الحقيقة
16 Feb 2009, 09:35 AM
أهمية الموضوع:
لا بد لكل داعية لتحقيق أهدافه والوصول إلى غاياته من استخدام الوسائل التي تعينه على ذلك، فالله عز وجل قد ربط الأسباب بالمسببات وأمر بالأخذ بالوسائل المؤدية إلى الغايات.
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {المائدة:35}.
ونجاح الدعوات متوقف على كمال مناهجها وصحة أساليبها وقوة وسائلها، ومما يراعى في الوسائل أن تكون مما تقرب إلى الله تعالى وتصل بدعوتهم إلى الناس تمشياً مع سنن الله تعالى في أرضه.
وقد حصل في الآونة الأخيرة اختلافاً واسعاً في وسائل الدعوة ما بين تطويرها وبقائها على ما كان وما بين مشروعيتها وعدم المشروعية مما يستدعي ضرورة الحديث عن هذا الأمر مع توضيح جميع الجوانب المتصلة بالموضوع.
مباحث الموضوع:
1. تعريف الوسائل.
2. ضوابط مشروعية الوسائل الدعوية.
3. خصائص الوسائل الدعوية.
4. أنواع الوسائل الدعوية.
5. نماذج من الوسائل الدعوية.
6. هل الوسائل الدعوية توقيفية أم اجتهادية.
1) تعريف الوسائل:
الوسائل في اللغة: مفردها وسيلة، والوسيلة: الوصلة والاتصال. وهي في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، يقال: وسل إليه وسيلة وتوسل.
الوسائل اصطلاحاً: ما يتوصل به الداعية إلى تطبيق مناهج الدعوة في أمور معنوية أو مادية.
مرتكزات الوسائل:
1. أن يتوصل بها إلى تطبيق الأهداف وتحقيقها وإظهار مناهج الدعوة، ولا تكن غايات في حد ذاتها ولا يتجاوز بها حدودها.
2. أن الوسائل تنقسم إلى قسمين: وسائل معنوية تتحقق في نفوس الدعاة، ووسائل مادية يستخدمها الدعاة في تحقيق ما يريدون.
3. أن تطبيق المناهج الدعوية لا بد أن يعتني بالوسائل في كيفية الاستناد عليها في الوصول بها إلى ما نريد.
2) ضوابط مشروعية الوسائل الدعوية:
1) النص على مشروعية الوسيلة في الكتاب والسنة أو طلبها بوجه من أوجه الطلب:
الوسيلة مشروعة إذا أمر بها الشارع وجوباً أو ندباً أو إباحة.
قال تعالى: [..وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا..] {البقرة:83} .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اكتبوا لأبي شاة ».
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] {التوبة:73}.
روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الصدق يهدي إلى البر.. ».
2) النص على تحريم الوسيلة في الكتاب والسنة أو النهي عنها بوجه من أوجه النهي:
قال تعالى: [وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ(10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11) ] {القلم}.
قال تعالى: [..وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] {التغابن:16}.
قال تعالى: [وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ] {لقمان:18}.
3) دخول الوسيلة في دائرة المباح:
وذلك بالسكوت عنها فلم يأمر بها الشارع ولم ينه عنها كما في المخترعات الحديثة مثل: مكبر الصوت والمذياع فالأصل فيها الإباحة ما لم يعرض له عارض يزيحه عن ذلك الأصل.
وتنقسم هذه الوسائل (المسكوت عنها) إلى قسمين:
أ) الوسيلة المختلف في حكمها بين العلماء بين الإباحة والتحريم والتي لم يترجح للداعية شيء في حكمها يميل البعض إلى تركها تورعاً ويميل الآخرون إلى الأخذ بها لما فيها من مقاصد.
أمثلتها: وسيلة التصوير، الأناشيد، التمثيل.
ويمكننا وضع الضوابط لمثل هذا القسم وذلك بالآتي:
1- الترخص في استخدامها حيث الضرورات والحاجات الملحة والمصالح الدعوية العامة.
2- التورع في استخدامها حيث الأمور العادية والمصالح الشخصية، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «.. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .. ».
3- لطالب العلم أن يبحث في المسألة المختلف فيها ويرجح أحد الأقوال بدليله، إذ ليس قول أحد بحجة على آخر ما دامت المسألة اجتهادية.
4- ليس لمن ترجح له أحد الأقوال تحريماً أو إباحة الإنكار على من خالفه، قال سفيان الثوري: "إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه"، وقال: "ما اختلف فيها الفقهاء فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به".
ب) الوسيلة المشوبة التي اختلط فيها الحلال والحرام:
أمثلتها: الإذاعة، النوادي، التلفاز.
ولا يمكن الأخذ بها إلا بضوابط وتنقسم الضوابط إلى قسمين:
1) حالة إمكان معالجتها وتنقيتها مما شابها:
مثال: في الجاهلية إذا أراد أحدهم إنذار الناس فيفعل عدة أمور:
1) الصعود إلى جبل عالٍ.
2) النداء بلفظ يا صباحاه وغيرها.
3) التعري وكأن العدو قد هتك ستره.
فعبر الرسول صلى الله عليه وسلم عما يريده بقوله: « أنا النذير العريان » دون التعري بالفعل.
وصعد جبل الصفا وهتف يا صباحاه. وأبعد ما كان حراماً وأبقى ما يحل منها.
2) في حالة عدم إمكان معالجتها وتنقيتها مما شابها:
وهنا لا بد للداعية من أحد موقفين:
الموقف الأول: المقاطعة، ولها ضوابط:
1) أن تكون المقاطعة جماعية يتفق عليها معظم العلماء، ليعلم الناس هجر العلماء لهذه الوسيلة فيتابعوهم في ذلك.
2) أن تكون المقاطعة كاملة نظرياً وعملياً فلا مشاركة فيها ولا إدخالها إلى بيوت المسلمين لإقرار المقاطعة والسلامة من شرها من جهة أخرى.
3) أن يسعى إلى إيجاد بديل صالح عنها يعوض الناس عن جانب الخير الذي فيها ويشغلهم ويصرفهم عن جانب الشر فيها.
الموقف الثاني: المشاركة، ولها ضوابط:
1) أن تكون جماعية يقوم عليها معظم العلماء والدعاة.
2) أن لا تكون المشاركة في جزء محرم منها كالبرامج الداعية إلى الفساد.
3) أن تكون المشاركة على مستوى مكافئ للموضوع شكلاً ومضموناً، حتى لا يظهر صوت الخير ضعيفاً أمام صوت الباطل، فيزهد الناس فيه ويجرهم الباطل إليه.
4) اختيار الوقت المناسب للمشاركة فلا يختلط بمحرم أو باطل.
5) أن يسعى لإصلاحها وتنقيتها باستمرار وذلك بالمشاركة الفاعلة ومراجعة المسئولين عنها.
6) أن يسعى إلى إيجاد بديل صالح غير مشوب ويكون قدوة في ذلك من جهة وغير مشوب بالشر من جهة أخرى.
4) خروج الوسيلة عن كونها شعاراً لكافر:
روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من تشبه بقوم فهو منهم ».
وروى الترمذي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ليس منا من تشبه بغيرنا ».
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: « كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد فتكلموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا لنا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرناً مثل قرن اليهود..».
وإذا استخدم المسلمون هذه الوسيلة وساروا عليها لم تصبح شعاراً لكفار وتباح في شرعنا فلا بأس بها.
5) الترخيص في استعمال بعض الوسائل الممنوعة في بعض الأحوال:
وهذا الترخيص على نوعين أساسيين هما:
أ- الترخيص ببعض الوسائل الخاصة في بعض الأحوال تغليباً والموازنة بين المفاسد إذا اجتمعت وتقديم أخف المفاسد وتحقيق المصالح العظمى.
روى مسلم عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنها قالت: « ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها ».
ب- الترخيص بفعل بعض المحظورات بسبب الضرورات الملجئة أو الحاجات الملحة بناءً على قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات"، "الضرورات تقدر بقدرها".
ت- والفرق بين هذا الأمر وقاعدة: (الغاية تبرر الوسيلة) من عدة وجوه:
1- أن المُحرِّم والمبيح هو الشارع توسعة على عباده وأما التبرير عند المسلمين فمتروك لأهوائهم.
2- أن الغاية التي أبيحت من أجلها بعض الوسائل الممنوعة محمودة دائماً في نظر الشارع وليس مجرد مصلحة يراها المرء محمودة كانت أو مذمومة.
3- أن الإباحة في حالة الضرورة بقدرها وليست مطلقة كما هي عند غير المسلمين.
3) الخصائص العامة للوسائل الدعوية:
1- خصيصة الشرعية:
وهي انضباط جميع الوسائل الدعوية بحكم الشرع.
2- خصيصة التطور:
دعوات الأنبياء كانت تراعي الوسائل المتوافرة في عصرهم ما دامت لا تخالف شرعاً.
وعلينا مراعاة كل عصر بما يناسبه وبشرط عدم الحط من الدعوة أو النيل من شخصية الداعية ومكانته.
3- خصيصة التكافؤ:
فيلزم أن تتوفر في الوسيلة القوة والكيفية المطلوبة كما في الإعداد للعدد، لا بد أن يكافئ ما لديه من قدرات وإمكانيات.
والتكافؤ يتوزع على الأفراد والجماعات.
4) أنواع الوسائل الدعوية:
تنقسم إلى قسمين:
أ- الوسائل المعنوية: وهي جميع ما يعين الداعية على دعوته من أمور قلبية أو فكرية، وذلك كالصفات الحميدة والأخلاق الكريمة والتفكير والتخطيط.
ب- الوسائل المادية: وهي جميع ما يعين الداعية من أمور محسوسة أو ملموسة، كالقول والحركة والأدوات والأعمال، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- الوسائل الفطرية: وهي الوسائل الموجودة في فطرة الإنسان وجبلته وتنمو بنموه كالقول والحركة.
2- الوسائل الفنية (العلمية): وهي الوسائل التي يكسبها الإنسان كسباً ويتعلمها ويطورها كالكتابة والإذاعة ونحوها.
3- الوسائل التطبيقية (العملية): وهي الوسائل العملية التي يقوم بها الداعية كإنشاء المؤسسات الدعوية وإعمار المساجد ونحوها.
5) نماذج من الوسائل الدعوية:
فمن الوسائل المعنوية: وسيلة الصبر:
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {آل عمران:200}، وقال تعالى: [وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا] {المزمل:10}.
وهو ثلاثة أقسام:
- صبر على فعل الطاعات.
- صبر على اجتناب المعاصي.
- صبر على المصائب.
ومن الوسائل المادية: وسيلة القول، وهو كل لفظ مفهم نطق به اللسان.
قال تعالى: [عَلَّمَ القُرْآَنَ(2) خَلَقَ الإِنْسَانَ(3) ] {الرَّحمن}.
وهي سيلة هامة:
- لأنها فطرية.
- اهتم بها، فلفظ قل. كثير في القرآن.
- استخدمها الأنبياء.
ضوابطها:
1. أن يكون قولاً مشروعاً قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا] {الأحزاب:70}.
2. أن يكون لطيفاً حسناً قال تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ..] {آل عمران:159}. وقال تعالى: [..وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا..] {البقرة:83}. وقال تعالى: [لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا] {النساء:148}.
3. أن يطابق القول العمل، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ] {الصَّف:2} ، وقال تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللهِ وَبِاليَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9) ] {البقرة}.
4. أن يكون القول بيناً واضحاً قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] {إبراهيم:4}، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً حتى تعقل عنه.
5. أن يكون القول بعيداً عن التقعر والتشدق وغرائب اللغة: روى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة » ، وروى الترمذي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون ».
6) هل وسائل الدعوة توقيفية أم اجتهادية:
ما معنى توقيفية وما معنى اجتهادية:
الاجتهاد في السؤال مجمل، فإن أريد به القول بالرأي واتباع الهوى فهو مرفوض ووسائل الدعوة توقيفية.
وإن أريد به الاجتهاد في إطار الضوابط الشرعية فيصح القول أن وسائل الدعوة اجتهادية.
والتوقيف لفظ مجمل: فإن أريد به التقيد بالضوابط الشرعية للوسائل فلا شك أن الوسائل توقيفية من هذا الوجه.
وإن أريد به أنه لا بد من النص الخاص لكل وسيلة دعوية فلا شك أن الوسائل ليس لها دليل بأعيانها فتكون اجتهادية.
خلاصة القضية:
أن مناهج الدعوة وطرق التغيير توقيفية مثل البدء بالعبادة والنهي عن الشرك.
أما أساليب البلاغ والإرشاد فهي اجتهادية بحسب ما يحقق المصلحة وبالضوابط الشرعية.
كتبه الشيخ: مرد القدسي
لا بد لكل داعية لتحقيق أهدافه والوصول إلى غاياته من استخدام الوسائل التي تعينه على ذلك، فالله عز وجل قد ربط الأسباب بالمسببات وأمر بالأخذ بالوسائل المؤدية إلى الغايات.
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {المائدة:35}.
ونجاح الدعوات متوقف على كمال مناهجها وصحة أساليبها وقوة وسائلها، ومما يراعى في الوسائل أن تكون مما تقرب إلى الله تعالى وتصل بدعوتهم إلى الناس تمشياً مع سنن الله تعالى في أرضه.
وقد حصل في الآونة الأخيرة اختلافاً واسعاً في وسائل الدعوة ما بين تطويرها وبقائها على ما كان وما بين مشروعيتها وعدم المشروعية مما يستدعي ضرورة الحديث عن هذا الأمر مع توضيح جميع الجوانب المتصلة بالموضوع.
مباحث الموضوع:
1. تعريف الوسائل.
2. ضوابط مشروعية الوسائل الدعوية.
3. خصائص الوسائل الدعوية.
4. أنواع الوسائل الدعوية.
5. نماذج من الوسائل الدعوية.
6. هل الوسائل الدعوية توقيفية أم اجتهادية.
1) تعريف الوسائل:
الوسائل في اللغة: مفردها وسيلة، والوسيلة: الوصلة والاتصال. وهي في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، يقال: وسل إليه وسيلة وتوسل.
الوسائل اصطلاحاً: ما يتوصل به الداعية إلى تطبيق مناهج الدعوة في أمور معنوية أو مادية.
مرتكزات الوسائل:
1. أن يتوصل بها إلى تطبيق الأهداف وتحقيقها وإظهار مناهج الدعوة، ولا تكن غايات في حد ذاتها ولا يتجاوز بها حدودها.
2. أن الوسائل تنقسم إلى قسمين: وسائل معنوية تتحقق في نفوس الدعاة، ووسائل مادية يستخدمها الدعاة في تحقيق ما يريدون.
3. أن تطبيق المناهج الدعوية لا بد أن يعتني بالوسائل في كيفية الاستناد عليها في الوصول بها إلى ما نريد.
2) ضوابط مشروعية الوسائل الدعوية:
1) النص على مشروعية الوسيلة في الكتاب والسنة أو طلبها بوجه من أوجه الطلب:
الوسيلة مشروعة إذا أمر بها الشارع وجوباً أو ندباً أو إباحة.
قال تعالى: [..وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا..] {البقرة:83} .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اكتبوا لأبي شاة ».
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] {التوبة:73}.
روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الصدق يهدي إلى البر.. ».
2) النص على تحريم الوسيلة في الكتاب والسنة أو النهي عنها بوجه من أوجه النهي:
قال تعالى: [وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ(10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11) ] {القلم}.
قال تعالى: [..وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] {التغابن:16}.
قال تعالى: [وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ] {لقمان:18}.
3) دخول الوسيلة في دائرة المباح:
وذلك بالسكوت عنها فلم يأمر بها الشارع ولم ينه عنها كما في المخترعات الحديثة مثل: مكبر الصوت والمذياع فالأصل فيها الإباحة ما لم يعرض له عارض يزيحه عن ذلك الأصل.
وتنقسم هذه الوسائل (المسكوت عنها) إلى قسمين:
أ) الوسيلة المختلف في حكمها بين العلماء بين الإباحة والتحريم والتي لم يترجح للداعية شيء في حكمها يميل البعض إلى تركها تورعاً ويميل الآخرون إلى الأخذ بها لما فيها من مقاصد.
أمثلتها: وسيلة التصوير، الأناشيد، التمثيل.
ويمكننا وضع الضوابط لمثل هذا القسم وذلك بالآتي:
1- الترخص في استخدامها حيث الضرورات والحاجات الملحة والمصالح الدعوية العامة.
2- التورع في استخدامها حيث الأمور العادية والمصالح الشخصية، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «.. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .. ».
3- لطالب العلم أن يبحث في المسألة المختلف فيها ويرجح أحد الأقوال بدليله، إذ ليس قول أحد بحجة على آخر ما دامت المسألة اجتهادية.
4- ليس لمن ترجح له أحد الأقوال تحريماً أو إباحة الإنكار على من خالفه، قال سفيان الثوري: "إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه"، وقال: "ما اختلف فيها الفقهاء فلا أنهى أحداً عنه من إخواني أن يأخذ به".
ب) الوسيلة المشوبة التي اختلط فيها الحلال والحرام:
أمثلتها: الإذاعة، النوادي، التلفاز.
ولا يمكن الأخذ بها إلا بضوابط وتنقسم الضوابط إلى قسمين:
1) حالة إمكان معالجتها وتنقيتها مما شابها:
مثال: في الجاهلية إذا أراد أحدهم إنذار الناس فيفعل عدة أمور:
1) الصعود إلى جبل عالٍ.
2) النداء بلفظ يا صباحاه وغيرها.
3) التعري وكأن العدو قد هتك ستره.
فعبر الرسول صلى الله عليه وسلم عما يريده بقوله: « أنا النذير العريان » دون التعري بالفعل.
وصعد جبل الصفا وهتف يا صباحاه. وأبعد ما كان حراماً وأبقى ما يحل منها.
2) في حالة عدم إمكان معالجتها وتنقيتها مما شابها:
وهنا لا بد للداعية من أحد موقفين:
الموقف الأول: المقاطعة، ولها ضوابط:
1) أن تكون المقاطعة جماعية يتفق عليها معظم العلماء، ليعلم الناس هجر العلماء لهذه الوسيلة فيتابعوهم في ذلك.
2) أن تكون المقاطعة كاملة نظرياً وعملياً فلا مشاركة فيها ولا إدخالها إلى بيوت المسلمين لإقرار المقاطعة والسلامة من شرها من جهة أخرى.
3) أن يسعى إلى إيجاد بديل صالح عنها يعوض الناس عن جانب الخير الذي فيها ويشغلهم ويصرفهم عن جانب الشر فيها.
الموقف الثاني: المشاركة، ولها ضوابط:
1) أن تكون جماعية يقوم عليها معظم العلماء والدعاة.
2) أن لا تكون المشاركة في جزء محرم منها كالبرامج الداعية إلى الفساد.
3) أن تكون المشاركة على مستوى مكافئ للموضوع شكلاً ومضموناً، حتى لا يظهر صوت الخير ضعيفاً أمام صوت الباطل، فيزهد الناس فيه ويجرهم الباطل إليه.
4) اختيار الوقت المناسب للمشاركة فلا يختلط بمحرم أو باطل.
5) أن يسعى لإصلاحها وتنقيتها باستمرار وذلك بالمشاركة الفاعلة ومراجعة المسئولين عنها.
6) أن يسعى إلى إيجاد بديل صالح غير مشوب ويكون قدوة في ذلك من جهة وغير مشوب بالشر من جهة أخرى.
4) خروج الوسيلة عن كونها شعاراً لكافر:
روى الإمام أحمد رحمه الله في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من تشبه بقوم فهو منهم ».
وروى الترمذي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « ليس منا من تشبه بغيرنا ».
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: « كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد فتكلموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا لنا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرناً مثل قرن اليهود..».
وإذا استخدم المسلمون هذه الوسيلة وساروا عليها لم تصبح شعاراً لكفار وتباح في شرعنا فلا بأس بها.
5) الترخيص في استعمال بعض الوسائل الممنوعة في بعض الأحوال:
وهذا الترخيص على نوعين أساسيين هما:
أ- الترخيص ببعض الوسائل الخاصة في بعض الأحوال تغليباً والموازنة بين المفاسد إذا اجتمعت وتقديم أخف المفاسد وتحقيق المصالح العظمى.
روى مسلم عن أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنها قالت: « ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها ».
ب- الترخيص بفعل بعض المحظورات بسبب الضرورات الملجئة أو الحاجات الملحة بناءً على قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات"، "الضرورات تقدر بقدرها".
ت- والفرق بين هذا الأمر وقاعدة: (الغاية تبرر الوسيلة) من عدة وجوه:
1- أن المُحرِّم والمبيح هو الشارع توسعة على عباده وأما التبرير عند المسلمين فمتروك لأهوائهم.
2- أن الغاية التي أبيحت من أجلها بعض الوسائل الممنوعة محمودة دائماً في نظر الشارع وليس مجرد مصلحة يراها المرء محمودة كانت أو مذمومة.
3- أن الإباحة في حالة الضرورة بقدرها وليست مطلقة كما هي عند غير المسلمين.
3) الخصائص العامة للوسائل الدعوية:
1- خصيصة الشرعية:
وهي انضباط جميع الوسائل الدعوية بحكم الشرع.
2- خصيصة التطور:
دعوات الأنبياء كانت تراعي الوسائل المتوافرة في عصرهم ما دامت لا تخالف شرعاً.
وعلينا مراعاة كل عصر بما يناسبه وبشرط عدم الحط من الدعوة أو النيل من شخصية الداعية ومكانته.
3- خصيصة التكافؤ:
فيلزم أن تتوفر في الوسيلة القوة والكيفية المطلوبة كما في الإعداد للعدد، لا بد أن يكافئ ما لديه من قدرات وإمكانيات.
والتكافؤ يتوزع على الأفراد والجماعات.
4) أنواع الوسائل الدعوية:
تنقسم إلى قسمين:
أ- الوسائل المعنوية: وهي جميع ما يعين الداعية على دعوته من أمور قلبية أو فكرية، وذلك كالصفات الحميدة والأخلاق الكريمة والتفكير والتخطيط.
ب- الوسائل المادية: وهي جميع ما يعين الداعية من أمور محسوسة أو ملموسة، كالقول والحركة والأدوات والأعمال، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- الوسائل الفطرية: وهي الوسائل الموجودة في فطرة الإنسان وجبلته وتنمو بنموه كالقول والحركة.
2- الوسائل الفنية (العلمية): وهي الوسائل التي يكسبها الإنسان كسباً ويتعلمها ويطورها كالكتابة والإذاعة ونحوها.
3- الوسائل التطبيقية (العملية): وهي الوسائل العملية التي يقوم بها الداعية كإنشاء المؤسسات الدعوية وإعمار المساجد ونحوها.
5) نماذج من الوسائل الدعوية:
فمن الوسائل المعنوية: وسيلة الصبر:
قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {آل عمران:200}، وقال تعالى: [وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا] {المزمل:10}.
وهو ثلاثة أقسام:
- صبر على فعل الطاعات.
- صبر على اجتناب المعاصي.
- صبر على المصائب.
ومن الوسائل المادية: وسيلة القول، وهو كل لفظ مفهم نطق به اللسان.
قال تعالى: [عَلَّمَ القُرْآَنَ(2) خَلَقَ الإِنْسَانَ(3) ] {الرَّحمن}.
وهي سيلة هامة:
- لأنها فطرية.
- اهتم بها، فلفظ قل. كثير في القرآن.
- استخدمها الأنبياء.
ضوابطها:
1. أن يكون قولاً مشروعاً قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا] {الأحزاب:70}.
2. أن يكون لطيفاً حسناً قال تعالى: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ..] {آل عمران:159}. وقال تعالى: [..وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا..] {البقرة:83}. وقال تعالى: [لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا] {النساء:148}.
3. أن يطابق القول العمل، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ] {الصَّف:2} ، وقال تعالى: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللهِ وَبِاليَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ(8) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(9) ] {البقرة}.
4. أن يكون القول بيناً واضحاً قال تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] {إبراهيم:4}، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعيد الكلمة ثلاثاً حتى تعقل عنه.
5. أن يكون القول بعيداً عن التقعر والتشدق وغرائب اللغة: روى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة » ، وروى الترمذي في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون ».
6) هل وسائل الدعوة توقيفية أم اجتهادية:
ما معنى توقيفية وما معنى اجتهادية:
الاجتهاد في السؤال مجمل، فإن أريد به القول بالرأي واتباع الهوى فهو مرفوض ووسائل الدعوة توقيفية.
وإن أريد به الاجتهاد في إطار الضوابط الشرعية فيصح القول أن وسائل الدعوة اجتهادية.
والتوقيف لفظ مجمل: فإن أريد به التقيد بالضوابط الشرعية للوسائل فلا شك أن الوسائل توقيفية من هذا الوجه.
وإن أريد به أنه لا بد من النص الخاص لكل وسيلة دعوية فلا شك أن الوسائل ليس لها دليل بأعيانها فتكون اجتهادية.
خلاصة القضية:
أن مناهج الدعوة وطرق التغيير توقيفية مثل البدء بالعبادة والنهي عن الشرك.
أما أساليب البلاغ والإرشاد فهي اجتهادية بحسب ما يحقق المصلحة وبالضوابط الشرعية.
كتبه الشيخ: مرد القدسي