المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة إلى الحاكم والمحكوم موانع نزول العذاب بقلم الشيخ قاسم بن علي العصيمي


معلمي
16 Mar 2011, 10:26 AM
رسالة إلى الحاكم والمحكوم .. موانع نزول العذاب

قاسم بن علي العصيمي:


الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إن المتأمل في واقع كثير من الدول العربية عموماً، وفي واقع اليمن خصوصاً، يرى الناس يموجون كموج البحر بين ثائر وحائر وجائر وساعٍ لتدارك الأمر.
ولأنني رأيت كثيراً من المقالات والمبادرات لمعالجة هذا الموضوع ركَّزت على الجانب الحسي دون المعنوي الذي هو الأساس، أحببت أن أساهم بهؤلاء الكلمات إبراء للذمة وتكميلاً لما طرحه العلماء والعقلاء، وأستمد موضوعي هذا من القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن العاقل قد يتحير:هل ما يراه هو نور الفجر قد بزغ لقيام الأمة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فيحق لنا أن نتفاءل به ونحسن الظن -ولا أسهب في هذا الجانب لكثرة ما كُتب فيه-؟!

أو أن ما يراه إرهاصات لنزول العذاب بمجتمعاتنا، وذلك من خلال توفر أسبابه؟! ولا أقطع بأحد الاحتمالين؛ لأن ذلك مما لا علم لي به، ولكنني سأتكلم عن الاحتمال الآخر لا لترجحه عندي أو نفيه، بل تأسياً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت:

«كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا رأى غيماً أو ريحاً في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سُري عنه، فقالت عائشة: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيت غيماً عُرف في وجهك الكراهة فقال: يا عائشة! وما يؤمنني أن يكون فيه عذابٌ أليم، كما قال قوم: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف:24- 25]».

ولم تكن نظرته صلى الله عليه وآله وسلم متشائمة كما قد يظنه من لا علم له، ولكن كما قال بعض شراح الحديث: كان صلى الله عليه وسلم يخشى أن تصيبهم عقوبة ذنوب العامة كما أصاب الذين قالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}، وفيه تذكر ما نسي الناس من عذاب الله للأمم الخالية، والتحذير من طريقهم في العصيان خشية نزول ما حلّ بهم. اهـ.

وقد جرت سنة الله تعالى على ربط المسبَبَات بالأسباب، ومنها ربط العقوبات بالذنوب، كما قال الله تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:40-43].

ولكن لكمال عدله سبحانه فقد وعد بإقامة الحجة على العباد قبل نزول العذاب، كما قال سبحانه: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام:131].

وقال سبحانه: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [طه:133-134].

والحجة قائمة على مجتمعاتنا بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنها كانت قائمة على هؤلاء المذكورين في الآيتين السابقتين بما في الصحف الأولى، وقد صرح الله بذلك فقال: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:50-51].

ومن تفضله سبحانه:أنه يمهل العصاة والمذنبين فرصة للمراجعة والتوبة، ويوقظهم بما ينبههم من غفلتهم بالبأساء والضراء، قال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام:42].

ولكنه سبحانه إذا أنزل عذابه الدنيوي وعاينه المذنبون لا ينفعهم إيمانهم في تلك اللحظة، ولا تقبل توبتهم لانقضاء فرصة الإمهال، قال الله تبارك وتعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر:84-85].

والعذاب الذي ينزله الله على مستحقيه متعدد كما سبق، ومختلف الجهات كما بينه سبحانه في قوله جل وعلا: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:65].
وفي قوله تعالى: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}قال ابن عباس وغير واحد: "يعني: يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل".

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِى مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلاً، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: سَأَلْتُ رَبِّى ثَلاَثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّى أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِى بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا» [رواه مسلم في صحيحه وغيره].
ففي هذا الحديث نوع خاص من العذاب يبقى بين الأمة إذا وجد سببه، وما يقع بين الشعوب وحكامهم هذه الأيام هو جزء من هذا العذاب، وعلينا أن نتدارك أمورنا حتى ننجو، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عدة أمور للسلامة من هذا العذاب أذكر ما ظهر لي منها:

أولاً:علينا جميعاً -الحاكم والمحكوم- أن نتوب إلى الله ونستغفره مما وقع منا من ذنوب ومعاصي هي سبب سخط الله علينا، والتزام الصلح مع الله قبل الصلح مع المخلوقين؛ فإنه سبحانه إذا رضي عن عبده رضي عنه الخلق، وإذا سخط على عبده سخط عليه الخلق.

والسبيل إلى الصلح مع الله تعالى بتحقيق التوبة؛ فإنها إذا تحققت بشروطها من الندم من أجل الله تعالى، والإقلاع عن كل قول أو فعل أو اعتقاد حرمه الله ورسوله، والعزم الصادق على عدم العودة إلى تلك المآثم والتزام شرع الله... إذا تحققت الشروط أمِنَّا قطعاً عقوبة الله، كما قال سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]، والمراد بالاستغفار هنا التوبة لا مجرد الذكر كما حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين".

ثانياً:إقامة العدل ورد المظالم والإصلاح الحقيقي للدين والدنيا إصلاحاً يرضي رب العالمين قبل النظر في إرضاء العالم، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود:117].

ثالثاً:تحقيق الامتثال لكل ما أمرنا الله به ونهانا عنه، والالتزام بعهد الله وميثاقه من تحكيم كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في العبادات والمعاملات وفي سائر شئون الحياة فهذا هو الإيمان الذي أمر الله به؛ قال الله تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة:85].

وإذا أخذنا من الدين والشرع بعضه مع القدرة على بقيته، ولكن تركنا بعضه الآخر اتباعاً لأهوائنا أو أهواء غيرنا عذبنا الله في الدنيا بهذه العداوة التي نراها بين المسلمين وبين الحاكم والمحكوم، فسببت الخزي لنا في الدنيا المذكور في الآية السابقة، وقد أخبرنا الله تعالى عن أهل الكتاب فقال: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة:14] والنسيان في الآية الكريمة يعني الترك لا الذهول المعفي عنه.

وقال سبحانه وتعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل:51-53].

رابعاً:الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحاكم والمحكوم، ومنه المظاهرات والاعتصامات المنضبطة بالشرع في سلوكها ومطالبها، قال سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف:164-166].
وقال سبحانه: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود:116].

خامساً:عدم محاربة دين الله وأوليائه وبيوته؛ فإن هذا من المحادة لله ورسوله وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:20-21].
وقال سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:114].

سادساً:صدق النية مع الله تعالى في معاملته ومعاملة خلقه، والصدق في إرادة الإصلاح من الحاكم والمحكوم، والحذر من المكر والخديعة؛ فإن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، وقد قال في هذا الشأن:{لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل:23-26].

وقد وعد الله تعالى بالتوفيق بين الزوجين عند صدق الإرادة في الإصلاح، كما قال الله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء:35] والأمر كذلك في كل إصلاح لحقن دماء المسلمين و صيانة حقوقهم.

سابعاً:التزام الدعاء بيقين وتضرع أن يصلح أحوالنا كما أمرنا الله بذلك في قوله سبحانه: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:43-45].

ثامناً وأخيراً:علينا جميعاً التواضع وقبول الحق وهو الشرع، وعدم الغرور بكثرة الأتباع أو الأموال أو الأولاد أو سائر الأسباب من دون الله تعالى؛ فإن هذه العوائق تمنع من قبول الحق ولا تدفع عقوبة الله، كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ:34-36].
وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [غافر:21-22].

فما المانع أن يخضع الجميع للحق لسلامة أنفسهم وسلامة الأمة، وقد ضحى يونس عليه الصلاة والسلام ليس برأيه فقط أو بالتنحي عن الركوب على السفينة، بل رمى بنفسه ليغرق في ظلمات البحر وتنجو السفينة، قال الله تعالى: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات:139-142].

اللهم يا ربنا أنت الحي القيوم لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد المنان بديع السموات والأرض أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك ونتوب إليك، وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

احمد بن سلام
15 Apr 2011, 10:46 PM
ِبسمه تعالى ـ [حكم الُمكْرِه في قَتل النفس] ويلحق بهذا فوئد ذكرها العلماء في حكم موقف المسلم في القتال بين المسلمين (الإكراه)في اللغة:هو القهر وفى الاصطلاح هو الحمل على الفعل بالتهديد والإكراه في ذاته لا اعتبار له إذا كان لمجرد ضرورة أو خوف من أذى أو توقع ضرر دون القتل و الإكراه في قتل المسلمين حرام بالإجماع،كما جاء في حديث أبي بكرة قال رجل: يا رسول الله!أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى إحدى الفئتين فيضربني رجل بسهمه، فيقتلني؟"قال:يبوء بإثمه وإثمك،ويكون من أصحاب النار""[رواه مسلم:(2887)]"يَبُوء":أَيْ يَرْجِع الْقَاتِل"بِإِثْمِك":أَيْ بِإِثْمِ قَتْلك(وَبِإِثْمِهِ):أَيْ وَبِسَائِرِ إِثْمه وَيكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار،أَيْ مُسْتَحِقًّا لَهَا قال النبيr"يؤتى بالقاتل والمقتول يوم القيامة فيقول أي رب سل هذا فيم قتلني فيقول أي رب أمرني هذا فيؤخذ بأيديهما جميعاً فيقذفان في النار"قال شعيب الارنؤوط قال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله كلهم ثقات ورواه أيضا من حديث جندب عن رسول الله قالr""يجيء المقتول يوم القيامة متعلقا بقاتله فيقول الله :فيم قتلت هذا؟فيقول في ملك فلان"فقال جندب فَاتَّقِ اللَّهَ لَا تَكُونُ ذَلِكَ الرَّجُلَ"تحقيق الألباني ( حديث صحيح )صحيح الجامع 8032 وعن ابن مسعود عن رسول اللهr(قال يجيء المقتول آخذا قاتله وأوداجه تشخب دما عند ذي العزة فيقول يا رب سل هذا فيم قتلني فيقول فيم قتلته قال قتلته لتكون العزة لفلان قيل هي لله فيبوء بإثمه" ( صححه الألباني في الترغيب2448 - 1)وقد تقدم أن المكره على حضور قتال محرم،لا يجوز له مباشرة القتال، بل الواجب عليه أن يمتنع من الحضور إن قدر،أو أن يفسد وسيلة القتل الذي يقاتل به،أو يعتزل،قال ابن تيمية:"في حديث أبي بكره"وقد دخل في ذلك المكره وغيره ثم بين أن المكره إذا قُتل ظُلماً كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول،كما قال تعالى في قصة ابني آدم{إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}إلى أن قال:"فكيف بالمكره على قِتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام؟! فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل،كما لو أُكره رجلً رجلاً على قَتل مسلم معصوم،فإنه لا يجوز له قَتْلهُ باتفاق المسلمين، وإن أَكْرهُه بالقتل،فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس فليس له أن يَظلم غَيرَهُ فَيَقتُله لئلا يُقْتَل هو،بل إذا قَتل كان القوَد "القصاص"على المُكره عند أكثر العلماء،وقيل:القَوَد على المكره المباشر،وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القوَد"["مجموع الفتاوى":(28/539ـ540) وقد يقتل المكره المباشر والجماعة الآمِره له بقتل النفس المعصومه كما هو الصحيح من مذاهب الفقهاء:وهو أن الجماعة تقتل بالواحد المقتول بغير حق وفي شرح حديث أبي بكرة المذكور قبل قليل قال النووي"وأما القتل فلا يباح بالإكراه،بل يأثم المكره على المأمور به بالإجماع،وقد نقل القاضي وغيره فيه الإجماع،قال أصحابنا: وكذا الإكراه على الزنا لا يرفع الإثم فيه،هذا إذا أكرهت المرأة حتى مكنت من نفسها،فأما إذا رُبِطَتْ،ولم يمكنها مدافعته، فلا إثم"["صحيح مسلم بشرح النووي":وقال ابن رجب الحنبلي:واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يبح له أن يقتله، فإنه إنما يقتله باختياره افتداءً لنفسه من القتل، هذا إجماع من العلماء المعتد بهم"["جامع العلوم والحكم]وقال القرطبي"أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله ولا ينتهك حرمته بجلد أو غيره ولا يظلمه ولا يفعل الزنا وإن كره على ذلك،ويصبر على البلاء الذى نزل به، ولا يحل له أن يفدى نفسه بغيره،ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة"وقال الرازي فأما الإكراه في ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين،فذلك غير جائز ألبتة وقال الأبهرى:لا يجوز لأحد أن يكره على هتك حرمة آدمى؛لأن حرمته ليست بأوكد من حرمتة وقال الشافعي والْمُعْظَمُ"يجب القصاص على المكره لِأَنَّهُ آثَرَ نَفْسهُ عَلَى نَفْس الْمَقْتُول وَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يُنَجِّي نَفْسَهُ مِنْ الْقَتْل بِأَنْ يَقْتُل غَيْره"وقد تقدم بيان أنه لا عذر بالإكراه في قتال المسلمين إذا كان بإمكان العسكري المسلم في جيوش الظالمين تقديم استقالته، وبإمكانه: طلب العمل في مجال آخر غير القتال،بل بإمكانه الاستفادة بالقانون الذي يمنحه حق الامتناع عن دخول المعارك التي تصادم معتقداته وديانته فكيف يُعد هذا العسكريُ مع ذلك مُكرَهاً أو مضطراً؟جاء في الدستور اليمني في المادة(36)(القوات المسلحة والشرطة والأمن وأية قوات أخرى،هي ملك الشعب كله،ومهمتها حماية الجمهورية وسلامة أراضيها وأمنها"وما هي البينة الشرعية التي تبيح له قتل المعصومين وتثبت له عليهم ما اتهموا به؟ والرسول rيقول"لو يعطى الناس بدعواهم،لادعى رجال أموال قوم ودماءهم،ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر"[صححه الألباني في الصحيحه]وَقد جاء فِي الْحَدِيث أن أول ما يحكم فيه من المظالم الدماء لعِظَم أَمْر الدَّم،فَإِنَّ الْبُدَاءَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْأَهَمِّ،وَإِعْدَامُ الْبِنْيَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ ذَّنْب يَعْظُمُ بِحَسَبِ عِظَم الْمَفْسَدَةِ وَتَفْوِيت الْمَصْلَحَة،وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّغْلِيظ فِي أَمْر الْقَتْل آيَاتٌ كَثِيرَةٌ وَآثَارٌ شَهِيرَةٌ أوردتُها فِي الورقة الثانية

بسمه تعالى2 حرمة قتل النفس المعصومة ثابتة حتى مع عدم الإكراه لقول الله تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ}ولقوله تعالى{أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}ومعنى قوله تعالى{فكأنما قتل الناس جميعا}أي من حيث انه هتك حرمة الدماء وسن القتل وجرأ الناس على القتل وقوله تعالى{وَمَنْ أَحْيَاهَا}قال ابن عباس:"من حرم قتلها إلا بحق فكأنما أحيا الناس جميعاً "يعني من منع وحال دون قتل هذه النفس التي لم تستحق القتل بعفو أو منع عن القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فقد صار سبباً في إحيائها وبقاء حياتها ومن فعل ذلك فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا والمقصود من التشبيه المبالغة في تعظيم أمر القتل بغير حق والترغيب في الاحتراز عنه وقد شددت النصوص النبوية الصحيحة على تحريم قتل النفس المعصومة أيما تشديد قال رسول اللهr "والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم" رواه مسلم وفي صحيح البخاري قال رسول اللهr"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)قال الحافظ في الفتح"المراد ستر الحق،والكفر لغة:الستر لأن حق المسلم على المسلم أن ينصره ويعينه،فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه وأن الفعل المذكور يفضي إلى الكفر،لأن من اعتاد الهجوم على كبار المعاصي جَرَهُ شؤمُ ذلك إلى أشد منها،فيُخشى أن لا يُختم له بخاتمة الإسلام"["الفتح":(13/30)]وقَالَ رَسُولُ اللَّهِr(إِنَّ الْمَقْتُولَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَعَلِّقًا رَأْسَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ قَالَ بِشِمَالِهِ آخِذًا صَاحِبَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا فِي قُبُلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ فَيَقُولُ رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي)صححه الارنؤوط في مسند احمد"قُبُلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ"أَيْ يُقَرِّبُ الْمَقْتُولُ الْقَاتِلَ مِنْ الْعَرْشِ في اِسْتِقْصَاءِ طَلَبِ ثَأْرِهِ والْمُبَالَغَةِ فِي إِرْضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِعَدْلِهِ قال رسول اللهr"من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم يهريقه كأنما يذبح دجاجة كلما يعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينها"( صححه الألباني في صحيح الترغيب2444 - 1 )وقال النَّبِيِّr (الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ)(حديث صحيح الجامع رقم : 2802 ) ومَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الْإِيمَان يَمْنَع مِنْ الْفَتْك الَّذِي هُوَ الْقَتْل بَعْد الْأَمَان غَدْرًا كَمَا يَمْنَع الْقَيْد مِنْ التَّصَرُّف وقال رسول اللهr"من حمل علينا السلاح فليس منا"رواه مسلم وفي لفظ(إذا شهر المسلم على أخيه سلاحا فلا تزال ملائكة الله تلعنه حتى يشيمه عنه"أي يضعه"(صححه الألباني في الصحيحة3973 ) فهذا الحديث يدل على أن حمل السلاح على المسلم حرام في حد ذاته، وإن لم يكن به قتل ولا قتال، وأن نية القتال هي في نفسها إثم لأن من حق المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه،لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه)قال ابن حجر:وهذا في حق من لا يستحل ذلك،فأما من يستحله،فإنه يكفر باستحلال المحرم،لا مجرد حمل السلاح"وقال رسول اللهr{مِنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يُوفِي لِذِي عَهْدِهَا؛فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْت مِنْه }رواه مسلم


بسمه تعالى3 العوامل المؤدية إلى القتال وَالْحَاصِل مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْقِتَال مَنْشَؤُهُ الْقُوَّة الْعَقْلِيَّة وَالْقُوَّة الْغَضَبِيَّة وَالْقُوَّة الشَّهْوَانِيَّة،وَلَا يَكُون فِي سَبِيل اللَّه إِلَّا الْأَوَّل والدليل عن أبي بكره قال جاء رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّrفَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"رواه مسلم فاشْتَمَلَ القِتَال في سَبِيل اللَّه عَلَى طَلَب رِضَا الله وَطَلَب ثَوَابه وَطَلَب دَحْض أَعْدَائِهِ وردعهم ومنعهم من العدوان على الأبرياء،وكذلك القتال على النفس والعرض والمال وكلّ هذا في سبيل الله قال رسول الله r"من قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد"صححه الألباني عند الترمذي)ومن قاتل على الاجتهاد والتحري،فقد تدركه البصيرة العقلية بما يَقْطَعُهُ عن القتال الذي يُدخله في سبيل الهوى والعصبية والحمية وَالثَّانِي"القوه الْغَضَبِيَّة"وهُوَ الَّذِي يُقَاتِلُ لِأَجْلِ الْعَصَبِيَّةِ؛وَالرِّيَاسَةِ؛لَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ كما في الصحيحين قال رسول اللهr(من قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبه،أو يدعو إلى عصبة،أو ينصر عصبة فقُتل فقتلته جاهلية)وَالثَّالِثُ"الْقُوَّة الشهوانيه"مِثْلُ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ لينتهك الأعراض ويَقْتُلُ مَنْ لَقِيَهُ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ؛لِيَأْخُذَ مَالَهُ:فالأول والثاني قِاتَلَهم لطَلَب الدُّنْيَا،وهولاء سَيَكُونُونَ فِي النَّار لِأَنَّهُمْ يُبَاشِرُونَ مَا يُوجِب دُخُولهمْ فِي النار لِقِتَالِهِمْ عَلَى الدُّنْيَا وإتباعهم سبيل الشَّيْطَان وَالْهَوَى لا سبيل الله وقد أخرج البزار زيادة تبين المراد وهي"إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار"قال القرطبي"فبين هذا الحديث:أن القتال إذا كان على جهل من طلب دنيا،أو إتباع هوى،فهو الذي أريد بقولهr"القاتل والمقتول في النار"["الفتح":(13/37ـ38)قال النووي:"وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار"فمحمول على من لا تأويل له،ويكون قتالهما عصبية ونحوها"["مسلم بشرح النووي")]ولا ريب أنه لا تأويل لهؤلاء العسكريين مقبول،ولا عذر لهم في مقاتلة شعوبهم المظلومين وخاصة مع تهافت أدلة الاتهام الباطلة،وإن المنصف ليدرك أي الفريقين على حق الشعب المظلوم أم السلطة والمقصود بالحديث ــ
(القاتل والمقتول في النار)واضح لا لبس فيه وهو كما قال ابن حجر"إن الوعيد المذكور في الحديث يُحمل على مَن قاتل بغير تأويل سائغ،بل بمجرد طلب الملك"وأما من طَالبهُ لأجل الدين بتأويل سائغ وهو إحقاق الحق في إقامة شرع الله عن طريق الملك أو السلطة ثم قُتل فهو شهيد والقاتل في النار كما أتي في الحديث الصحيح"يقول المقتول فيم قتلت هذا؟فيقول في ملك فلان فيبوء بإثمه"والسلطة هي في الحقيقة منصب شرعي ديني لمن تولاها بنية خالصة صالحة وقصد بذلك الإصلاح ونصر الدين وإعزاز أهله،فالسلطة أو الخلافة من أمور الدين بهذا المقصد أما من قصدها من أجل مجرد الملك فقط فهي من أمور الدنيا ولا شك أن الاقتتال على الدنيا يدخُل في النصوص السابقة دخولاً أولياً
بسمه تعالى4 من المقصود بالقاتل والمقتول في النار ثم إن هناك تقييدًا مهمًّا جدًّا في الحديث يُسوِّغ بقوة للمسلمين أن يدافعوا عن حقوقهم,فقد سُئل رسول الله :هذا القاتل, فما بال المقتول؟ فقال"إنه كان حريصًا على قتل صاحبه"قال الإمام النووي:"(إن المقتول في النار لأنه أراد قتل صاحبه)فبيَّن رسول الله أن الآثم هو من كان حريصًا على قتل صاحبه, والحرص اقتران الفعل بالعزم بدون تردد بالسعي إلى القتل، فترتيب الإثم والتوعد على هذا الحرص والعزم المقرون بالفعل ليس مجرد كونه حديث نفس متجاوز عنه، نعم إن كان مجرد هاجس عرض له وزال، أو خاطر بمعنى أنه يتردد في ذهنه،أو مجرد حديث نفس فهذا كله معفوٌ عنه،ما لم يتكلم أو يعمل به فإذا عمل وسعى كان حريصاً على القتل وانتقل من مرتبة حديث النفس إلى مرتبة العزم الذي يقع فيه المؤاخذة،وهو الحرص على القتل،فإن صرفه صارف عن القتل وكان الصارف له الخوف من الله عز وجل فلا شك أنه يثاب على هذا الانصراف؛لأنه تركه من اجل الله -عز وجل-بسبب الخوف والخشية منه سبحانه،وإن كان سببه خوف من الناس أو غير ذلك ولم يستطع القتل فهو مؤاخذ بهذا العزم،ومعاقب به، لكنه دون من قتل بالفعل"وهذه الطائفة المظلومة المقهورة لم تخرج حريصة على قتل الذين تصدوا لها من قوات الشرطة والبلطجية؟ فالجميع رأوهم يخرجون دون سلاح،ولا أي شيء يدافعون به عن أنفسهم وإنما خرجت في مسيرة سلمية تقول للظالمين:"من فضلكم نريد حقوقنا"فكان الردُّ بالرصاص الحي ومُسَيِلات الدموع السامة،وهل ادعى أحدٌ مطلقًا أن هؤلاء الشباب الواعين خرجوا حريصين على قتل الذين تصدوا لهم من قوات الشرطة وهل بعد هذا أقول"المقتول في النار لأنه كان حريص على قتل الجندي ومع هذا فقد حمل الوعيد المذكور في الحديث على من قاتل بغير تأويل سائغ،بل بمجرد طلب الملك للدنيا "أليس هناك تأويل سائغ لهؤلاء الشباب المعتصمين وهو المطالبة بإقامة شرع الله وبحقوقهم المشروعة والمنهوبة؟وبعد فهذه الأدلة قاضية على وجه القطع واليقين بما يلي:1ـحرمة مباشرة القتل ونحوه إذا ما أُكره المسلم على الحضور عند التقاء الصفين قال الرازي"أجمعنا على أن المُكره إذا قَصد قَتْلَهُ "يعني الآمر"فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل2-حرمة مظاهرة الظالمين على المسلمين المظلومين،أو القتال معهم أو تكثر سوادهم وإن كان لا يُراد موافقتهم فأن من كثر سواد قوم في المعصية مختارا لزمته العقوبة معهم قال الإمام النووي:"فأن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا"[بشرح النووي لمسلم":(17/10ـ11)]3ـ التباعد من أهل الظلم،والتحذير من مجالستهم ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين،لئلا يناله ما يعاقبون به وكذا المعاونة،والتأييد على ما يضر بالإسلام وأهله 4-حرمة الانضواء تحت راية عمية، تقاتل عصبية، لهوى أو لملك أو لدنيا،حتى وإن كانت هذه الراية العمية لطائفة مسلمة5-"وَلَوْ تَحَارَبَتْ طَائِفَتَانِ وجب نصر الحق"ذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب عَلَى كُلّ قَادِر الْأَخْذ عَلَى يَد الظالم المبطل وَنَصْر المظلوم الْمُصِيب قال ابن حجر وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور يقول الطبري"لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف وكفّ أيديهم عنهم بأن يقولوا: هذه فتنة، وقد نُهينا عن القتال فيها،لما أقيم حدٌّ،ولا أبطل باطل،ولَوَجَد أهل الفسوق سبيلاً إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الأموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم،وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء"فلو كل إنسان قال:أنا أعتزل الفتن،ويترك الناس الصالحين يُقْتَلُون وخيار الأمة يَعتزلون أهل الحق،تصير الغلبة لأهل الباطل فلا بد من نصره المحق دون تردد وأما إذا اشتبه الأمر ولم يتميز المظلوم المحق من الظالم المبطل فقد جاء في الفتوى:(وأما الحرج الذي يسببه،كون القتال لا تمييز فيه فان المسلم يجب عليه أن ينوي بمساهمته في هذا القتال أن يحق الحق ويبطل الباطل،وان عمله يستهدف منع العدوان على الأبرياء والوصول إلى مرتكبي الجرائم لتقديمهم للعدالة وهذا غاية ما أوتوا من وسيلة لرد العدوان)د.عبدالله الفقيه مركز الفتوى وهذا اخص واشد إذا كان ذلك يترتب على امتناع المسلمين عن القتال في صفوف جيوش المختلفين ضرر على جميع المسلمين في بلادهم ـ وهم ملايين عديدة ـ وكان قتالهم سوف يسبب لهم حرجاً أو أذى جسدياُ ونفسياً فان القاعدة الفقهية تنص على أن«الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام»وأما إذا كانوا غير قادرين على النصرة لضعف إمكاناتهم عن القتال وقلة حيلتهم وعدم استطاعتهم وحدهم منع العدوان أو تحقيق نصرتهم وعدم تمييزهم بين الحق والباطل فالله تعالى"لا يكلف نفساً إلا وسعها"والمقرر عند الفقهاء"أن ما لا يستطيعه المسلم وغير ساقط عنه لا يكلف به"وعلى هذا تُحمل الأحاديث الواردة على المتوقفين في الفتن على هؤلاء ختاماً أقول:لو أن بلادنا كانت مطبقه لحكم الله،وملاذاً آمناً للناس،وموئلاً كافياً،ومنزلاً كريماً ما اضطر كثير منهم لهجرها،وإيثار البلاد الكافرة عليها،وإلى الله المشتكى والحمد لله على كل حال والصلاة والسلام على المصطفى "اللهم بلغت"