مرشد الخير
18 May 2011, 11:43 AM
الـحُـرِّيـَّة تمت الإضافة بتاريخ : 17/05/2011م
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]فضيلة الشيخ : عبد الرقيب عباد
الحمد لله، اللهم إني أحمدك وأنت المحمود وأنت للحمد أهل، وأشكرك وأنت المشكور وأنت للشكر أهل، لك الحمد حمداً طيباً كثيراً دائماً مثلما حمدت به نفسك حمداً خالداً خلودك، وباقيا مع بقائك. الحمد لله على كل حال، اللهم لك الحمد حتى ترضى فإذا رضيت فلك الحمد على رضاك، الحمد لله لا نذكر منك إلا الجميل، ولم نر منك إلا التفضيل، خيرك لنا شامل، وصنعك لنا كامل، ولطفك بنا كافل، وبرك لنا غامر، وفضلك علينا دائم متواتر، نعمك عندنا متصلة وآلاؤك لنا غامرة وجودك لنا عميم، أمَّنت خوفنا وصدقت رجاءنا وحققت آمالنا وصحبتنا في أسفارنا وعافيت أجسادنا وشفيت أمراضنا وكبتّ أعداءنا ولم تشمت بنا حُسادنا ورميت مَن رمانا بالسوء وكفيتنا شر مَن عادانا.. فلك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت..
سبحانك تواضعت الملوك لهيبتك وعنت الوجوه بذلة الاستكانة لعزتك، وانقاد كل شيء لعظمتك، سبحانك وبحمدك واستسلم كل شيء لقدرتك، فلا إله إلا أنت سبحانك، إنا كنا من الظالمين.
عن كل وجهٍ قد صرفت عبادتي*** وعبدت وجهك وحده مختارا
منك الوجود بدايةٌ وإليك **** بَعدُ نهاية و بك استقر قرارا
أنت الموحد صانعاً ومدبراً **** تهب الحياة وتمسك الأقدارا
لله سبح في السماوات العلى ***** والأرض ما يبدو وما يتوارى
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين..
يا رب.. صلّ عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين ونحن معهم برحمةٍ منك يا رب العالمين ويا أرحمن الراحمين ويا حرز اللاجئين ويا أمان الخائفين اشملنا برحمتك وأنت أرحم الراحمين.
أما بعد: أيها الأحبة:
تحدثت عن المساواة كمبدأ من مبادئ الإسلام واليوم نتحدث عن الحرية، الحرية مبدأ من مبادئ الإنسانية وقيمة من قيم الإسلام السامقة، الحرية كلمة رائعة وغاية عظيمة وهدف نبيلٌ شريف، الحرية تعشقها الطيور في جو السماء، ويناضل من أجلها المصلحون..
من أجل الحرية خاضت الشعوب معارك كثيرةٍ دامية، من أجل الحرية تدفع الشعوب بأكرم شهدائها وأكرم أبنائها وتدفع أغلى أموالها ومدنها وبيوتها..
وفي إسلامنا في ديننا كانت بدرٌ وأحدٌ والخندق وهوازن وحنين وفتح مكة كلها من أجل الحرية.. نعم من أجل حرية العقيدة التي منعتها قريش عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، حرية العقيدة التي منعتها قريش عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقاتل من أجلها الحبيب المصطفى.
وليست معاركنا بعدُ في القادسية واليرموك والنهروين إلا من أجل تحرير الشعوب من عبودية العبيد إلى عبودية رب العبيد - ومسبب الأسباب سبحانه وتعالى- واستبداد الظلمة والمسرفين والمفسدين في الأرض بغيرهم من الصلحاء الذين يسيرون على نهج الله سبحانه وتعالى.
وليست معاركنا ضد الصليبية الجائرة إلا معاركاً من أجل الحرية دفاعاً عن الأوطان وعن العقائد والحضارات، وليست معاركنا مع الاستعمار المعاصر في المغرب وليبيا ومصر والعراق وغيرها إلا تحريراً من الاستعمار الذي يصادر الحرية، وما جهاد إخواننا اليوم في حماس في فلسطين واستشهاد الشيخ أحمد ياسين إلا من أجل حرية فلسطين، وما جهاد إخواننا في العراق إلا من أجل إزالة هذا الكابوس الذي جثا على أرض دجلة والفرات، وما جهاد إخواننا في الأفغان وكشمير وبورما وغيرها من الدول إلا من أجل الانعتاق من الاستبداد من أجل الحرية، وما نضال المصلحين هنا وفي كل قطر من أقطار الدول العربية والإسلامية إلا من أجل الحرية.
نعم حرية العبادة حرية الفكر حرية التعبير حرية الرزق حرية العمل..
إنها - أي الحرية - حقٌ للإنسان منذ أن خرج من بطن أمه، صاح بها عمررضي الله عنه قبل 1400 عام فقال: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»..
الحرية قررتها شريعتنا، وحملت هذه الأمة لوائها مئات السنين ثم جاءت حضارة الغرب وحضارة القرن العشرين لتنظمها في مبادئ ومواثيق سميت بمواثيق الأمم المتحدة، وهي الآن تنحرها من الوريد إلى الوريد، والدول العظمى اليوم تجهز على البقية الباقية والرمق الأخير منها.
لكن الإسلام جاء فجعل الحرية مبدأ للتطبيق لأنه يعلم أن الحرية فطرة الله التي فطر الناس عليها، لأنها حقٌ طبيعي لأي إنسان ويكفيه إنسانيته لأن يكون حراً، لأن الحرية ضرورة للحياة البشرية،لأن الحرية حقٌ من الله الذي خلق الإنسان فسواه فعدله.
وطبَّق الإسلام هذا المبدأ تطبيقاً أصيلاً، فقال في حرية الاعتقاد {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ}.
ووصى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه الذين سيفتحون من بعده البلدان ألا يكرهوا الناس على دخولهم في دين الله..
وجاءت الفتوحات من بعده - صلى الله عليه وسلم - وإذا بتأثير القرآن وتأثير السنة بادٍ في خطاب الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما كتب لأمراء جيشه - رضوان الله عليهم - ألا يكرهوا معاهداً على ترك دينه وإتباع الإسلام، وهاهو عمر الفاروق يطبق مبدأ الحرية مع الآخرين، فيصلي خارج كنيسة القيامة في بيت المقدس. خارجها!!؟؟ ولا يصلي داخلها لماذا؟ لحرية اعتقادهم.
وهاهم اليهود والنَّصارى والمجوس عاشوا تحت ظل الإسلام تحت ظل لا إله إلا الله محمد رسول الله قروناً من الزمن، ما أكرههم أحد على ترك دينهم واعتناق الإسلام، على عكس ما حدث في أسبانيا تماماً، ثمانية قرون يا عباد الله والإسلام يرفرف في بلاد الأندلس ثم غلب الأسبان المسلمون في الأندلس فخيروهم بين ثلاث إما ترك الأندلس وإما الموت وإما الدخول في النصرانية، فأقيمت ما يسمى بمحاكم التفتيش وراح ضحية هذه المحاكم آلاف من إخوانكم المسلمين الذين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكبتت الحريات، حتى أن الرجل المسلم كان يعلِّم ابنه القرآن تحت الملحفة وهو نائم، وهو على وشك الموت يعلمه القرآن خوفاً من الأسبان، نعم عباد الله كان القتل والسجن في محاكم التفتيش مروعاً لم يشهد التاريخ مثلاً لها.
وفي مجال ممارسة الشعائر التعبدية لغير المسلمين ما عرف التاريخ حاكماً عادلاً هدم كنيسة أو صادر بيعة على عكس اليهود والنصارى الذين حولوا بيوت الله إلى اصطبلات للخيول.. وعلى عكس ما فعله أتاتورك والعلمانيون في تركيا إذ إنهم ـ والله ـ قد حولوا المساجد التي هي بيوت الله إلى اصطبلات للحمير والخيول -عزكم الله-.
نعم.. إنه الإسلام الذي بلغ من سماحته أن جعل الناس من غير المسلمين يمارسون أحوالهم الشخصية، فالزواج والطلاق والنفقة والمواريث أحوالٌ شخصية لهم لا يتدخل فيها مسلم، أما إذا جاءوا إلينا نحكم فيهم بحكم الله -عز وجل-.
هل هناك أروع من هذا الدين الذي يأمرنا أن نتخاطب مع أهل الكتاب بالتي هي أحسن { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }.
الله ما أروع إسلامنا! وما أكذب حضارتهم! حضارتهم المزعومة التي تجلت زائفة رخيصة ذليلة خسيسة.
عندما غزو العراق وعندما دخلوا الأفغان وعندما أسروا إخوانكم المسلمون في "جوان تناموا" وعندما عذبوا إخوانكم في العراق في "أبو غريب" عندما ظهرت سوأتهم وظهر ادعاؤهم عن الحرية.. وإذا بسوءاتهم مفضوحة وأعمالهم خسيسة.. نعم يا أحبتي الكرام.. اليوم تجلت الحقيقة وظهرت ورقة التوت عن سوءات أولئك الذين يدعون الحرية.
الحرية في ديننا.. الحرية في إسلامنا..
أما حرية التفكير والرأي فلقد أكد الإسلام عليها كيف لا وله القدح المعلى فيها، والتأكيد عليها تدرون لماذا؟ لأن الإسلام يحترم العقل ويحترم العلم، ولذلك أوصى بحرية التفكير وحرية إبداء الرأي.. انظروا إلى آيات القرآن وانظروا إلى أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهي ترفع من مكانة العقل والعقلاء والعلم والعلماء.. لقد أطلق الإسلام للمسلم حرية التفكير ثم أتبعها بحرية التعبير بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حض على قول كلمة الحق في وجه سلطان جائر فقال: {سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله}، جعل مَن يعبر عن رأيه بصدق وجرأة مع من؟ مع حمزة سيد الشهداء، و في ديننا أن الساكت عن الحق شيطان أخرس.
ولقد كانت من نتائج هذه الحرية أن قامت الرَّعية بالمناقشة وإبداء الرأي أمام الحاكم دون خوفٍ ودون وجل.
يقف عمر يوماً قائلاً لأصحابه: "اسمعوا وأطيعوا"، فقام أحدٌ يقول له: لا سمع ولا طاعة، فقال له عمر: "لمَ؟" قال: ثوبك طويل وثيابنا قصيرة! - لماذا تميز نفسك بالملبس، لا سمع ولا طاعة ثوبك طويل وثيابنا قصيرة، ماذا قال الفاروق؟ - دعا ابنه عبد الله وقال له: قل لهم لماذا ثوبي طويلة. فقام عبد الله يقول في جموع الصحابة ـ الذين تعودوا على حرية التعبير لا كبت ولا إرهاب، وتعودوا على حرية التفكيرـ قام عبد الله يقول: "يا أيها الناس إن أبي رجل طويل كما تعلمون، فلما أخذ ثوبه وجده قصيراً فاستعار مني ثوبي فجمع ثوبه إلى ثوبي فأصبح الثوب طويلاً،" قال الناس وقال الرجل: أما الآن فسمعاً وطاعة.
بل امرأة قامت تقول في وجه عمر لما دعا إلى تخفيض المهور، فقالت: يا أمير المؤمنين قولك هذا مردود بقول الله -عز وجل- { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً }. فماذا قال عمر؟ هل قال لها: اخرسي واسكتي.. لا والله، قال: «إن كل الناس أعلم منك يا عمر حتى النساء.. أصابت امرأة وأخطأ عمر».
عباد الله:
لقد كان من نتائج هذه الحرية في القرون الأولى للإسلام أن ازدهرت العلوم وامتلأت المكتبة الإسلامية بذخائر الثقافات في شتى الفنون ففي التوحيد والأصول والفقه والمنطق والفلسفة والطب والكيمياء والهندسة والرياضيات والفلك ما استفادت منه الحضارات الغربية ولما فقدت الأمة اليوم حريتها وصودر تفكيرها وصودرت حرية تعبيرها أصبحت الأمة اليوم أمة متخلفة في شتى نواحي الحياة ولا انطلاق لنا إلا بالحرية.
عنترة بن شداد.. ولد أسوداً فنبذه أبوه نبذه لأنه أسود، فلما غارت قبيلةٌ على قبيلة عنترة وكان عنترة يمكث مع الإبل والغنم والبقر كعبد ذليل رغم أنه الفارس المغوار قال له أبوه يوماً: كرَّ معنا اليوم يا عنترة. كرّ معنا.. أنقذ قبيلتك وأسرتك، فماذا قال عنترة بن شداد؟ قال: يا مولاي العبد لا يكر العبد مكانه هناك في أماكن الإبل و البقر و الغنم، فماذا قال الأب لعنترة؟ قال له كلمة سجلها التاريخ، قال له: "كر وأنت حر"،فلما سمع عنترة مقالة أبيه "كر وأنت حر" أخذ الحرية وأصبح عنترة بن شداد، و الأمة اليوم إذا احتاجت إلى أن تكر.. إلى أن تتقدم.. فلا بد من حريتها..
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه..أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدرارا..
الخطبة الثانية
الحمد لله.. تم نورك فهديت فلك الحمد، عظم حلمك فغفرت فلك الحمد.. بسطت يديك فأعطيت فلك الحمد.. إلهي وجهك أكرم الوجوه.. وجاهك أعظم الجاه.. وعطيتك أفضل العطية وأهناها.. تطاع ربنا فتشكر وتعصى فتغفر.. وتجيب المضطر وتكشف السوء.. لا إله إلا أنت.. سبحانك إنا كنا من الظالمين.
نشهد أن لا إله إلا الله مخلصين له الدين.. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.
عباد الله
ومن الحرية في الإسلام الحرية السياسية والمدنية وأعني بالحرية السياسية أن يشارك المسلم في اختيار الحاكم الصالح، وكذلك مراقبة أعمال الحاكم هكذا علمنا الإسلام انطلاقاً من تقريره لمبدأ الشورى{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}، فالمسلم له حق اختيار الحاكم بالوسيلة المشروعة المتفق عليها ولسنا إرثاً يقتطعنا الحاكم إن شاء ويسوقنا إن شاء بل لكل مسلم - هكذا يجب أن تعرفوا - في دين الله أن له الحق في اختيار الحاكم وفي مراقبة أعماله هكذا علمنا النبي - صلى الله عليه وسلم- وعندما يُختار الحاكم عليه أن يشاور الأمة عبر مجلس الشورى أو مجلسٍ برلماني أو ما شابه ذلك وعلى الأمة أيضاً أن تراقب الحاكم وأن تنصحه لله عز وجل.
وهذا الحق أكده حكام المسلمين ابتداء من أبي بكر الصديق -رضي الله عنه - الذي كان يذكِّر الرعية بهذا الحق، فوالله لما قام خطيباً بعد بيعته، ماذا قال: شنفوا آذانكم واسمعوا روائع الإسلام تخرج من فم أبي بكر وهو يقول: «يا أيها الناس إني وليتُ عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على الحق فأعيونني وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيتُ الله فلا طاعة لي عليكم».
وقال رجل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يا أمير المؤمنين اتقِ الله، فقال رجل: تقول هذا لأمير المؤمنين؟! فقال عمر: «اسكت دعه يقولها، فلا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نتقبلها منكم»، بل يخطب الفاروق يوماً بالناس فيقول: «يا أيها الناس من رأى منكم منّي اعوجاجاً فليقومني»، فقام أعرابيّ وقال: يا أمير المؤمنين والله لو رأينا فيك اعوجاجاً ما قومناه إلا بسيوفنا، ماذا قال الفاروق؟: «الحمد لله الذي جعل من أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بالسيف».
دخل عيينة بن حصن إلى أمير المؤمنين في مجلسه قال: إيه يا ابن الخطاب، ما قال له يا أمير المؤمنين، قال: إيه يا ابن الخطاب فوالله ما تُعطينا الجزل (أي ما تعطينا كثيراً) ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر.. غضب، وكان الحُر بن قيس جالساً فقال: يا أمير المؤمنين اذكر قول الله { خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} وهذا من الجاهلين، قال: كظمتُ غيظي.. كظمتُ غيظي.. كظمتُ غيظي.
اسمعوا أخيراً هذه النماذج الرائعة بعد إبان الخلافة الإسلامية، عمر بن العزيز يسمع من رجل كلام قوي، فماذا قال عمر بن عبد العزيز لهذا الرجل؟:قال له أيها الرجل أردت أن يستفزني الشيطان.. بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، انصرف رحمك الله، لن أوذيك؛ لأنه يخاف أن يقتص منه يوم القيامة.
عبد الله بن مسلم بن محارب يقول لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي - اسمع هذا الكلام- أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وأسألك بالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي إلا عفوت عني، قال: قد عفوت عنك، لأنه ذكره بالواحد القهار سبحانه وتعالى.
عباد الله:
وأخيراً في الإسلام يجب أن تضبط هذه الحرية فليست حريةً فوضوية مثل أوروبا يعمل الرجل ما يشاء ويخرج عرياناً ويزني بالنساء وغير ذلك، لا!!... حريتنا في ديننا مضبوطة وليس الدعوة إلى الإلحاد، وليس من الحرية الدعوة إلى الزندقة باسم الحرية، وليس من الحرية وحرية التعبير والصحافة شتم الأنبياء وعلى رأسهم المصطفى - صلى الله عليه وسلم-، وليس من الحرية أن تعمل ما تشاء وترتكب ما تشاء من المنكرات، لا بد من ضوابط القانون والشريعة وليس من الحرية أن تشتم خصومك، وتتهم بالخيانة، وتتهم بالعمالة، تحت مسمى حرية الصحافة.. لا.. لا.. لا.. إن الإسلام يضبط هذه الحرية.. الحرية فرقٌ بينها وبين الفوضى.. فالحرية استعمال حقك بحيث لا يطغى على حق الآخرين، والفوضى طغيان حقك على حق الآخرين..
يضبطها أخيراً حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- عندما قال: {إن مثل الناس كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذي في أعلاها إذا أرادوا الماء نزلوا إلى مَن تحتهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا..}
فالحرية لها ضوابط في دين الله عز وجل، فوا لله الذي لا إله غيره إن داء الأمة اليوم الكبت والإرهاب، وانظروا ما يحدث لإخوانكم في مصر، وما يحدث لإخوانكم في تونس، وإنا لنحمد الله عز وجل في هذا البلد أن لدينا مساحة حرية فنسأل الله أن يزيدها أكثر فأكثر، ولنعلم جميعاً أنها هبة من الله هي هبة من الله الذي خلقنا فسوانا ورزقنا، فإن الله عز وجل قد خلقنا أحراراً، ونسأل الله أن يميتنا أحراراً، إنه ولي ذلك والقادر عليه وأسأل الله عز وجل أن يفرج عن كل مسلم في كل قطرٍ من أقطار الأرض، وأن يعطيه حريته..
وصلوا وسلموا على خير الورى محمد المصطفى - صلى الله عليه وسلم- ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.. صلوا عليه كما أمركم ربكم بذلك فقال.
" إن الله وملائكته يصلون على النبي، ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً" الأحزاب: ٥٦.
اللهم صل على محمد في الأولين.. اللهم صل على محمد في الآخرين.. اللهم صل على محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.. صلّ عليه صلاة ترضيك عنا يا رب العالمين.
اللهم تولّ أمرنا، وأحسن خلاصنا، وحسِّن بفضلك خاتمتنا، وكن معنا ولا تكن علينا، اللهم فرج عنا وعن إخواننا المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا واشف مرضانا..
عباد الله.. { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)}.
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]فضيلة الشيخ : عبد الرقيب عباد
الحمد لله، اللهم إني أحمدك وأنت المحمود وأنت للحمد أهل، وأشكرك وأنت المشكور وأنت للشكر أهل، لك الحمد حمداً طيباً كثيراً دائماً مثلما حمدت به نفسك حمداً خالداً خلودك، وباقيا مع بقائك. الحمد لله على كل حال، اللهم لك الحمد حتى ترضى فإذا رضيت فلك الحمد على رضاك، الحمد لله لا نذكر منك إلا الجميل، ولم نر منك إلا التفضيل، خيرك لنا شامل، وصنعك لنا كامل، ولطفك بنا كافل، وبرك لنا غامر، وفضلك علينا دائم متواتر، نعمك عندنا متصلة وآلاؤك لنا غامرة وجودك لنا عميم، أمَّنت خوفنا وصدقت رجاءنا وحققت آمالنا وصحبتنا في أسفارنا وعافيت أجسادنا وشفيت أمراضنا وكبتّ أعداءنا ولم تشمت بنا حُسادنا ورميت مَن رمانا بالسوء وكفيتنا شر مَن عادانا.. فلك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت..
سبحانك تواضعت الملوك لهيبتك وعنت الوجوه بذلة الاستكانة لعزتك، وانقاد كل شيء لعظمتك، سبحانك وبحمدك واستسلم كل شيء لقدرتك، فلا إله إلا أنت سبحانك، إنا كنا من الظالمين.
عن كل وجهٍ قد صرفت عبادتي*** وعبدت وجهك وحده مختارا
منك الوجود بدايةٌ وإليك **** بَعدُ نهاية و بك استقر قرارا
أنت الموحد صانعاً ومدبراً **** تهب الحياة وتمسك الأقدارا
لله سبح في السماوات العلى ***** والأرض ما يبدو وما يتوارى
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين..
يا رب.. صلّ عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين ونحن معهم برحمةٍ منك يا رب العالمين ويا أرحمن الراحمين ويا حرز اللاجئين ويا أمان الخائفين اشملنا برحمتك وأنت أرحم الراحمين.
أما بعد: أيها الأحبة:
تحدثت عن المساواة كمبدأ من مبادئ الإسلام واليوم نتحدث عن الحرية، الحرية مبدأ من مبادئ الإنسانية وقيمة من قيم الإسلام السامقة، الحرية كلمة رائعة وغاية عظيمة وهدف نبيلٌ شريف، الحرية تعشقها الطيور في جو السماء، ويناضل من أجلها المصلحون..
من أجل الحرية خاضت الشعوب معارك كثيرةٍ دامية، من أجل الحرية تدفع الشعوب بأكرم شهدائها وأكرم أبنائها وتدفع أغلى أموالها ومدنها وبيوتها..
وفي إسلامنا في ديننا كانت بدرٌ وأحدٌ والخندق وهوازن وحنين وفتح مكة كلها من أجل الحرية.. نعم من أجل حرية العقيدة التي منعتها قريش عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، حرية العقيدة التي منعتها قريش عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقاتل من أجلها الحبيب المصطفى.
وليست معاركنا بعدُ في القادسية واليرموك والنهروين إلا من أجل تحرير الشعوب من عبودية العبيد إلى عبودية رب العبيد - ومسبب الأسباب سبحانه وتعالى- واستبداد الظلمة والمسرفين والمفسدين في الأرض بغيرهم من الصلحاء الذين يسيرون على نهج الله سبحانه وتعالى.
وليست معاركنا ضد الصليبية الجائرة إلا معاركاً من أجل الحرية دفاعاً عن الأوطان وعن العقائد والحضارات، وليست معاركنا مع الاستعمار المعاصر في المغرب وليبيا ومصر والعراق وغيرها إلا تحريراً من الاستعمار الذي يصادر الحرية، وما جهاد إخواننا اليوم في حماس في فلسطين واستشهاد الشيخ أحمد ياسين إلا من أجل حرية فلسطين، وما جهاد إخواننا في العراق إلا من أجل إزالة هذا الكابوس الذي جثا على أرض دجلة والفرات، وما جهاد إخواننا في الأفغان وكشمير وبورما وغيرها من الدول إلا من أجل الانعتاق من الاستبداد من أجل الحرية، وما نضال المصلحين هنا وفي كل قطر من أقطار الدول العربية والإسلامية إلا من أجل الحرية.
نعم حرية العبادة حرية الفكر حرية التعبير حرية الرزق حرية العمل..
إنها - أي الحرية - حقٌ للإنسان منذ أن خرج من بطن أمه، صاح بها عمررضي الله عنه قبل 1400 عام فقال: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»..
الحرية قررتها شريعتنا، وحملت هذه الأمة لوائها مئات السنين ثم جاءت حضارة الغرب وحضارة القرن العشرين لتنظمها في مبادئ ومواثيق سميت بمواثيق الأمم المتحدة، وهي الآن تنحرها من الوريد إلى الوريد، والدول العظمى اليوم تجهز على البقية الباقية والرمق الأخير منها.
لكن الإسلام جاء فجعل الحرية مبدأ للتطبيق لأنه يعلم أن الحرية فطرة الله التي فطر الناس عليها، لأنها حقٌ طبيعي لأي إنسان ويكفيه إنسانيته لأن يكون حراً، لأن الحرية ضرورة للحياة البشرية،لأن الحرية حقٌ من الله الذي خلق الإنسان فسواه فعدله.
وطبَّق الإسلام هذا المبدأ تطبيقاً أصيلاً، فقال في حرية الاعتقاد {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ}.
ووصى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه الذين سيفتحون من بعده البلدان ألا يكرهوا الناس على دخولهم في دين الله..
وجاءت الفتوحات من بعده - صلى الله عليه وسلم - وإذا بتأثير القرآن وتأثير السنة بادٍ في خطاب الخليفة الأول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما كتب لأمراء جيشه - رضوان الله عليهم - ألا يكرهوا معاهداً على ترك دينه وإتباع الإسلام، وهاهو عمر الفاروق يطبق مبدأ الحرية مع الآخرين، فيصلي خارج كنيسة القيامة في بيت المقدس. خارجها!!؟؟ ولا يصلي داخلها لماذا؟ لحرية اعتقادهم.
وهاهم اليهود والنَّصارى والمجوس عاشوا تحت ظل الإسلام تحت ظل لا إله إلا الله محمد رسول الله قروناً من الزمن، ما أكرههم أحد على ترك دينهم واعتناق الإسلام، على عكس ما حدث في أسبانيا تماماً، ثمانية قرون يا عباد الله والإسلام يرفرف في بلاد الأندلس ثم غلب الأسبان المسلمون في الأندلس فخيروهم بين ثلاث إما ترك الأندلس وإما الموت وإما الدخول في النصرانية، فأقيمت ما يسمى بمحاكم التفتيش وراح ضحية هذه المحاكم آلاف من إخوانكم المسلمين الذين يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكبتت الحريات، حتى أن الرجل المسلم كان يعلِّم ابنه القرآن تحت الملحفة وهو نائم، وهو على وشك الموت يعلمه القرآن خوفاً من الأسبان، نعم عباد الله كان القتل والسجن في محاكم التفتيش مروعاً لم يشهد التاريخ مثلاً لها.
وفي مجال ممارسة الشعائر التعبدية لغير المسلمين ما عرف التاريخ حاكماً عادلاً هدم كنيسة أو صادر بيعة على عكس اليهود والنصارى الذين حولوا بيوت الله إلى اصطبلات للخيول.. وعلى عكس ما فعله أتاتورك والعلمانيون في تركيا إذ إنهم ـ والله ـ قد حولوا المساجد التي هي بيوت الله إلى اصطبلات للحمير والخيول -عزكم الله-.
نعم.. إنه الإسلام الذي بلغ من سماحته أن جعل الناس من غير المسلمين يمارسون أحوالهم الشخصية، فالزواج والطلاق والنفقة والمواريث أحوالٌ شخصية لهم لا يتدخل فيها مسلم، أما إذا جاءوا إلينا نحكم فيهم بحكم الله -عز وجل-.
هل هناك أروع من هذا الدين الذي يأمرنا أن نتخاطب مع أهل الكتاب بالتي هي أحسن { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }.
الله ما أروع إسلامنا! وما أكذب حضارتهم! حضارتهم المزعومة التي تجلت زائفة رخيصة ذليلة خسيسة.
عندما غزو العراق وعندما دخلوا الأفغان وعندما أسروا إخوانكم المسلمون في "جوان تناموا" وعندما عذبوا إخوانكم في العراق في "أبو غريب" عندما ظهرت سوأتهم وظهر ادعاؤهم عن الحرية.. وإذا بسوءاتهم مفضوحة وأعمالهم خسيسة.. نعم يا أحبتي الكرام.. اليوم تجلت الحقيقة وظهرت ورقة التوت عن سوءات أولئك الذين يدعون الحرية.
الحرية في ديننا.. الحرية في إسلامنا..
أما حرية التفكير والرأي فلقد أكد الإسلام عليها كيف لا وله القدح المعلى فيها، والتأكيد عليها تدرون لماذا؟ لأن الإسلام يحترم العقل ويحترم العلم، ولذلك أوصى بحرية التفكير وحرية إبداء الرأي.. انظروا إلى آيات القرآن وانظروا إلى أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وهي ترفع من مكانة العقل والعقلاء والعلم والعلماء.. لقد أطلق الإسلام للمسلم حرية التفكير ثم أتبعها بحرية التعبير بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حض على قول كلمة الحق في وجه سلطان جائر فقال: {سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله}، جعل مَن يعبر عن رأيه بصدق وجرأة مع من؟ مع حمزة سيد الشهداء، و في ديننا أن الساكت عن الحق شيطان أخرس.
ولقد كانت من نتائج هذه الحرية أن قامت الرَّعية بالمناقشة وإبداء الرأي أمام الحاكم دون خوفٍ ودون وجل.
يقف عمر يوماً قائلاً لأصحابه: "اسمعوا وأطيعوا"، فقام أحدٌ يقول له: لا سمع ولا طاعة، فقال له عمر: "لمَ؟" قال: ثوبك طويل وثيابنا قصيرة! - لماذا تميز نفسك بالملبس، لا سمع ولا طاعة ثوبك طويل وثيابنا قصيرة، ماذا قال الفاروق؟ - دعا ابنه عبد الله وقال له: قل لهم لماذا ثوبي طويلة. فقام عبد الله يقول في جموع الصحابة ـ الذين تعودوا على حرية التعبير لا كبت ولا إرهاب، وتعودوا على حرية التفكيرـ قام عبد الله يقول: "يا أيها الناس إن أبي رجل طويل كما تعلمون، فلما أخذ ثوبه وجده قصيراً فاستعار مني ثوبي فجمع ثوبه إلى ثوبي فأصبح الثوب طويلاً،" قال الناس وقال الرجل: أما الآن فسمعاً وطاعة.
بل امرأة قامت تقول في وجه عمر لما دعا إلى تخفيض المهور، فقالت: يا أمير المؤمنين قولك هذا مردود بقول الله -عز وجل- { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً }. فماذا قال عمر؟ هل قال لها: اخرسي واسكتي.. لا والله، قال: «إن كل الناس أعلم منك يا عمر حتى النساء.. أصابت امرأة وأخطأ عمر».
عباد الله:
لقد كان من نتائج هذه الحرية في القرون الأولى للإسلام أن ازدهرت العلوم وامتلأت المكتبة الإسلامية بذخائر الثقافات في شتى الفنون ففي التوحيد والأصول والفقه والمنطق والفلسفة والطب والكيمياء والهندسة والرياضيات والفلك ما استفادت منه الحضارات الغربية ولما فقدت الأمة اليوم حريتها وصودر تفكيرها وصودرت حرية تعبيرها أصبحت الأمة اليوم أمة متخلفة في شتى نواحي الحياة ولا انطلاق لنا إلا بالحرية.
عنترة بن شداد.. ولد أسوداً فنبذه أبوه نبذه لأنه أسود، فلما غارت قبيلةٌ على قبيلة عنترة وكان عنترة يمكث مع الإبل والغنم والبقر كعبد ذليل رغم أنه الفارس المغوار قال له أبوه يوماً: كرَّ معنا اليوم يا عنترة. كرّ معنا.. أنقذ قبيلتك وأسرتك، فماذا قال عنترة بن شداد؟ قال: يا مولاي العبد لا يكر العبد مكانه هناك في أماكن الإبل و البقر و الغنم، فماذا قال الأب لعنترة؟ قال له كلمة سجلها التاريخ، قال له: "كر وأنت حر"،فلما سمع عنترة مقالة أبيه "كر وأنت حر" أخذ الحرية وأصبح عنترة بن شداد، و الأمة اليوم إذا احتاجت إلى أن تكر.. إلى أن تتقدم.. فلا بد من حريتها..
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه..أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدرارا..
الخطبة الثانية
الحمد لله.. تم نورك فهديت فلك الحمد، عظم حلمك فغفرت فلك الحمد.. بسطت يديك فأعطيت فلك الحمد.. إلهي وجهك أكرم الوجوه.. وجاهك أعظم الجاه.. وعطيتك أفضل العطية وأهناها.. تطاع ربنا فتشكر وتعصى فتغفر.. وتجيب المضطر وتكشف السوء.. لا إله إلا أنت.. سبحانك إنا كنا من الظالمين.
نشهد أن لا إله إلا الله مخلصين له الدين.. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.
عباد الله
ومن الحرية في الإسلام الحرية السياسية والمدنية وأعني بالحرية السياسية أن يشارك المسلم في اختيار الحاكم الصالح، وكذلك مراقبة أعمال الحاكم هكذا علمنا الإسلام انطلاقاً من تقريره لمبدأ الشورى{وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}، فالمسلم له حق اختيار الحاكم بالوسيلة المشروعة المتفق عليها ولسنا إرثاً يقتطعنا الحاكم إن شاء ويسوقنا إن شاء بل لكل مسلم - هكذا يجب أن تعرفوا - في دين الله أن له الحق في اختيار الحاكم وفي مراقبة أعماله هكذا علمنا النبي - صلى الله عليه وسلم- وعندما يُختار الحاكم عليه أن يشاور الأمة عبر مجلس الشورى أو مجلسٍ برلماني أو ما شابه ذلك وعلى الأمة أيضاً أن تراقب الحاكم وأن تنصحه لله عز وجل.
وهذا الحق أكده حكام المسلمين ابتداء من أبي بكر الصديق -رضي الله عنه - الذي كان يذكِّر الرعية بهذا الحق، فوالله لما قام خطيباً بعد بيعته، ماذا قال: شنفوا آذانكم واسمعوا روائع الإسلام تخرج من فم أبي بكر وهو يقول: «يا أيها الناس إني وليتُ عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على الحق فأعيونني وإن رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيتُ الله فلا طاعة لي عليكم».
وقال رجل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: يا أمير المؤمنين اتقِ الله، فقال رجل: تقول هذا لأمير المؤمنين؟! فقال عمر: «اسكت دعه يقولها، فلا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نتقبلها منكم»، بل يخطب الفاروق يوماً بالناس فيقول: «يا أيها الناس من رأى منكم منّي اعوجاجاً فليقومني»، فقام أعرابيّ وقال: يا أمير المؤمنين والله لو رأينا فيك اعوجاجاً ما قومناه إلا بسيوفنا، ماذا قال الفاروق؟: «الحمد لله الذي جعل من أمة محمد من يقوم اعوجاج عمر بالسيف».
دخل عيينة بن حصن إلى أمير المؤمنين في مجلسه قال: إيه يا ابن الخطاب، ما قال له يا أمير المؤمنين، قال: إيه يا ابن الخطاب فوالله ما تُعطينا الجزل (أي ما تعطينا كثيراً) ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر.. غضب، وكان الحُر بن قيس جالساً فقال: يا أمير المؤمنين اذكر قول الله { خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} وهذا من الجاهلين، قال: كظمتُ غيظي.. كظمتُ غيظي.. كظمتُ غيظي.
اسمعوا أخيراً هذه النماذج الرائعة بعد إبان الخلافة الإسلامية، عمر بن العزيز يسمع من رجل كلام قوي، فماذا قال عمر بن عبد العزيز لهذا الرجل؟:قال له أيها الرجل أردت أن يستفزني الشيطان.. بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، انصرف رحمك الله، لن أوذيك؛ لأنه يخاف أن يقتص منه يوم القيامة.
عبد الله بن مسلم بن محارب يقول لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي - اسمع هذا الكلام- أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وأسألك بالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي إلا عفوت عني، قال: قد عفوت عنك، لأنه ذكره بالواحد القهار سبحانه وتعالى.
عباد الله:
وأخيراً في الإسلام يجب أن تضبط هذه الحرية فليست حريةً فوضوية مثل أوروبا يعمل الرجل ما يشاء ويخرج عرياناً ويزني بالنساء وغير ذلك، لا!!... حريتنا في ديننا مضبوطة وليس الدعوة إلى الإلحاد، وليس من الحرية الدعوة إلى الزندقة باسم الحرية، وليس من الحرية وحرية التعبير والصحافة شتم الأنبياء وعلى رأسهم المصطفى - صلى الله عليه وسلم-، وليس من الحرية أن تعمل ما تشاء وترتكب ما تشاء من المنكرات، لا بد من ضوابط القانون والشريعة وليس من الحرية أن تشتم خصومك، وتتهم بالخيانة، وتتهم بالعمالة، تحت مسمى حرية الصحافة.. لا.. لا.. لا.. إن الإسلام يضبط هذه الحرية.. الحرية فرقٌ بينها وبين الفوضى.. فالحرية استعمال حقك بحيث لا يطغى على حق الآخرين، والفوضى طغيان حقك على حق الآخرين..
يضبطها أخيراً حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- عندما قال: {إن مثل الناس كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذي في أعلاها إذا أرادوا الماء نزلوا إلى مَن تحتهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا..}
فالحرية لها ضوابط في دين الله عز وجل، فوا لله الذي لا إله غيره إن داء الأمة اليوم الكبت والإرهاب، وانظروا ما يحدث لإخوانكم في مصر، وما يحدث لإخوانكم في تونس، وإنا لنحمد الله عز وجل في هذا البلد أن لدينا مساحة حرية فنسأل الله أن يزيدها أكثر فأكثر، ولنعلم جميعاً أنها هبة من الله هي هبة من الله الذي خلقنا فسوانا ورزقنا، فإن الله عز وجل قد خلقنا أحراراً، ونسأل الله أن يميتنا أحراراً، إنه ولي ذلك والقادر عليه وأسأل الله عز وجل أن يفرج عن كل مسلم في كل قطرٍ من أقطار الأرض، وأن يعطيه حريته..
وصلوا وسلموا على خير الورى محمد المصطفى - صلى الله عليه وسلم- ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.. صلوا عليه كما أمركم ربكم بذلك فقال.
" إن الله وملائكته يصلون على النبي، ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً" الأحزاب: ٥٦.
اللهم صل على محمد في الأولين.. اللهم صل على محمد في الآخرين.. اللهم صل على محمد في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.. صلّ عليه صلاة ترضيك عنا يا رب العالمين.
اللهم تولّ أمرنا، وأحسن خلاصنا، وحسِّن بفضلك خاتمتنا، وكن معنا ولا تكن علينا، اللهم فرج عنا وعن إخواننا المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا واشف مرضانا..
عباد الله.. { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)}.