ابن مالك
06 Nov 2010, 11:15 AM
ملخص أعمال الحج
حسين بن عمر محفوظ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
المقدمة:
فإن الله سبحانه وتعالى شرع الحج إلى بيته الحرام؛ للقيام بالواجب الذي أمر المسلمين بأدائه، ليحصل لهم الانتفاع من هذا الاجتماع العام، لتقوية صلة الأخوة الإيمانية، ولتحقيق وحدتهم الدينية التي جعلها الله من لوازم الدين. ففي موسم الحج تتقوى الروابط بين المسلمين، ويحصل التعارف بين أبناء الأمة الواحدة، وليقوم العلماء بواجب النصح الديني لجميع المسلمين قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ} [الحج:27-28].
وقد تواترت نصوص الكتاب والسنة في وجوب الحج على كل مسلم بالغ عاقل مالك للزاد والراحلة، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وفرض من الفرائض الدينية التي علمت بالضرورة، قال تعالى:{وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]. وقال تعالى {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ} [البقرة:196] وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» فقال رجل : أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «يا أيها الناس كتب عليكم الحج»، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا. الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع»(1).
فضل الحج:
ثبت في السنة الصحيحة أن الحج يمحو الذنوب والسيئات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»(2).
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: أبسط يدك فلأبايعك: قال: فبسط، فقبضت يدي فقال: «مالك يا عمرو؟». قلت: أشترط؟، قال: «تشترط ماذا؟»، قلت: أن يغفر لي؟، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله؟»(3).
وثبت أنه من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل؟، قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم أي؟، قال: «ثم جهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟، قال: «ثم حج مبرور»(4).
وهو جهاد النساء، كما ثبت في الصحيحين أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله, ترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟، قال: «لكن أفضل الجهاد: حج مبرور».
وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟، قال: «لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور»، قالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
آداب السفر إلى الحج والعمرة:
1) ينبغي على الحاد والمعتمر، إذا عزم على أداء فريضة الحج أو العمرة، أن يستخير الله. فعن جابر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته»(5).
2) إذا عزم على الحج، فعليه بالمبادرة بالتوبة والنصوح من كل الذنوب والسيئات والمنكرات والمعاصي، حتى المكروهات؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التَّحريم:8]، ولقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31] .
3) أن يجتهد في قضاء ما عليه من ديون ، وأن يرد الأمانات والودائع والعواري إلى أهلها، لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] .
4) أن يستأذن والديه للسفر، وأن يسترضيهما قبل السفر. وإن كانت زوجة استرضت زوجها، فإن كان أحد الوالدين منعه من أداء فريضة الحج، فلا يلتفت إليه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «إنما الطاعة في المعروف».
5) أن يتعلم مناسك الحج والعمرة وآداب الزيارة. فالحج عبادة ، وتعلمها فرض عين على كل مسلم نوى الحج وعزم عليه؛ إذ لا تصح العبادة إلا بأدائها كما شرعت لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم...».
6) أن يصاحب في سفره الصالحين والرفقاء المتمسكين بآداب الشريعة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»(6).
7) أن يدعو بدعاء السفر المأثور عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا ركب الدابة. فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد». وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: «آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون»(7).
8) يستحب للحاج في سفره أن يكبر كلما صعد الثنايا وما أشبهها من الأماكن المرتفعة، ويسبح إذا هبط في بطون الأودية ونحوها. فعن جابر رضي الله عنه قال: «كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا»(8).
مواقيت الحج والعمرة:
تنقسم المواقيت إلى مكانية وزمانية؛ فالزمانية بالنسبة للحج هي أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، آخرها طلوع فجر يوم النحر). وأما بالنسبة للعمرة، فالعام كله.
وأما المواقيت المكانية فخمسة، وهي:
1- ذو الحليفة: ميقات أهل المدينة ومن توجه من المدينة، وهي تبعد عن المدينة 7 أميال تقريباً، وبينهما وبين مكة عشر مراحل، أي (428) كيلو متراً من شمال مكة.
2- الجحفة، وهي ميقات أهل الشام والمتوجهين منها وكذلك المتوجهين من مصر وبلاد المغرب، وهي في الشمال الغربي من مكة على بعد ثلاث مراحل منها ، أي (186) كيلو متراً، وهي قريبة من رابغ.
3- قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد والمتوجهين منها، ويقع شرقي مكة، بينه وبينها يوم وليلة، أي (75) كيلو متراً.
4- يلملم، وهو ميقات أهل اليمن، والمتوجهين من جهة اليمن ويقع جنوب مكة، بينه وبينها ليلتان، أي (120) كيلو متراً.
5- ذات عرق، وهو ميقات أهل العراق والمتوجهين منه كفارس وخراسان بينه وبين مكة نحو مرحلتين،أي (100) كيلو متراً. وقد نظمها بعضهم فقال:
عرق العـراق يلملـم اليمن
والشام جحفة إن مررت بها
وبذي الحليفة يحرم المدني
ولأهـل نجد قرن فاستبن
وهذه المواقيت لأهل البلد، ولكل من مر بها من غير أهلها. فالواجب على الحاج والمعتمر أن يحرم منها وجوباً، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهن ولكل آت عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة».
آداب الإحرام:
الإحرام هو الدخول في التحريم بنية أحد النسكين (الحج والعمرة ) أو نيتهما معاً. وينبغي للحاج والمعتمر أن يراعي آداب الإحرام، والتي نجملها بما يلي:
1- الاغتسال وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر وتسريح شعر الرأس واللحية. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من السنة أن يغتسل إذا اراد الإحرام وإذا أراد دخول مكة»(9).
2- لبس ثوبي الإحرام وهما إزار ورداء ويستحب أن يكونا أبيضين لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «من خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم»(10) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بعد ما ترجل، وادهن ، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه»(11).
3- أن يتطيب في بدنه قبل أن يبدأ بالحج والعمرة ، وإن بقي أثر الطيب على بدنه أو ثوبه بعد الإحرام. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كأني أنظر إلى وبيض الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محرم(12).
أنواع الأنساك:
أنواع النسك ثلاثة:
1) التمتع. 2) إفراد. 3) قران.
وتجزئ الحاج ولو أتى بواحدة منها وأفضلها التمتع؛ لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه لما طافوا، وسعوا أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق هدياً وثبت على إحرامه لسوقه الهدي. ولما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبركم، ولولا هدي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلوا» فحللنا، وسمعنا وأطعنا... الحديث.
وإليك بيان كل نوع من أنواع الأنساك الثلاثة:
أولاً التمتع:
وصورته أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فيدخل مكة فيطوف ثم يسعى، ثم يحلق أو يقصر، ثم يتحلل حتى إذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- أحرم بالحج وأتى بجميع أفعاله.
ثانياً – الإفراد:
وهو أن يحرم بالحج وحده، فإذا دخل مكة طاف طواف القدوم، وسعى بين الصفا والمروة للحج، ولا يحلق ولا يقصر ولا يتحلل، بل يبقى محرماً حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر فيحل، ولا بأس من أن يؤخر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج.
ثالثاً – القران:
وهو أن يحرم بالعمرة والحج معاً، أو يحرم بالعمرة أولاً، ثم يدخل على العمرة قبل أن يشرع في طواف العمرة، وما يقوم به القارن من أعمال الحج هو عين ما يفعله المفرد، إلا أن القارن عليه هدي والمفرد لا هدي عليه.
صفة العمرة:
1- يتجرد من ثيابه المخيطة، فيغتسل في الميقات أو في بيته، ثم يتطيب قبل أن يلبس ثياب الإحرام.
2- يحرم من الميقات، فيلبي قائلاً : "لبيك عمرة – لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" يرفع بها صوته. وأما المرأة فإنها تلبي بصوت منخفض. وعلى المحرم الإكثار من التلبية.
3- فإذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى، ثم يأتي بدعاء دخول المسجد وهو: "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم".
4- ثم يبدأ الطواف من الحجر الأسود، فيستلمه إن تيسر له ذلك من دون أن يزاحم الناس ويقبله، فإن لم يتيسر له ذلك استلمه بمحجن، فإن كان الزحام شديداً، استقبل الحجر الأسود، وأشار إليه بيده إشارة ولا يقبلها. وعلى المحرم أن يحذر من مزاحمة الناس لما فيه من أذية المسلمين، وأذية المسلمين حرام، ويقول عند استلام الحجر: "بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم".
5- ثم يبدأ الطواف جاعلاً الحجر الأسود عن يساره ، فإذا بلغ الركن اليماني استلمه بيده من غير تقبيل، هذا إن تيسر له ذلك، وإلا فلا يزاحم على استلامه،ويدعو بين الركن والحجر الأسود بهذا الدعاء : "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
6- وهكذا يفعل في كل شوط من الأشواط السبعة، فتمام الشوط من الحجر الأسود إلى أن يعود إلى الحجر الأسود، دورة كاملة حول الكعبة.
7- يذكر الله سبحانه وتعالى أثناء الطواف بأنواع الذكر المشروع ، من قراءة قرآن ودعاء وذكر.
8- على المحرم أن يضطبع من أول الطواف إلى آخره. وصفة الاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن وطرفاه على كتفه الأيسر، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، ويمشي في الأشواط الأربعة الأخيرة.
9- إذا فرغ من الطواف، صلى عند المقام ركعتين لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]. ولا يزاحم عند المقام، بل يصلي في أي جهة مما يلي المقام، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة ( الكافرون) وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة ( الإخلاص).
10- فإذا فرغ من الصلاة عند المقام، توجه إلى الحجر الأسود ليستلمه إن تيسر له ذلك.
11- ثم يتوجه إلى المسعى فيبدأ بالصفا، فإذا ارتقاه قرأ قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة:158] ، ثم يستقبل الكعبة ويدعو بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، يكررها ثلاثاً، ثم يتخير من الدعاء ما شاء.
12- ثم ينزل من الصفا ماشياً إلى المروة، فيركض بين العلمين الأخضرين ركضاً شديداً بقدر استطاعته من غير أن يؤذي المسلمين، فإذا وصل إلى المروة ارتقاه وفعل فيه ما فعله بالصفا، ثم ينزل من المروة ماشياً إلى الصفا فيركض بين العلمين الأخضرين ركضاً شديداً على قدر استطاعته من غير أن يؤذي المسلمين حتى يصل إلى الصفا فيفعل فيه ما فعل به أولاً، وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط، ويذكر الله في سعيه ما أحب من الذكر.
تنبيه: الأشواط السبعة في المسعى تكون على النحو التالي: من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر.
13- إذا أتم تم السعي حلق شعره أو قصره والحلق أفضل، إلا إذا كان متمتعاً في مدة متقاربة بين العمرة والحج فيقصر ليحلق يوم النحر، فإذا قصر من شعره فالأصل أن يقصر من جميع جوانبه، والحلق يجب أن يكون شاملاً لجميع الرأس. وأما المرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة،وبهذه الأعمال تمت أعمال العمرة ويحل له كل شيء من الملبوس المخيط والطيب والنساء وغير ذلك من محظورات الإحرام.. والحمد لله رب العالمين.
صفة الحج :
1- في يوم التروية ( الثامن من ذي الحجة) اغتسل وتطيب، ثم البس ثياب الإحرام، ولبّ قائلاً :"لبيك حجاً" وتوجه إلى منى رافعاً صوتك بالتلبية (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك،لا شريك لك". ولا تقطع التلبية إلا إذا رميت جمرة العقبة في يوم النحر (يوم العيد).
2- صل الظهر والعصر والمغرب والعشاء في منى قصراً من غير جمع، وبت فيها ليلة التاسع من ذي الحجة، وصل فيها الفجر، وامكث في منى حتى تطلع الشمس، ثم توجه إلى عرفة.
3- من السنة أن تنزل في مسجد نمرة، إلى ما قبل الزوال ثم تنزل إلى بطن عرنة، وهي قبيل عرفة، وتصلي الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين بعد الاستماع إلى الخطبة ، ثم تدخل عرفة حتى غروب شمس يوم عرفة.
4- اعلم أن الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم من أركان الحج ، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" الحج عرفة" فاجتهد في الدعاء والابتهال إلى الله في ذلك اليوم وخير دعاء يوم عرفة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" أفضل ما قلت أنا والنبييون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وامكث في عرفة داعياً وراجياً الله حتى تغرب الشمس.
5- بعد غروب شمس يوم عرفة تتوجه إلى المزدلفة، وصلّ فيها المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان واحد وإقامتين، ونم في المزدلفة حتى الفجر، فإذا طلع الفجر فصل صلاة الصبح ثم توجه إلى المشعر الحرام – إن أمكنك ذلك- من غير أن تزاحم الناس، واحمد الله وكبره وادعه حتى يسفر الصبح؛ ومزدلفة كلها موقف.
6- ثم انطلق إلى منى قبل أن تشرق الشمس، فإذا دخلت وادي محسر، فأسرع السير، ثم اذهب إلى جمرة العقبة الكبرى.
7- فإذا أتيت جمرة العقبة الكبرى، فاجعل مكة عن يسارك ومنى عن يمينك وارمها بسبع حصيات كحصى الخذف ( مثل حب الفول) وكبر مع كل رمية، فإذا انتهيت من الرمي فاقطع التلبية، فبعدها يحل لك كل شيء من الطيب ولبس المخيط وغير ذلك من محظورات الإحرام، إلا النساء.
8- ثم تأتي إلى المنحر – إن استطعت – ومن السنة أن تذبح هديك بيدك وتوجهها إلى القبلة، وتضع قدمك على صفحة عنقها الأيمن، وتأكل من ذبيحتك.
9- تحلق شعر الرأس كله أو تقصره من جميع الجهات والحلق أفضل. وأما النساء، فإنهن يأخذن من كل قرن الشعر قدر أنملة.
10- ثم تذهب إلى البيت الحرام؛ لتطوف طواف الإفاضة، وتصلي ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم تسعى بين الصفا والمروة، فإذا انتهيت من السعي حل لك كل شيء حتى النساء.
تنبيه :
أ- من السنة في طواف الإفاضة عدم الاضطباع والرمل.
ب- أعمال يوم النحر ( يوم الحج الأكبر) وهي: الرمي، الحلق، الذبح، طواف الإفاضة. ولا بأس أن تؤخر منها أو تقدم، ولك أن تؤخر النحر إلى أيام التشريق.
11- فإذا انتهيت من الطواف والسعي ترجع إلى منى، فتمكث فيها أيام التشريق، وهي: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة. احرص في منى على التكبير والذكر.
12- في أيام التشريق ترمي الجمرات الثلاث، كل جمرة بسبع حصيات، فتبدأ بجمرة العقبة الصغرى، فإذا فرغت من رميها فتقدم قليلاً إلى جهة اليمين واستقبل القبلة رافعاً يديك بالدعاء، ثم توجه إلى جمرة العقبة الوسطى، وارمها بسبع حصيات، وتنح إلى جهة الشمال قليلاً، واستقبل القبلة رافعاً يديك بالدعاء، ثم توجه إلى جمرة العقبة الكبرى، فارمها بسبع حصيات فإذا فرغت من الرمي، من السنة ألا تقف ولا تدع. وهكذا تفعل في أيام التشريق الثلاثة، علماً بأن الرمي في أيام التشريق يبدأ من بعد الزوال.
13- يجوز للحاج أن يتعجل في يومين، أي في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، فيخرج من منى بعد الزوال وقبل أن تغرب عليه شمس ذلك اليوم ولم يبق للمتعجل بعد ذلك إلا طواف الوداع. قال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ...} [البقرة:203] ومن أراد أن يمكث إلى اليوم الثالث عشر من ذي الحجة فهو الأفضل.
14- من تأخر إلى اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فيخرج من منى بعد الزوال متوجهاً إلى مكة ليطوف بالبيت طواف الوداع، ليكون آخر عهده بالبيت قبل أن يعزم الرحيل إلى بلده، مع العلم أن طواف الوداع لاسعي معه. فمن فعل كل ما أسلفنا بيانه، فقد تم حجه.
رب لله والحمد أجمعين وصحبه وآله محمد سيدنا على اللهم وصل
ـــــــــــــ
(1) رواه أحمد، وأبو داوود، والنسائي، والحاكم وصححه.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم.
(4) متفق عليه.
(5) أخرجه البخاري.
(6) رواه أبو داوود، والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.
(7) رواه مسلم.
(8) رواه البخاري.
(9) رواه البزار، والدارقطني، والحاكم وصححه.
(10) أخرجه البيهقي.
(11) أخرجه البخاري.
(12) متفق عليه.
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
حسين بن عمر محفوظ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
المقدمة:
فإن الله سبحانه وتعالى شرع الحج إلى بيته الحرام؛ للقيام بالواجب الذي أمر المسلمين بأدائه، ليحصل لهم الانتفاع من هذا الاجتماع العام، لتقوية صلة الأخوة الإيمانية، ولتحقيق وحدتهم الدينية التي جعلها الله من لوازم الدين. ففي موسم الحج تتقوى الروابط بين المسلمين، ويحصل التعارف بين أبناء الأمة الواحدة، وليقوم العلماء بواجب النصح الديني لجميع المسلمين قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ} [الحج:27-28].
وقد تواترت نصوص الكتاب والسنة في وجوب الحج على كل مسلم بالغ عاقل مالك للزاد والراحلة، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وفرض من الفرائض الدينية التي علمت بالضرورة، قال تعالى:{وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]. وقال تعالى {وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ} [البقرة:196] وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان».
وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» فقال رجل : أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «يا أيها الناس كتب عليكم الحج»، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا. الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع»(1).
فضل الحج:
ثبت في السنة الصحيحة أن الحج يمحو الذنوب والسيئات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»(2).
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: أبسط يدك فلأبايعك: قال: فبسط، فقبضت يدي فقال: «مالك يا عمرو؟». قلت: أشترط؟، قال: «تشترط ماذا؟»، قلت: أن يغفر لي؟، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله؟»(3).
وثبت أنه من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل؟، قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم أي؟، قال: «ثم جهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟، قال: «ثم حج مبرور»(4).
وهو جهاد النساء، كما ثبت في الصحيحين أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله, ترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟، قال: «لكن أفضل الجهاد: حج مبرور».
وفي الصحيحين أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟، قال: «لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج، حج مبرور»، قالت عائشة: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
آداب السفر إلى الحج والعمرة:
1) ينبغي على الحاد والمعتمر، إذا عزم على أداء فريضة الحج أو العمرة، أن يستخير الله. فعن جابر رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري – أو قال عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به. قال: ويسمي حاجته»(5).
2) إذا عزم على الحج، فعليه بالمبادرة بالتوبة والنصوح من كل الذنوب والسيئات والمنكرات والمعاصي، حتى المكروهات؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التَّحريم:8]، ولقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31] .
3) أن يجتهد في قضاء ما عليه من ديون ، وأن يرد الأمانات والودائع والعواري إلى أهلها، لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:58] .
4) أن يستأذن والديه للسفر، وأن يسترضيهما قبل السفر. وإن كانت زوجة استرضت زوجها، فإن كان أحد الوالدين منعه من أداء فريضة الحج، فلا يلتفت إليه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «إنما الطاعة في المعروف».
5) أن يتعلم مناسك الحج والعمرة وآداب الزيارة. فالحج عبادة ، وتعلمها فرض عين على كل مسلم نوى الحج وعزم عليه؛ إذ لا تصح العبادة إلا بأدائها كما شرعت لقوله عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم...».
6) أن يصاحب في سفره الصالحين والرفقاء المتمسكين بآداب الشريعة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»(6).
7) أن يدعو بدعاء السفر المأثور عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا ركب الدابة. فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد». وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: «آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون»(7).
8) يستحب للحاج في سفره أن يكبر كلما صعد الثنايا وما أشبهها من الأماكن المرتفعة، ويسبح إذا هبط في بطون الأودية ونحوها. فعن جابر رضي الله عنه قال: «كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا»(8).
مواقيت الحج والعمرة:
تنقسم المواقيت إلى مكانية وزمانية؛ فالزمانية بالنسبة للحج هي أشهر الحج (شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، آخرها طلوع فجر يوم النحر). وأما بالنسبة للعمرة، فالعام كله.
وأما المواقيت المكانية فخمسة، وهي:
1- ذو الحليفة: ميقات أهل المدينة ومن توجه من المدينة، وهي تبعد عن المدينة 7 أميال تقريباً، وبينهما وبين مكة عشر مراحل، أي (428) كيلو متراً من شمال مكة.
2- الجحفة، وهي ميقات أهل الشام والمتوجهين منها وكذلك المتوجهين من مصر وبلاد المغرب، وهي في الشمال الغربي من مكة على بعد ثلاث مراحل منها ، أي (186) كيلو متراً، وهي قريبة من رابغ.
3- قرن المنازل، وهو ميقات أهل نجد والمتوجهين منها، ويقع شرقي مكة، بينه وبينها يوم وليلة، أي (75) كيلو متراً.
4- يلملم، وهو ميقات أهل اليمن، والمتوجهين من جهة اليمن ويقع جنوب مكة، بينه وبينها ليلتان، أي (120) كيلو متراً.
5- ذات عرق، وهو ميقات أهل العراق والمتوجهين منه كفارس وخراسان بينه وبين مكة نحو مرحلتين،أي (100) كيلو متراً. وقد نظمها بعضهم فقال:
عرق العـراق يلملـم اليمن
والشام جحفة إن مررت بها
وبذي الحليفة يحرم المدني
ولأهـل نجد قرن فاستبن
وهذه المواقيت لأهل البلد، ولكل من مر بها من غير أهلها. فالواجب على الحاج والمعتمر أن يحرم منها وجوباً، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال: هن لهن ولكل آت عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة».
آداب الإحرام:
الإحرام هو الدخول في التحريم بنية أحد النسكين (الحج والعمرة ) أو نيتهما معاً. وينبغي للحاج والمعتمر أن يراعي آداب الإحرام، والتي نجملها بما يلي:
1- الاغتسال وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر وتسريح شعر الرأس واللحية. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من السنة أن يغتسل إذا اراد الإحرام وإذا أراد دخول مكة»(9).
2- لبس ثوبي الإحرام وهما إزار ورداء ويستحب أن يكونا أبيضين لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : «من خير ثيابكم البياض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم»(10) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بعد ما ترجل، وادهن ، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه»(11).
3- أن يتطيب في بدنه قبل أن يبدأ بالحج والعمرة ، وإن بقي أثر الطيب على بدنه أو ثوبه بعد الإحرام. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كأني أنظر إلى وبيض الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محرم(12).
أنواع الأنساك:
أنواع النسك ثلاثة:
1) التمتع. 2) إفراد. 3) قران.
وتجزئ الحاج ولو أتى بواحدة منها وأفضلها التمتع؛ لما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه لما طافوا، وسعوا أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق هدياً وثبت على إحرامه لسوقه الهدي. ولما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم، وأبركم، ولولا هدي لحللت كما تحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي فحلوا» فحللنا، وسمعنا وأطعنا... الحديث.
وإليك بيان كل نوع من أنواع الأنساك الثلاثة:
أولاً التمتع:
وصورته أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فيدخل مكة فيطوف ثم يسعى، ثم يحلق أو يقصر، ثم يتحلل حتى إذا كان يوم التروية -وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- أحرم بالحج وأتى بجميع أفعاله.
ثانياً – الإفراد:
وهو أن يحرم بالحج وحده، فإذا دخل مكة طاف طواف القدوم، وسعى بين الصفا والمروة للحج، ولا يحلق ولا يقصر ولا يتحلل، بل يبقى محرماً حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر فيحل، ولا بأس من أن يؤخر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج.
ثالثاً – القران:
وهو أن يحرم بالعمرة والحج معاً، أو يحرم بالعمرة أولاً، ثم يدخل على العمرة قبل أن يشرع في طواف العمرة، وما يقوم به القارن من أعمال الحج هو عين ما يفعله المفرد، إلا أن القارن عليه هدي والمفرد لا هدي عليه.
صفة العمرة:
1- يتجرد من ثيابه المخيطة، فيغتسل في الميقات أو في بيته، ثم يتطيب قبل أن يلبس ثياب الإحرام.
2- يحرم من الميقات، فيلبي قائلاً : "لبيك عمرة – لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" يرفع بها صوته. وأما المرأة فإنها تلبي بصوت منخفض. وعلى المحرم الإكثار من التلبية.
3- فإذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى، ثم يأتي بدعاء دخول المسجد وهو: "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم إغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم".
4- ثم يبدأ الطواف من الحجر الأسود، فيستلمه إن تيسر له ذلك من دون أن يزاحم الناس ويقبله، فإن لم يتيسر له ذلك استلمه بمحجن، فإن كان الزحام شديداً، استقبل الحجر الأسود، وأشار إليه بيده إشارة ولا يقبلها. وعلى المحرم أن يحذر من مزاحمة الناس لما فيه من أذية المسلمين، وأذية المسلمين حرام، ويقول عند استلام الحجر: "بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم".
5- ثم يبدأ الطواف جاعلاً الحجر الأسود عن يساره ، فإذا بلغ الركن اليماني استلمه بيده من غير تقبيل، هذا إن تيسر له ذلك، وإلا فلا يزاحم على استلامه،ويدعو بين الركن والحجر الأسود بهذا الدعاء : "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
6- وهكذا يفعل في كل شوط من الأشواط السبعة، فتمام الشوط من الحجر الأسود إلى أن يعود إلى الحجر الأسود، دورة كاملة حول الكعبة.
7- يذكر الله سبحانه وتعالى أثناء الطواف بأنواع الذكر المشروع ، من قراءة قرآن ودعاء وذكر.
8- على المحرم أن يضطبع من أول الطواف إلى آخره. وصفة الاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن وطرفاه على كتفه الأيسر، ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، ويمشي في الأشواط الأربعة الأخيرة.
9- إذا فرغ من الطواف، صلى عند المقام ركعتين لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]. ولا يزاحم عند المقام، بل يصلي في أي جهة مما يلي المقام، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة سورة ( الكافرون) وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة ( الإخلاص).
10- فإذا فرغ من الصلاة عند المقام، توجه إلى الحجر الأسود ليستلمه إن تيسر له ذلك.
11- ثم يتوجه إلى المسعى فيبدأ بالصفا، فإذا ارتقاه قرأ قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة:158] ، ثم يستقبل الكعبة ويدعو بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: «لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، يكررها ثلاثاً، ثم يتخير من الدعاء ما شاء.
12- ثم ينزل من الصفا ماشياً إلى المروة، فيركض بين العلمين الأخضرين ركضاً شديداً بقدر استطاعته من غير أن يؤذي المسلمين، فإذا وصل إلى المروة ارتقاه وفعل فيه ما فعله بالصفا، ثم ينزل من المروة ماشياً إلى الصفا فيركض بين العلمين الأخضرين ركضاً شديداً على قدر استطاعته من غير أن يؤذي المسلمين حتى يصل إلى الصفا فيفعل فيه ما فعل به أولاً، وهكذا حتى يكمل سبعة أشواط، ويذكر الله في سعيه ما أحب من الذكر.
تنبيه: الأشواط السبعة في المسعى تكون على النحو التالي: من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر.
13- إذا أتم تم السعي حلق شعره أو قصره والحلق أفضل، إلا إذا كان متمتعاً في مدة متقاربة بين العمرة والحج فيقصر ليحلق يوم النحر، فإذا قصر من شعره فالأصل أن يقصر من جميع جوانبه، والحلق يجب أن يكون شاملاً لجميع الرأس. وأما المرأة فإنها تقصر من كل قرن قدر أنملة،وبهذه الأعمال تمت أعمال العمرة ويحل له كل شيء من الملبوس المخيط والطيب والنساء وغير ذلك من محظورات الإحرام.. والحمد لله رب العالمين.
صفة الحج :
1- في يوم التروية ( الثامن من ذي الحجة) اغتسل وتطيب، ثم البس ثياب الإحرام، ولبّ قائلاً :"لبيك حجاً" وتوجه إلى منى رافعاً صوتك بالتلبية (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك،لا شريك لك". ولا تقطع التلبية إلا إذا رميت جمرة العقبة في يوم النحر (يوم العيد).
2- صل الظهر والعصر والمغرب والعشاء في منى قصراً من غير جمع، وبت فيها ليلة التاسع من ذي الحجة، وصل فيها الفجر، وامكث في منى حتى تطلع الشمس، ثم توجه إلى عرفة.
3- من السنة أن تنزل في مسجد نمرة، إلى ما قبل الزوال ثم تنزل إلى بطن عرنة، وهي قبيل عرفة، وتصلي الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين بعد الاستماع إلى الخطبة ، ثم تدخل عرفة حتى غروب شمس يوم عرفة.
4- اعلم أن الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم من أركان الحج ، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" الحج عرفة" فاجتهد في الدعاء والابتهال إلى الله في ذلك اليوم وخير دعاء يوم عرفة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" أفضل ما قلت أنا والنبييون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وامكث في عرفة داعياً وراجياً الله حتى تغرب الشمس.
5- بعد غروب شمس يوم عرفة تتوجه إلى المزدلفة، وصلّ فيها المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان واحد وإقامتين، ونم في المزدلفة حتى الفجر، فإذا طلع الفجر فصل صلاة الصبح ثم توجه إلى المشعر الحرام – إن أمكنك ذلك- من غير أن تزاحم الناس، واحمد الله وكبره وادعه حتى يسفر الصبح؛ ومزدلفة كلها موقف.
6- ثم انطلق إلى منى قبل أن تشرق الشمس، فإذا دخلت وادي محسر، فأسرع السير، ثم اذهب إلى جمرة العقبة الكبرى.
7- فإذا أتيت جمرة العقبة الكبرى، فاجعل مكة عن يسارك ومنى عن يمينك وارمها بسبع حصيات كحصى الخذف ( مثل حب الفول) وكبر مع كل رمية، فإذا انتهيت من الرمي فاقطع التلبية، فبعدها يحل لك كل شيء من الطيب ولبس المخيط وغير ذلك من محظورات الإحرام، إلا النساء.
8- ثم تأتي إلى المنحر – إن استطعت – ومن السنة أن تذبح هديك بيدك وتوجهها إلى القبلة، وتضع قدمك على صفحة عنقها الأيمن، وتأكل من ذبيحتك.
9- تحلق شعر الرأس كله أو تقصره من جميع الجهات والحلق أفضل. وأما النساء، فإنهن يأخذن من كل قرن الشعر قدر أنملة.
10- ثم تذهب إلى البيت الحرام؛ لتطوف طواف الإفاضة، وتصلي ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم تسعى بين الصفا والمروة، فإذا انتهيت من السعي حل لك كل شيء حتى النساء.
تنبيه :
أ- من السنة في طواف الإفاضة عدم الاضطباع والرمل.
ب- أعمال يوم النحر ( يوم الحج الأكبر) وهي: الرمي، الحلق، الذبح، طواف الإفاضة. ولا بأس أن تؤخر منها أو تقدم، ولك أن تؤخر النحر إلى أيام التشريق.
11- فإذا انتهيت من الطواف والسعي ترجع إلى منى، فتمكث فيها أيام التشريق، وهي: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة. احرص في منى على التكبير والذكر.
12- في أيام التشريق ترمي الجمرات الثلاث، كل جمرة بسبع حصيات، فتبدأ بجمرة العقبة الصغرى، فإذا فرغت من رميها فتقدم قليلاً إلى جهة اليمين واستقبل القبلة رافعاً يديك بالدعاء، ثم توجه إلى جمرة العقبة الوسطى، وارمها بسبع حصيات، وتنح إلى جهة الشمال قليلاً، واستقبل القبلة رافعاً يديك بالدعاء، ثم توجه إلى جمرة العقبة الكبرى، فارمها بسبع حصيات فإذا فرغت من الرمي، من السنة ألا تقف ولا تدع. وهكذا تفعل في أيام التشريق الثلاثة، علماً بأن الرمي في أيام التشريق يبدأ من بعد الزوال.
13- يجوز للحاج أن يتعجل في يومين، أي في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، فيخرج من منى بعد الزوال وقبل أن تغرب عليه شمس ذلك اليوم ولم يبق للمتعجل بعد ذلك إلا طواف الوداع. قال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ...} [البقرة:203] ومن أراد أن يمكث إلى اليوم الثالث عشر من ذي الحجة فهو الأفضل.
14- من تأخر إلى اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، فيخرج من منى بعد الزوال متوجهاً إلى مكة ليطوف بالبيت طواف الوداع، ليكون آخر عهده بالبيت قبل أن يعزم الرحيل إلى بلده، مع العلم أن طواف الوداع لاسعي معه. فمن فعل كل ما أسلفنا بيانه، فقد تم حجه.
رب لله والحمد أجمعين وصحبه وآله محمد سيدنا على اللهم وصل
ـــــــــــــ
(1) رواه أحمد، وأبو داوود، والنسائي، والحاكم وصححه.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم.
(4) متفق عليه.
(5) أخرجه البخاري.
(6) رواه أبو داوود، والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.
(7) رواه مسلم.
(8) رواه البخاري.
(9) رواه البزار، والدارقطني، والحاكم وصححه.
(10) أخرجه البيهقي.
(11) أخرجه البخاري.
(12) متفق عليه.
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]