الحقيقة
26 Feb 2009, 10:38 AM
التضليل النصراني
الدكتور/ عبدالوهاب الديلمي
بمناسبة العثور على نسخة من الإنجيل وصلت هدية من بعض المؤسسات التبشيرية في بيروت إلى أحد المواطنين في السعودية:
ما تزال الأيام تكشف لنا عن الحقد الذي وصلت إليه نفوس أعداء الإسلام من اليهودية والصليبية والذي ما هو إلا امتداد لذلك الحقد الذي بدرت ملامحه الأولى في فجر الإسلام حين حاول هؤلاء أن يقضوا عليه في مهده، والتاريخ حافل بمكايدهم العديدة التي كان مآلها الخيبة والخسران على من يحيكها وينسج خيوطها، ولن يغيب أبداً أمام المؤمن المعتز بدينه قول الله تعالى: ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾[ البقرة: 120].
وإذا ما أردنا البراهين القريبة إلى عصرنا فلننظر نظرة فاحص متتبع للغايات البعيدة التي تكشف حقيقتها، والتي هدف إليها أعداؤنا منذ نشبت الحروب الصليبية إلى أن رضخت كثير من البلدان الإسلامية تحت نير الاستعمار الصليبي بالمعنى الصحيح.
وعلماء الإسلام الذين عاصروا كوارث الاستعمار واستعباده والذين هيأهم الله تعالى للدفاع عن الإسلام وإظهار أباطيل وكيد المستعمرين وما كانوا ينوونه بخططهم اللئيمة من القضاء على الإسلام وتحويل المسلمين عن معتقداتهم بزخارف المادة والحضارة والطعن في الإسلام بالرجعية والتعفن وأن كل قديم منبوذ وكل جديد مقبول، وهؤلاء العلماء لم يألوا جهداً في إظهار الحق في صوره الناصعة وتزييف الباطل وهم على قلتهم قد أرشدوا الناس إلى ما فيه الكفاية إن كان هناك آذان صاغية تسمع وقلوب تعي.
وما أظن الكثير من شبابنا الإسلامي إلا أصبح على علم بأساطير المسيحيين التي يلصقونها بالمعتقدات ويجعلونها من لب الدين وما هي إلا خرافة وأوهام مدسوسة عليهم والإنسان بما كرمه الله من العقل الناضج الذي لا يؤمن بما لا يعقل ولا يمكن أن يقبل الإيمان بشيء لا يقبل الجدال ولا النقاش، فإنه عند الغربلة يعود سراباً وهو إلى الخرافة والوهم أحرى من أن يكون معتقداً يتعلق به مصير الإنسان في المحيا والممات، هذا العقل لا يمكن أن يكون ألعوبة لمثل هذه الأساطير التي أثقلت كاهل التافهين ممن يعتقد صحتها، وهم الذين أهانوا كرامة العقل البشري وعظم مكانته بين المخلوقات فحولوه إلى آلة مسلوبة التفكير والنظر والتفريق بين ما هو حق وباطل، وحقيقة ووهم، فما عليهم إلا أن يقبل ما لا يعرف ويعي ولا يعقل.
والرسالة المحمدية قد جعلت الآفاق أمامه مفتوحة، وطلبت منه أن يتفكر في مخلوقات الله تعالى وملكوته وصنعه وقدرته، ودعته إلى الإيمان بالحق عن طمأنينة واقتناع قال تعالى: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].
يا ترى إلى أين نذهب في حديثنا؟ وما الباعث على مثل هذا؟ ألم يكن هذا حديث قد أبدأ فيه وأعيد، وسبقنا إلى خوضه ذوو الباع الواسع والاطلاع الشاسع، وألجموا هذه الببغاوات التي لا تعي ما تقول بحجة المنطق وقوة الدليل ونصاعة البرهان هذا سؤال؟
والجواب عنه:
إن كاتب هذه الأسطر يقول بلسان حاله وهو يكتبها: أعط القوس باريها، والسهم راميها. ولكن هناك واجب وهناك الشعور باللامسئولية عن هذا الواجب، أما الواجب فهو الدفاع عن الإسلام، وقد جعل الإسلام كل مسلم على ثغرة من ثغرات هذا الدين وحذر أن يؤتى من قبله.
ولكن الواجب ولا ريب هو في الدرجة الأولى على ذوي السلطان والعلم، فإن الله تعالى سائل كل راعٍ عما استرعاه حتى الرجل عن أهل بيته.
ولا نكاد الآن نرى اليقظة الكاملة لدى هذين الصنفين حتى لا يتركوا مجالاً لأي عامل من عوامل الهدم تتسرب إلى العجب فعجب تسرب كتب التبشير المسيحي إلى أرض القداسات ومهبط الوحي ومنبع الرسالة المحمدية. ولكن ألم يعلم هؤلاء العلماء المبشرون أن خاتم النبيين قال: « لقد أيس الشيطان أن يعبد في هذه الأرض » (1)، كما قلت سابقاً أن غفلة الحكام والعلماء هي التي تركت مجالاً لهؤلاء الحاقدين على ديننا ليقوموا بمحاولات المكر والدعوة إلى المسيحية التي أدخل عليها التحريف حتى أصبحت إلى الوثنية أقرب منها إلى الديانة السماوية، فهناك عامل آخر يجعل الشباب يميل بعض الميل وينحرف أو على الأقل يرمى في حمأة الريب والشك، هذا العامل هو جهل هؤلاء الشباب بدينهم، لا يكاد يعرفهم الكثير منهم عن هذا الدين إلا أنه دين آبائهم الذي وجد وعاش بفطرته عليه، وهذا النوع من الشباب لا يوجد لديه المنعة الكاملة لدفع الأباطيل والشبهات ورمي كل فرية تناقض هذا الدين في وجه صاحبها، ومجرد كلمات أو مقال نحاول فيه الرد على مزاعم المبشرين ونضيء به الطريق للشباب ليهتدوا به إلى الحق قد لا ينفع هؤلاء البعيدين عن الجو الإسلامي والروح الدينية السامية؛ لذا فإني أهيب بشبابنا أن يكونوا أوعية صالحة تنهل من فيض التراث الإسلامي الخالد الذي ملأ آفاق الدنيا، وأن لا يوجد في أفئدتهم مكان للكتب التي تدعو إلى محاربة الدين أو إلى المجون والخلاعة حتى ترتفع عقولهم وتسمو عقائدهم عن الشبهات وتصفو نفوسهم وضمائرهم بالحق.
والآن سوف ألقي ملامح يسيره عن الديانة المسيحية:
لا شك أن الديانات السماوية كلها ديانة واحدة تدعو إلى شيء واحد هو عبادة الإله الواحد الذي لا شريك له المنزه عن التجسيم والتعدد، والمسيح عليه السلام لم يدع الناس إلى غير هذا، وإذا كان المسيحيون اليوم يضفون عليه صفة الألوهية والنبوة لله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فهذه هي عين الوثنية والشرك التي جاء عيسى ومن قبله ومن بعده من الأنبياء لينقذوا الناس منها.
وانظر إلى ما يقوله أحد المسيحيين المعاصرين ممن عرف الحق ودافع عنه (لا يدع القرآن شائبة من ريب في مسألة وحدانية الله فجاء في سورة الإخلاص: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد ٌاللَّهُ الصَّمَدُ مْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1- 4]. وفي ذلك نقض لعقائد الشرك وتصحيح لعقائد أهل الكتاب أيضاً.
فقد صار أتباع المسيح إلى القول بألوهيته، وأنه ابن الله، وأن الإله الواحد جوهر واحد له ثلاثة أقانيم هي الله الآب، والله الابن -وهو المسيح-، وروح القدس، وشبهوا ذلك السر الإيماني المسيحي بالشمس، وكيف أنها حقيقة واحدة، تقع على الحواس قرصاً ونوراً وحرارة -جل ربنا عن التشبيه والتمثيل والتجسيم والتعدد وتعالى عما يقولون علواً كبيراً- ولم يرد على لسان المسيح في أقواله الواردة في بشارات حوارييه (الأناجيل) إشارة إلى شيء من ذلك بل كان يدعو نفسه على الدوام بـ"ابن الإنسان" وأما البنوة لله عز وجل فما ورد لها ذكر إلا على سبيل المجاز المطلق، وبمعنى يشمل البشر كافة حين أوصى أن تكون صلاة الناس إلى الله بادئة بقوله: "يا أبانا الذي في السماء".
وحين طالب أتباعه وجميع الناس أن يسلكوا طريق البر كي يكونوا جديرين بنسبتهم إلى الله، فالمسيح رفع خصوصية البر عن اليهود الذين قالوا: "إن أبناء إبراهيم وحدهم هم الناجون الظافرون برضوان الله".
لأن الناس كافة أبناء الله ما سلكوا طريق البر، وأحبوا الله وأحبوا إخوانهم في الله حتى أعداءهم.
بل إن المسيح وعظ الناس فضرب لهم المثل في رعاية الله وعنايته بما ينتجه من الرزق لطيور السماء ووحش الفلاة، وما ينتجه من الزينة لزنابق الحقل، فلا ينبغي أن يكون حرصهم كله على الدنيا وجاهها وزخرفها.
وما أقرب هذا أن يجعل رعاية الأبوة مطلقة شاملة لجميع الكائنات، وما أبعد هذا أن يكون ذلك "السر" أو "اللغز" المعقد الذي اختلفت فيه أقوال المفسرين من أساطين اليهود وعلماء اللاهوت.
وقد أدى هذا اللبس إلى فتنة، بل فتنة بين صفوف أتباع المسيح والمنتسبين إليه، وجمعت المجامع، ووقعت المذابح، وصار الإيمان سبيلاً إلى اللدد والفرقة لا إلى الألفة والاجتماع على عقيدة يطمئن الجميع إليها. وناهيك بعقيدة لبابها المحبة حتى للأعداء.. تكون مثار ذلك كله.
وناهيك بعقول السواد ممن غيرت لهم في الوثنية جذور عقلية وحسية منذ ألوف السنين، كيف لا تنزلق إلى الشرق من باب هذا "السر" الذي يجعل الواحد الفرد ثلاثة أقانيم.
لابد من رد الناس إلى بساطة الاعتقاد، ولابد من نفي اللبس وشوائب الريب عن جوهر هذه العقيدة، وهو التوحيد مطلق التوحيد.
إذن تعني أن يأتي الدين الجديد بحسم هذا الاختلاف الوبيل ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد ٌاللَّهُ الصَّمَدُ مْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. فأقرب إلى العقل أن من يلد أحرى بأن يولد.. وما كان سبحانه فرداً من جنس، ولا واحداً في سلالة من نوعه. حاشا! بل جل عن النظراء والأكفاء فمن ذا الكفء لله (2) ؟!.
الدكتور/ عبدالوهاب الديلمي
بمناسبة العثور على نسخة من الإنجيل وصلت هدية من بعض المؤسسات التبشيرية في بيروت إلى أحد المواطنين في السعودية:
ما تزال الأيام تكشف لنا عن الحقد الذي وصلت إليه نفوس أعداء الإسلام من اليهودية والصليبية والذي ما هو إلا امتداد لذلك الحقد الذي بدرت ملامحه الأولى في فجر الإسلام حين حاول هؤلاء أن يقضوا عليه في مهده، والتاريخ حافل بمكايدهم العديدة التي كان مآلها الخيبة والخسران على من يحيكها وينسج خيوطها، ولن يغيب أبداً أمام المؤمن المعتز بدينه قول الله تعالى: ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾[ البقرة: 120].
وإذا ما أردنا البراهين القريبة إلى عصرنا فلننظر نظرة فاحص متتبع للغايات البعيدة التي تكشف حقيقتها، والتي هدف إليها أعداؤنا منذ نشبت الحروب الصليبية إلى أن رضخت كثير من البلدان الإسلامية تحت نير الاستعمار الصليبي بالمعنى الصحيح.
وعلماء الإسلام الذين عاصروا كوارث الاستعمار واستعباده والذين هيأهم الله تعالى للدفاع عن الإسلام وإظهار أباطيل وكيد المستعمرين وما كانوا ينوونه بخططهم اللئيمة من القضاء على الإسلام وتحويل المسلمين عن معتقداتهم بزخارف المادة والحضارة والطعن في الإسلام بالرجعية والتعفن وأن كل قديم منبوذ وكل جديد مقبول، وهؤلاء العلماء لم يألوا جهداً في إظهار الحق في صوره الناصعة وتزييف الباطل وهم على قلتهم قد أرشدوا الناس إلى ما فيه الكفاية إن كان هناك آذان صاغية تسمع وقلوب تعي.
وما أظن الكثير من شبابنا الإسلامي إلا أصبح على علم بأساطير المسيحيين التي يلصقونها بالمعتقدات ويجعلونها من لب الدين وما هي إلا خرافة وأوهام مدسوسة عليهم والإنسان بما كرمه الله من العقل الناضج الذي لا يؤمن بما لا يعقل ولا يمكن أن يقبل الإيمان بشيء لا يقبل الجدال ولا النقاش، فإنه عند الغربلة يعود سراباً وهو إلى الخرافة والوهم أحرى من أن يكون معتقداً يتعلق به مصير الإنسان في المحيا والممات، هذا العقل لا يمكن أن يكون ألعوبة لمثل هذه الأساطير التي أثقلت كاهل التافهين ممن يعتقد صحتها، وهم الذين أهانوا كرامة العقل البشري وعظم مكانته بين المخلوقات فحولوه إلى آلة مسلوبة التفكير والنظر والتفريق بين ما هو حق وباطل، وحقيقة ووهم، فما عليهم إلا أن يقبل ما لا يعرف ويعي ولا يعقل.
والرسالة المحمدية قد جعلت الآفاق أمامه مفتوحة، وطلبت منه أن يتفكر في مخلوقات الله تعالى وملكوته وصنعه وقدرته، ودعته إلى الإيمان بالحق عن طمأنينة واقتناع قال تعالى: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].
يا ترى إلى أين نذهب في حديثنا؟ وما الباعث على مثل هذا؟ ألم يكن هذا حديث قد أبدأ فيه وأعيد، وسبقنا إلى خوضه ذوو الباع الواسع والاطلاع الشاسع، وألجموا هذه الببغاوات التي لا تعي ما تقول بحجة المنطق وقوة الدليل ونصاعة البرهان هذا سؤال؟
والجواب عنه:
إن كاتب هذه الأسطر يقول بلسان حاله وهو يكتبها: أعط القوس باريها، والسهم راميها. ولكن هناك واجب وهناك الشعور باللامسئولية عن هذا الواجب، أما الواجب فهو الدفاع عن الإسلام، وقد جعل الإسلام كل مسلم على ثغرة من ثغرات هذا الدين وحذر أن يؤتى من قبله.
ولكن الواجب ولا ريب هو في الدرجة الأولى على ذوي السلطان والعلم، فإن الله تعالى سائل كل راعٍ عما استرعاه حتى الرجل عن أهل بيته.
ولا نكاد الآن نرى اليقظة الكاملة لدى هذين الصنفين حتى لا يتركوا مجالاً لأي عامل من عوامل الهدم تتسرب إلى العجب فعجب تسرب كتب التبشير المسيحي إلى أرض القداسات ومهبط الوحي ومنبع الرسالة المحمدية. ولكن ألم يعلم هؤلاء العلماء المبشرون أن خاتم النبيين قال: « لقد أيس الشيطان أن يعبد في هذه الأرض » (1)، كما قلت سابقاً أن غفلة الحكام والعلماء هي التي تركت مجالاً لهؤلاء الحاقدين على ديننا ليقوموا بمحاولات المكر والدعوة إلى المسيحية التي أدخل عليها التحريف حتى أصبحت إلى الوثنية أقرب منها إلى الديانة السماوية، فهناك عامل آخر يجعل الشباب يميل بعض الميل وينحرف أو على الأقل يرمى في حمأة الريب والشك، هذا العامل هو جهل هؤلاء الشباب بدينهم، لا يكاد يعرفهم الكثير منهم عن هذا الدين إلا أنه دين آبائهم الذي وجد وعاش بفطرته عليه، وهذا النوع من الشباب لا يوجد لديه المنعة الكاملة لدفع الأباطيل والشبهات ورمي كل فرية تناقض هذا الدين في وجه صاحبها، ومجرد كلمات أو مقال نحاول فيه الرد على مزاعم المبشرين ونضيء به الطريق للشباب ليهتدوا به إلى الحق قد لا ينفع هؤلاء البعيدين عن الجو الإسلامي والروح الدينية السامية؛ لذا فإني أهيب بشبابنا أن يكونوا أوعية صالحة تنهل من فيض التراث الإسلامي الخالد الذي ملأ آفاق الدنيا، وأن لا يوجد في أفئدتهم مكان للكتب التي تدعو إلى محاربة الدين أو إلى المجون والخلاعة حتى ترتفع عقولهم وتسمو عقائدهم عن الشبهات وتصفو نفوسهم وضمائرهم بالحق.
والآن سوف ألقي ملامح يسيره عن الديانة المسيحية:
لا شك أن الديانات السماوية كلها ديانة واحدة تدعو إلى شيء واحد هو عبادة الإله الواحد الذي لا شريك له المنزه عن التجسيم والتعدد، والمسيح عليه السلام لم يدع الناس إلى غير هذا، وإذا كان المسيحيون اليوم يضفون عليه صفة الألوهية والنبوة لله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فهذه هي عين الوثنية والشرك التي جاء عيسى ومن قبله ومن بعده من الأنبياء لينقذوا الناس منها.
وانظر إلى ما يقوله أحد المسيحيين المعاصرين ممن عرف الحق ودافع عنه (لا يدع القرآن شائبة من ريب في مسألة وحدانية الله فجاء في سورة الإخلاص: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد ٌاللَّهُ الصَّمَدُ مْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1- 4]. وفي ذلك نقض لعقائد الشرك وتصحيح لعقائد أهل الكتاب أيضاً.
فقد صار أتباع المسيح إلى القول بألوهيته، وأنه ابن الله، وأن الإله الواحد جوهر واحد له ثلاثة أقانيم هي الله الآب، والله الابن -وهو المسيح-، وروح القدس، وشبهوا ذلك السر الإيماني المسيحي بالشمس، وكيف أنها حقيقة واحدة، تقع على الحواس قرصاً ونوراً وحرارة -جل ربنا عن التشبيه والتمثيل والتجسيم والتعدد وتعالى عما يقولون علواً كبيراً- ولم يرد على لسان المسيح في أقواله الواردة في بشارات حوارييه (الأناجيل) إشارة إلى شيء من ذلك بل كان يدعو نفسه على الدوام بـ"ابن الإنسان" وأما البنوة لله عز وجل فما ورد لها ذكر إلا على سبيل المجاز المطلق، وبمعنى يشمل البشر كافة حين أوصى أن تكون صلاة الناس إلى الله بادئة بقوله: "يا أبانا الذي في السماء".
وحين طالب أتباعه وجميع الناس أن يسلكوا طريق البر كي يكونوا جديرين بنسبتهم إلى الله، فالمسيح رفع خصوصية البر عن اليهود الذين قالوا: "إن أبناء إبراهيم وحدهم هم الناجون الظافرون برضوان الله".
لأن الناس كافة أبناء الله ما سلكوا طريق البر، وأحبوا الله وأحبوا إخوانهم في الله حتى أعداءهم.
بل إن المسيح وعظ الناس فضرب لهم المثل في رعاية الله وعنايته بما ينتجه من الرزق لطيور السماء ووحش الفلاة، وما ينتجه من الزينة لزنابق الحقل، فلا ينبغي أن يكون حرصهم كله على الدنيا وجاهها وزخرفها.
وما أقرب هذا أن يجعل رعاية الأبوة مطلقة شاملة لجميع الكائنات، وما أبعد هذا أن يكون ذلك "السر" أو "اللغز" المعقد الذي اختلفت فيه أقوال المفسرين من أساطين اليهود وعلماء اللاهوت.
وقد أدى هذا اللبس إلى فتنة، بل فتنة بين صفوف أتباع المسيح والمنتسبين إليه، وجمعت المجامع، ووقعت المذابح، وصار الإيمان سبيلاً إلى اللدد والفرقة لا إلى الألفة والاجتماع على عقيدة يطمئن الجميع إليها. وناهيك بعقيدة لبابها المحبة حتى للأعداء.. تكون مثار ذلك كله.
وناهيك بعقول السواد ممن غيرت لهم في الوثنية جذور عقلية وحسية منذ ألوف السنين، كيف لا تنزلق إلى الشرق من باب هذا "السر" الذي يجعل الواحد الفرد ثلاثة أقانيم.
لابد من رد الناس إلى بساطة الاعتقاد، ولابد من نفي اللبس وشوائب الريب عن جوهر هذه العقيدة، وهو التوحيد مطلق التوحيد.
إذن تعني أن يأتي الدين الجديد بحسم هذا الاختلاف الوبيل ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد ٌاللَّهُ الصَّمَدُ مْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. فأقرب إلى العقل أن من يلد أحرى بأن يولد.. وما كان سبحانه فرداً من جنس، ولا واحداً في سلالة من نوعه. حاشا! بل جل عن النظراء والأكفاء فمن ذا الكفء لله (2) ؟!.