السني
14 May 2011, 06:56 PM
رحمك الله أبا عبدالله حياً وميتاً / بقلم : أمين بن عبدالله جعفر
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقة أملاً
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
الحمد لله القائل: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُو, * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ }. وصلى الله على نبينا محمد القائل: " لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل " خرجه البخاري من حديث أبي هريرة,,,, أما بعد :
فمن أين أبدأ ؟ وماذا أقول : تزدحم الكلمات على لساني؛ فيتلعثم بياني, وتضطرب المعاني في مخيلتي؛ فتغشاني غاشيةٌ يتطاير معها راشد الفكر, وتتصارع المشاعر في نفسي؛ فتدور رحى حرب ضروس بين جنبات روحي, أحاول معها جاهداً أن أصل إلى بر الأمان, وأن يرسو فُلكي على شاطئ الطمأنينة, ولكن هيهات هيهات ؟!
أكتب هذه الكلمات تسابق عبراتي عباراتي, وتطغى آهاتي على كلماتي, ولا رقمت حرفاً على رقي إلا وشهقت شهقةً تكاد تتلف معها روحي.
أكتب هذه الكلمات في وداع أبي عبدالله, وقد خالجني حزن عظيمٌ قطَّع نياط قلبي, وألمَّ بي ألمٌ جمٌ ألهب مشاعر وجداني. دمعٌ ملأ المآقي والمحاجر, وأسىً يعتلج في نفوس الأحرار, ولئن سُكِبت عيوننا دمعاً؛ فما على الأبطال تسكب الدموع, وإنَّما نُسبِل الدمع على أنفسنا, أنْ نالَ أسدنا حياة الشهداء, ومتنا نحن بين الأحياء.
أكتب هذه الكلمات بدموع حرى, ولكم وودت أن كنت كتبتها بدمي دون دماء إمامنا المبجل, ولكنْ ما تنفع الأماني والمنى دون المنايا. خليلي لو نفسٌ فدت نفس ميتٍ ** فديتك مسروراً بنفسي وماليا
وقد كنت أرجو أنْ تعيش وأنْ أمتْ ** فحال قضاء الله دون رجائيا
أكتب هذه الكلمات بروحٍ لهول آلامها هي أشلاءٌ ممزقة, ونفسٍ بدماء الحزن مضرجة, وحطام قلبٍ قد سامته الفاجعة خسفاً, تطاردني أسئلة عدةٌ, وتحاصرني تساؤلات متعددةٌ, أحقاً ما يقال ؟ أو صدقاً ما يبث في وسائل الإعلام ؟ أثمَّ حقيقةٌ وسط هذا الضجيج الإعلامي الذي ملأ سمع الكون وبصره؟ اختبأ منها في جنبات روحي الممزقة كالخرقة الخَلِقَة البالية المهترئة مزّقتها مُدى الأماني، وأحرقتها نار المنون, ثم ما ألبث أن أعود إلى حصاتي وأستجمع قواي مردداً : حسبنا الله ونعم الوكيل, مستذكراً قول ربي عز وجل { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.
أكتب هذه الكلمات وأنا أرى ظلالاً من الحزن قد خيمت على الناس فبدلت حلية وجوههم أسىً وحسرة, ذهولٌ مطبق , وألمٌ مستغلق, وحزنٌ عميق بدا جلياً على وجوه وقلوب وعقول من حولي من الناس, وأنا واحدٌ منهم إنْ لم أكن من أشدهم ألماً, وأعمقهم حزناً, فإلى أمة الإسلام ننعي بطلاً فذاً من أبطالها, وطوداً شامخاً من رجالتها, وقمةً سامقةً من عظمائها = ننعي أبا عبدالله أسامة بن محمد بن لادن, والذي ضرب أروع الأمثلة, ودبج أسمى المُثل, فسطَّر تاريخاً مجيداً من العزة والكرامة, من المجد والشرف, من الشهامة والمروءة, من الزهد والورع, من العلم والعمل, من الدعوة والجهاد, من الصبر والثبات, من الإباء والصمود, من البذل والتضحية لأمةٍ رزحت تحت نير الهوان والوهن عقوداً من التاريخ متتابعة.
شيخنا أبو عبدالله أسامة بن محمد بن لادن. الإمام حقا, وشيخ الجهاد صدقا, أسد الإسلام, البطل الهمام، من تجسد المجد, والشهامة, والكرم, والشجاعة؛ فكانت شخوصاً تمشي على الأرض في هذا الزمان، القمة السامقة، الطود الشامخ، الجبل الأشم, مجدد ملة الجهاد في سبيل الله عز وجل في هذا العصر. فرحمك الله أبا عبد الله حياً وميتا.
وإِنَّا لَقَوْمٌ ما نَرَى القَتْلَ سُبَّةً ... إِذا ما رَأَتْهُ عامِرٌ وَسُلُولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوْتِ آجالنَا لَنا ... وتَكْرَهُهُ آجالُهُمْ فتَطُولُ
وما ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتْفَ أَنْفِهِ ... ولا طُلَّ مِنَّا حَيْثُ كانَ قَتِيلُ
تَسِيل على حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسنا ... ولَيْسَتْ على غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
إِذا ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ قامَ سَيِّدٌ ... قَؤُولٌ لِما قال الكِرامُ فَعُولُ
وَأيَّامُنا مَشْهُورَةٌ في عَدُوِّنا ... لَها غُرَرٌ مَعْلُومَةٌ وحُجُولُ
وأَسْيافُنا في كُلِّ شَرْقٍ ومَغْرِبٍ ... بِها مِن قِراعِ الدَّارِعينَ فُلُولُ
مُعَوَّدَةً أَلاَّ تُسَلَّ نِصالُها ... فتُغْمَدَ حتَّى يُسْتَباحَ قَبِيلُ
لقد ودعت أمة الإسلام رجلاً من خيرة رجالاتها، وسيفًا من أشد سيوفها على أعدائها، ولقد ترجّل الفارس الزّاهد العابد المجاهد, وسيفه مسلول علىأمريكا :رأس الكفر, ومنبت الشر, ومنبع الرذيلة, وقمة الخبث, وعنوان الظلم, ورمزالهمجية, فلقد كان رحمه الله سُماًّ زعافاً لأمريكا, ترك في قلبها جرحا غائرا لا يندمل,فقبضه الله إليه, واصطفاه الله تعالى ليكون آخر عمره المليء بالتضحيةوالجهاد شهادةً في سبيله, ولتُطوى بذلك صفحةٌ مشرقةٌ, أسطرهاكُتبت بمداد الدم, وكلماتها رُسمت بنور اليقين. ( ثم رحـل الأسـد.. والعالـم بأسـره يقـف فـي مقـام الهيبة والإجـلال، وحتى عامّـة أعدائـه. رحل من إذا ذُكـر اسمه ذكر الجهاد والقتال في سبيل الله,ذكرت التضحيةبكلِّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى, ذكرالثبات، والصبر، و المثابرة على الطريق، مهما طال الزمن، وعظمـت الصعاب،وتكالب الأعداء، وتخاذل الأقربـاء، واشتدَّتالمحـن, ذكرت روعـة التحـدِّي للأعداء رغم ضآلة الإمكاناتفي مقابل قـوِّة العدوِّ, ذكرت شـدّة العزيمة في إدارةهذا التحـدّي، والصلابـة التي لا تلين في جميـع المراحـل، وإلى نهاية المطـاف,ذكر الإخلاص لله تعالى في نصرة الدين، فلم يكن يهتم باسترضاءأحـدٍ إلاّ الله، وقد كان يقف الموقف الحـقَّ الذي يتطلَّبـه دينه، ولو اجتمععليـه الناسُ كلُّهم، ولهذا كثيـراً ما كان يردد الحديث : ( واعلم أنَّ الأمة لواجتمعت على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك ) ، فكان يخرج منأعماق قلبه ، لا يرتاب في ذلك سامعه.
لقد كان أسامة رحمه اللهقليل الكلام، غير أنـَّه إذا تكلَّم سمـع كلامه العالم أجمـع، واستعـد لما بعده!
وكان أسامـة هادئ الطبـاع، غيـر أنه إذا زأر للإسلاماهتزت الأرض من تحت أقدام الغـرب، وتزلـزلت الدول العظمـى، وارتدعت من تداعياتذلك الهـدوء الصارم المدمّـر لقد كان رجلاً صالحـاً, كثيـرَ الصمت، شغوفـاً بتلاوة القرآن،دائم العبـادة ، دمث الأخلاق, محبـَّا للإنفاق، ينفق من ماله في سبيل الله حتى يُلام فلا يلتفت إلىلوم لائمِه، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقـر، عطاء موقن بأنَّ الرزق فيالسماء, لقد صنع صرح العزّةفي زمن القهر، والذل، وعرَّى أعداء الإسلام؛ فكشف ضعفهم، وزيفهم،وكذبهم، ونفاقهـم، وأعاد للأمـة الإسلامية ثقتها بنفسها.
هكذا كان شيخنا الأسد .. وكل من يتأمَّـل سيرته، يعلم أنها سيرة منيستعملهم الله!) (1)
ولئن قتل أسامة بن لادن على يدي أعداء الله من الكفار والمشركين, فلقد قتل قبله على أيدي الأعداء من الكفار والمشركين يحي بن زكريا عليه السلام, وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه, وعمر بن الخطاب رضي الله عنه, وغيرهم كثير.
ولئن قتل فلقد قتل شهيداً ونال ما تمنى. وهي القتلة التي ظل عمره يطلبها مظانها - كيف لا وهي أكرم ميتة يرجوها الفتى - حتى أكرم الله بها واتخذه الله عنده شهيداً – نحسبه كذلك, ولا نزكي على الله أحدا -, { هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139 ) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }, ورضي الله عن الزبير بن العوام حين قال : ( نحن أمة لا نموت إلا قتلاً فمالي أرى الفرش قد كثر عليها الموتى ) حقاً : لقد فزتَ أبا عبدالله ورب الكعبة. فهنيئاً لك أبا عبدالله الشهادة فلقد نلت ما تمنيت, ولقد أنضم إلى ركب الشهداء وقافلة الشهداء علمٌ جديدٌ من أعلامها وبطلٌ همامٌ من أبطالها.
ولئن مات أسامة فلقد مات قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعندها صدع الناسَ أبو بكرٍ بقولته الشهيرة حين قام فيهم خطيباً برباطة جأش وثبات قلب فقال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت, { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ }.
( فهنيئاً لأمة الإسلام باستشهادِ ابنها البارّ أسامة، فبعد حياةٍ حافلةٍ بالجدِ والجهد، والعزيمة والصبر، والتحريض والجهاد، والجود والكرم، والهجرة والأسفار، والنُّصح وحسن التدبير، والحكمة والحنكة -طُوِيَ عُمُر شيخ الجهاد في هذا العصر لتبقى دماؤه وكلماتُه ومواقفه وخاتمتُه روحاً تسري في أوصال أجيال أمتنا الإسلاميةِ جيلاً بعد جيلٍ، وقد تعلَّموا منه أن الأمجادَ لا تبنى بالأماني والآمال، وأن القيادةَ ليست مناصِبَ ونياشين، والعقائدَ والمبادئ ليست مجرَّد كلماتٍ منمَّقة تلوكها الألسن، وأن الدينَ لا يُنصَرُ بفضولِ الأوقاتِ والأعمالِ والأقوال، وأن سبيل العزِّ-في الدنيا والآخرة- مفتوحٌ لِمن أراد أن يدفع ضريبته ويتحمَّل تبعته، وأن الإمامةَ في الدينِ لا تنالُ إلا بالصبر واليقينِ، وأنَّ رأس مال المرء هو الصدقُ والإخلاص.
إن الشيخ أسامةَ بن لادن رحمه الله رجلٌ مسلمٌ من هذه الأمة المسلمة الكريمةِ أخذَ الكتابَ بقوةٍ وباع الدنيا بالآخرةِ وسعى لها سعيها كما نحسبه، فرفعه الله لما رفع دينه، وأعزه لما سعى لإعزاز كلمته، وأرعب به أمم الكفر كلَّها لما لم يخف إلا ربَّه، وإن الأمة التي أنجبت أسامة لأمة ولودٌ منجبة، وليأتينَّ منها من الرجالِ والأبطالِ أمثاُله وأمثاُله، ممن يستلذون التضحية ويستعذبون الصبر وينغصون عيش أعدائهم ويفتحون عليهم أبواب الجحيمِ أو يقودونهم إلى الجنةِ بالسلاسل؛ فجامعة الإيمان والقرآن والجهاد التي خرَّجت الشيخ أسامة بن لادن لم ولن توصد أبوابها، فكتابُ الله محفوظٌ وآياته تتلى آناء الليل وأطراف النهار ولن تمحى ولو اجتمع عليها من بأقطارها، كيف وأمتُنا المسلمةُ اليومَ أشدُّ إقبالا على دينها وتضحيةً من أجل عقيدتها وقوةً في مواجهة أعدائها وإدراكاً لحقيقة ما يُكاد لها، بعد أن نشأ فيها جيلٌ تقيٌّ نقيٌّ ساهم الشيخُ أسامة رحمه الله مساهمة طيبةً في غرسه مع سائر إخوانه من القادة الأبرار والدعاة الصالحين الأخيار، جيلٌ يستعلي بإيمانه ويعتزُّ بإسلامه ويحتقرُ الغربَ الكافرَ ويزدري حضارته الزائفة حضارة المجون والخنا والانحلال والدجل، جيلٌ يتخذُ مقتلَ قادته مغنماً لتوطيد ولائه للدينِ لا مغرماً ينتكسُ به على عقبيه، مردِّدين بإيمان ويقينٍ قولَ الله تعالى : {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
ولو كان نور الإسلام والجهاد يمكن أن ينطفئَ بمقتلِ أو موتِ أحدٍ لذهبَ يوم أن مات سيِّدُ الخلقِ محمد صلى الله عليه وسلم وارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب، أو لطويت صفحتُهُ يوم أن تضرَّج أمير المؤمنين عمر بدمه في محرابه، وعثمانُ عند مصحفه، وعليٌّ في طريقه رضي الله عنهم أجمعين، وكم وكم من القادة الذينَ ساروا على هديهم وقد ملئوا الأرضَ شرقاً وغرباً بذكرهم وفتوحاتهم وجهادهم فما خفَتَ نورُ الحق بمقتلهم ولا تراجع أتباعهم بغيابهم، بل ازدادوا بقتلهم غيظاً على أعدائهم وإصراراً على أخذِ ثأرهم ورايةُ الحقِّ بأيدهم وهم يتلون قولَ ربهم : {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.) (2)
وأمَّا أنت يا شيخنا أبا عبد الله فماذا عسانا أنْ نقول! فيكفي أنك في حياتك أرغمت أنوف عباد الصليب وأذنابهم، وأنموتك دق ناقوس الخوف والرعب في قلوبهم، ولقد ذكرتنا يا ليث الإسلام بأبطالنا الأُّول الذين سقت دماؤهم روابي الشرق والغرب، ومُزجت مياه البحر بأجسامهم الطاهرة، وهكذا كنت في حياتك و هكذا كان مماتك فلقد خافوا أن يدفنوك على ظهر الأرض كي لا يذكرهم قبرك بجهادك فرموك في البحر؛ لتحكي أمواج البحر بطولاتك، وكلما مرَّ مارٌّ على أي ساحلٍ في أي بلدٍ فستهمس نسمات البحر بأنها تضم جسدك النحيل الذي قضى في سبيل الله، لقد أرادوا أن تمحو مياهه أسطورتك، لكنها ستكتب على كل شواطئ الدنيا حكايتك.
حقاً. إن أسامة لم يكن سوى لؤلؤة عاشت بيننا حينا من الدهر ثم ردها اللهإلى صدفها ليبعث يوم القيامة مع أكابر الشهداء الذين يحشرون من بطون السباعوالوحوش والحيتان.
ولئن يستشهد هذا البطل فليس بعجب من الأمر, ولكن العجب كل العجب أنْ لا تعلم الأمة بقادتها, بل لا تعرفهم إلا على الضد من ذلك, بل ينبري نفرٌ ممن امتلأت قلوبهم بالنفاق إلى الثمالة فيتباشرون بمقتل مجاهدٍ أسد صد عادية الكفر عن بلاد الإسلام فرحاً بمقتله, وسروراً بنهايته, فنقول لهؤلاء: أربعوا على أنفسكم, فوالذي نفسي بيده إنَّ الذي فرحتم به هو غاية ما نريد من هذه الحياة وهو أحدى الحسنيين التي وعدنا الله إياها فهي موعود الله لنا نصرٌ أو شهادة { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ }.
فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة, والشيخ أسامة إن قُتل فهو شهيدٌ في سبيل الله، وإن مات فلقد مات في سبيل الله, وما هو إلا رجلٌ من رجالات الإسلام قد أدى ما أوجب الله عليه من جهاد أعداء الإسلام، وقد قام في الأمة مقاماً عظيماً، وكان له في ذلك دوراً تاريخياً مشهوداً ستقرئه الأجيال من بعده, ولن يذكروه إلا بالقول الجميل والثناء العاطر, وسيلقى ربه عز وجل بما قدم من أعمالٍ جليلةٍ نصرةً للإسلام, وانتصاراً لأمة الإسلام, وإنْ كان ثمة عزاء, فلا عزاء إلا على أنفسنا, وإخلادنا إلى الأرض, وركوننا إلى الحياة الدنيا، فإنْ أردنا أن نعزي فلنعزي أنفسنا بأننا لم نقم مقام الأبطال.
وأما أنت يا أسامة. يا شامةً في جبين العز. فماذا عساي أن أقول, فلقد عشت حراً في زمن الأذلاء، مقداماً في زمن الجبناء, رأساً في زمن الأذناب, ومت لتعيش حياة السعداء.
كذا فليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ ... فليسَ لعينٍ لم يفضْ ماؤُها عذرُ
ونفسٌ تعافُ العارَ حتَّى كأنَّه ... هو الكفرُ يومَ الرَّوعِ أو دونَهُ الكفرُ
فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلهُ ... وقال لها: من تحتِ أخمصكِ الحشرُ
غَدَا غَدْوَة ً والحَمْدُ نَسْجُ رِدائِهِ ... فلم ينصرفْ إلا وأكفانُه الأجرُ
تردَّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتى ... لها اللَّيلُ إلاَّ وهي من سُندسٍ خضرُ
فتًى كانَ عذب الرّوح لا من غضاضةٍ ... ولكنّ كبراً أن يكونَ به كِبرُ
فتًى سلبتهُ الخيلُ وهو حمًى لها ... وبَزّته نار الحرب وهو لها جمرُ
وقد كانت البِيض المآثر في الوغى ... بواتِر فهي الآن من بعده بُتْرُ
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبق روضةٌ ... غداةَ ثوى إلاَّ اشتهتْ أنَّها قبرُ
عليكَ سلام الله وقفاً فإنَّني ... رأيتُ الكريمَ الحُرَّ ليسَ لهُ عمرُ
اللهم ارحـم شيخنا الأسد أسامة بن لادن برحمتـك الواسعة، وأسكنه فسيح جناتك، وارفع درجته فيالمهديين، مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين, واستعملنا في نصرة هذا الدين، واجعلنا من جنود الإسلام،وثبتنا على طريق الجهـاد، واختـم لنا بالشهادة في سبيلكيا رب العالمين.
(1) من مقال : إرتقاء الأسد / للشيخ : حامد العلي , بتصرفٍ شديد .
(2) من بيان تنظيم قاعدة الجهاد – القيادة العامة , عشت حميداً ومت شهيداً , بتصرف .
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقة أملاً
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
الحمد لله القائل: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُو, * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ }. وصلى الله على نبينا محمد القائل: " لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل " خرجه البخاري من حديث أبي هريرة,,,, أما بعد :
فمن أين أبدأ ؟ وماذا أقول : تزدحم الكلمات على لساني؛ فيتلعثم بياني, وتضطرب المعاني في مخيلتي؛ فتغشاني غاشيةٌ يتطاير معها راشد الفكر, وتتصارع المشاعر في نفسي؛ فتدور رحى حرب ضروس بين جنبات روحي, أحاول معها جاهداً أن أصل إلى بر الأمان, وأن يرسو فُلكي على شاطئ الطمأنينة, ولكن هيهات هيهات ؟!
أكتب هذه الكلمات تسابق عبراتي عباراتي, وتطغى آهاتي على كلماتي, ولا رقمت حرفاً على رقي إلا وشهقت شهقةً تكاد تتلف معها روحي.
أكتب هذه الكلمات في وداع أبي عبدالله, وقد خالجني حزن عظيمٌ قطَّع نياط قلبي, وألمَّ بي ألمٌ جمٌ ألهب مشاعر وجداني. دمعٌ ملأ المآقي والمحاجر, وأسىً يعتلج في نفوس الأحرار, ولئن سُكِبت عيوننا دمعاً؛ فما على الأبطال تسكب الدموع, وإنَّما نُسبِل الدمع على أنفسنا, أنْ نالَ أسدنا حياة الشهداء, ومتنا نحن بين الأحياء.
أكتب هذه الكلمات بدموع حرى, ولكم وودت أن كنت كتبتها بدمي دون دماء إمامنا المبجل, ولكنْ ما تنفع الأماني والمنى دون المنايا. خليلي لو نفسٌ فدت نفس ميتٍ ** فديتك مسروراً بنفسي وماليا
وقد كنت أرجو أنْ تعيش وأنْ أمتْ ** فحال قضاء الله دون رجائيا
أكتب هذه الكلمات بروحٍ لهول آلامها هي أشلاءٌ ممزقة, ونفسٍ بدماء الحزن مضرجة, وحطام قلبٍ قد سامته الفاجعة خسفاً, تطاردني أسئلة عدةٌ, وتحاصرني تساؤلات متعددةٌ, أحقاً ما يقال ؟ أو صدقاً ما يبث في وسائل الإعلام ؟ أثمَّ حقيقةٌ وسط هذا الضجيج الإعلامي الذي ملأ سمع الكون وبصره؟ اختبأ منها في جنبات روحي الممزقة كالخرقة الخَلِقَة البالية المهترئة مزّقتها مُدى الأماني، وأحرقتها نار المنون, ثم ما ألبث أن أعود إلى حصاتي وأستجمع قواي مردداً : حسبنا الله ونعم الوكيل, مستذكراً قول ربي عز وجل { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.
أكتب هذه الكلمات وأنا أرى ظلالاً من الحزن قد خيمت على الناس فبدلت حلية وجوههم أسىً وحسرة, ذهولٌ مطبق , وألمٌ مستغلق, وحزنٌ عميق بدا جلياً على وجوه وقلوب وعقول من حولي من الناس, وأنا واحدٌ منهم إنْ لم أكن من أشدهم ألماً, وأعمقهم حزناً, فإلى أمة الإسلام ننعي بطلاً فذاً من أبطالها, وطوداً شامخاً من رجالتها, وقمةً سامقةً من عظمائها = ننعي أبا عبدالله أسامة بن محمد بن لادن, والذي ضرب أروع الأمثلة, ودبج أسمى المُثل, فسطَّر تاريخاً مجيداً من العزة والكرامة, من المجد والشرف, من الشهامة والمروءة, من الزهد والورع, من العلم والعمل, من الدعوة والجهاد, من الصبر والثبات, من الإباء والصمود, من البذل والتضحية لأمةٍ رزحت تحت نير الهوان والوهن عقوداً من التاريخ متتابعة.
شيخنا أبو عبدالله أسامة بن محمد بن لادن. الإمام حقا, وشيخ الجهاد صدقا, أسد الإسلام, البطل الهمام، من تجسد المجد, والشهامة, والكرم, والشجاعة؛ فكانت شخوصاً تمشي على الأرض في هذا الزمان، القمة السامقة، الطود الشامخ، الجبل الأشم, مجدد ملة الجهاد في سبيل الله عز وجل في هذا العصر. فرحمك الله أبا عبد الله حياً وميتا.
وإِنَّا لَقَوْمٌ ما نَرَى القَتْلَ سُبَّةً ... إِذا ما رَأَتْهُ عامِرٌ وَسُلُولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوْتِ آجالنَا لَنا ... وتَكْرَهُهُ آجالُهُمْ فتَطُولُ
وما ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ حَتْفَ أَنْفِهِ ... ولا طُلَّ مِنَّا حَيْثُ كانَ قَتِيلُ
تَسِيل على حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسنا ... ولَيْسَتْ على غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
إِذا ماتَ مِنَّا سَيِّدٌ قامَ سَيِّدٌ ... قَؤُولٌ لِما قال الكِرامُ فَعُولُ
وَأيَّامُنا مَشْهُورَةٌ في عَدُوِّنا ... لَها غُرَرٌ مَعْلُومَةٌ وحُجُولُ
وأَسْيافُنا في كُلِّ شَرْقٍ ومَغْرِبٍ ... بِها مِن قِراعِ الدَّارِعينَ فُلُولُ
مُعَوَّدَةً أَلاَّ تُسَلَّ نِصالُها ... فتُغْمَدَ حتَّى يُسْتَباحَ قَبِيلُ
لقد ودعت أمة الإسلام رجلاً من خيرة رجالاتها، وسيفًا من أشد سيوفها على أعدائها، ولقد ترجّل الفارس الزّاهد العابد المجاهد, وسيفه مسلول علىأمريكا :رأس الكفر, ومنبت الشر, ومنبع الرذيلة, وقمة الخبث, وعنوان الظلم, ورمزالهمجية, فلقد كان رحمه الله سُماًّ زعافاً لأمريكا, ترك في قلبها جرحا غائرا لا يندمل,فقبضه الله إليه, واصطفاه الله تعالى ليكون آخر عمره المليء بالتضحيةوالجهاد شهادةً في سبيله, ولتُطوى بذلك صفحةٌ مشرقةٌ, أسطرهاكُتبت بمداد الدم, وكلماتها رُسمت بنور اليقين. ( ثم رحـل الأسـد.. والعالـم بأسـره يقـف فـي مقـام الهيبة والإجـلال، وحتى عامّـة أعدائـه. رحل من إذا ذُكـر اسمه ذكر الجهاد والقتال في سبيل الله,ذكرت التضحيةبكلِّ ما تحمل هذه الكلمة من معنى, ذكرالثبات، والصبر، و المثابرة على الطريق، مهما طال الزمن، وعظمـت الصعاب،وتكالب الأعداء، وتخاذل الأقربـاء، واشتدَّتالمحـن, ذكرت روعـة التحـدِّي للأعداء رغم ضآلة الإمكاناتفي مقابل قـوِّة العدوِّ, ذكرت شـدّة العزيمة في إدارةهذا التحـدّي، والصلابـة التي لا تلين في جميـع المراحـل، وإلى نهاية المطـاف,ذكر الإخلاص لله تعالى في نصرة الدين، فلم يكن يهتم باسترضاءأحـدٍ إلاّ الله، وقد كان يقف الموقف الحـقَّ الذي يتطلَّبـه دينه، ولو اجتمععليـه الناسُ كلُّهم، ولهذا كثيـراً ما كان يردد الحديث : ( واعلم أنَّ الأمة لواجتمعت على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك ) ، فكان يخرج منأعماق قلبه ، لا يرتاب في ذلك سامعه.
لقد كان أسامة رحمه اللهقليل الكلام، غير أنـَّه إذا تكلَّم سمـع كلامه العالم أجمـع، واستعـد لما بعده!
وكان أسامـة هادئ الطبـاع، غيـر أنه إذا زأر للإسلاماهتزت الأرض من تحت أقدام الغـرب، وتزلـزلت الدول العظمـى، وارتدعت من تداعياتذلك الهـدوء الصارم المدمّـر لقد كان رجلاً صالحـاً, كثيـرَ الصمت، شغوفـاً بتلاوة القرآن،دائم العبـادة ، دمث الأخلاق, محبـَّا للإنفاق، ينفق من ماله في سبيل الله حتى يُلام فلا يلتفت إلىلوم لائمِه، ويعطي عطاء من لا يخشى الفقـر، عطاء موقن بأنَّ الرزق فيالسماء, لقد صنع صرح العزّةفي زمن القهر، والذل، وعرَّى أعداء الإسلام؛ فكشف ضعفهم، وزيفهم،وكذبهم، ونفاقهـم، وأعاد للأمـة الإسلامية ثقتها بنفسها.
هكذا كان شيخنا الأسد .. وكل من يتأمَّـل سيرته، يعلم أنها سيرة منيستعملهم الله!) (1)
ولئن قتل أسامة بن لادن على يدي أعداء الله من الكفار والمشركين, فلقد قتل قبله على أيدي الأعداء من الكفار والمشركين يحي بن زكريا عليه السلام, وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه, وعمر بن الخطاب رضي الله عنه, وغيرهم كثير.
ولئن قتل فلقد قتل شهيداً ونال ما تمنى. وهي القتلة التي ظل عمره يطلبها مظانها - كيف لا وهي أكرم ميتة يرجوها الفتى - حتى أكرم الله بها واتخذه الله عنده شهيداً – نحسبه كذلك, ولا نزكي على الله أحدا -, { هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139 ) إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }, ورضي الله عن الزبير بن العوام حين قال : ( نحن أمة لا نموت إلا قتلاً فمالي أرى الفرش قد كثر عليها الموتى ) حقاً : لقد فزتَ أبا عبدالله ورب الكعبة. فهنيئاً لك أبا عبدالله الشهادة فلقد نلت ما تمنيت, ولقد أنضم إلى ركب الشهداء وقافلة الشهداء علمٌ جديدٌ من أعلامها وبطلٌ همامٌ من أبطالها.
ولئن مات أسامة فلقد مات قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعندها صدع الناسَ أبو بكرٍ بقولته الشهيرة حين قام فيهم خطيباً برباطة جأش وثبات قلب فقال : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت, { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ }.
( فهنيئاً لأمة الإسلام باستشهادِ ابنها البارّ أسامة، فبعد حياةٍ حافلةٍ بالجدِ والجهد، والعزيمة والصبر، والتحريض والجهاد، والجود والكرم، والهجرة والأسفار، والنُّصح وحسن التدبير، والحكمة والحنكة -طُوِيَ عُمُر شيخ الجهاد في هذا العصر لتبقى دماؤه وكلماتُه ومواقفه وخاتمتُه روحاً تسري في أوصال أجيال أمتنا الإسلاميةِ جيلاً بعد جيلٍ، وقد تعلَّموا منه أن الأمجادَ لا تبنى بالأماني والآمال، وأن القيادةَ ليست مناصِبَ ونياشين، والعقائدَ والمبادئ ليست مجرَّد كلماتٍ منمَّقة تلوكها الألسن، وأن الدينَ لا يُنصَرُ بفضولِ الأوقاتِ والأعمالِ والأقوال، وأن سبيل العزِّ-في الدنيا والآخرة- مفتوحٌ لِمن أراد أن يدفع ضريبته ويتحمَّل تبعته، وأن الإمامةَ في الدينِ لا تنالُ إلا بالصبر واليقينِ، وأنَّ رأس مال المرء هو الصدقُ والإخلاص.
إن الشيخ أسامةَ بن لادن رحمه الله رجلٌ مسلمٌ من هذه الأمة المسلمة الكريمةِ أخذَ الكتابَ بقوةٍ وباع الدنيا بالآخرةِ وسعى لها سعيها كما نحسبه، فرفعه الله لما رفع دينه، وأعزه لما سعى لإعزاز كلمته، وأرعب به أمم الكفر كلَّها لما لم يخف إلا ربَّه، وإن الأمة التي أنجبت أسامة لأمة ولودٌ منجبة، وليأتينَّ منها من الرجالِ والأبطالِ أمثاُله وأمثاُله، ممن يستلذون التضحية ويستعذبون الصبر وينغصون عيش أعدائهم ويفتحون عليهم أبواب الجحيمِ أو يقودونهم إلى الجنةِ بالسلاسل؛ فجامعة الإيمان والقرآن والجهاد التي خرَّجت الشيخ أسامة بن لادن لم ولن توصد أبوابها، فكتابُ الله محفوظٌ وآياته تتلى آناء الليل وأطراف النهار ولن تمحى ولو اجتمع عليها من بأقطارها، كيف وأمتُنا المسلمةُ اليومَ أشدُّ إقبالا على دينها وتضحيةً من أجل عقيدتها وقوةً في مواجهة أعدائها وإدراكاً لحقيقة ما يُكاد لها، بعد أن نشأ فيها جيلٌ تقيٌّ نقيٌّ ساهم الشيخُ أسامة رحمه الله مساهمة طيبةً في غرسه مع سائر إخوانه من القادة الأبرار والدعاة الصالحين الأخيار، جيلٌ يستعلي بإيمانه ويعتزُّ بإسلامه ويحتقرُ الغربَ الكافرَ ويزدري حضارته الزائفة حضارة المجون والخنا والانحلال والدجل، جيلٌ يتخذُ مقتلَ قادته مغنماً لتوطيد ولائه للدينِ لا مغرماً ينتكسُ به على عقبيه، مردِّدين بإيمان ويقينٍ قولَ الله تعالى : {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
ولو كان نور الإسلام والجهاد يمكن أن ينطفئَ بمقتلِ أو موتِ أحدٍ لذهبَ يوم أن مات سيِّدُ الخلقِ محمد صلى الله عليه وسلم وارتدَّ مَن ارتدَّ من العرب، أو لطويت صفحتُهُ يوم أن تضرَّج أمير المؤمنين عمر بدمه في محرابه، وعثمانُ عند مصحفه، وعليٌّ في طريقه رضي الله عنهم أجمعين، وكم وكم من القادة الذينَ ساروا على هديهم وقد ملئوا الأرضَ شرقاً وغرباً بذكرهم وفتوحاتهم وجهادهم فما خفَتَ نورُ الحق بمقتلهم ولا تراجع أتباعهم بغيابهم، بل ازدادوا بقتلهم غيظاً على أعدائهم وإصراراً على أخذِ ثأرهم ورايةُ الحقِّ بأيدهم وهم يتلون قولَ ربهم : {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.) (2)
وأمَّا أنت يا شيخنا أبا عبد الله فماذا عسانا أنْ نقول! فيكفي أنك في حياتك أرغمت أنوف عباد الصليب وأذنابهم، وأنموتك دق ناقوس الخوف والرعب في قلوبهم، ولقد ذكرتنا يا ليث الإسلام بأبطالنا الأُّول الذين سقت دماؤهم روابي الشرق والغرب، ومُزجت مياه البحر بأجسامهم الطاهرة، وهكذا كنت في حياتك و هكذا كان مماتك فلقد خافوا أن يدفنوك على ظهر الأرض كي لا يذكرهم قبرك بجهادك فرموك في البحر؛ لتحكي أمواج البحر بطولاتك، وكلما مرَّ مارٌّ على أي ساحلٍ في أي بلدٍ فستهمس نسمات البحر بأنها تضم جسدك النحيل الذي قضى في سبيل الله، لقد أرادوا أن تمحو مياهه أسطورتك، لكنها ستكتب على كل شواطئ الدنيا حكايتك.
حقاً. إن أسامة لم يكن سوى لؤلؤة عاشت بيننا حينا من الدهر ثم ردها اللهإلى صدفها ليبعث يوم القيامة مع أكابر الشهداء الذين يحشرون من بطون السباعوالوحوش والحيتان.
ولئن يستشهد هذا البطل فليس بعجب من الأمر, ولكن العجب كل العجب أنْ لا تعلم الأمة بقادتها, بل لا تعرفهم إلا على الضد من ذلك, بل ينبري نفرٌ ممن امتلأت قلوبهم بالنفاق إلى الثمالة فيتباشرون بمقتل مجاهدٍ أسد صد عادية الكفر عن بلاد الإسلام فرحاً بمقتله, وسروراً بنهايته, فنقول لهؤلاء: أربعوا على أنفسكم, فوالذي نفسي بيده إنَّ الذي فرحتم به هو غاية ما نريد من هذه الحياة وهو أحدى الحسنيين التي وعدنا الله إياها فهي موعود الله لنا نصرٌ أو شهادة { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ }.
فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة, والشيخ أسامة إن قُتل فهو شهيدٌ في سبيل الله، وإن مات فلقد مات في سبيل الله, وما هو إلا رجلٌ من رجالات الإسلام قد أدى ما أوجب الله عليه من جهاد أعداء الإسلام، وقد قام في الأمة مقاماً عظيماً، وكان له في ذلك دوراً تاريخياً مشهوداً ستقرئه الأجيال من بعده, ولن يذكروه إلا بالقول الجميل والثناء العاطر, وسيلقى ربه عز وجل بما قدم من أعمالٍ جليلةٍ نصرةً للإسلام, وانتصاراً لأمة الإسلام, وإنْ كان ثمة عزاء, فلا عزاء إلا على أنفسنا, وإخلادنا إلى الأرض, وركوننا إلى الحياة الدنيا، فإنْ أردنا أن نعزي فلنعزي أنفسنا بأننا لم نقم مقام الأبطال.
وأما أنت يا أسامة. يا شامةً في جبين العز. فماذا عساي أن أقول, فلقد عشت حراً في زمن الأذلاء، مقداماً في زمن الجبناء, رأساً في زمن الأذناب, ومت لتعيش حياة السعداء.
كذا فليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ ... فليسَ لعينٍ لم يفضْ ماؤُها عذرُ
ونفسٌ تعافُ العارَ حتَّى كأنَّه ... هو الكفرُ يومَ الرَّوعِ أو دونَهُ الكفرُ
فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلهُ ... وقال لها: من تحتِ أخمصكِ الحشرُ
غَدَا غَدْوَة ً والحَمْدُ نَسْجُ رِدائِهِ ... فلم ينصرفْ إلا وأكفانُه الأجرُ
تردَّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتى ... لها اللَّيلُ إلاَّ وهي من سُندسٍ خضرُ
فتًى كانَ عذب الرّوح لا من غضاضةٍ ... ولكنّ كبراً أن يكونَ به كِبرُ
فتًى سلبتهُ الخيلُ وهو حمًى لها ... وبَزّته نار الحرب وهو لها جمرُ
وقد كانت البِيض المآثر في الوغى ... بواتِر فهي الآن من بعده بُتْرُ
مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبق روضةٌ ... غداةَ ثوى إلاَّ اشتهتْ أنَّها قبرُ
عليكَ سلام الله وقفاً فإنَّني ... رأيتُ الكريمَ الحُرَّ ليسَ لهُ عمرُ
اللهم ارحـم شيخنا الأسد أسامة بن لادن برحمتـك الواسعة، وأسكنه فسيح جناتك، وارفع درجته فيالمهديين، مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين, واستعملنا في نصرة هذا الدين، واجعلنا من جنود الإسلام،وثبتنا على طريق الجهـاد، واختـم لنا بالشهادة في سبيلكيا رب العالمين.
(1) من مقال : إرتقاء الأسد / للشيخ : حامد العلي , بتصرفٍ شديد .
(2) من بيان تنظيم قاعدة الجهاد – القيادة العامة , عشت حميداً ومت شهيداً , بتصرف .