوله ونركز عليه في ورقة العمل هذه هو تمويل العمل الخيري.
مما لا شك فيه أن الأموال الخيرية من الضخامة بمكان، وتحتاج إلى تنمية مستمرة، فالجهات المانحة تسعى إلى تنمية مواردها بشكل مستمر . وكذلك الأمر بالنسبة للجهات المتلقية؛ وذلك نظراً لتزايد العوز والفقر في المنطقة العربية والإسلامية، خاصة وأن الحكومات العربية في ظل العولمة بدأت بالرفع التدريجي للدعم عن السلع والخدمات التي توفرها لشعوبها، شأنها شأن باقي دول العالم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى للتباطؤ الاقتصادي الذي تواجهه معظم دولنا العربية والإسلامية مع معظم دول العالم، بالإضافة إلى ارتفاع الدين العام وقلة الضخ الحكومي.
ولكل ما تقدم نرى ضرورة التركيز على إيجاد بدائل للتمويل الخيري العربي والإسلامي، بعد تراجع الدور الحكومي وانحسار التمويل الدولي -إن لم نقل بجفافه- وخاصة بعد المتغيرات الأخيرة.
أولاً: مفهوم العمل الخيري وأهميته:
المقصود بالعمل الخيري : هو المجهود الذي يبذله فرد أو جماعة أو مؤسسة؛ لمساعدة الآخرين المحتاجين دون أن ينتظر مقابلاً مادياً عما يقدمه أو يبذله.
وقد يكون العمل الخيري أمراً واجباً كما هو الحال في الزكاة المفروضة في المال، وهي تعادل اثنين ونصف بالمائة في الأموال النقدية، وهي واجبة بل هي أحد أركان الإسلام.
وقد يكون العمل الخيري أمراً تطوعياً، كالصدقات المستحبة، والأوقاف والمساعدات الأخرى المختلفة.
والإنسان لا ينتظر مقابلاً مادياً، بمعنى أنه لا يقوم بهذا العمل من أجل الحصول على ربح؛ لأنه ينتقل إلى أن يكون عملاً تجارياً واستثمارياً، لكنه قد ينتظر أو يأتيه بإذن الله سبحانه وتعالى مردود معنوي.
وبعضهم يقول: لا مادي ولا معنوي، ونعتقد أنه لا بأس، بل ينبغي أن يكون للإنسان مطلب معنوي، مثل : كسب رضوان الله سبحانه وتعالى ودخوله الجنة والنجاة من سخط الله سبحانه وتعالى ومن عذابه كمثال، هذا أمر متفق عليه من أعظم المقاصد الشرعية، كذلك طلب الإنسان السعادة في الدنيا، لأنه من خلال التجربة تبيَّن أنه كلما يعطي الإنسان الآخر ين يحصل على السعادة، سواء أعطاهم من وقته، أو من عقله ومشورته ونصحه، أو من ماله أو من إمكانياته أو من جاهه.. فبقدر ما يعطي الآخرين يحصل على الرضا والسعادة.
لذلك تجد أن الكثيرين، الذين يشعرون بشيء من التعاسة والقلق والتوتر، يكون عندهم حرص على الدعم وعلى مساندة الآخرين؛ لأنهم يستشعرون لحظات وومضات من الإيمان والرضا والسرور في مثل هذه الحالة، كذلك الصحة، فالله سبحانه وتعالى حكم عدل.
إن الذين يحسنون إلى الخلق في الدنيا قد يطيل الله سبحانه وتعالى في أعمارهم وقد يمنحهم العافية والصحة حتى ولو كانوا غير مسلمين، وهذا معنى قد يخفى على الكثيرين. إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يفعله الإنسان في الدنيا، فقال: إن كان مؤمناً فإن له الأجر في الدنيا والآخرة لكن إن كان غير مؤمن فإن الله تعالى يجازيه بما عمل في الدنيا؛ لأنه في الآخرة ليس له جزاء عند الله سبحانه وتعالى، فيجازى في الدنيا بالصحة أو بسعة الرزق أو بالسمعة الحسنة عند الناس، أو بها كلها.
نظرة الإسلام إلى العمل الخيري:
الإسلام دين إنساني، فمنذ بزغ الإسلام في مكة -حتى قبل أن يكون للإسلام دولة أو نفوذ- كان هناك عناية شديدة جداً بالفقراء والمساكين والضعفاء كما في قوله سبحانه وتعالى: [وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ(3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6) وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ(7) ] {الماعون}. بل قال الله سبحانه وتعالى: [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] {الإنسان:8} . والأسير آنذاك لم يكن مسلماً لأنه كان في مكة قبل الهجرة.
إذاً هناك حث عظيم في القرآن الكريم، بل حتى في الزكاة المفروضة فيها سهم للمؤلفة قلوبهم، وهذا يدخل فيه إعطاء الكفار الذين يرجى إسلامهم، أو كف شرهم أو إسلام نظرائهم، أو هناك مصلحة للمسلمين من وراء ذلك.
وفي حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن إطعام البهائم والكلاب والدواب، وهل فيها أجر قال صلى الله عليه وسلم: «في كل كبدة رطبة أجر»، وهذا عام يشمل أي معروف: «كل معروف صدقة».
وحينما نقول إن الإسلام دين إنساني نكون صادقين في ذلك، فالإسلام دين جاء يراعي المشاعر الإنسانية ويقيم للإنسان وزنه وقيمته، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضرب المسلم أخاه على وجهه مثلاً، ونهى عن السب والشتم، وغير ذلك من المعاني التي فيها إشادة بالإنسان وتكريمه: [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ] {الإسراء:70} .
فهذا المعنى الإنساني والإسلامي الصحيح الثابت في القرآن وفي خطاب الله تعالى للبشر: [يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ] {الانشقاق:6} . هذا المعنى هو بمعزل عن النظرة الوجودية الإلحادية التي نشأت في أوربا.
والمهم أن العمل الخيري هو عمل إنساني إسلامي، وهو عمل ذو صبغة شمولية، فهو بناء مؤسسات المجتمع المدني التي تنظم حياة الناس، وتنظم معاشهم، وتحل مشكلاتهم، وتسد العجز الذي لا تستطيع حتى الحكومات أن تقوم به.
وإذا كنا نعرف أن في الغرب مثلاً في أمريكا وأوروبا (الوزارات - الدول - الحكومات) تفيد تقارير موثقة أنها تعتمد على جمعيات يسمونها الجمعيات الأهلية والخيرية واللاربحية، وتعتمد عليها للوصول إلى مواطن لا تستطيع الوصول إليه، أو تحقيق أهداف تعجز الحكومات نفسها عن تحقيقها، مع أنها حكومات متقدمة ومتطورة- فما بالك بالعالم الإسلامي الذي يعيش أحياناً حالة غياب الدولة؟!
كما هو الحال مثلاً في الصومال، أو كما هو الحال في العراق أو فلسطين أو أفغانستان، أو غيرها من البلدان المنكوبة.
وفي بقية الحالات، فإنه مع وجود الدول والحكومات إلا أنها تتمتع بوضع عادي، ولا تستطيع أن تستوعب كل احتياجات الناس وتطلعاتهم.
إذن، مثل هذه الأعمال الخيرية من شأنها أن تقيم مؤسسات المجتمع المدني، وأن تقوم بعبء كبير قد تعجز كثير من الحكومات عنه.
إن بناء الإنسان وإعداده مهم جداً، إضافة إلى توفير الحاجات الضرورية كالخدمات السكنية مثلاً والمساعدات المتنوعة ودعم الأوقاف،إلى غير ذلك من الأشياء التي يحتاجها الناس.
ومن خلال هذا العمل الخيري يوجد الترابط، ويوجد الإخاء، وتوجد الروح الإيمانية الملائكية الراقية التي تربط المسلم بأخيه المسلم، حتى ولو كان لا يعرفه اسماً ولا شكلاً ولا لوناً، ولكنه يتعاطف معه، فدور الجمعيات كبير جداً في تثقيف الأمة ورفع وعيها، كذلك تعدُّ من مراكز صناعة القوة والممانعة في الأمة، ورفض العولمة الثقافية والتغريب والتنصير وغير ذلك.
فهذا العمل يحتفظ بوحدة المجتمعات الإسلامية، ويحافظ عليها، ويحقق الأمن للمجتمع ويقيه من شر النزاعات والعدوان والحسد، ويربي الناس على التعامل الأمثل مع الأحداث الطارئة.
كما أن مفهوم العمل الخيري والتطوعي يرتبط مباشرة بالتنمية الشاملة، من خلال الكثير من تلك الأعمال والبرامج التي تستهدف الإنسان وترقى به ابتداء بالفرد ثم الأسرة، ومن ثم تمتد إلى المجتمع، تلك الحلقات الثلاث المترابطة بمجموعها ومفرداتها، فصلاح الأسرة من صلاح الفرد، وصلاح المجتمع من صلاح الأسرة.
ثانياً: مفهوم تمويل العمل الخيري:
يكتسب مفهوم تمويل العمل الخيري أهمية حيوية؛ لأنه يفتح آفاقاً كبيرة لتنمية موارد الخير العربي والإسلامي، وعلى كل مؤسسة خيرية أن تراعي عدداً من الشروط لتحقيق هذا الهدف، وذلك بتخفيض المصاريف من ناحية، وزيادة الدخل من ناحية أخرى عن طريق الإدارة الفعالة التي تجعل من عملائها ليسوا فقط مستفيدين من مواردها، ولكن تجعلهم في آن واحد مصدراً لتمويل الأنشطة. ومن جانب آخر فإن أمام المؤسسات الخيرية معادلة صعبة، فالإحجام عن الإنفاق على أنشطتها اللازمة لجمع التبرعات يقلل من عوائد تبرعاتها النقدية والعينية، ومن المهم أن تتضافر جهود المؤسسات الخيرية للتوصل للنسبة المعقولة للمصاريف الإدارية والفصل بينها وبين مصاريف تنمية الموارد.
إن تمويل العمل الخيري يعتبر عنصراً فاعلاً لزيادة النشاطات وتوفير الخدمات ، ومعظم المؤسسات العاملة في هذا الميدان هي مؤسسات أهلية تعتمد على التمويل الذاتي والتبرعات والهبات والوقف في تمويل مشاريعها الاجتماعية، وهناك من المؤسسات ما تتلقى الدعم الحكومي لتشجعها، أو لكي تنوب عن الحكومة أو بعض الجهات الأخرى.
ومن المعروف أن المؤسسات العاملة في ميدان العمل الاجتماعي تمر بعدة مراحل فيما يتعلق بتمويل المشاريع بداية من التمويل غير الذاتي، وصولاً إلى الاعتماد على الذات، أو الاعتماد المتبادل كمرحلة عليا، وإحداث الشراكة مع الجمعيات والمنظمات الأخرى.
ثالثاً: مصادر تمويل العمل الخيري:
تشكل قطاعات المجتمع المختلفة (وهي القطاع الحكومي ، والعام، القطاع الخاص، والقطاع التعاوني، والقطاع الأهلي والأفراد بصفتهم الطبيعية) مصادر خصبة للتمويل وتنمية موارد مؤسسات العمل الخيري.
وتضطلع أغلب تلك القطاعات بأدوار متفاوتة في دعم العمل الخيري وتمويل برامجه وأنشطته ومشاريعه الخدمية والتنموية.
كما تعتبر الزكاة والأوقاف من المصادر الرئيسية لتمويل العمل الخيري، وسنعرض فيما يلي مساهمات كل قطاع من تلك القطاعات في تمويل العمل الخيري.
1- القطاع الحكومي:
بدأت الحكومات العربية، ولا سيما في السنوات الأخيرة، تراعي في أنظمتها دعم وتشجيع المؤسسات غير الحكومية الربحية، سواء كانت تقوم بعمل اجتماعي أو علمي أو ثقافي أو فني أو رياضي.. إلخ، إلا إن الدعم الحكومي أصبح يشهد تراجعاً في الآونة الأخيرة، ولا يجب النظر إلى الحكومة في الوقت الحاضر كأكثر مصادر التمويل أهمية؛ لأن الدعم الذي تقدمه للعمل الخيري لا يشكّل إلا نسبة ضئيلة من مصادر التمويل الأخرى.
والمعروف أن العمل الاجتماعي ومؤسساته في أغلب الدول العربية قد اعتاد الاعتماد على الدولة في تنفيذ أنشطته وبرامجه خلال العقود الماضية، الأمر الذي أدى إلى بروز إشكالية أحادية التمويل لمشاريع وبرامج وأنشطة العمل الاجتماعي، وضعف المصادر التمويلية الأخرى، وأثرها بالتالي على فاعلية مؤسسات العمل الاجتماعي، مما حال دون تنمية مواردها وتفعيل مساهماتها الاجتماعية. ولكن الحال يختلف بالنسبة للعمل الخيري، إذ لا يشكل الدعم الحكومي لها سوى نسبة ضئيلة جداً، فضلاً عن أن بعض الجمعيات الخيرية لا تأخذ أي دعم مالي من الحكومة، حيث أنها تكتفي بمصادرها الذاتية ومصادر التمويل الأخرى غير الحكومية.
2- القطاع الخاص:
يجب التمييز هنا بين الشركات العائلية المملوكة لشخص وعائلته والشركات المساهمة مثل : شركات التأمين والبنوك والشركات المساهمة العامة. فالملاحظ في الوطن العربي أن الشركات العائلية أو الفردية لها نصيب الأسد في المساهمات الخيرية، وتعتبر أهم الروافد المالية للعمل الخيري، أما الشركات المساهمة فيعتبر دورها ضعيفاً جداً في دعم العمل الخيري العربي، مع العلم بأن رأس مال تلك الشركات يعتبر كبيراً جداً بالمقارنة مع الشركات العائلية، وأن ما يميز الغرب هو الاعتماد على الشركات المساهمة الكبيرة في دعم النشاط الخيري، والمطلوب عربياً هو تكثيف الجهود على تلك المؤسسات والشركات المساهمة لإقناعها وإقناع مجلس إدارتها والمساهمين فيها بضرورة القيام بدورهم المجتمعي بشكل أكبر ويتماشى مع دورهم الاقتصادي والمالي، فبذلك نكون قد ضمنا موارد مالية كبيرة تدعم العمل الخيري بشكل كبير ولأمد طويل.
إن هذه المسألة الحيوية حول أهمية النظر إلى القطاع الخاص، كمصدر واعد لتمويل مشاريع الخير العربية والإسلامية، يتطلب التفكير في وضع نظم تحفيزية لجذب هذا القطاع، وتفعيل مشاركته المجتمعية لتمكين مؤسسات الخير العربية والإسلامية، وهذا يتطلب أن يرتقي القطاع الخيري بتنظيماته وآليات عمله لكسب ثقة القطاع الخاص، ويمكنه في ذلك اتباع الخطوات التالية:
أ- اعتماد سياسة الشفافية والمساءلة من قبل المؤسسات الخيرية، وإقناع المتبرعين في القطاع الخاص بحيوية المشاريع والبرامج التي تنفذها.
ب- إعداد مشاريع متكاملة مقرونة بدراسات جدوى اقتصادية واجتماعية، وتقديمها لمؤسسات وشركات القطاع الخاص لتوفير التمويل، ودعم تلك المشاريع ولو على مراحل وبشكل تدريجي.
ج- إشراك القطاع الخاص في إبداء الرأي والمشورة، والأخذ بمقترحاته في اختيار المشاريع، الأمر الذي يجعله متبنياً ومنتسباً للأفكار المطروحة.
د- اطلاع الشركات والمساهمين في تمويل المشاريع الخيرية وبشكل موثق وشفاف بالنتائج المتحققة عن المشاريع المساهم في تمويلها.
هـ- دعم شركات ومؤسسات القطاع الخاص التي تتبرع وتقوم بتقديم خدماتها للمجتمع، من خلال خفض ضرائبها أو إلغائها .
و- دعوة القائمين على مؤسسا ت القطاع الخاص لتحمل مسئولياتهم نحو المجتمع ن من خلال المساهمة في مشاريع التنمية والبرامج الإنسانية .
3- المصادر الدولية:
تعتبر المصادر الدولية من مصادر تمويل العمل الخيري في الوطن العربي، ولا شك أن هذا المصدر يقع تحت تأثير المتغيرات الدولية والسياسية كما يقع تحت نفوذ الدول العظمى والدول الصناعية الكبرى، والتي تعتبر من المساهمين الرئيسيين في تمويل الصناديق الدولية ، وعلينا الاهتمام بهذا الأمر، ولكن لا يجب علينا كقائمين على العمل الخيري الإسلامي التعويل عليه كثيراً، فالمصدر المتاح اليوم قد لا يتاح غداً لتغير المواقف السياسية.
ولا يخفى على القائمين على العمل الخيري صعوبات التقديم وطول الإجراءات وتعقيدها للحصول على المنح من الصناديق الدولية المانحة، وبرأينا نحن كمسلمين لدينا من الموارد المالية والجهات المانحة ما يكفينا عن اللجوء للمصادر الدولية، ولكن علينا إعادة ترتيب أوراقنا، وحسن تقديم أنفسنا للغير.
4- الزكاة:
تعتبر الزكاة أهم مصدر من المصادر المالية الرافدة والداعمة للعمل الخيري؛ كونها فريضة من الله سبحانه وتعالى خالق الكون ومقدر الأقدار ومصرف الأمور والعالم بخلقه، فالزكاة لما لها من دور كبير في إعادة توزيع الثروة في المجتمع المسلم بشكل عام، بالإضافة إلى الدور الاجتماعي وتدوير الأموال وعدم اكتنازها، فهي تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. ولا يجب علينا أن نستهين بنسبة 2.5% فهي يجب أن تخرج من كل مالك للنصاب وحال عليه الحول، وبالتالي لو أخرج الناس زكاة أموالهم كما أمر الله سبحانه وتعالى لن يبقى في المجتمع المسلم فقير واحد أو محتاج، وهذا برأينا هو مقصد العمل الخيري بشكل عام، وهو رفع المعاناة عن الفقراء والمحتاجين في الدرجة الأولى، ومن ثم يأتي دور الزكاة التنموي في بناء المستشفيات والمدارس والطرقات والمصالح العامة، كما حصل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وعلينا كقائمين على العمل الخيري العربي إيقاظ الحافز الديني لدى الجمهور لإخراج زكاة أموالهم، وبالتالي مطلوب منا تحفيز الجمهور كما نحفز الشركات.
تسعى كافة المنظمات الخيرية إلى تنمية مواردها البشرية والمالية؛ لتواكب باقي المنظمات في القطاع العام والخاص، ولتتماشى مع عصر العولمة والانفتاح الاقتصادي والتطور التكنولوجي.
والنجاح في المنظمات الخيرية مرتبط إلى حد بعيد بمدى قدرتها تنمية مواردها البشرية والمالية، وكذلك استمراريتها وفعاليتها في المجتمعات التي تعمل ضمنها. وما سنتناوله ونركز عليه في ورقة العمل هذه هو تمويل العمل الخيري.
مما لا شك فيه أن الأموال الخيرية من الضخامة بمكان، وتحتاج إلى تنمية مستمرة، فالجهات المانحة تسعى إلى تنمية مواردها بشكل مستمر . وكذلك الأمر بالنسبة للجهات المتلقية؛ وذلك نظراً لتزايد العوز والفقر في المنطقة العربية والإسلامية، خاصة وأن الحكومات العربية في ظل العولمة بدأت بالرفع التدريجي للدعم عن السلع والخدمات التي توفرها لشعوبها، شأنها شأن باقي دول العالم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى للتباطؤ الاقتصادي الذي تواجهه معظم دولنا العربية والإسلامية مع معظم دول العالم، بالإضافة إلى ارتفاع الدين العام وقلة الضخ الحكومي.
ولكل ما تقدم نرى ضرورة التركيز على إيجاد بدائل للتمويل الخيري العربي والإسلامي، بعد تراجع الدور الحكومي وانحسار التمويل الدولي -إن لم نقل بجفافه- وخاصة بعد المتغيرات الأخيرة.
أولاً: مفهوم العمل الخيري وأهميته:
المقصود بالعمل الخيري : هو المجهود الذي يبذله فرد أو جماعة أو مؤسسة؛ لمساعدة الآخرين المحتاجين دون أن ينتظر مقابلاً مادياً عما يقدمه أو يبذله.
وقد يكون العمل الخيري أمراً واجباً كما هو الحال في الزكاة المفروضة في المال، وهي تعادل اثنين ونصف بالمائة في الأموال النقدية، وهي واجبة بل هي أحد أركان الإسلام.
وقد يكون العمل الخيري أمراً تطوعياً، كالصدقات المستحبة، والأوقاف والمساعدات الأخرى المختلفة.
والإنسان لا ينتظر مقابلاً مادياً، بمعنى أنه لا يقوم بهذا العمل من أجل الحصول على ربح؛ لأنه ينتقل إلى أن يكون عملاً تجارياً واستثمارياً، لكنه قد ينتظر أو يأتيه بإذن الله سبحانه وتعالى مردود معنوي.
وبعضهم يقول: لا مادي ولا معنوي، ونعتقد أنه لا بأس، بل ينبغي أن يكون للإنسان مطلب معنوي، مثل : كسب رضوان الله سبحانه وتعالى ودخوله الجنة والنجاة من سخط الله سبحانه وتعالى ومن عذابه كمثال، هذا أمر متفق عليه من أعظم المقاصد الشرعية، كذلك طلب الإنسان السعادة في الدنيا، لأنه من خلال التجربة تبيَّن أنه كلما يعطي الإنسان الآخر ين يحصل على السعادة، سواء أعطاهم من وقته، أو من عقله ومشورته ونصحه، أو من ماله أو من إمكانياته أو من جاهه.. فبقدر ما يعطي الآخرين يحصل على الرضا والسعادة.
لذلك تجد أن الكثيرين، الذين يشعرون بشيء من التعاسة والقلق والتوتر، يكون عندهم حرص على الدعم وعلى مساندة الآخرين؛ لأنهم يستشعرون لحظات وومضات من الإيمان والرضا والسرور في مثل هذه الحالة، كذلك الصحة، فالله سبحانه وتعالى حكم عدل.
إن الذين يحسنون إلى الخلق في الدنيا قد يطيل الله سبحانه وتعالى في أعمارهم وقد يمنحهم العافية والصحة حتى ولو كانوا غير مسلمين، وهذا معنى قد يخفى على الكثيرين. إن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يفعله الإنسان في الدنيا، فقال: إن كان مؤمناً فإن له الأجر في الدنيا والآخرة لكن إن كان غير مؤمن فإن الله تعالى يجازيه بما عمل في الدنيا؛ لأنه في الآخرة ليس له جزاء عند الله سبحانه وتعالى، فيجازى في الدنيا بالصحة أو بسعة الرزق أو بالسمعة الحسنة عند الناس، أو بها كلها.
نظرة الإسلام إلى العمل الخيري:
الإسلام دين إنساني، فمنذ بزغ الإسلام في مكة -حتى قبل أن يكون للإسلام دولة أو نفوذ- كان هناك عناية شديدة جداً بالفقراء والمساكين والضعفاء كما في قوله سبحانه وتعالى: [وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ(3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6) وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ(7) ] {الماعون}. بل قال الله سبحانه وتعالى: [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] {الإنسان:8} . والأسير آنذاك لم يكن مسلماً لأنه كان في مكة قبل الهجرة.
إذاً هناك حث عظيم في القرآن الكريم، بل حتى في الزكاة المفروضة فيها سهم للمؤلفة قلوبهم، وهذا يدخل فيه إعطاء الكفار الذين يرجى إسلامهم، أو كف شرهم أو إسلام نظرائهم، أو هناك مصلحة للمسلمين من وراء ذلك.
وفي حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن إطعام البهائم والكلاب والدواب، وهل فيها أجر قال صلى الله عليه وسلم: «في كل كبدة رطبة أجر»، وهذا عام يشمل أي معروف: «كل معروف صدقة».
وحينما نقول إن الإسلام دين إنساني نكون صادقين في ذلك، فالإسلام دين جاء يراعي المشاعر الإنسانية ويقيم للإنسان وزنه وقيمته، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضرب المسلم أخاه على وجهه مثلاً، ونهى عن السب والشتم، وغير ذلك من المعاني التي فيها إشادة بالإنسان وتكريمه: [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ] {الإسراء:70} .
فهذا المعنى الإنساني والإسلامي الصحيح الثابت في القرآن وفي خطاب الله تعالى للبشر: [يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ] {الانشقاق:6} . هذا المعنى هو بمعزل عن النظرة الوجودية الإلحادية التي نشأت في أوربا.
والمهم أن العمل الخيري هو عمل إنساني إسلامي، وهو عمل ذو صبغة شمولية، فهو بناء مؤسسات المجتمع المدني التي تنظم حياة الناس، وتنظم معاشهم، وتحل مشكلاتهم، وتسد العجز الذي لا تستطيع حتى الحكومات أن تقوم به.
وإذا كنا نعرف أن في الغرب مثلاً في أمريكا وأوروبا (الوزارات - الدول - الحكومات) تفيد تقارير موثقة أنها تعتمد على جمعيات يسمونها الجمعيات الأهلية والخيرية واللاربحية، وتعتمد عليها للوصول إلى مواطن لا تستطيع الوصول إليه، أو تحقيق أهداف تعجز الحكومات نفسها عن تحقيقها، مع أنها حكومات متقدمة ومتطورة- فما بالك بالعالم الإسلامي الذي يعيش أحياناً حالة غياب الدولة؟!
كما هو الحال مثلاً في الصومال، أو كما هو الحال في العراق أو فلسطين أو أفغانستان، أو غيرها من البلدان المنكوبة.
وفي بقية الحالات، فإنه مع وجود الدول والحكومات إلا أنها تتمتع بوضع عادي، ولا تستطيع أن تستوعب كل احتياجات الناس وتطلعاتهم.
إذن، مثل هذه الأعمال الخيرية من شأنها أن تقيم مؤسسات المجتمع المدني، وأن تقوم بعبء كبير قد تعجز كثير من الحكومات عنه.
إن بناء الإنسان وإعداده مهم جداً، إضافة إلى توفير الحاجات الضرورية كالخدمات السكنية مثلاً والمساعدات المتنوعة ودعم الأوقاف،إلى غير ذلك من الأشياء التي يحتاجها الناس.
ومن خلال هذا العمل الخيري يوجد الترابط، ويوجد الإخاء، وتوجد الروح الإيمانية الملائكية الراقية التي تربط المسلم بأخيه المسلم، حتى ولو كان لا يعرفه اسماً ولا شكلاً ولا لوناً، ولكنه يتعاطف معه، فدور الجمعيات كبير جداً في تثقيف الأمة ورفع وعيها، كذلك تعدُّ من مراكز صناعة القوة والممانعة في الأمة، ورفض العولمة الثقافية والتغريب والتنصير وغير ذلك.
فهذا العمل يحتفظ بوحدة المجتمعات الإسلامية، ويحافظ عليها، ويحقق الأمن للمجتمع ويقيه من شر النزاعات والعدوان والحسد، ويربي الناس على التعامل الأمثل مع الأحداث الطارئة.
كما أن مفهوم العمل الخيري والتطوعي يرتبط مباشرة بالتنمية الشاملة، من خلال الكثير من تلك الأعمال والبرامج التي تستهدف الإنسان وترقى به ابتداء بالفرد ثم الأسرة، ومن ثم تمتد إلى المجتمع، تلك الحلقات الثلاث المترابطة بمجموعها ومفرداتها، فصلاح الأسرة من صلاح الفرد، وصلاح المجتمع من صلاح الأسرة.
ثانياً: مفهوم تمويل العمل الخيري:
يكتسب مفهوم تمويل العمل الخيري أهمية حيوية؛ لأنه يفتح آفاقاً كبيرة لتنمية موارد الخير العربي والإسلامي، وعلى كل مؤسسة خيرية أن تراعي عدداً من الشروط لتحقيق هذا الهدف، وذلك بتخفيض المصاريف من ناحية، وزيادة الدخل من ناحية أخرى عن طريق الإدارة الفعالة التي تجعل من عملائها ليسوا فقط مستفيدين من مواردها، ولكن تجعلهم في آن واحد مصدراً لتمويل الأنشطة. ومن جانب آخر فإن أمام المؤسسات الخيرية معادلة صعبة، فالإحجام عن الإنفاق على أنشطتها اللازمة لجمع التبرعات يقلل من عوائد تبرعاتها النقدية والعينية، ومن المهم أن تتضافر جهود المؤسسات الخيرية للتوصل للنسبة المعقولة للمصاريف الإدارية والفصل بينها وبين مصاريف تنمية الموارد.
إن تمويل العمل الخيري يعتبر عنصراً فاعلاً لزيادة النشاطات وتوفير الخدمات ، ومعظم المؤسسات العاملة في هذا الميدان هي مؤسسات أهلية تعتمد على التمويل الذاتي والتبرعات والهبات والوقف في تمويل مشاريعها الاجتماعية، وهناك من المؤسسات ما تتلقى الدعم الحكومي لتشجعها، أو لكي تنوب عن الحكومة أو بعض الجهات الأخرى.
ومن المعروف أن المؤسسات العاملة في ميدان العمل الاجتماعي تمر بعدة مراحل فيما يتعلق بتمويل المشاريع بداية من التمويل غير الذاتي، وصولاً إلى الاعتماد على الذات، أو الاعتماد المتبادل كمرحلة عليا، وإحداث الشراكة مع الجمعيات والمنظمات الأخرى.
ثالثاً: مصادر تمويل العمل الخيري:
تشكل قطاعات المجتمع المختلفة (وهي القطاع الحكومي ، والعام، القطاع الخاص، والقطاع التعاوني، والقطاع الأهلي والأفراد بصفتهم الطبيعية) مصادر خصبة للتمويل وتنمية موارد مؤسسات العمل الخيري.
وتضطلع أغلب تلك القطاعات بأدوار متفاوتة في دعم العمل الخيري وتمويل برامجه وأنشطته ومشاريعه الخدمية والتنموية.
كما تعتبر الزكاة والأوقاف من المصادر الرئيسية لتمويل العمل الخيري، وسنعرض فيما يلي مساهمات كل قطاع من تلك القطاعات في تمويل العمل الخيري.
1- القطاع الحكومي:
بدأت الحكومات العربية، ولا سيما في السنوات الأخيرة، تراعي في أنظمتها دعم وتشجيع المؤسسات غير الحكومية الربحية، سواء كانت تقوم بعمل اجتماعي أو علمي أو ثقافي أو فني أو رياضي.. إلخ، إلا إن الدعم الحكومي أصبح يشهد تراجعاً في الآونة الأخيرة، ولا يجب النظر إلى الحكومة في الوقت الحاضر كأكثر مصادر التمويل أهمية؛ لأن الدعم الذي تقدمه للعمل الخيري لا يشكّل إلا نسبة ضئيلة من مصادر التمويل الأخرى.
والمعروف أن العمل الاجتماعي ومؤسساته في أغلب الدول العربية قد اعتاد الاعتماد على الدولة في تنفيذ أنشطته وبرامجه خلال العقود الماضية، الأمر الذي أدى إلى بروز إشكالية أحادية التمويل لمشاريع وبرامج وأنشطة العمل الاجتماعي، وضعف المصادر التمويلية الأخرى، وأثرها بالتالي على فاعلية مؤسسات العمل الاجتماعي، مما حال دون تنمية مواردها وتفعيل مساهماتها الاجتماعية. ولكن الحال يختلف بالنسبة للعمل الخيري، إذ لا يشكل الدعم الحكومي لها سوى نسبة ضئيلة جداً، فضلاً عن أن بعض الجمعيات الخيرية لا تأخذ أي دعم مالي من الحكومة، حيث أنها تكتفي بمصادرها الذاتية ومصادر التمويل الأخرى غير الحكومية.
2- القطاع الخاص:
يجب التمييز هنا بين الشركات العائلية المملوكة لشخص وعائلته والشركات المساهمة مثل : شركات التأمين والبنوك والشركات المساهمة العامة. فالملاحظ في الوطن العربي أن الشركات العائلية أو الفردية لها نصيب الأسد في المساهمات الخيرية، وتعتبر أهم الروافد المالية للعمل الخيري، أما الشركات المساهمة فيعتبر دورها ضعيفاً جداً في دعم العمل الخيري العربي، مع العلم بأن رأس مال تلك الشركات يعتبر كبيراً جداً بالمقارنة مع الشركات العائلية، وأن ما يميز الغرب هو الاعتماد على الشركات المساهمة الكبيرة في دعم النشاط الخيري، والمطلوب عربياً هو تكثيف الجهود على تلك المؤسسات والشركات المساهمة لإقناعها وإقناع مجلس إدارتها والمساهمين فيها بضرورة القيام بدورهم المجتمعي بشكل أكبر ويتماشى مع دورهم الاقتصادي والمالي، فبذلك نكون قد ضمنا موارد مالية كبيرة تدعم العمل الخيري بشكل كبير ولأمد طويل.
إن هذه المسألة الحيوية حول أهمية النظر إلى القطاع الخاص، كمصدر واعد لتمويل مشاريع الخير العربية والإسلامية، يتطلب التفكير في وضع نظم تحفيزية لجذب هذا القطاع، وتفعيل مشاركته المجتمعية لتمكين مؤسسات الخير العربية والإسلامية، وهذا يتطلب أن يرتقي القطاع الخيري بتنظيماته وآليات عمله لكسب ثقة القطاع الخاص، ويمكنه في ذلك اتباع الخطوات التالية:
أ- اعتماد سياسة الشفافية والمساءلة من قبل المؤسسات الخيرية، وإقناع المتبرعين في القطاع الخاص بحيوية المشاريع والبرامج التي تنفذها.
ب- إعداد مشاريع متكاملة مقرونة بدراسات جدوى اقتصادية واجتماعية، وتقديمها لمؤسسات وشركات القطاع الخاص لتوفير التمويل، ودعم تلك المشاريع ولو على مراحل وبشكل تدريجي.
ج- إشراك القطاع الخاص في إبداء الرأي والمشورة، والأخذ بمقترحاته في اختيار المشاريع، الأمر الذي يجعله متبنياً ومنتسباً للأفكار المطروحة.
د- اطلاع الشركات والمساهمين في تمويل المشاريع الخيرية وبشكل موثق وشفاف بالنتائج المتحققة عن المشاريع المساهم في تمويلها.
هـ- دعم شركات ومؤسسات القطاع الخاص التي تتبرع وتقوم بتقديم خدماتها للمجتمع، من خلال خفض ضرائبها أو إلغائها .
و- دعوة القائمين على مؤسسا ت القطاع الخاص لتحمل مسئولياتهم نحو المجتمع ن من خلال المساهمة في مشاريع التنمية والبرامج الإنسانية .
3- المصادر الدولية:
تعتبر المصادر الدولية من مصادر تمويل العمل الخيري في الوطن العربي، ولا شك أن هذا المصدر يقع تحت تأثير المتغيرات الدولية والسياسية كما يقع تحت نفوذ الدول العظمى والدول الصناعية الكبرى، والتي تعتبر من المساهمين الرئيسيين في تمويل الصناديق الدولية ، وعلينا الاهتمام بهذا الأمر، ولكن لا يجب علينا كقائمين على العمل الخيري الإسلامي التعويل عليه كثيراً، فالمصدر المتاح اليوم قد لا يتاح غداً لتغير المواقف السياسية.
ولا يخفى على القائمين على العمل الخيري صعوبات التقديم وطول الإجراءات وتعقيدها للحصول على المنح من الصناديق الدولية المانحة، وبرأينا نحن كمسلمين لدينا من الموارد المالية والجهات المانحة ما يكفينا عن اللجوء للمصادر الدولية، ولكن علينا إعادة ترتيب أوراقنا، وحسن تقديم أنفسنا للغير.
4- الزكاة:
تعتبر الزكاة أهم مصدر من المصادر المالية الرافدة والداعمة للعمل الخيري؛ كونها فريضة من الله سبحانه وتعالى خالق الكون ومقدر الأقدار ومصرف الأمور والعالم بخلقه، فالزكاة لما لها من دور كبير في إعادة توزيع الثروة في المجتمع المسلم بشكل عام، بالإضافة إلى الدور الاجتماعي وتدوير الأموال وعدم اكتنازها، فهي تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. ولا يجب علينا أن نستهين بنسبة 2.5% فهي يجب أن تخرج من كل مالك للنصاب وحال عليه الحول، وبالتالي لو أخرج الناس زكاة أموالهم كما أمر الله سبحانه وتعالى لن يبقى في المجتمع المسلم فقير واحد أو محتاج، وهذا برأينا هو مقصد العمل الخيري بشكل عام، وهو رفع المعاناة عن الفقراء والمحتاجين في الدرجة الأولى، ومن ثم يأتي دور الزكاة التنموي في بناء المستشفيات والمدارس والطرقات والمصالح العامة، كما حصل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وعلينا كقائمين على العمل الخيري العربي إيقاظ الحافز الديني لدى الجمهور لإخراج زكاة أموالهم، وبالتالي مطلوب منا تحفيز الجمهور كما نحفز الشركات.