المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يجب رفض أي قانون يصادم شرع الله


الحقيقة
09 Feb 2009, 07:31 AM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فمساهمة في تجلية بعض الحقائق، وإبداء الرأي في بعض المسائل المتعلقة بموضوع الانتخابات البرلمانية، وفي إطار التحقيق الذي يجريه موقع (الإسلام اليوم)، وإجابة على بعض تساؤلات الموقع؛ أجيب ومن الله أستمد العون والتوفيق:
* كيف ترون مشروعية مشاركة الإسلاميين في المجالس النيابية؟
مسألة المشاركة في الانتخابات البرلمانية من قبل العاملين للإسلام مسألة اجتهادية من حيث المشاركة فيها أو اجتنابها، وينطلق فيها الباحث من نظرته للمصلحة والمفسدة المترتبة على تلك المشاركة؛ فهي بذلك تختلف فيها وجهات النظر بناءً على ما يترجح للناظر، كما أنها قد يختلف فيها الحكم من بلد إلى بلد، ومن نظام إلى نظام، ومن وضع الجماعة التي تسأل عن ذلك الحكم.
ولكن اعتبارها اجتهادية يجب أن يسبقه التسليم القطعي بالحقائق التالية:
أولاً: الإعلان الذي لا لبس فيه أن الحكم لله تعالى وحده لا شريك له، وأن تلك المشاركة إنما هي خطوة في الطريق إلى تحكيم شرع الله وليست إلى إقرار بديل له.
ثانياً: المعرفة التامة بحقيقة الديمقراطية وأنها نظام كفري، وأنه طارئ على بلاد المسلمين يجب التخلص منه، ونبذه لدى أول فرصة تتاح للمسلمين.
ثالثاً: الالتزام التام برفض وإنكار أي قانون أو نظام يصادم شرع الله، ويقضي بخلاف ما أجمع عليه علماء الإسلام، إذ الغاية التي من أجلها وقعت المشاركة إنما هي تقريب تحكيم شرع الله؛ فإذا أقر المشارك بما يخالف الشرع فقد أبطل تلك الغاية، ولا معنى لبقائه في ذلك البرلمان حينئذٍ.

* تُتهم الحركات الإسلامية بانفتاحها على التوجهات المخالفة لها سواء في الإطار الديني كالصوفية والشيعية، أو في الإطار الفكري كالبعثية والاشتراكية؟ ما هي وجهة النظر في مثل هذا التوجه الاستيعابي؟
إن الناظر إلى تصرفات الجماعات الإسلامية وعلاقتها بغيرها من الجماعات في إطار أهل السنة والجماعة، أو في إطار الفرق المنتسبة إلى الإسلام، أو حتى من كان خارج إطار الإسلام؛ ليجد تبايناً كبيراً بينها، وأنها ما بين المُفرط والمفرِّط وقليل هم الذي هدوا إلى الوسط الممدوح.
ووجهة نظري هي: أن الموقف العلمي النظري من تلك الطوائف يجب أن يظل ثابتاً ناصعاً لا غبش فيه، ولا إيهام مهما كانت المواقف العملية.
فيقرر العالم، والداعية إلى الله المنهج النبوي، ومنهج السلف الصالح، وما يقتضيه تجاه تلك الطوائف ويقول للسني: أنت سني، وللمبتدع الضال: أنت مبتدع ضال، وللخارج عن إطار الإسلام: أنت خارج عن إطار الإسلام. كما أنه يسمي الأعمال والاعتقادات بأسمائها، ويحكم عليها بما يقتضيه ذلك المنهج، فيسمي البدعة: بدعة، والمعصية: معصية، والشرك: شركاً، إذ الحكم على تلك الأمور لا يعتبر بحال من الأحوال، وإن كان الحكم على مرتكبي تلك الأمور قد يختلف لما يحيط به من ملابسات، والمقصود لا يغير الحقائق، ولا يلبس على عامة المسلمين بحجة التقارب، والاستيعاب.
وأما المواقف العملية، والتعاون مع تلك الطوائف على الأمور التي لا خلاف على حسنها وصلاحيتها فلا حرج فيه، كيف لا؟ والرسول -صلى الله عليه وسلم- عاهد مشركي المدينة ويهودها، وكون معهم تحالفاً على حفظ المدينة وحمايتها، وعلى الالتزام بما تقتضيه تلك الحماية من تعاون عسكري ومالي، وغير ذلك مما نصت عليه بنود المكاتبة.
كما أنه ربما استشار بعض المنافقين في بعض القضايا كما استشار ابن أُبيّ في مسألة الخروج أو عدمه يوم أحد، بل كان يصطحب بعضهم في غزواته رغم ما يعانيه من غدرهم وإرجافهم.
وقد أعاد العمل بذلك التوجيه شيخ الإسلام ابن تيمية حين جيّش الأمة كلها لمحاربة التتار الذين شكلوا خطراً ظاهراً على الشام، وعاصمتها دمشق واستوعب كل من يرجى نفعه من المسلمين من سائر فرقهم ومذاهبهم، بما فيهم خصومه الذين يكفرونه ويفتون بقتله، ولم يستثن إلا من ثبتت خيانته وانصياعه إلى جانب العدو.
وهذه هي وجهة نظري، وخلاصتها أن الاستيعاب مطلوب من كل من ظن حرصه على حماية الدين، والوطن، ومصالح الأمة، وقيمها بشرط ألا يلبس على العامة، ويوهمهم صلاح الفاسد، واستقامة المنحرف، ويزين لهم قبيح الشرك أو البدعة.

* هل يمكن تسويغ المخالفات الشرعية التي يرتكبها الإسلاميون أثناء دخولهم المعترك السياسي؛ كالكذب والرشوة والتزوير في جانب المصلحة العامة؟
لقد عرف مما سبق أن المشاركة في تلك اللعبة إنما هي ترخيص وارتكاب لمفسدة، لا يمكن الوصول إلى المصلحة العليا إلا بها في نظر المشاركين، وهم عندما يخوضون تلك المشاركة والمنافسة إنما يمثلون الإسلام بقيمه، وأخلاقه السامية في مواجهة التيارات الأخرى التي لا أخلاق ولا قيم تحكمها، وإنما تحكمها قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة"، وعلى ذلك يقبل عليهم الناس ويعطونهم ثقتهم.
فإذا تخلوا عن تلك القيم والأخلاق، ووقعوا فيما وقع فيه غيرهم؛ فقد نسبوا إلى الإسلام تلك الأخلاق المرذولة، والمبادئ الدنيئة؛ فيفقد الناس بذلك ثقتهم في الإسلام ذاته، وبهذا فهم يهدمون من حيث أرادوا البناء، ويفسدون من حيث قصدوا الإصلاح، وقضية المصالح والمفاسد إنما تكون في الوسائل لا في الغايات والأصول ومن ارتكب مفسدة عامة في مقابل مصلحة جزئية فقد أخطأ وخرج عن المنهج المستقيم.
ولا يفيد من يرتكب تلك المخالفات الاستدلال بحديث (الحرب خدعة)، إذ إن المسلمين في جهادهم الطويل مع سائر قوى الكفر حينما كانوا سائرين على المنهج القويم؛ حفظ عنهم الوقوع فيما ينهون الناس عنه، ولا في فيما يعد من مسلمات الشرع.

* أين مبدأ الولاء والبراء في مسألة الانتخابات البرلمانية؟
الولاء والبراء معْلم بارز من معالم الإسلام، وأصل راسخ من أصوله، ولا يجوز هدمه وتجاوزه بتاتاً، إنما يجوز إرجاء التظاهر به تحت ظروف معينة [..إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ] {آل عمران:28}. وهذا الصنيع إنما يكون في الظاهر لا في الباطن، وبحسب ما يؤدي الغرض دون الهرولة إلى أبعد الحدود كما نشاهد في بعض الأحيان ولدى بعض الجماعات.
والمسلم الذي يدعي السعي إلى تحكيم شرع الله يجب أن يبدأ من نفسه، وصدق من قال: "أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقم على أرضكم".

* ألا يعد إفساح الساحة أمام التيارات العلمانية تمكيناً لهم بقيادة الأمة؟
كان الأصل ألا نغفل حتى يتسلط العلمانيون، ثم نهرع بعد ذلك لمزاحمتهم وعدم إفساح المجال لهم.
وللدعاة مسلكان هنا: فمنهم من يحرم مشاركتهم خصوصاً في القضايا الكبرى مثل البرلمانات وقيادات الدولة؛ حتى لا نضفي الشرعية عليهم وعلى نظامهم، ومنهم من يرى مزاحمتهم والصمود أمامهم، والعمل على تحقيق أي مكسب يمكن من خلاله خدمة الإسلام، وأن ذلك لا يضفي عليهم شرعية ولا يوقع الداعية في تناقض كما يرى الفريق الأول.
وأرى أن أخذ أحد المسلكين بإطلاق خطأ، وإنما الصواب التوسط بينهما فمن استطاع أن يحقق مكسباً، أو يحتل منصباً يكون فيه مؤثراً بزيادة خير، أو تقليل شر دون أن يقدم من التنازل، وأن يستفيد منه الخصوم أكثر مما يستفيد الإسلام والمسلمون فلا حرج عليه، ومن كان لا يتأتى له ذلك إلا بارتكاب مفسدة أعظم فلا يجوز له ذلك، ويجب على من يقبل على هذه الأعمال أن يحذر خداع النفس ونزوعها إلى غايات محبوبة لها، أو مؤدية إلى مصالح شخصية أو حزبية باسم الدين والمصلحة العامة، فإن الكثير من الناس من يظن أنه يعمل للإسلام، وهو إنما يعمل لنفسه ويسعى في مصالحه، أو تحقيق هواه أو شهواته.

* إذاً ما هي الطريقة المثلى لتطبيق شرع الله إن لم تكن عن طريق الوصول إلى الحكومة؟
إن الطريقة المثلى هي طريقة الرسل، وهي العمل على إصلاح الوضع القائم وتحويله إلى عبادة الله، وإقامة شرعه؛ فإن الرسل لم يأت أحد منهم بالانقلاب على الأوضاع القائمة ابتداءً، وإنما كانوا يتوجهون أولاً إلى رؤوس تلك الأنظمة فيدعونهم إلى الله مع إظهار الدعوة، ونشرها في المجتمع ويحرصون على هداية تلك الرؤوس، حتى إذا لم يعد هناك أمل في هدايتهم بدؤوا بالمفاصلة وبناء القاعدة المسلمة التي عليها يتكئون، وبها يجاهدون، وعلى أكتافها تقوم دولة الإسلام، ومنهم من كان يصل إلى غايته ويتمكن من إقامة أمة مسلمة ونظاماً مسلماً، ومنهم وهم الأغلب من لا يستطيع ذلك فيصبر ويصابر حتى يقضي الله بينه ويبن قومه، وهذه الأمة قد وعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأن يبعث الله لها من يجدد لها دينها على رأس كل قرن، ولا شك أن ذلك الوعد صادق وواقع، فعلى العاملين للإسلام أن يعودوا إلى تاريخ التجديد في هذه الأمة، ويستفيدوا منه بسلوك سبيل المجددين والوصول إلى ما وصلوا إليه من تجديد، ولا يمكن أن يجدد الدين بأسلوب وطريقة غير تلك الطريقة التي سلكها المجددون قبلنا، والخلافة الراشدة الموعود بها مستقبلاً ما هي إلا حلقة من حلقات التجديد، ولن تتجاوز المنهج العام له.
هذا والله تعالى أعلم.