الشريف الحسني
29 Dec 2010, 10:12 AM
مسألة القدر المشترك وأثرها في الإيمان بالصفات وبالمغيبات عند أهل السنة.
مقدمة.
مما فطر الله عليه الخلق : القدرة علي الجمع بين المتشابهات ، والتفريق بينالمتغايرات ؛ فالطفل مثلاً : يدرك أن أباه (رجل) ، كما أن عمه كذلك ، وإمامالمسجد كذلك ، .. وهكذا ، لكنه يدرك أيضاً إن أباه ليس عمه ، وليس إمام الحي ،أي إن الأب والعم والإمام يشتركون في بعض الخصائص ، كالرجولة ، لكنهميختلفون في أشياء كثيرة . ولفظ (رجل) يقتصر على معنى يشترك فيه هؤلاء ، أي : على (قدر مشترك) بينهم .
ومن زار مكة وطيبة والرباط يجد قواسم مشتركة بين هذه المدن ، وبموجبهذا الاشتراك نطلق على كل منها لفظ (مدينة) ، فهذه مدينة الرباط ، ومدينة مكة ،ومدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، مع أننا ندرك جيداً الاختلاف الكبير بينهذه المدن ؛ فلفظ (مدينة) إذن يشير إلى معنى موجود في كل من هذه المدن الثلاث ، وإن اختلفت فيما بينها ، حتى في درجة المدنية وتطورها .
ونحن نرى الثلج فنجده أبيض ، ونرى السحاب والبيض ، فنجد كل واحدمنهما أبيض ، مع أن بياض الثلج يختلف عن بياض السحاب ، عن بياض البيض ، .. وهكذا.
أي إن لفظ (أبيض) يدل على معنى مشترك بين صفة البياض في هذه الأشياء ، وإن تفاوت مقدار هذا المعنى من شيء إلى آخر .
من الأمثلة المتقدمة نستنتج أن الله (تعالى) وهب العقل البشري قدرة فذة علىإدراك أوجه الشبه بين أشياء متغايرة ومتباينة ، كما ألهمه استعمال ألفاظ تسمى (الألفاظ المشككة وأحياناً تسمى المتواطئة) تشير إلى المعاني المشتركة ، دون أن يستلزم ذلك انتفاء التفاوت بين ما تطلق عليه هذه الألفاظ ، (فهو معنى كلي ينطبق على مسمياته بالتفاوت) فهذه المعاني المشتركة هي ما يسمى (القدر المشترك) ، ويسمى التفاوت الحاصل : (القدر المميّز) ، وهذه القدرة ، التي تبدو لنا بدهية ، هي خاصة بديعة ، تشهد لخالقها بالعظمة والجلال.إن هذه المقدمة البدهية ، التي قد لا يجد القارئ لأول وهلة جديداً فيها ، تمثلأساساً مهمّاً تصاغ من خلاله عقيدة أهل السنة والجماعة في الاعتقاد ،وكون القارئ لا يجد فيها جديداً يؤكد انفراد عقيدة أهل السنة والجماعة بالجمع بيناليسر والعمق. الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية تأليف : د. هادي أحمد فرحان الشجيري.كتب و رسائل للعثيمين - (86 / 25).
توظيف القدر المشترك في إدراك الغيب:
فالإنسان يستطيع أن يستخدم هذه الخاصية في إدراك أشياء لم يرها قط ، ولم يعاينها من ذي قبل : فإذا سمع الطفل مثلاً عن (رجل) ينظم سير السيارات يسمى(رجل المرور) ، أدرك شيئاً من صفاته ، وإن لم يكن قد رآه من قبل ، وإن لم يستوعب صفته كما يستوعب صفة أبيه وعمه وإمام المسجد ؛ فهو يدرك أن رجل المرور فيه شبه من أبيه وعمه وإمام الحي ، وهذا الشبه استنتجه الذهن من لفظ(رجل) الذي يطلق أيضاً على هؤلاء.وهكذا : إذا سمعنا عن مدينة لم نرها من قبل (طنجة مثلاً (فستتكون لديناصورة عن هذه المدينة ، استطعنا أن نرسم هذه الصورة من معرفتنا للفظ (مدينة)،فهذا اللفظ نعلم أنه يدل على معانٍ مشتركة توجد في مكة وطيبة والرباط . لكن الصورة تظل عامة لأننا ندرك أنه كما اختلفت الرباط عن مكة عن طيبة ، فقدتختلف طنجة عن هذه المدن ، وتتميز عنها بما لا يوجد في المدن الأخرى.إذن ، فالعقل البشري يدرك أوجه الشبه بين الأشياء التي يراها ويخبرها ،ويطلق على هذه الأوجه والمعاني المشتركة ألفاظاً مطلقة - وهو المعنى الكلي و هو المفهوم الذي لا يمتنع انطباقه على أكثر من مسمى واحد - ، فإذا سمع هذا اللفظمضافاً إلى شيء لم يره من قبل أدرك ثبوت القدر المشترك لذلك الشيء الغائب ،دون أن يستلزم ذلك نفس ما قد يوجد من أوجه الاختلاف أو التفاضل بينه وبين ما رآه من قبل.
أثر المسألة في الإيمان بالغيب:
ويدخل في ذلك ما أخبرنا به الله (تعالى )ورسوله -صلى الله عليه واله سلم- ممالم نشاهده وذلك مثل : - الصفات الإلهية ، والجنة والنار ، والصراط ، والحوض ،والميزان ، والملائكة والروح ، ... ونحوها ، فكيف يمكن أن يدرك العقل البشريصفةَ ما غاب عنه ، وهو لم يره قط ؟!.
الجواب يتلخص في تلك الخاصية الفذة التي وهبها الله (تعالى) للعقل البشري ؛ فنحن نفهم معنى (أجنحة) في قول الله (تعالى) : [ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ .. ] [فاطر : 1]
مما تكون لدينا من معنى عام للفظ (جناح) في إطلاقاته المألوفة لدينا : فهناك جناح النسر ، وجناح الحدأة ، وجناح الحمام ، وجناح العصفور ، وجناح الذباب ، وجناح البعوض.
فمن هذه الاستعمالات المختلفة للفظ (جناح) يستنتج الذهن معنًى عامّاً ، هو القدر المشترك بين مدلوله في تلك الأشياء المختلفة التي رأيناها وعرفناها ، فإذا أخبرنا الله (تعالى) أن للملكِ جناحاً ، استنتج الذهن مفهوماً عامّاً مطلقاً عن جناحالملك من خلال إثبات ذلك القدر المشترك الذي استخلصناه من استعمالات هذا اللفظ فيما نشاهده ، لكن المفهوم يظل مطلقاً لأننا ندرك أن طبيعة الملك تختلف عن طبيعة الطيور والإنسان وسائر ما قد يستعمل له لفظ (جناح) فيما نشاهده من مخلوقات ،تماماً كما تختلف هذه المخلوقات التي نشاهدها فيما بينها ، مع ثبوت القدر المشتركللفظ فيها جميعاً ، وكلما كان الإنسان أكثر إحاطة بهذا الاختلاف في المشهودات ،مع ثبوت القدر المشترك بينها ، كان أكثر قدرة على إدراك الاختلاف بينها وبين ماغاب عنه مما وصف باللفظ نفسه.وكذلك القول في سائر أوصاف الملائكة ، كالصعود والنزول والكلام وغيرها ، بل وفي سائر أمور الغيب .
وندع الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) حول هذه النقطة:
( وتمام الكلام في هذا الباب أنك تعلم : أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ماشهدناه ، فنحن نعرف أشياءً بحسّنا الظاهر أو الباطن وتلك معرفة معينة مخصوصة ، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد ، فيبقى في أذهاننا قضايا عامةكلية ، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا ، فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعاً وعطشاً وشبعاً وريّاً ، وحبّاً وبغضاً ، ولذةً وألماً ،رضًى وسخطاً ، لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك وأخبرنا به عنغيرنا ، وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد : حياةً ، وقدرةً ، وعلماً ، وكلاماً ، لم نفهمما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك ، وكذلك لو لم نشهد موجوداً لم نعرفغائباً) .
( فلا بد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ - المشكك- ، فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته ، وهذا خاصة العقل ، ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه ، ولم نعلم أموراً عامة ولا أموراً غائبة عنأحاسيسنا الظاهرة والباطنة ، ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته) .
( ثم إن الله (تعالى) أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم والعذاب ، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك ، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا لم نفهم ما وعدنا الله به ، ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثلهذه حتى قال ابن عباس (رضي الله عنه) : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ، وهذا تفسير قوله : [ .. وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً .. ] [البقرة : 25] على أحد الأقوال .. فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة منبعض الوجوه ، وبه فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه ، أو أبغضناه ونفرنا عنه .
وبينهما مباينة ومفاضلة لا يُقدّر قدرُها في الدنيا ... ) .
( فإذا كان هذا في هذين المخلوقين ، فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم ،فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه وفضله : أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق ، فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق ،بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا ... فصفات الخالق (عز وجل) أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله(تبارك وتعالى) ... [و] قد علمنا بطريق خبر الله (عز وجل) عن نفسه ... أن الله يوصف بصفات الكمال ، موصوف بالحياة والعلم والقدرة ... ولولا أن هذه الأسماءوالصفات تدل على معنى مشترك كلي ، يقتضي من الموافقة والمشابهة ما به تُفهم وتُثبت هذه المعاني لله : لم نكن قد عرفنا عن الله شيئاً . ولا صار في قلوبنا إيمان به ، ولا علم ولا معرفة ولا محبة ، ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه ؛ فإن جميع الأمور لا تكون إلا مع العلم ، ولا يمكن العلم إلا بإثبات تلكالمعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غابعن شهودنا) .
( ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة حصل له من العلموالمعرفة والتوحيد والإيمان ، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من الذين أنعم الله عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، ومنسادة أهل الإيمان ... ) إلى آخر كلامه (رحمه الله) ، وهو نفيس للغاية .شرح حديث النزول ، الفتاوى : ج 5 ، ص 346 351 ، وانظر : درء التعارض ج 6 ، ص 123 125.
وبهذا يظهر أن معاني كلمات كالسمع والوجود واليد والرجل والساق والرضا والغضب كلمات واضحة جلية للسامع والبحث عنها في معاجم اللغة عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة..
وإذا فرض أنك رجعت لهذه المعاجم فهي تعطي بعض الأمثلة من حقائق هذا المسمى في الخارج لتقرب معناه الكلي من الذهن لكن لا يجوز أن يعتقد قط بأن كيفية صفات الله سبحانه تماثل كيفية صفات المخلوقين المذكورة تعالى الله سبحانه عن كل نقص وعيب.
أدلة الكتاب والسنة على إثبات القدر المشترك:
ليس المقصود هنا الاستدلال على إثبات قدرة العقل على استخلاص القدرالمشترك ، فهذه خاصة بدهية ، إنما المقصود الاستدلال على أن الله (تعالى) أثبتفي القرآن وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- القدر المشترك بين الصفات الإلهية وصفات المخلوقين ، كما أثبت القدر المميّز بينهما ، وقد جاءت الأدلة على أنواع :
1- أول هذه الأنواع : ما ذكره الأئمة كابن خزيمة فيالتوحيد. وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على المريسي ، وابن تيمية في مواضع متعددة من كتبه ، كالرسالة التدمرية وغيرها ، قال (رحمه الله) : (فإن ا لله سمى نفسه بأسماء ، وسمى بعض عباده بأسماء ، وليس المسمى كالمسمى ، فسمى نفسه حيّاً عليماً قديراً ، ورؤوفاً رحيماً ، عزيزاً حكيماً ، سميعاً بصيراً ... كقوله : [ اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ] ، وقوله : [ إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ] .
وقال : - [ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ] ، وقال : [ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ] .
وقد سمى بعض عباده حيّاً فقال : - [ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَمِنَ الحَيِ ] ، وبعضهم عليماً بقوله : [ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ] ، وبعضهم حليماًبقوله : [ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ] ، وبعضهم رؤوفاً رحيماً بقوله : [ بالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ] ، وبعضهم سميعاً بصيراً بقوله : [ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ] .ومعلوم أنه لا يماثل الحيّ الحيّ ، ولا العليمُ العليمَ ، ولا العزيز العزيزَ ، ولاالرؤوف الرؤوفَ ، ولا الرحيمُ الرحيمَ).الجواب الصحيح ، ج 3 ص 446.
2- عطف الخلق على الرب (تعالى) في مقام الفاعل . وذلك في مثل قول الله (تعالى) : [ شهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ ] ، وقوله : [ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاً صَفاً ] ، وقوله : [ هلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يَاًتِيَهُمُ اللَّهُ فِيظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ] ، وقوله : [ كَبُرَمَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ] ونحوها.
فعطف الخلق على الرب (تعالى) في مقام الفاعل دليل على اشتراكهما في أصل الفعل ، وإلا لما صح العطف ، فلا يصح أن يقال : شهد زيد وعمرو ، أو :جاء زيد وعمرو ، وزيد لم يشهد أو لم يجئ ، بل لا بد من أن يكون الجميع قد شهد وجاء ، وإن كانت شهادةُ أحدهما أو مجيئُه قد تفضل شهادةَ الآخر ومجيئَه ، ومما يوضح ذلك : أن الله (تعالى) عطف أولي العلم على الملائكة في قوله : [ شهِدَ اللَّهُأَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ ] فدل على اشتراكهما في أصل الشهادة ،مع أن شهادة أولي العلم ليست مماثلة لشهادة الملائكة ، فكذلك شهادة هذين لا تماثل شهادة الرب (تعالى) ، وإن اشتركوا في أصل المعنى .
3- الجزاء من جنس العمل ، مثل قوله (تعالى) : - [ هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّالإحْسَانُ ] ، وقوله : [ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ] ، وقوله : [ وَإن تَعُودُوا نَعُدْ ] وقوله : [ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ] ، وقوله : [ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ] ، وقوله : - [ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى ] ، وقوله :[ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ] ، وقوله : [ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ] ،وقوله : [ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ] ، وقوله : [ وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّامَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ]
وفي صحيح البخاري قوله (عليه الصلاة والسلام) : (لا توعي فيوعي الله عليكِ) ،وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو(رضي الله عنهما) أن النبي قال : (الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من فيالأرض يرحمكم من في السماء) ، ونحوها..
إثبات القدر المشترك ليس تمثيلاً :
قد يتبادر للذهن أن في إثبات قدر مشترك بين صفات الرب (جل وعلا).وصفات المخلوقين تشبيه أو تمثيل لصفات الله (تعالى) بصفات خلقه ، ويخلط كثيرمن الناس في هذا المقام بين مفهوم (التمثيل) ومفهوم (التشبيه) . فالأول هو الذي نفته النصوص الشرعية ، كقوله (تعالى) : [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ] . بخلاف لفظ (التشبيه) فإنه لفظ مجمل ، قد يراد به التمثيل ، وقد يراد به ماليس تمثيلاً ، وقد فرّق (تعالى) بينهما في قوله : [ وَقَالَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَاًتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ].
قال شيخالإسلام : (فوصفَ القولين بالتماثل ، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل ، فإن القلوب وإناشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة ، وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم : (الحلال بيّن والحرامبيّن وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس) ، فدل على أنه يعلمها بعضالناس ، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة بل بعضها حرام وبعضها حلال) .
فالتشابه ، إذا أطلق ، يتضمن الموافقة من بعض الوجوه دون بعض ، أماالمماثلة فهي الموافقة من جميع الوجوه ، بحيث يستوي الشيء ومثله في كل جانب ويجوز ويمتنع على أحدهما من الخصائص واللوازم . فالمحذور شرعاً هو التمثيل ،أما (التشبيه) فإن أريد به التمثيل فهو ممتنع ، وإن أريد به الموافقة من بعضالوجوه دون بعض فليس في ذلك محذور ، وذلك أن (جماهير العقلاء يعلمون أنه مامن شيئين إلا وبينهما قدر مشترك ، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثي لوالتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه ، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله (سبحانه وتعالى) إذ هو(سبحانه) ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله). درء التعارض ، ج 5 ص 227.
( وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه ، وذلك لايقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع . وإذا قيل هذا حي عليم قدير ، وهذا حي عليم قدير ، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير ، لميوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلاً لهذا المسمى من كل وجه ، بل هنا ثلاثة أشياء :
أحدها : القدر المشترك الذي تشابها فيه ، وهو معنى كلي لا يختص بهأحدهما ، ولا يوجد كليّاً عامّاً إلا في علم العالم- في الذهن- .
الثاني : ما يختص به هذا ، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة .
الثالث : ما يختص به ذاك ، كما يختص به العبد ، من الحياة والعلم والقدرة ،فما اختص به الرب (عز وجل) لا يشركه فيه العبد ، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد ، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب ،ولا يستحق شيئاً من صفات الكمال التي يختص بها الرب (عز وجل) . وأما القدرالمشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان ، فهذا لا يستلزم خصائص الخالقولا خصائص المخلوق ، فالاشتراك فيه لا محذور فيه).
(والقدر المشترك المطلق ، كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك ، لا يلزمهشيء من صفات النقص الممتنعة على الله (تعالى) ، فما وجب للقدر المشترك لانقص فيه ولا عيب . وما نُفي عنه فلا كمال فيه ، وما جاز له فلا محذور في جوازه . وأما ما يتقدس الرب (تعالى) ويتنزه عنه من النقائص والآفات ، فهي ليست منلوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلاً ، بل هي من خصائص المخلوقاتالناقصة ، والله (تعالى) منزه عن كل نقص وعيب ، وهذه معانٍ شريفة بُسطت فيغير هذا الموضع) منهاج السنة .
وعلى هذا فإنّ هذه الألفاظ المتواطئة-المشككة- لها دلالتان حقيقيتان: ـ
الأولى : دلالة حالة الإطلاق ؛ فإذا أطلقت هذه الألفاظ دلّت على القدر المشترك بين الخالق والمخلوق ، وهو المعنى العام للفظ ولوازمه ؛ لأنّ ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم .
والقدر المشترك من لوازم الوجود ، ولا محذور في إثباته أَلْبَتَّة ، لجملة أسباب ، منها:
1. أنّ المراد بالقدر المشترك الاشتراك في معنى اللّفظ ولوازمه ، وأنّ المعنى العام يطلق على الربّ والعبد ، لا أنّهما يشتركان في كليّات مطلقة في الخارج ، أو يشتركان فيما يختصّ به أحدهما .
2. أنّ القدر المشترك كلّي مطلق ، لا يختصّ بأحدهما دون الآخر ، فلا يستلزم إثباته الوقوع في التّشبيه الباطل عقلاً ونقلاً ؛ إذ لم يقع بينهما اشتراك ، لا فيما يختصّ بالممكن المحدث ، ولا فيما يختصّ بالواجب القديم.
3. أنّ القدر المشترك لا يقتضي إثبات ما يمتنع على الربِّ ، ولا نفي ما يستحقّه ، وكذلك لازمه ؛ فإنّه لا يقتضي حدوثًا ، ولا إمكانًا ، ولا نقصًا ، ولا شيئًا ممّا ينافي صفات الرّبوبيّة.
4. أنّ القدر المشترك من لوازم الوجود ؛ فكلّ موجودين لا بُدّ بينهما من مثل هذا ، ومن نفاه لزمه التّعطيل التام ؛ ولهذا لمّا اطّلع الأئمة على أنّ هذا حقيقة قول الجهميّة سمّوهم معطّلة ؛ لأنّ رفع القدر المشترك ألزمهم تعطيل وجود كلّ موجود !.
الثّانية : دلالة حالة التقييد ؛ فإذا قيّدت هذه الأسماء المتواطئة-المشككة- بإضافة ، أو تعريف دخلت الخصائص في مسمّاها ، وكان ظاهر ما أضيف للربّ إنّما يدلّ على ما يليق ويختصّ به ، وظاهر ما أضيف للمخلوق إنّما يدلّ على ما يليق ويختصّ به . وهذا ثابت حتَّى بين المخلوقات ؛ فإنّ أسماء النّعيم إذا أطلقت دلّت على القدر المشترك بين موجودات الدّنيا والآخرة ، وإذا قيّدت بتعريف أو إضافة كان ظاهر ما أضيف للجنة مغايرًا لما أضيف للدنيا من النّعيم ؛ ولهذا قال ابن عبّاس : (( ليس في الدّنيا من الجنّة شيء إلاّ الأسماء )).دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه – د/عيسى السعدي- ( 54).
نفي القدر المشترك يستلزم الإلحاد:
ومما يوضح ذلك أنه (ما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور ، ولو أنه في كونهما موجودين ، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل منهما). درء التعارض ، ج5 ص 183 .
فلو نفى أحدٌ القدر المشترك بين صفات الرب (تعالى) وصفات الخلق ، ظنّاً منه أن ذلك من التمثيل أو التشبيه المحظور ، لزمه نفي وجود الرب (تعالى) بالكلية ، (فإن من نفى بعض ما وصف الله به نفسه ، كالرضا والغضب والمحبة والبغض ونحو ذلك ، وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم ، قيل له : أنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر ، مع أن ما تُثبته ليس مثل صفات المخلوقين ، فقل فيما أثبتَّه مثل قولك فيما نفيته وأثبتَهَ الله ورسوله ، إذ لا فرق بينهما.
فإن قال : أنا لا أثبتُ شيئاً من الصفات .
قيل له : فأنت تثبتُ له الأسماء الحسنى ، مثل : حي وعليم وقدير ، والعبد يتسمى بهذه الأسماء ، وليس ما تثبت للرب من هذه الأسماء مماثلاً لما تُثبت للعبد ،فقل في صفاته نظير قولك في أسمائه .فإن قال : وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى ، بل أقول : هي مجاز ، أو هي أسماء لبعض مبتدعاته ، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة .قيل له : فلا بد أن تعتقد أنه حق قائم بنفسه ، والجسم موجود قائم بنفسه ،وليس هو مماثلاً).
فليس له بعد ذلك إلا أن يقول : أنا لا أثبت شيئاً ، بل أنكر وجود الرب(تعالى) ، وإلا كان متناقضاً ، وهذا هو الإلحاد ، ولو قال ذلك (قيل له : فمن المعلومبالمشاهدة والعقل وجودُ موجودات ، ومن المعلوم أيضاً أن منها ما هو حادث بعد أنلم يكن ، كما نعلم أنا حادثون بعد عدَمِنا ، وأن السحاب حادث ، والمطر والنباتحادث ..ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لا بد له من مُحدِث ، وهذهقضية ضرورية معلومة بالفطرة ... ولهذا قال (تعالى) : [ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ ] ... والمحدَث لا بد له من قديم ... والممكن لا بد له منواجب ... فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه ، وموجود ممكن محدَث كائن بعد أن لم يكن ، وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود) الفتاوى ، ج5 ص 357 359 . .
(فعُلم بهذه البراهين البينة اتفاقهما من وجه واختلافهما من وجه ، فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلاً قائلاً للباطل ، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً للباطل ،والله أعلم) منهاج السنة ، ج2 ص 115116.
تطبيقات المسألة في العصر الحاضر:
غني عن القول أن أهمية الموضوع تنبع من أهمية فهم العقيدة الإسلامية واستيعابها ، لكن من المفيد أيضاً أن ننظر كيف يمكن الاستفادة من منهج أهل السنةوالجماعة في هذا الباب في العصر الحاضر .. هناك مجالات متعددة ، وسوف نقتصر على واحد من هذه المجالات ، وهو مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
إن الفكرة الأساسية في مشروع الإعجاز العلمي هي النظر في بعض النصوص الشرعية التي تناولت المظاهر الكونية في ضوء الاكتشافات الحديثة ،ولكي يسير المشروع في طريقه الصحيح ، دون الوقوع في خطأ تحميل النص ما لايحتمل ، فلا بد من فهم النص في ضوء قواعد التفسير وأصوله التي سلكها السلفالصالح (رضي الله عنهم) ، والنصوص التي تناولت المظاهر الكونية قبل أن يعلمالإنسان حقيقة هذه المظاهر وماهيتها تدخل في دائرة نصوص الغيب ، ومن هنا :فإن الحاجة إلى إتباع منهج السلف في هذا الباب ملحة لكي يأمن الباحث في هذاالمجال من ليّ النصوص أو تأويلها لكي توافق الاكتشافات العلمية المعاصرة ، ومتىأحسن تطبيق هذا المنهج ، ستكون النتيجة نصراً مضاعفاً ؛ فالاكتشاف العلميسيكون دليلاً جديداً على إعجاز القرآن ، وفي الوقت نفسه دليلاً على سداد منهجأهل السنة والجماعة .
مثالٌ على ذلك أذكر قوله (تعالى) : [ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ] ، فهذا البرزخكان غيباً لمن نزل عليهم القرآن ، ومقتضى منهج السلف أن يُثبت لهذا البرزخالقدرُ المشترك للفظ (برزخ) المعلوم مما نشهده مما يطلق عليه اللفظ ، مع الامتناععن الجزم بمماثلته لشيء من ذلك ، ثم تبين لنا الآن طبيعة هذا البرزخ ، وشهد الجميع فعلاً ثبوت القدر المشترك للفظ فيه ، مع مغايرته لكل ما عرفناه سابقاً .
إن هذه النتيجة لم يكن الوصول إليها ممكناً لو سلكنا سبل الفرق الإسلامية التي اعتمدت التأويل منهجاً لها كلما وجدت ظاهر النص مخالفاً لما تقرر عندها منمسلمات باطلة في كثير من الأحيان ، ومن جهة أخرى : فإن منهج السلف في هذاالباب يضمن حماية النص من أي خطأ في تنزيله على الاكتشافات العلمية الحديثة ،فغاية ما هنالك حينئذ أن الباحث أخطأ في تحديد (كيفية) النص ، أو (القدر المميز)الذي تضمنه ، أما (المعنى) أو (القدر المشترك) فهو باق لم يطرأ عليه شيء.
إنمثل هذا المنهج هو الأسلوب الوحيد ، للجمع بين الحفاظ على تعظيمالقرآن (وما يتبع ذلك من احترام خير القرون وما أثر عنهم في تفسيره) واقتحامميادين جديدة للبحث عن إعجاز القرآن العظيم . أنظرمجلة البيان - (98 / 26)( مقال للأستاذ سامي السويلم بعنوان مسألة القدر المشترك من خلال كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في الإيمان بالغيب).
مقدمة.
مما فطر الله عليه الخلق : القدرة علي الجمع بين المتشابهات ، والتفريق بينالمتغايرات ؛ فالطفل مثلاً : يدرك أن أباه (رجل) ، كما أن عمه كذلك ، وإمامالمسجد كذلك ، .. وهكذا ، لكنه يدرك أيضاً إن أباه ليس عمه ، وليس إمام الحي ،أي إن الأب والعم والإمام يشتركون في بعض الخصائص ، كالرجولة ، لكنهميختلفون في أشياء كثيرة . ولفظ (رجل) يقتصر على معنى يشترك فيه هؤلاء ، أي : على (قدر مشترك) بينهم .
ومن زار مكة وطيبة والرباط يجد قواسم مشتركة بين هذه المدن ، وبموجبهذا الاشتراك نطلق على كل منها لفظ (مدينة) ، فهذه مدينة الرباط ، ومدينة مكة ،ومدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، مع أننا ندرك جيداً الاختلاف الكبير بينهذه المدن ؛ فلفظ (مدينة) إذن يشير إلى معنى موجود في كل من هذه المدن الثلاث ، وإن اختلفت فيما بينها ، حتى في درجة المدنية وتطورها .
ونحن نرى الثلج فنجده أبيض ، ونرى السحاب والبيض ، فنجد كل واحدمنهما أبيض ، مع أن بياض الثلج يختلف عن بياض السحاب ، عن بياض البيض ، .. وهكذا.
أي إن لفظ (أبيض) يدل على معنى مشترك بين صفة البياض في هذه الأشياء ، وإن تفاوت مقدار هذا المعنى من شيء إلى آخر .
من الأمثلة المتقدمة نستنتج أن الله (تعالى) وهب العقل البشري قدرة فذة علىإدراك أوجه الشبه بين أشياء متغايرة ومتباينة ، كما ألهمه استعمال ألفاظ تسمى (الألفاظ المشككة وأحياناً تسمى المتواطئة) تشير إلى المعاني المشتركة ، دون أن يستلزم ذلك انتفاء التفاوت بين ما تطلق عليه هذه الألفاظ ، (فهو معنى كلي ينطبق على مسمياته بالتفاوت) فهذه المعاني المشتركة هي ما يسمى (القدر المشترك) ، ويسمى التفاوت الحاصل : (القدر المميّز) ، وهذه القدرة ، التي تبدو لنا بدهية ، هي خاصة بديعة ، تشهد لخالقها بالعظمة والجلال.إن هذه المقدمة البدهية ، التي قد لا يجد القارئ لأول وهلة جديداً فيها ، تمثلأساساً مهمّاً تصاغ من خلاله عقيدة أهل السنة والجماعة في الاعتقاد ،وكون القارئ لا يجد فيها جديداً يؤكد انفراد عقيدة أهل السنة والجماعة بالجمع بيناليسر والعمق. الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في استنباط الأحكام الشرعية تأليف : د. هادي أحمد فرحان الشجيري.كتب و رسائل للعثيمين - (86 / 25).
توظيف القدر المشترك في إدراك الغيب:
فالإنسان يستطيع أن يستخدم هذه الخاصية في إدراك أشياء لم يرها قط ، ولم يعاينها من ذي قبل : فإذا سمع الطفل مثلاً عن (رجل) ينظم سير السيارات يسمى(رجل المرور) ، أدرك شيئاً من صفاته ، وإن لم يكن قد رآه من قبل ، وإن لم يستوعب صفته كما يستوعب صفة أبيه وعمه وإمام المسجد ؛ فهو يدرك أن رجل المرور فيه شبه من أبيه وعمه وإمام الحي ، وهذا الشبه استنتجه الذهن من لفظ(رجل) الذي يطلق أيضاً على هؤلاء.وهكذا : إذا سمعنا عن مدينة لم نرها من قبل (طنجة مثلاً (فستتكون لديناصورة عن هذه المدينة ، استطعنا أن نرسم هذه الصورة من معرفتنا للفظ (مدينة)،فهذا اللفظ نعلم أنه يدل على معانٍ مشتركة توجد في مكة وطيبة والرباط . لكن الصورة تظل عامة لأننا ندرك أنه كما اختلفت الرباط عن مكة عن طيبة ، فقدتختلف طنجة عن هذه المدن ، وتتميز عنها بما لا يوجد في المدن الأخرى.إذن ، فالعقل البشري يدرك أوجه الشبه بين الأشياء التي يراها ويخبرها ،ويطلق على هذه الأوجه والمعاني المشتركة ألفاظاً مطلقة - وهو المعنى الكلي و هو المفهوم الذي لا يمتنع انطباقه على أكثر من مسمى واحد - ، فإذا سمع هذا اللفظمضافاً إلى شيء لم يره من قبل أدرك ثبوت القدر المشترك لذلك الشيء الغائب ،دون أن يستلزم ذلك نفس ما قد يوجد من أوجه الاختلاف أو التفاضل بينه وبين ما رآه من قبل.
أثر المسألة في الإيمان بالغيب:
ويدخل في ذلك ما أخبرنا به الله (تعالى )ورسوله -صلى الله عليه واله سلم- ممالم نشاهده وذلك مثل : - الصفات الإلهية ، والجنة والنار ، والصراط ، والحوض ،والميزان ، والملائكة والروح ، ... ونحوها ، فكيف يمكن أن يدرك العقل البشريصفةَ ما غاب عنه ، وهو لم يره قط ؟!.
الجواب يتلخص في تلك الخاصية الفذة التي وهبها الله (تعالى) للعقل البشري ؛ فنحن نفهم معنى (أجنحة) في قول الله (تعالى) : [ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ .. ] [فاطر : 1]
مما تكون لدينا من معنى عام للفظ (جناح) في إطلاقاته المألوفة لدينا : فهناك جناح النسر ، وجناح الحدأة ، وجناح الحمام ، وجناح العصفور ، وجناح الذباب ، وجناح البعوض.
فمن هذه الاستعمالات المختلفة للفظ (جناح) يستنتج الذهن معنًى عامّاً ، هو القدر المشترك بين مدلوله في تلك الأشياء المختلفة التي رأيناها وعرفناها ، فإذا أخبرنا الله (تعالى) أن للملكِ جناحاً ، استنتج الذهن مفهوماً عامّاً مطلقاً عن جناحالملك من خلال إثبات ذلك القدر المشترك الذي استخلصناه من استعمالات هذا اللفظ فيما نشاهده ، لكن المفهوم يظل مطلقاً لأننا ندرك أن طبيعة الملك تختلف عن طبيعة الطيور والإنسان وسائر ما قد يستعمل له لفظ (جناح) فيما نشاهده من مخلوقات ،تماماً كما تختلف هذه المخلوقات التي نشاهدها فيما بينها ، مع ثبوت القدر المشتركللفظ فيها جميعاً ، وكلما كان الإنسان أكثر إحاطة بهذا الاختلاف في المشهودات ،مع ثبوت القدر المشترك بينها ، كان أكثر قدرة على إدراك الاختلاف بينها وبين ماغاب عنه مما وصف باللفظ نفسه.وكذلك القول في سائر أوصاف الملائكة ، كالصعود والنزول والكلام وغيرها ، بل وفي سائر أمور الغيب .
وندع الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) حول هذه النقطة:
( وتمام الكلام في هذا الباب أنك تعلم : أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ماشهدناه ، فنحن نعرف أشياءً بحسّنا الظاهر أو الباطن وتلك معرفة معينة مخصوصة ، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد ، فيبقى في أذهاننا قضايا عامةكلية ، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا ، فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعاً وعطشاً وشبعاً وريّاً ، وحبّاً وبغضاً ، ولذةً وألماً ،رضًى وسخطاً ، لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك وأخبرنا به عنغيرنا ، وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد : حياةً ، وقدرةً ، وعلماً ، وكلاماً ، لم نفهمما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك ، وكذلك لو لم نشهد موجوداً لم نعرفغائباً) .
( فلا بد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ - المشكك- ، فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته ، وهذا خاصة العقل ، ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه ، ولم نعلم أموراً عامة ولا أموراً غائبة عنأحاسيسنا الظاهرة والباطنة ، ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته) .
( ثم إن الله (تعالى) أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم والعذاب ، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك ، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا لم نفهم ما وعدنا الله به ، ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثلهذه حتى قال ابن عباس (رضي الله عنه) : ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء ، وهذا تفسير قوله : [ .. وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً .. ] [البقرة : 25] على أحد الأقوال .. فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة منبعض الوجوه ، وبه فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه ، أو أبغضناه ونفرنا عنه .
وبينهما مباينة ومفاضلة لا يُقدّر قدرُها في الدنيا ... ) .
( فإذا كان هذا في هذين المخلوقين ، فالأمر بين الخالق والمخلوق أعظم ،فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه وفضله : أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق ، فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق ،بينهما من التفاضل والتباين ما لا نعلمه في الدنيا ... فصفات الخالق (عز وجل) أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل ما لا يعلمه إلا الله(تبارك وتعالى) ... [و] قد علمنا بطريق خبر الله (عز وجل) عن نفسه ... أن الله يوصف بصفات الكمال ، موصوف بالحياة والعلم والقدرة ... ولولا أن هذه الأسماءوالصفات تدل على معنى مشترك كلي ، يقتضي من الموافقة والمشابهة ما به تُفهم وتُثبت هذه المعاني لله : لم نكن قد عرفنا عن الله شيئاً . ولا صار في قلوبنا إيمان به ، ولا علم ولا معرفة ولا محبة ، ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله ومحبته وتعظيمه ؛ فإن جميع الأمور لا تكون إلا مع العلم ، ولا يمكن العلم إلا بإثبات تلكالمعاني التي فيها من الموافقة والمواطأة ما به حصل لنا ما حصل من العلم لما غابعن شهودنا) .
( ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة حصل له من العلموالمعرفة والتوحيد والإيمان ، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من الذين أنعم الله عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، ومنسادة أهل الإيمان ... ) إلى آخر كلامه (رحمه الله) ، وهو نفيس للغاية .شرح حديث النزول ، الفتاوى : ج 5 ، ص 346 351 ، وانظر : درء التعارض ج 6 ، ص 123 125.
وبهذا يظهر أن معاني كلمات كالسمع والوجود واليد والرجل والساق والرضا والغضب كلمات واضحة جلية للسامع والبحث عنها في معاجم اللغة عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة..
وإذا فرض أنك رجعت لهذه المعاجم فهي تعطي بعض الأمثلة من حقائق هذا المسمى في الخارج لتقرب معناه الكلي من الذهن لكن لا يجوز أن يعتقد قط بأن كيفية صفات الله سبحانه تماثل كيفية صفات المخلوقين المذكورة تعالى الله سبحانه عن كل نقص وعيب.
أدلة الكتاب والسنة على إثبات القدر المشترك:
ليس المقصود هنا الاستدلال على إثبات قدرة العقل على استخلاص القدرالمشترك ، فهذه خاصة بدهية ، إنما المقصود الاستدلال على أن الله (تعالى) أثبتفي القرآن وعلى لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- القدر المشترك بين الصفات الإلهية وصفات المخلوقين ، كما أثبت القدر المميّز بينهما ، وقد جاءت الأدلة على أنواع :
1- أول هذه الأنواع : ما ذكره الأئمة كابن خزيمة فيالتوحيد. وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على المريسي ، وابن تيمية في مواضع متعددة من كتبه ، كالرسالة التدمرية وغيرها ، قال (رحمه الله) : (فإن ا لله سمى نفسه بأسماء ، وسمى بعض عباده بأسماء ، وليس المسمى كالمسمى ، فسمى نفسه حيّاً عليماً قديراً ، ورؤوفاً رحيماً ، عزيزاً حكيماً ، سميعاً بصيراً ... كقوله : [ اللَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ] ، وقوله : [ إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ] .
وقال : - [ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ] ، وقال : [ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ] .
وقد سمى بعض عباده حيّاً فقال : - [ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَمِنَ الحَيِ ] ، وبعضهم عليماً بقوله : [ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ] ، وبعضهم حليماًبقوله : [ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ] ، وبعضهم رؤوفاً رحيماً بقوله : [ بالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ] ، وبعضهم سميعاً بصيراً بقوله : [ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ] .ومعلوم أنه لا يماثل الحيّ الحيّ ، ولا العليمُ العليمَ ، ولا العزيز العزيزَ ، ولاالرؤوف الرؤوفَ ، ولا الرحيمُ الرحيمَ).الجواب الصحيح ، ج 3 ص 446.
2- عطف الخلق على الرب (تعالى) في مقام الفاعل . وذلك في مثل قول الله (تعالى) : [ شهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ ] ، وقوله : [ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفاً صَفاً ] ، وقوله : [ هلْ يَنظُرُونَ إلاَّ أَن يَاًتِيَهُمُ اللَّهُ فِيظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ] ، وقوله : [ كَبُرَمَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ] ونحوها.
فعطف الخلق على الرب (تعالى) في مقام الفاعل دليل على اشتراكهما في أصل الفعل ، وإلا لما صح العطف ، فلا يصح أن يقال : شهد زيد وعمرو ، أو :جاء زيد وعمرو ، وزيد لم يشهد أو لم يجئ ، بل لا بد من أن يكون الجميع قد شهد وجاء ، وإن كانت شهادةُ أحدهما أو مجيئُه قد تفضل شهادةَ الآخر ومجيئَه ، ومما يوضح ذلك : أن الله (تعالى) عطف أولي العلم على الملائكة في قوله : [ شهِدَ اللَّهُأَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا العِلْمِ ] فدل على اشتراكهما في أصل الشهادة ،مع أن شهادة أولي العلم ليست مماثلة لشهادة الملائكة ، فكذلك شهادة هذين لا تماثل شهادة الرب (تعالى) ، وإن اشتركوا في أصل المعنى .
3- الجزاء من جنس العمل ، مثل قوله (تعالى) : - [ هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّالإحْسَانُ ] ، وقوله : [ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ ] ، وقوله : [ وَإن تَعُودُوا نَعُدْ ] وقوله : [ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ] ، وقوله : [ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ] ، وقوله : - [ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى ] ، وقوله :[ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ] ، وقوله : [ وَقِيلَ اليَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ] ،وقوله : [ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ] ، وقوله : [ وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّامَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ]
وفي صحيح البخاري قوله (عليه الصلاة والسلام) : (لا توعي فيوعي الله عليكِ) ،وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو(رضي الله عنهما) أن النبي قال : (الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من فيالأرض يرحمكم من في السماء) ، ونحوها..
إثبات القدر المشترك ليس تمثيلاً :
قد يتبادر للذهن أن في إثبات قدر مشترك بين صفات الرب (جل وعلا).وصفات المخلوقين تشبيه أو تمثيل لصفات الله (تعالى) بصفات خلقه ، ويخلط كثيرمن الناس في هذا المقام بين مفهوم (التمثيل) ومفهوم (التشبيه) . فالأول هو الذي نفته النصوص الشرعية ، كقوله (تعالى) : [ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ] . بخلاف لفظ (التشبيه) فإنه لفظ مجمل ، قد يراد به التمثيل ، وقد يراد به ماليس تمثيلاً ، وقد فرّق (تعالى) بينهما في قوله : [ وَقَالَ الَذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَاًتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ].
قال شيخالإسلام : (فوصفَ القولين بالتماثل ، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل ، فإن القلوب وإناشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة ، وقال النبي صلى الله عليه واله وسلم : (الحلال بيّن والحرامبيّن وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس) ، فدل على أنه يعلمها بعضالناس ، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة بل بعضها حرام وبعضها حلال) .
فالتشابه ، إذا أطلق ، يتضمن الموافقة من بعض الوجوه دون بعض ، أماالمماثلة فهي الموافقة من جميع الوجوه ، بحيث يستوي الشيء ومثله في كل جانب ويجوز ويمتنع على أحدهما من الخصائص واللوازم . فالمحذور شرعاً هو التمثيل ،أما (التشبيه) فإن أريد به التمثيل فهو ممتنع ، وإن أريد به الموافقة من بعضالوجوه دون بعض فليس في ذلك محذور ، وذلك أن (جماهير العقلاء يعلمون أنه مامن شيئين إلا وبينهما قدر مشترك ، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثي لوالتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه ، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله (سبحانه وتعالى) إذ هو(سبحانه) ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله). درء التعارض ، ج 5 ص 227.
( وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه ، وذلك لايقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع . وإذا قيل هذا حي عليم قدير ، وهذا حي عليم قدير ، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير ، لميوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلاً لهذا المسمى من كل وجه ، بل هنا ثلاثة أشياء :
أحدها : القدر المشترك الذي تشابها فيه ، وهو معنى كلي لا يختص بهأحدهما ، ولا يوجد كليّاً عامّاً إلا في علم العالم- في الذهن- .
الثاني : ما يختص به هذا ، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة .
الثالث : ما يختص به ذاك ، كما يختص به العبد ، من الحياة والعلم والقدرة ،فما اختص به الرب (عز وجل) لا يشركه فيه العبد ، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد ، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب ،ولا يستحق شيئاً من صفات الكمال التي يختص بها الرب (عز وجل) . وأما القدرالمشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان ، فهذا لا يستلزم خصائص الخالقولا خصائص المخلوق ، فالاشتراك فيه لا محذور فيه).
(والقدر المشترك المطلق ، كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك ، لا يلزمهشيء من صفات النقص الممتنعة على الله (تعالى) ، فما وجب للقدر المشترك لانقص فيه ولا عيب . وما نُفي عنه فلا كمال فيه ، وما جاز له فلا محذور في جوازه . وأما ما يتقدس الرب (تعالى) ويتنزه عنه من النقائص والآفات ، فهي ليست منلوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلاً ، بل هي من خصائص المخلوقاتالناقصة ، والله (تعالى) منزه عن كل نقص وعيب ، وهذه معانٍ شريفة بُسطت فيغير هذا الموضع) منهاج السنة .
وعلى هذا فإنّ هذه الألفاظ المتواطئة-المشككة- لها دلالتان حقيقيتان: ـ
الأولى : دلالة حالة الإطلاق ؛ فإذا أطلقت هذه الألفاظ دلّت على القدر المشترك بين الخالق والمخلوق ، وهو المعنى العام للفظ ولوازمه ؛ لأنّ ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم .
والقدر المشترك من لوازم الوجود ، ولا محذور في إثباته أَلْبَتَّة ، لجملة أسباب ، منها:
1. أنّ المراد بالقدر المشترك الاشتراك في معنى اللّفظ ولوازمه ، وأنّ المعنى العام يطلق على الربّ والعبد ، لا أنّهما يشتركان في كليّات مطلقة في الخارج ، أو يشتركان فيما يختصّ به أحدهما .
2. أنّ القدر المشترك كلّي مطلق ، لا يختصّ بأحدهما دون الآخر ، فلا يستلزم إثباته الوقوع في التّشبيه الباطل عقلاً ونقلاً ؛ إذ لم يقع بينهما اشتراك ، لا فيما يختصّ بالممكن المحدث ، ولا فيما يختصّ بالواجب القديم.
3. أنّ القدر المشترك لا يقتضي إثبات ما يمتنع على الربِّ ، ولا نفي ما يستحقّه ، وكذلك لازمه ؛ فإنّه لا يقتضي حدوثًا ، ولا إمكانًا ، ولا نقصًا ، ولا شيئًا ممّا ينافي صفات الرّبوبيّة.
4. أنّ القدر المشترك من لوازم الوجود ؛ فكلّ موجودين لا بُدّ بينهما من مثل هذا ، ومن نفاه لزمه التّعطيل التام ؛ ولهذا لمّا اطّلع الأئمة على أنّ هذا حقيقة قول الجهميّة سمّوهم معطّلة ؛ لأنّ رفع القدر المشترك ألزمهم تعطيل وجود كلّ موجود !.
الثّانية : دلالة حالة التقييد ؛ فإذا قيّدت هذه الأسماء المتواطئة-المشككة- بإضافة ، أو تعريف دخلت الخصائص في مسمّاها ، وكان ظاهر ما أضيف للربّ إنّما يدلّ على ما يليق ويختصّ به ، وظاهر ما أضيف للمخلوق إنّما يدلّ على ما يليق ويختصّ به . وهذا ثابت حتَّى بين المخلوقات ؛ فإنّ أسماء النّعيم إذا أطلقت دلّت على القدر المشترك بين موجودات الدّنيا والآخرة ، وإذا قيّدت بتعريف أو إضافة كان ظاهر ما أضيف للجنة مغايرًا لما أضيف للدنيا من النّعيم ؛ ولهذا قال ابن عبّاس : (( ليس في الدّنيا من الجنّة شيء إلاّ الأسماء )).دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه – د/عيسى السعدي- ( 54).
نفي القدر المشترك يستلزم الإلحاد:
ومما يوضح ذلك أنه (ما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور ، ولو أنه في كونهما موجودين ، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل منهما). درء التعارض ، ج5 ص 183 .
فلو نفى أحدٌ القدر المشترك بين صفات الرب (تعالى) وصفات الخلق ، ظنّاً منه أن ذلك من التمثيل أو التشبيه المحظور ، لزمه نفي وجود الرب (تعالى) بالكلية ، (فإن من نفى بعض ما وصف الله به نفسه ، كالرضا والغضب والمحبة والبغض ونحو ذلك ، وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم ، قيل له : أنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر ، مع أن ما تُثبته ليس مثل صفات المخلوقين ، فقل فيما أثبتَّه مثل قولك فيما نفيته وأثبتَهَ الله ورسوله ، إذ لا فرق بينهما.
فإن قال : أنا لا أثبتُ شيئاً من الصفات .
قيل له : فأنت تثبتُ له الأسماء الحسنى ، مثل : حي وعليم وقدير ، والعبد يتسمى بهذه الأسماء ، وليس ما تثبت للرب من هذه الأسماء مماثلاً لما تُثبت للعبد ،فقل في صفاته نظير قولك في أسمائه .فإن قال : وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى ، بل أقول : هي مجاز ، أو هي أسماء لبعض مبتدعاته ، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة .قيل له : فلا بد أن تعتقد أنه حق قائم بنفسه ، والجسم موجود قائم بنفسه ،وليس هو مماثلاً).
فليس له بعد ذلك إلا أن يقول : أنا لا أثبت شيئاً ، بل أنكر وجود الرب(تعالى) ، وإلا كان متناقضاً ، وهذا هو الإلحاد ، ولو قال ذلك (قيل له : فمن المعلومبالمشاهدة والعقل وجودُ موجودات ، ومن المعلوم أيضاً أن منها ما هو حادث بعد أنلم يكن ، كما نعلم أنا حادثون بعد عدَمِنا ، وأن السحاب حادث ، والمطر والنباتحادث ..ومن المعلوم بالضرورة أن الحادث بعد عدمه لا بد له من مُحدِث ، وهذهقضية ضرورية معلومة بالفطرة ... ولهذا قال (تعالى) : [ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ ] ... والمحدَث لا بد له من قديم ... والممكن لا بد له منواجب ... فقد لزم أن الوجود فيه موجود قديم واجب بنفسه ، وموجود ممكن محدَث كائن بعد أن لم يكن ، وهذان قد اشتركا في مسمى الوجود) الفتاوى ، ج5 ص 357 359 . .
(فعُلم بهذه البراهين البينة اتفاقهما من وجه واختلافهما من وجه ، فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلاً قائلاً للباطل ، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهاً قائلاً للباطل ،والله أعلم) منهاج السنة ، ج2 ص 115116.
تطبيقات المسألة في العصر الحاضر:
غني عن القول أن أهمية الموضوع تنبع من أهمية فهم العقيدة الإسلامية واستيعابها ، لكن من المفيد أيضاً أن ننظر كيف يمكن الاستفادة من منهج أهل السنةوالجماعة في هذا الباب في العصر الحاضر .. هناك مجالات متعددة ، وسوف نقتصر على واحد من هذه المجالات ، وهو مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
إن الفكرة الأساسية في مشروع الإعجاز العلمي هي النظر في بعض النصوص الشرعية التي تناولت المظاهر الكونية في ضوء الاكتشافات الحديثة ،ولكي يسير المشروع في طريقه الصحيح ، دون الوقوع في خطأ تحميل النص ما لايحتمل ، فلا بد من فهم النص في ضوء قواعد التفسير وأصوله التي سلكها السلفالصالح (رضي الله عنهم) ، والنصوص التي تناولت المظاهر الكونية قبل أن يعلمالإنسان حقيقة هذه المظاهر وماهيتها تدخل في دائرة نصوص الغيب ، ومن هنا :فإن الحاجة إلى إتباع منهج السلف في هذا الباب ملحة لكي يأمن الباحث في هذاالمجال من ليّ النصوص أو تأويلها لكي توافق الاكتشافات العلمية المعاصرة ، ومتىأحسن تطبيق هذا المنهج ، ستكون النتيجة نصراً مضاعفاً ؛ فالاكتشاف العلميسيكون دليلاً جديداً على إعجاز القرآن ، وفي الوقت نفسه دليلاً على سداد منهجأهل السنة والجماعة .
مثالٌ على ذلك أذكر قوله (تعالى) : [ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ ] ، فهذا البرزخكان غيباً لمن نزل عليهم القرآن ، ومقتضى منهج السلف أن يُثبت لهذا البرزخالقدرُ المشترك للفظ (برزخ) المعلوم مما نشهده مما يطلق عليه اللفظ ، مع الامتناععن الجزم بمماثلته لشيء من ذلك ، ثم تبين لنا الآن طبيعة هذا البرزخ ، وشهد الجميع فعلاً ثبوت القدر المشترك للفظ فيه ، مع مغايرته لكل ما عرفناه سابقاً .
إن هذه النتيجة لم يكن الوصول إليها ممكناً لو سلكنا سبل الفرق الإسلامية التي اعتمدت التأويل منهجاً لها كلما وجدت ظاهر النص مخالفاً لما تقرر عندها منمسلمات باطلة في كثير من الأحيان ، ومن جهة أخرى : فإن منهج السلف في هذاالباب يضمن حماية النص من أي خطأ في تنزيله على الاكتشافات العلمية الحديثة ،فغاية ما هنالك حينئذ أن الباحث أخطأ في تحديد (كيفية) النص ، أو (القدر المميز)الذي تضمنه ، أما (المعنى) أو (القدر المشترك) فهو باق لم يطرأ عليه شيء.
إنمثل هذا المنهج هو الأسلوب الوحيد ، للجمع بين الحفاظ على تعظيمالقرآن (وما يتبع ذلك من احترام خير القرون وما أثر عنهم في تفسيره) واقتحامميادين جديدة للبحث عن إعجاز القرآن العظيم . أنظرمجلة البيان - (98 / 26)( مقال للأستاذ سامي السويلم بعنوان مسألة القدر المشترك من خلال كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وأثرها في الإيمان بالغيب).