المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرأة والولاية العامة وولاية القضاء


الفارس
12 Mar 2009, 12:39 PM
المرأة والولاية العامة وولاية القضاء

د. حياة بنت سعيد با أخضر

الحمد لله رب العالمين الذي خلقنا على نعمة الإسلام والحب فيه ولأجله، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

لقد كثرت المقالات واللقاءات حول موضوع المرأة والدفاع عن قضاياها في أشكال عدة ومن الجنسين، وكل يدلي بدلوه ويطرح ما في جعبته من معلومات تتضارب أحياناً وتتشعب حتى تصل إلى حد التعصب الممقوت، والذي يدفع بصاحبه إلى المراء والرغبة في الانتصار للذات بليّ أعناق الأدلة واستدلالات العلماء، مما أوجد مناخاً خصباً لتفتيت الجهود وصرف الهمم عن الأَوْلى في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى التمسك بديننا بقوة في الوقت الذي نرى أعداءنا مستمسكين بدينهم في حربنا فأشعلوا همم شعوبهم شيباً وشباباً بأرواحهم وأموالهم.

وكامرأة مسلمة تعتز دائماً وأبداً بخصائصها التي ميزها الخالق الحكيم بها عن باقي نساء العالمين خاصة وعن الرجال عامة، وإنني كامرأة مسلمة تفتخر بأنها ولدت وتربت وتنتسب لهذه البلاد المباركة مهبط الوحي والموطن الذي احتضن السلفية ومجددها، ووقف حكامها دائماً معه ومع علماء هذه الدعوة المباركة والمنهج الصحيح، أكتب هذه الورقات لا أخص بها أحداً بعينه بل أبتغي بها أن تقف على الحق الذي يسعى إليه الجميع من خلال قضية المرأة التي أنا وغيري من الغيورات على الدين أولى من يطرحها مع تقديري التام لكل علمائنا ودعاتنا الأفاضل الذين نافحوا وما زالوا عن المرأة المسلمة التي يريدها الله تعالى ورسوله –صلى الله عليه وسلم- وأتمنى ممن سيقرأ ورقاتي أن يعلم بل يتيقن أنني أقف من المسلم المخالف موقف الائتلاف الواجب بين المسلمين وأدعو الله له ولنفسي ولكافة المسلمين أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن من أسس مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يُخطَّئون ولا يُكفَّرون، ويرحمون المخطئ ولا يستخفون أو يشتمون به.

وسأجعل كلامي مرتباً على تمهيد ومقدمة وتفصيل، فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: التمهيد: من المعلوم بداهة لدى كل المتابعين لأحداث العالم من حولنا أن هناك قضيتين أساسيتين هما قطبا الرحى التي يدور حولها أعداؤنا لتجفيف منابع الإسلام وإبقائه صورة لا حقيقة لها في واقع الحياة

وهما: دعوى القضاء على الإرهاب، ومن خلاله يتم تمييع المناهج والمؤسسات الدعوية والثوابت الدينية.

والقضية الثانية: المرأة، وقد انتهوا تقريباً من جميع النساء المسلمات، وبقيت نساء بلادنا الطاهرة، فطفقوا يشعلون حولها نيران وأبواق دعاوى سابقة أشعلت من قبل في ديار مسلمة فأحالت نساءها رماداً احترق من شدة احتكاكه بشياطين الإنس والجن، إنها دعاوى ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، فهم يرددون ذات الدعاوى التي طرحها الغربيون على قاسم أمين وأمثاله، والتي ترجموها إلى لغات عدة من رفع الظلم عن المرأة وأنها مهضومة الحقوق مغيبة عن التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإعلامية، ومناقشة قضايا شرعية حُسمت من قبل كبار العلماء وجمهورهم على مر العصور الإسلامية كوجوب تغطية الوجه وعدم سفر المرأة إلا بمحرم وحرمة الاختلاط بين الجنسين... وغيرها من القضايا.

وها نحن نقرأ ونسمع من يدعو وبقوة لفتح باب الفتن والرسول –صلى الله عليه وسلم- يقول:

((تعوذوا من الفتن ما ظهر منها وما بطن)).

لنقرأ معاً مقاطع من كتابات قاسم أمين ولننظر كيف تطابقت مع كتابات المعاصرين.

يقول في كتابه تحرير المرأة: (هل يظن المصريون أن رجال أوروبا مع أنهم بلغوا من كمال العقل والشعور مبلغاً مكنهم من اكتشاف قوة البخار والكهرباء واستخدامها على ما نشاهده بأعيننا، وأن تلك النفوس التي تخاطر كل يوم بحياتها في طلب العلم والمعاني، وتفضل الشرف على لذة الحياة هل يظنون أن تلك العقول وتلك النفوس التي نعجب بآثارها يمكن أن يغيب عنها معرفة الوسائل لصيانة المرأة وحفظ عفتها؟ هل يظنون أن أولئك القوم يتركون الحجاب بعد تمكنه عندهم لو رأوا خيراً؟ كلا، وإنما الإفراط في الحجاب من الوسائل التي تبادر عقول السذج، وتركن إليها نفوسهم، ولكنها يمجها كل عقل مهذب وكل شعور رقيق... متى ما تهذّب العقل ورقَّ الشعور في الرجل عرف أن الحجاب إعدام لشخصها فلا تسمح له نفسه بعد ذلك أن يرتكب هذه الجريمة توسلاً إلى راحة بال واطمئنان قلب).

ويقول في كتابه المرأة الجديدة: (لو لم يكن في الحجاب عيب إلا أنه مناف للحرية الإنسانية لكفى وحده في مقته، وفي أنه ينفر منه كل طبع غرز فيه الميل إلى احترام الحقوق والشعور بلذة الحرية، ولكن الضرر الأعظم للحجاب -فوق ما سبق- هو أنه يحول بين المرأة واستكمال تربيتها).

ويقول في موضع آخر من كتابه: (أما الحجاب فضرره أنه يحرم المرأة من حريتها الفطرية"، ويقول: "بلغ من أمر احترام الرجل الغربي لحرية المرأة أن بنات في سن العشرين يتركن عائلاتهن ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض وحدهن أو مع خادمة، ويقضين الشهور والأعوام متغيبات في السياحة متنقلات من بلد إلى آخر، ولم يخطر على بال أحد من أقاربهن أن وحدتهن تعرضهن إلى خطر ما...

أول جيل تظهر فيه حرية المرأة تكثر الشكوى منها، ويظن الناس أن بلاء عظيماً قد حل بهم؛ لأن المرأة تكون في دور التمرين على الحرية ثم مع مرور الزمن تتعود المرأة على استعمال حريتها وتشعر بواجباتها شيئاً فشيئاً وترقى ملكاتها العقلية والأدبية وكلما ظهر عيب في أخلاقها يداوى بالتربية حتى تصير إنساناً شاعراً بنفسه)، بل يقول: (بل الكل متفقون على أن حجاب النساء هو سبب انحطاط الشرق، وأن عدم الحجاب هو السر في تقدم الغرب... توجد وسيلة تخرجكم من الحالة السيئة التي تشتكون منها، وتصعد بكم إلى أعلى مراتب المدن كما تشتهون وفوق ما تشتهون ألا وهي تحرير نسائكم من قيود الجهل والحجاب).

ويقول في مسألة تربية المرأة: (لا تجد من الصواب أن تنقص تربية المرأة عن تربية الرجل أما من جهة التربية الجسمية فلأن المرأة محتاجة إلى الصحة كالرجل، فيجب أن تتعود على الرياضة كما تفعل النساء الغربيات اللائي يشاركن أقاربهن الرجال في أغلب الرياضات البدنية، ويلزم أن تعتاد على ذلك من أول نشأتها وتستمر عليه من غير انقطاع، وإلا ضعفت صحتها وصارت عرضة للأمراض). [ثم نجده وبعد عدة أسطر يناقض نفسه لما يذكر تميز المرأة الريفية على المرأة المدنية، لأن المرأة الريفية متعودة على العمل البدني وتتعرض لأشعة الشمس والهواء النقي إذن لا دخل للرياضة في تفوقها].

ونجده يواصل حربه على دين الله –تعالى- فيقول عن أساليب تربية المرأة التي يلزم اتخاذها للمرأة: "ولابد هنا من استلفات النظر إلى وجوب الاعتناء بتربية الذوق عند المرأة وتنمية الميل في نفسها إلى الفنون الجميلة، وإني على يقين من أغلب القراء لا يستحسنون أن تتعلم بناتهم الموسيقى والرسم؛ لأن منهم من يعدها من الملاهي التي تنافي الحشمة والوقار، أو أنها لا فائدة منها، وقد ترتب على هذا الوهم الفاسد انحطاط درجة هذه الفنون في بلادنا إلى حد يأسف عليه كل من عرف مالها من الفائدة في ترقية أحوال الأمم".

هذا ما قاله كبيرهم الذي علمهم السحر، وهو قول متناقض متهافت لدى كل ذي بصيرة ولا أدل على ذلك من منعه زوجته من ممارسة كل ما سبق.

هذا هو كلام من ينفخ في نار هذه الفتن صباح مساء، بدلاً من إيضاح الضوابط الشرعية للرجال، وإقامة العقوبات الربانية على المقصرين منهم. والكلام في هذا يطول ولكن أختم هذا التمهيد بالدعوة إلى التبصر عامة والفقه لواقعنا والعلم التام بما يدور في العلن من خطط لسحق ثوابتنا نحو المرأة، والتي منها الحجاب الصحيح الذي ارتضته أمهات المؤمنين والصحابيات القائم على الفقه الحقيقي لنصوصه الصحيحة، ولو سمعتم مدى الغبطة التي تشعرها الطالبات الوافدات بجامعة أم القرى نحو النعم التي امتن الكريم –سبحانه- بها علينا والتي منها نعمة يسر الالتزام بالحجاب الصحيح بدون أي عقبات لتمسكت نساؤنا بحجابهن ودينهن.

إننا أمام ملامح حرب جديدة على المرأة المسلمة لتفكيك البنية الأساسية للمجتمع، فالمرأة هي نصف المجتمع وتلد وتربي النصف الآخر،

فهي للمجتمع كله بل هو مخطط لتدمير الأسرة عامة والمسلمة على وجه الخصوص، من خلال ادعاء حقوق المرأة والطفل وحتمية الصراع بين الرجل والمرأة، وكم من المصائب ترتكب باسمك يا حقوق المرأة!


ثانياً: المقدمة: وسأتناول فيها موضوعين:

الموضوع الأول: التعالم:
يقول الإمام الشافعي –رحمه الله-: "فالواجب على العالمين ألا يقولوا إلا من حيث علموا، وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به وأقرب من السلامة -إن شاء الله- .

وقال ابن عبد البر –رحمه الله- (لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف).

والمتعالم إنما هو ضعف ظاهر ودعوى عريضة؛ لأن من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، وإذا كثر الملاحون غرقت السفينة، والحجر لاستصلاح الأديان أولى من الحجر لاستصلاح الأموال والأبدان، فإن التعالم في الفتوى هي القاصمة لقوة الدين، ومن أفسدها تفسير كتاب الله وشرح السنة بلا زاد الفقه بأقوال الصحابة واللغة العربية وقواعد العلم بالصحيح من الضعيف، وغير ذلك مما هو معلوم بالضرورة لدى الحاذقين بهذه العلوم،

قال ابن القيم –رحمه الله- قال بعض العلماء: (قل من يتجاسر على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أمره) ودخل رجل على ربيعة –رحمه الله- فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: (لا ولكن استفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم)، وقال: (ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالحبس من السراق) فكيف لو رأى ربيعة زماننا وتجرؤ الكثيرين على الفتيا بغير علم من الرجال والنساء، حتى تبارت الصحف والقنوات في عرض صنائع المتعالمين ويكفينا قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا".

وخلاصة القول: إن التعالم هو عتبة الدخول على القول على الله تعالى بلا علم، والقول على الله تعالى بلا علم هو أصل الشرك والكفران، وأساس البدع والعصيان، وما هو أغلظ منها ومن جميع الفواحش والآثام والبغي والعدوان، والدليل قوله تعالى في سورة الأعراف "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" يقول ابن قيم الجوزية –رحمه الله- في التعليق على الآية في كتابه: أعلام الموقعين (ج1ص31).

فرتب الله تعالى المحرمات على أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريماً منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريماً منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه.

الموضوع الثاني: تتبع زلات العلماء وإظهارها على أنها أصل مذهبهم ومعتمده، وترك باقي علمهم مع عدم التحقق من نسبة هذه الأقوال لهم، أو فهمها على الوجه الذي أرادوه من هوادم الدين، فقد قال –صلى الله عليه وسلم- "أخاف على أمتي ثلاثاً: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن والتكذيب بالقدر" ورحم الله الإمام الصنعاني لما قال: "وليس لأحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمر في جنب فضله وتجتنب"، وقال أبو هلال العسكري: "ولا يضع من العالم الذي برع في علمه زلة إن كان على سبيل السهو والإغفال، فإنه لم يعف من الخطأ إلا من عصمه الله جل ذكره، وليتنا أدركنا بعض صوابهم أو كنا ممن يميز خطأهم".

ثالثاً: التفصيل: في قضية ولاية المرأة للولاية العامة أو القضاء، فأقول وبالله التوفيق:
أولاً: المناداة بأن للمرأة حقوقاً سياسية يعني أنها حُرمت منها وأخذت ظلماً وأن ذلك الظلم عليها مطرد منذ عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم- فداه أبي وأمي وحاشاه عن الظلم –والصحابة –رضي الله عنهم- حاشاهم ذلك- ومن جاء بعدهم، حيث لم تتقلد المرأة أي منصب قيادي في كل الأزمنة الماضية، فهل يقول عاقل بذلك، وهل أهل هذا العصر من المسلمين وغيرهم أكثر عدلاً وإنصافاً ممن سبقهم؟ فلا يجوز بالتالي تأثيم الأمة بأنها مقصرة في حق المرأة.

ثانياً: حديث الرسول –صلى الله عليه وسلم- صحيح البخاري (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) ففي هذا الحديث ورد لفظ (قوم) و(امرأة) بصيغة العموم؛ ليدخل فيهما كل قوم ولو أمرهم امرأة، فهو عام يشمل كل الأقوام. ولم يثبت قط أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ولى امرأة واحدة في أي ولاية، ولا أمر بأن تولى أي ولاية ولو في مستقبل الزمان.
ثالثاً: إذا كنتم تريدون إخراج المرأة لتعمل رئيسة دولة وقاضية وسائقة للسيارة ومهندسة وفي كل مجالات الرجل، فماذا بقي للرجال ليقوموا به وليحققوا القوامة الفطرية على نسائهم؟ أو ماذا بقي لنا معشر النساء من حقيقتنا الفطرية؟

فنحن نتحمل الحمل والولادة والرضاعة والاهتمام بشئون الأسرة، فإذا كنا سنخرج لكل الأعمال فمن سيرعى شئون المنزل؟ الرجال أم الخادمات؟!

رابعاً: لا يصح القياس على حال النساء غير المتزوجات بأنهن لا مسؤوليات لديهن كالمتزوجات؛ لأن هذا قياس على غير الأصل، ثم إن المسلمة غير المتزوجة مأمورة بالقرار في بيتها وبالعناية بوالديها إن كانا على قيد الحياة، أو الانشغال بطلب العلم النافع من قرآن وتفسير وحديث وفقه وتوحيد وسيرة، أو القيام على شئون الأيتام والأرامل في مدينتها في حدود استطاعتها بدون أن تكلف نفسها ما لا تطيق.

خامساً: دلت الإحصائيات على أن عدد النساء اللاتي تمكن من شغل منصب الولاية العامة كالرئاسة والمحافظة والنيابة العامة وقيادة الشرطة والمصانع والشركات في المجتمعات التي تمنح لهن هذا الحق وتضعهن على قدم المساواة مع الرجال يبدو ضئيلاً مقارنة بالرجال مع أن النسبة السكانية للنساء أكثر من الرجال فتكاد النسبة لا تزيد عن 1%، أما في الوزراء والمحافظين فلا تزيد على 5%، ورواتب النساء العاملات في هذه الدول أقل من رواتب الرجال، ولا يمكن أن نعزو هذا إلى القوانين والتربية، فإن القوانين والتربية في تلك البلاد لا تقيم اعتباراً لاختلاف الجنسين إنما يرجع السبب إلى الاختلاف الفطري بين الرجال والنساء والذي يتجاهله الكثير اتباعاً للأهواء أو مكابرة للفطرة التي أرغمتهم على التسليم بحقائقها ثم حتى النساء اللاتي تقلدن الحكم فإن حكمهن صوري فهن يملكن ولا يحكمن بل إن بعضهن وفي أثناء حكمها ظهر ضعفها الأنثوي الفطري لما ضاع ولدها في صحراء الجزائر أخذت تبكي، وأوقفت عملها لحين العثور عليه، والأخرى رئيسة الدولة لما تم القضاء على الانقلاب العسكري عليها خرجت من تحت السرير وأول ما طلبته إصلاح هندامها وشعرها لتظهر أمام الصحفيين، وهذا كله أوردته وسائل الإعلام.

سادساً: لا ينبغي طلب ولاية القضاء لما في ذلك من الخطر العظيم من أن يخطئ القاضي في الحكم فيكون في النار –نعوذ بالله- فقد ورد في الحديث: "القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة" فإذا كان هذا حال القضاء فلماذا نقاتل للحصول عليه ألا تكفينا ذنوبنا؟

الفارس
12 Mar 2009, 12:45 PM
سابعاً الرد على شبهاتهم:

(1) النقل غير الصحيح لأقوال العلماء، يقول الشيخ الجليل بكر أبو زيد –شفاه الله- في كتابه القيم (التعالم): كما يُزجر عن الفتوى بالشاذ فكذلك يُزجر عن الأقاويل المغلوطة على الأئمة لعدم صحة النقل أو انقلاب الفهم، ومن أمثلة ذلك:

* شهرة النسبة إلى مذهب الإمام أبي حنيفة –رحمه الله تعالى- من القول بجواز تولي المرأة القضاء في غير الحدود، وهذا غلط عليه في مذهبه وصحة قوله: أن الإمام إذا ولى المرأة القضاء أثم ونفذ قضاؤها إلا في الحدود والقصاص فأصل التولية عنده المنع.

وقوله هذا إنما قيل على باب الافتراض والنظرية، وما أكثر ذلك في كتب الفقه ولم تطبق على أرض الواقع أبداً لا في عهد من سبقهم من العهود الزاهرة ولا في عهد المؤلف أو من جاء بعده.

وتفصيل مذهب الأحناف أنهم انقسموا في هذه المسألة إلى ثلاث فرق:

الفرقة الأولى: ترى أن المرأة لا يجوز لها أن تتولى القضاء مطلقاً، وإلى هذا ذهب زفر بن الهذيل وهو بذلك يوافق الجمهور.

الفرقة الثانية: ترى أن المرأة يجوز لها أن تتولى القضاء ابتداء فيما تجوز شهادتها فيه وهو ما عدا الحدود والقصاص وإليه ذهب بعض الحنفية.

الفرقة الثالثة: ترى أن المرأة لا يجوز لها أن تتولى القضاء ابتداء وأن الذكورة شرط في القاضي، لكنها إن وليت ممن له السلطة أو حكمها شخصان في نزاع بينهما فحكمت نفذ قضاؤها ضرورة وأثم مُوَلِّيهَا.
وهذا هو المذهب عند الحنفية الذي نصت عليه كتبهم المعتمدة في تأثيم مولي المرأة القضاء ولا إثم إلا بارتكاب المحظور.
ومما يدل على ذلك أن قاضي القضاء في أكثر العصور حنفياً، وكان إليه تقليد القضاة في جميع أنحاء البلاد الإسلامية، ولم يؤثر عنه أنه قلد امرأة قط منصب القضاء.

*أما ما نقل عن ابن جرير الطبري في جواز تولي المرأة القضاء فموضوع، ولم يصح ذلك عنه خاصة، ولم يرو ذلك عنه بسند من الأسانيد، ومذهب الطبري مندثر لم يكتب له البقاء ولم يدونه عنه تلاميذه، وفي تفسيره المتواجد بين أيدينا لم نجد قوله المنسوب إليه كما أن كتبه في الفقه لم يُعثر عليها.

1- يقول المفسر الإمام ابن العربي –468-543 في تفسيره (أحكام القرآن م/3/ص/1457) [ونقل عن محمد بن جرير الطبري وإمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة، قاضية ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه المرأة وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة في الحكم إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة، بدليل قوله –صلى الله عليه وسلم- "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير.

2- جزم بعدم صحة ذلك لابن جرير الطبري المفسر القرطبي –رحمه الله- حيث قال: ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح عنه ذلك.

3- إن صاحب الرأي دائماً ينافح عنه ويقدم عليه الأدلة كلما ناسبته الفرصة لذلك، وقد ناسب ذلك ابن جرير –رحمه الله- العديد من الفرص سواء في تفسيره أو في تاريخه لما تكلم عن قصة سليمان –عليه السلام- وعن توليه ابنة كسرى لما مات أبوها ولما ذكر حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" ورغم ذلك لم يشر لولاية المرأة للقضاء أو عدمها كما هي عادة العلماء.

وخلاصة ما سبق أن الخلاف بين الفقهاء حول تولية المرأة القضاء لم يتعد مجرد إبداء الرأي، فلم يرشدنا تاريخ القضاء الإسلامي من عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- حتى نهاية الخلافة العثمانية أن المرأة تقلدت ولاية.

(2) الاعتماد على قصة تعيين عمر –رضي الله عنه- للشفاء –رضي الله عنها- محتسبة في السوق:

1- ابن حزم –رحمه الله- لما ذكر الرواية في كتابه المحلى لم يسندها على خلاف صنيعه وذكرها بصيغه التمريض (رُوي) وهذا يدل على عدم صحتها، ثم إنه من العجب أن يستدل ابن حزم بفعل عمر –رضي الله عنه- مع أنه ينفي حجية رأي الصحابي، وأعجب من هذا أنه يستأنس بقول أبي حنيفة مع أنه أوسعه في غير هذا الموضع تشنيعاً وتجريحاً، والأعجب أنه يرى أن المرأة لا تزوج نفسها ولا غيرها، ثم يرى جواز تقليدها القضاء لتزوج غيرها بمقتضى ولاية القضاء.

انظر الاختصاص القضائي د. ناصر الغامدي.

2- يقول ابن العربي –رحمه الله- وقد رُوي أن عمر –رضي الله عنه- قدم امرأة على حسبة السوق ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه فإنما هو من دسائس المبتدعة في الحديث.

3- الأثر المروي عن الشفاء –رضي الله عنها- ذكره ابن الجوزي في تاريخ عمر وابن عبد البر في الاستيعاب وتبعه ابن حجر في الإصابة كلهم بدون إسناد ولا عزو لأحد ولم يذكره ابن سعد في ترجمتها ولا ابن الأثير في أسد الغابة ولا الطبراني في المعجم الكبير، كما أنه ورد بصيغة التمريض كما أسلفت (رُوي).

4- لا تقبل هذه الرواية لأن عمر –رضي الله عنه- المعروف بغيرته على الإسلام والمسلمين وخاصة النساء، فكيف يولي امرأة ولاية تدعوها إلى الاختلاط مع الرجال ومزاحمتهم.

(3) الاحتجاج بقصة بلقيس ملكة سبأ، والرد على ذلك بالآتي:

1- أن الهدهد وهو طير استنكر من شأنها وقومها أمرين عظيمين: كون امرأة تملكهم، وكونهم يعبدون الشمس من دون الله؛ ولذلك عمل سليمان –عليه السلام-على إزالة هذين المنكرين العظيمين جميعاً، ولو كان متولي أمرهم رجلاً لأمرهم بالإسلام فقط وأقرهم على ملكهم إن أسلموا، وقد كان هذا في شريعته وشريعة نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- وسليمان –عليه السلام- لم يكن ليقر امرأة لو أسلمت ملكة على قومها؛ لأن هذا مخالف لأمر الله وحكمه لذلك دعاها وقومها إلى الإسلام وأن تأتي بنفسها مع قومها متجردة من ملكها قبل أن يرسل إليها من يخرجها وقومها، ولما علم بإعلام الله تعالى له بأنهم سيأتون إليه مسلمين نقل عرشها إليه لينهي وجود هذا المنكر، ولو لم يكن هذا منكراً لما حل له أن يأخذ عرشها غنيمة وهي مسلمة، كيف والغنائم لم تحل إلا لأمة محمد –صلى الله عليه وسلم-.

2- هل كان في القرآن إقرار لتملكها وترؤسها؟ لا بل إن هدهداً مؤمناً مع سليمان –عليه السلام- استنكر ملكها على قومها قبل أن يستنكر كفرها وسجودها للشمس، فقال لسليمان –عليه السلام- "وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون" (النمل:22-24) فالعجب أن يتخذ هذا الدليل الصريح من القرآن على منع المرأة من الولاية العامة دليلاً عند المعاصرين على جواز أن تكون المرأة ملكة وأن تولى ولاية عامة.

3- كيف نتخذ من شرائع الكفار دليلاً في ديننا الخاتم؟! وهذا السؤال موجه لمن اتخذ من حكم بلقيس -وهي على الكفر- دليلاً ولم يتخذ من فعلها بعد إسلامها وهو ترك الحكم دليلاً.

(4) الاستدلال بخروج أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- في موقعة الجمل: وبيان ذلك:

1- نقول لهؤلاء هل اقتديتم بأم المؤمنين في حجابها وحرصها على طلب العلم والعمل بالإسلام في كل حياتها والبعد عن مواطن الرجال وهي أمهم التي لا يحل لهم الزواج بها أبداً؟ فقد ورد في صحيح البخاري –رحمه الله- كتاب الحج أنها كانت –رضي الله عنها- تطوف معتزلة عن الرجال فدعتها امرأة إلى استلام الركن فأبت.

بل هي زجرت بشدة مولاة لها لما أخبرتها أنها استلمت الحجر الأسود مرتين أو ثلاثاً أثناء الطواف، فقالت لها: لا آجرك الله، لا آجرك الله، أتدافعين الرجال ألا كبرت ومررت؟ بل هي –رضي الله عنها- من أنكرت على المرأة التي تشبهت بالرجال بلبسها النعلين، فقالت: لعن رسول الله الرَّجلة من النساء.

فبعد كل هذا الإنكار يقول من يقول: إنها –رضي الله عنها- قد خرجت في أمور سياسية تؤدي إلى اختلاطها بالرجال؟!
2- أن عائشة –رضي الله عنها- لم تخرج ملكة ولا أميرة ولا متولية شئون هذه الجماعة وكان هؤلاء الصحابة قد بايعوا علياً –رضي الله عنه- بالخلافة، ولم يدعُ إلى خلافة أو ولاية غير ولاية أمير المؤمنين علي –رضي الله عنه- وقد عمد الزبير وطلحة –رضي الله عنهما- إلى إخراج أم المؤمنين –رضي الله عنها- لعله أن يسمع لها الناس، فهي أمهم والتي توفي عنها الرسول –صلى الله عليه وسلم- وهو راضٍ عنها، بل هي أحب الناس إليه فقد توفي ورأسه الشريفة بين حجرها ونحرها، وقد ظنا –رضي الله عنهما- أن الجميع سيسمع كلامهما وتجتمع الأمة ولا تتفرق، فقد كانت كما وصفها علي –رضي الله عنه- [أطوع الناس في الناس] ولكن كان ما لم يكن في الحسبان، وهو إشعال قتلة عثمان الحرب بين الفريقين حتى لا يصطلحا على قتلهم، فإذن لم يكن خروجها –رضي الله عنها- قط متولية شئون المسلمين، وإنما كان خروجها معنوياً لمنزلتها ومكانتها بين الجميع، ثم هي قد ندمت على خروجها.

(5) الاستدلال بشجرة الدر وغيرها من النساء
1- هذا من أقبح الأدلة؛ فإن الحجة الشرعية في كتاب الله تعالى وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم-الصحيحة وفعل الصحابة والخلفاء الراشدين –رضي الله عنهم-وإجماع الأمة، وليس الاستدلال بالأعمال الخاطئة في القرون المتأخرة.

2- أما أروى الصليحية فهي من أتباع المذهب الباطني الفاطمي، وزوجها قد كان في الأصل سنياً ثم تشيع على يد أحد أتباع الدولة الفاطمية التي كانت تسيطر على مصر وغيرها، فكيف تكون قدوة هي أو غيرها؟!

3- أما شجرة الدر أم خليل التركية فقصتها معلومة، فهي في الأصل كانت مملوكة محظية للملك الصالح نجم الدين أيوب –رحمه الله تعالى- وكانت لا تفارقه سفراً ولا حضراً من شدة محبته لها، ومات ولدها منه وهو صغير، وبعد مقتل ابنه توران شاه على أيدي المماليك بعد شهرين من توليه الحكم تولت الديار المصرية مدة ثلاثة أشهر، فكان يخطب لها وتضرب السكة باسمها، وقد تزوجت عز الدين التركماني وصار هو الملك، ولما علمت أنه يريد الزواج عليها بابنة صاحب الموصل أمرت جواريها أن يمسكنه لها فما زالت تضربه بقباقيبها والجواري يعركن في بطنه حتى مات وهو كذلك، ولما سمع مماليكه أقبلوا بصحبة مملوكه الأكبر سيف الدين قطز فقتلوها وألقوها على مزبلة. انظر البداية والنهاية/م/13/ص/208-209 فامرأة مثل هذه تتخذ قدوة لنا؟!

4- الاعتماد على كتب الأعلام التي تذكر الجميع بدون نقد وتمحيص لا يعد دليلاً، فهذه الكتب لا تحل حراماً أبداً.

(6) الاستدلال بما حدث في مصر وهو تولي المرأة القضاء.

1- والصحيح أنها فقط تولت وظيفة إدارية، ولم تقف على منصة قضاء أو تتولى ذلك بأي صورة.
2- رئاسة المرأة للحكم في مصر مرفوضة باتفاق عقلاء مصر -حرسها الله تعالى- فقد صرح المستشار د. البيومي محمد البيومي نائب رئيس مجلس الدولة بأنه في ضوء المادة الثانية من الدستور القائمة على الإسلام هو الدين الرسمي للدولة فإنه لابد أن يكون المرشح لرئاسة الدولة ذكراً؛ لأن المرأة بإجماع الفقهاء قديمهم وحديثهم لا تصلح للإمامة العظمى قديماً أو رئاسة الدولة حديثاً. وما قلناه ينطبق على منصب نائب رئيس الدولة.
3- القانون المصري يسير على عدم تولي المرأة القضاء [سواء الإداري أو العادي] فهذه المهمة قاصرة على الرجال فقط، كذلك لا تتولى مهمة النيابة العامة؛ لأنها تعتبر من الهيئات القضائية.
انظر تولية المرأة القضاء شرعاً وقانوناً. د. كامل شطيب الرأوي.

(7) الاستدلال ببعض الدول الإسلامية في تولي نسائها رئاسة دولهن ، والرد على ذلك:
1- أن هذه الدول بعضها يعلن صراحة أنها علمانية فلا دين رسمي لها، فكيف نتخذ أمثال هؤلاء قدوة لنا؟ ثم هؤلاء النسوة مخالفات للهدي النبوي، فهل نتبع أهل العصور الحاضرة أم نتبع ما كان عليه الرسول –صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام؟!
2- لا يجوز الاستدلال بالواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية في زماننا؛ لأن أمر تولية المرأة قد حدث في غياب الإسلام عن واقع المجتمعات وعدم استفتاء العلماء الراسخين في العلم.
3- الفيصل في هذا الأمر الشرعي لا يكون في الإتيان بأمثلة من أناس مخالفين للهدي النبوي.

(8) الاستدلال بأن المرأة يصح أن تكون مفتية وتؤخذ عنها الفتوى:

قضية أن المرأة يصح أن تكون مفتية لا يردها عاقل، وهي تستطيع أن تفعل ذلك وهي في بيتها بدون خروج أو اختلاط بالرجال، وفرق بين الإفتاء وبين الخروج للقضاء الذي يقتضي الاختلاط والاستماع للخصوم ووضع مساعدين، والتعرف على ما يحدث في الخارج والسفر وغير ذلك.
والإفتاء ليس من باب الولايات؛ لأنه إخبار عن حكم شرعي ولا إلزام فيه .. أما القضاء فهو إخبار مع إلزام.

ثامناً: السبب في كل هذا التخبط هو الميل إلى ما عند غيرنا من الأمم الأخرى، والتشبه بهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: [إن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تشابها وتشاكلاً بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب أهل العلم مثلاً يجد نفسه في نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة يجد نفسه في نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعهم متقاضياً لذلك...

إن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد له الحس والتجربة.... فالمشابهة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي...والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضاً مناسبة وائتلافاً وإن بعد المكان والزمان فمشابهتهم –يقصد اليهود والنصارى- في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة بل في الاعتقادات.

ثم يضرب مثالاً من واقع الناس، فيقول: لو اجتمع رجلان في سفر أو في بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو في الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد في أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضا ما يألفون غيرهم حتى أن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة... ثم يقول: فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من المولاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان] كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم تحقيق د. ناصر العقل /1/ص79/488-489.

الخاتمة :
وأختم ما سبق بأقوال للإمام ابن قيم الجوزية –رحمه الله- يقول في كتابه الفوائد: طالب الله والدار الآخرة لا يستقيم له سيرة إلا بحبسين: حبس قلبه في طلبه ومطلوبه، وحبسه عن الالتفات إلى غيره، وحبس لسانه عما لا يفيد وحبسه عن ذكر الله وما يزيد في إيمانه ومعرفته، وحبس جوارحه عن المعاصي والشهوات وحبسها على الواجبات والمندوبات، فلا يفارق الحبس حتى يلقى ربه فيخلصه من السجن إلى أوسع فضاء وأطيبه. ومتى لم يصبر على هذين الحبسين وفر منهما إلى قضاء الشهوات أعقبه ذلك الحبس الفظيع عند خروجه من الدنيا، فكل خارج من الدنيا إما متخلص من الحبس وإما ذاهب إلى الحبس.

وقال: عشرة لا ينتفع بها، وذكر منها: وفكر يجول فيما لا ينفع.
وكما قلت في البداية ما قصدت بكتابتي إلا توضيح الحق الذي نحبه جميعاً، وأوصي نفسي والمسلمين بهذا الدعاء المأثور: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

يقول الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- في شرحه لهذا الدعاء: الرسول –صلى الله عليه وسلم- يسأل الله عز وجل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، وهل نحن نسأل هذا؟ قليل، فيجب علينا ألا نعتد بأنفسنا وألا نغتز بعلومنا، ونسأل الله دائماً أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه.
كما نوصي أنفسنا بقفل باب الفتن والالتفاف حول علمائنا، وكفانا انشغالا بأمور قد كفلها لنا الشرع الحنيف، ولنلتفت لتنمية مجتمعنا والأخذ بأيدي شبابنا نحو معالي الأمور، ونكون نحن قدوة لغيرنا في التمسك القوي بديننا ذلك التمسك القائم على الأدلة الصحيحة المجمع عليها، فمن شذ فقد شذ في النار.

الفارس
12 Mar 2009, 01:00 PM
تأصيل فقهي لحكم تولي المرأة للإدارات النسائية الفرعية العامة‏
د. سعد بن مطر العتيبي
أستاذ السياسة الشرعية بالمعهد العالي للقضاء

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء سيد ولد آدم أجمعين..أما بعد

فهذه ورقة عمل في موضوع تأصيل تولي المرأة للإدارة في مجتمع العمل النسائي.

مدخل:

الأصل أنّ نصوص القرآن والسنة تخاطب الرجل والمرأة على السواء، فالمرأة كالرجل في الأحكام الشرعية إلا ما دلّ الدليل على تخصيصه بأحدهما.
ومما يدل على أصل التساوي في الأحكام الشرعية، قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ " [1].

ومما يدل على ثبوت تخصيص كل من الجنسين بأحكام ينفرد بها عن الآخر: النصوص الشرعية الواردة في بيان هذه الأحكام ؛ فمن الأمور المقرّرة في الشرع الحنيف أنَّ لكل من الجنسين أحكام تخصّه، لما بينهما من الفروق الخَلْقية البدنية والعاطفية والوظيفية ؛ ومما جاء في ذلك: اختصاص الولايات والقيادات بالرجال دون النساء في الجملة، الذي من جملة أدلته قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَة) رواه البخاري , ولذلك كانت النبوة والرسالة من وظائف الرجال دون النساء , واختصهم الله عز وجل بالعبادات الشاقة , كالجهاد ؛ والمنتظمة الظاهرة العلنية، التي تتطلب حضوراً متكرراً كالجمع والجماعات.

والله عز وجل هو الذي خلق وقدّر، فجعل التفاضل من سننه في الكون، ولكنه من عدله سبحانه لم يؤاخذ المكلّف – ذكرا كان أو أنثى - بنقص لا يَدَ للمكلّف فيه، بل نهى سبحانه عن تمني ما لم يقدِّره لأحدٍ من ذلك، ومنه ما فضّل به أحد الجنسين على الآخر إذ قال: "وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً " (النساء/32) أي: لكل من الجنسين نصيب من العمل، فاطلبوا الفضل بالعمل، لا بالتمني ؛ لأنَّ ما وقع أمر محتوم لا يفيد فيه التمني، ولأنه يقتضي السخط على قدر الله ؛ فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي فضلهم الله بها على النساء، ولا العكس ؛ واسألوا الله من فضله يعطكم. وهو ما يخالفه المنحرفون عن الفطرة، من المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.

وعمل المرأة إما أن يكون عملاً أصليا، وهو رعايتها لبيتها، وتفرغها لتربية أولادها، والاهتمام بأسرتها، وتمامه يقع بقرارها في بيتها ؛ وإمَّا أن يكون عملا ثانوياً، وهو ما كان مشروعا من عملها سوى الأصلي.

ولمّا كانت المرأة شقيقة الرجل، مكلّفة كمثله بتكاليف شرعية قد تكون فرض عين أحيانا أو فرض كفاية على الأصل، من مثل: الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما في معناها، وهي أمور قد يقتضي الحال تطبيقها من خلال عمل مؤسسي، كان هذا الموضوع، أعني: تولي المرأة أو توليتها إدارة عمل مؤسسي في مجتمع نسائي.

وقد رأيت أن يكون الحديث في هذا الموضوع في نقاط على النحو التالي:
أولاً: المراد بتولي الإدارة الفرعية العامة في هذه المسألة:

المراد هنا حكم توظيف المرأة وتوليتها أو توليها للإدارات العامة الفرعية الخاصة ببنات جنسها، كأن تكون مديرة جامعة نسائية أو مديرة مركز إشراف نسائي أو مديرة مدرسة بنات، أو رئيسة قسم نسائي، ونحو ذلك ؛ وهي فرعية بالنسبة إلى الولاية الشاملة لها، وهي ولاية وزير التربية والتعليم مثلا أو ولاية رئيس المؤسسة الخيرية التي تشمل الولاية على كل العاملين ذكورا وإناثا..

وهذا النوع من الولاية لا يعد من كمال الولايات، التي لا يصلح لها إلا الكامل من الرّجال، كالإمامة العامة والقضاء ؛ فهي دون ذلك، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ثانياً: تحرير محل التأصيل في المسألة:

تولي المرأة وتوليتها للإدارات العامة لا يخلو من ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: ولاية المرأة على غير جنسها، كأن تكون مديرة على جمع من الرجال.
الحال الثانية: ولاية المرأة على جمع من الرجال والنساء، كأن تكون مديرة جامعة مختلطة أو مدرسة مختلطة أو مؤسسة من المؤسسات العامة التي لا تختص بالنساء، ووجود الرجال فيها ليس وجود عقود عمل لا ولاية.

الحال الثالثة: ولاية المرأة على مثلها، أي على جمع من النساء، كأن تكون مديرة لجامعة نسائية أو مديرة قسم نسائي في مؤسسة من المؤسسات العامة، وتكون ولايتها على من تحتها ولاية عامة في عموم الاصطلاح السياسي الشرعي، لكنها فرعية على ما مرّ بيانه.

ثالثا: التأصيل الفقهي للمسألة:
أمَّا الحال الأولى، فولاية غير جائزة ؛ لعموم الأدلة المانعة من ولاية المرأة ولاية عامة على الرجال، سواء كانت الولاية العظمى أو ما دونها من الولايات العامة على الجنسين، من مثل قول الله تعالى: (الرّجال قوّامون على النساء)، ومن مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) ؛ ولعموم الأدلة المانعة من اختلاط الرجال بالنساء وخلوة الأجنبي بالأجنبية، وما قد يصاحب ذلك من تبرج ونحوه ؛ فجميع الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وتحريم النظر إليها، وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله، ونحوها، مما استدل به العلماء على الاختلاط المحرّم دالّة على منع هذا النوع من الولايات والإدارات.

وكذلك الشأن في الحال الثانية فحكمها حكم الحال الأولى.

وأمّا الحال الثالثة فهي محلّ البحث والتأصيل في هذه الورقة. وهي تختلف في حكمها عن الحالتين الأولى والثانية ؛ لعلتين رئيستين:

الأولى: خلوها عن الأسباب المانعة من تولية المرأة ولاية عامة، تلك الأسباب التي سبق الإشارة إليها في الحالين الأولى والثانية.

الثاني: دخولها في عموم أدلة تكليف المرأة بالتكاليف الشرعية، كأدلة وجوب الدعوة والاحتساب ومشروعيتهما، وتحقيقها لمقاصد الشريعة في ذلك دون محظور شرعي.
ومما يدلّ على مشروعية ولاية المرأة على بنات جنسها ولاية عامّة في الإدارات الفرعية أيضاً ما يلي:

1 - مشروعية إمامة المرأة لبنات جنسها في الصلاة، مع أنَّ إمامة الصلاة من الولايات العامّة في تصنيف الولايات في الفقه الشرعي السياسي. فإمامتها للنساء وإن كان فيه خلاف بين أهل العلم، إلا أنَّ الراجح مشروعيته ؛ لما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنَّها (كانت تؤم النساء، تقوم معهن في الصف)، ولما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها أنَّها كانت تؤم النساء في رمضان وغير ذلك من الآثار التي احتج بها أهل العلم في المسألة.

2- الحاجة العامة لتولي المرأة لهذه الولاية التي لِوِلايتها فيها أصل شرعي، والحاجة العامّة تنزّل منزلة الضرورة. وهذا أمر ظاهر، فإنَّه لا يمكن أن يولّى رجلٌ إدارة مدرسة بنات مثلا، أو إدارة حلقات تحفيظ نسائية، أو سوق نسائي مغلق، أو مشفى صحي نسوي، بشكل مباشر. وممن يعلّل بذلك شيخنا عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، سماحة مفتي عام المملكة حفظه الله.

وجاء في كتاب: ولاية المرأة في الفقه الإسلامي، للباحث حافظ محمد أنور ما نصّه: " لم يُقدِّم سلف الأمّة امرأة من النساء إلى أيّ منصب من المناصب القيادية، والولاية العامة، وهذا هو ما فهموه من نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة، نعم قد يقال: لو كانت الوزارة تتعلق بشؤون النساء خاصة، بحيث لا تحتاج المرأة الوزيرة إلى الخروج إلى الرّجال والتكلّم معهم، بل يكون تصرفها في بنات جنسها، وهي تلتزم بالأحكام الشرعية والآداب الإسلامية، فيمكن أن يُسمح لها بتولي هذه الوزارة كمديرة البنات ؛ حتى لا تضطر النّساء إلى الاختلاط بالرّجال الأجانب، وهذا النوع من عمل المرأة هو ما تقوم به المملكة العربية السعودية، ممثلة في رياسة مدارس البنات، حيث يقوم بإدارة الكليات والثانويات والمتوسطة والابتدائي للبنات نساء ؛ وندعو إلى توسيع هذه الدائرة بأن يوجد عيادة نسائية، ومستوصف نسائي، ومستشفى نسائي يكون جميع العاملات فيه من نساء ؛ وهكذا ينبغي أن ينجرّ الأمر إلى كلّ ما فيه مصلحة للمرأة، ويمكن استقلالها عن الرّجل كالبنك والسّوق ونحو ذلك ؛ فإنَّ الحاجة داعية في هذا الزمن إلى وجود هذه المصالح واستقلال المرأة بها ".

3- أنَّ ما ذكر من وظائف تقتضيها الأدلة العامة في المأمور به منها كالدعوة والاحتساب، ونحوه، وأدلتها أدلة لها ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ؛ فهي داخلة في التكليف، ومن ثم تندرج في قاعدة (ما لا يتم المأمور إلا به فهو مأمور به)، أو ما يعبّر عنه بعض العلماء بقاعدة فتح الذرائع ؛ فالأمر في المسألة داخل في أمر الفعل (أحد شطري القاعدة)، أي أنه أمر طلب، سواء كان على سبيل الندب أو الإيجاب.

ولعلّ وضوح هذا الأمر عند علمائنا، من أسباب قلة حديثهم في تأصيل المسألة ؛ ولا سيما أنَّهم أقرّوا ذلك في تعليم المرأة الذي كان تحت ولاية العلماء خلال العقود الماضية، فوجدنا الهيكلة التنظيمية تتضمن تولية إداريات في شأن تعليم المرأة ما بين مديرة ووكيلة ونحوه.

وذلك أنها ولاية امرأة على مثلها ؛ فليس فيها قوامة للمرأة على الرجل، لا على الرجال منفردين، ولا على الرجال مع النساء ؛ وحينئذٍ فلا تدخل في مدلول الأدلة المانعة من قوامة المرأة على الرجل، لانتفاء وجود الرجل هنا، وإن وجد فوجوده يكون من باب التعاقد الخاص، أي أن العقد معه عقد خاص لا ولاية عامة ؛ كسائق السيارة أو الحافلة مثلا.

وهنا قد يرد سؤال مهم، وهو:
هـل تدخل ولاية المرأة على بنات جنسها في مدلول قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)؟

وللجواب على هذا الإيراد، ينبغي أن يُنظر في مدلول كلمة (قوم) عند أهل اللغة وأهل الشريعة، ليُنظر: هل تطلق على النساء منفردات؟

قال في القاموس: " القوم: الجماعة من الرّجال والنساء معاً، أو الرّجال خاصّة، أو تدخله النساء على تبعيّة " [2].

وقال الجوهري: " القوم: الرِّجال دون النِّساء، لا واحد له من لفظه.

وما أدْرِي وَسَوفَ إخالُ أدْري *** أَقَـومٌ آلُ حِصنٍ أم نِسَـاءُ

قال الله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) ثم قال سبحانه: (ولا نساء من نساء). وربّما دخل النّساء فيه على سبيل التَّبَع ؛ لأنَّ قوم كلّ نبيّ رجالٌ ونساء...".

وقال في لسان العرب: " القوم: الجماعة من الرّجال والنساء جميعا، وقيل: هو للرجال خاصّة دون النِّساء ؛ ويقوِّي ذلك قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهن) أي: رجال من رجال ولا نساء من نساء، فلو كانت النّساء من القوم، ولم يقل: ولا نساء من نساء، وكذلك قول زهير:
وما أدْرِي وَسَوفَ إخالُ أدْري *** أَقَـومٌ آلُ حِصنٍ أم نِسَـاءُ

... وروي عن أبي العبّاس: النفر والقوم والرّهط هؤلاء معناهم: الجمع، لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النّساء ".

وقال ابن فارس رحمه الله: " القاف والواو والميم أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جماعةٍ ناسٍ، وربما استعير في غيرهم، والآخر على انتصاب أو عزم. فالأوّل: القوم، يقولون: جمع امرئٍ، ولا يكون ذلك إلا للرّجال، قال الله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم) ثم قال: (ولا نساء من نساء). وقال زهير:

وما أدْرِي وَسَوفَ إخالُ أدْري *** أَقَـومٌ آلُ حِصنٍ أم نِسَـاءُ

ويقولون: قومٌ وأقوامٌ وأقاومُ جمعُ جمعٍ... وأمّا الآخر فقولهم: قام قياماً، والقومة: المرّة
الواحدة: إذا نتصب، وتكون قام بمعنى العزيمة، كما يقال: قام بهذا الأمر، إذا اعتنقه،... ومن الباب: هذا قِوام الدِّين، أي به يقوم... ". ومن الأصل الثاني قول عبد لرجل أراد أن يشتريه: لا تشترني فإني إذا جعتُ أبغضتُ قوما وإذا شبِعتُ أحببت نوماً، أي: أبغضت قياما من موضعي.

و نجد من عبارات علماء الشريعة ما يؤكِّد اختصاص كلمة قوم في لغة العرب بالرّجال ؛ قال ابن عطية رحمه الله: " و (القوم) في كلام العرب واقع على الذُّكران، وهو من أسماء الجمع كالرهط، وقول من قال: إنّه من القيام أو جمع قائم ضعيف، ومن هذا قول الشاعر زهير:

وما أدْرِي وَسَوفَ إخالُ أدْري *** أَقَـومٌ آلُ حِصنٍ أم نِسَـاءُ

وهذه الآية [يعني آية الحجرات] تقتضي اختصاص القوم بالذُّكران، وقد يكون مع الذُّكران نساء فيقال لهم (قوم) على تغليب حال الذّكور" [3].

وأنَّ علّة إطلاق (القوم) على الرّجال خاصّة، ظاهر في أصل اشتقاق الكلمة ؛ قال الزمخشري: " القوم هم الرّجال خاصّة ؛ لأنّهم القوام بأمور النساء، قال الله تعالى: (الرّجال قوّامون على النّساء)... واختصاص القوم بالرّجال صريح في الآية [ يعني قول الله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء) ]، وفي قول زهير: أقوم آل حصن أم نساء

وأمّا قولهم في قوم فرعون وقوم عاد: هم الذكور والإناث، فليس لفظ القوم بمتعاط للفريقين ولكن قصد ذكر الذّكور وترك ذكر الإناث لأنّهن توابع للرجال " [4].
وقال القاضي عياض في بيانه كلمة قوم في حديث (يؤم القوم أقرؤهم): " مختصة عند الأكثر بالرجال دون النساء "، وقد ورد تخصيصه بالرجال في قول الله تعالى: " (لا يسخر قوم من قوم) ثم قال (ولا نساء من نساء) ؛ ففصل بين القوم والنساء " [5].
وقال شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله في تعليق له على هذا الحديث في سنن النسائي (المجتبى): " هذا يدل على تحريم تولية المرأة في القضاء والوزارة والإمامة وغيرها، إلا على النساء كمديرة مدرسة بنات ونحوها " [6] ؛ وكأنَّ الشيخ رحمه الله لا يرى دخول ذلك في نصّ الحديث، والله تعالى أعلم.

فيظهر - والله تعالى أعلم - أن ولاية المرأة على جنسها لا يدخل في مدلول النهي الوارد في حديث أبي بكرة رضي الله عنه (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة).

المحور الثاني:

نماذج من صدر الإسلام للمرأة القيادية (تعليم، تربية، إفتاء، إقراء..)

هنا ينبغي التفريق بين النماذج التي تصح مستندا للحكم الشرعي، وما ليس كذلك ؛ إذ لا يكون مستند مشروعية إلا ما كان مرجع مشروعيته دليل شرعي من نصٍّ أو إجماع أو قياس أو استدلال، أو ما سنّة الخلفاء الراشدون أو بعضهم.

ومن هنا فلا عبرة بما يرد في التأريخ من وقائع لم تعضدها النصوص، ولم يفت بصحتها علماء الشريعة.

ولمَّا كان هذا الفرع عن المرأة القيادية وليس عن ولاية المرأة، فألخص ما يُعدّ قبوله في المجتمع تشريعا لوجوده في بحر الخلافة الراشدة ؛ لكنه مما يتعلق بالفتيا، وهي قيادة علمية لا ولائية، ومن هنا يمكن القول: إنَّ " الذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ونيف وثلاثون نفسا، ما بين رجل وامرأة، وذُكر منهم أكثر من عشرين امرأة، والمكثرون من للفتوى من الصحابة سبعة، منهم: عائشة رضي الله عنها، ومن المتوسطين أم سلمة رضي الله عنها، ومن المقلِّين: صفية، وحفصة وأم حبيبة، وأم عطية، وأسماء بنت أبي بكر وغيرهن رضي الله عنهم جميعا ".

المحور الثالث:

ضوابط تولي المرأة للمناصب القيادية
1) ثمة ضابط عام، وهو أن تبقى ولاية المرأة على جنسها في حدودها الشرعية من حيث ارتباطها بالدليل الشرعي، والتزامها بشرطها بأن تكون ولاية للمرأة على مثلها فقط في أمور مشروعة ؛ فلا يكون لها ولاية على الرجال، لا فرادى، ولا مع نساء أخريات وإن لم يكن ثم اختلاط ؛ ولا في أمور ممنوعة شرعا، كإدارة مؤسسات تتبنى الدعوة إلى تغريب المرأة وتوظيفها مع الرجال مثلا.

2) أن تخلو من الاختلاط المحرم، كأن يكون مقرّ العمل مختلطا بين الجنسين وإن لم يكن للمرأة ولاية على الرجال فيه ؛ وهذا من الفروق المهمة بين الصورة الشرعية، والصور الوضعية التي يتبناها المستغربون ممن استعملهم الأعداء في إيصال أذاهم إلى أهل الإسلام، ونشر أفكارهم بينهم، تحت دعوى المساواة تارة ودعاوى التحرر أخرى.
ولهذا الحكم فلسفة أفصح عنها العلامة الشنقيطي رحمه الله في قوله: دلت نصوص القرآن الكريم على أنَّ " المرأة الأولى كان وجودها الأول مستنداً إلى وجود الرجل وفرعاً عنه. وهذا أمر كونيّ قدريّ من الله، أنشأ المرأة في إيجادها الأوّل عليه. وقد جاء الشرع الكريم المنزّل من الله ليُعمل به في أرضه، بمراعاة هذا الأمر الكونيّ القدريّ في حياة المرأة في جميع النواحي ؛ فجعل المرأة قائماً عليها، وجعلها مستندةً إليه في جميع شؤونها، كما قال تعالى: (الرِّجال قوّامون على النّساء).

فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا يمكن أن تتحقق ؛ لأنّ الفوارق بين النوعين كوناً وقدراً أوّلاً، وشرعاً منزّلاً ثانياً، تمنع من ذلك منعاً تامّاً.
ولقوّة الفوارق الكونية والقدرية والشّرعيّة بين الذكر والأنثى، صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه لعن المتشبّه من النوعين بالآخر. ولا شكّ أنَّ سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر، لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطّم... " [7].
3) أن لا يزاحم تمتعها بهذا الحق ما هو واجب عليها على نحو يجعلها عاجزة عن القيام بهذا الواجب أو يجعلها مقصّرة في أدائه. والواجب الأصلي عليها هو رعاية البيت والقيام بشؤونه وتربية أطفالها، والقيام بحقوق زوجها. ويدل له: (والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم)[8]، وباختصار: عدم إخلال المرأة بواجبها الأصلي في بيتها [9]. " قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، ففيه أنّ كلّ من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته " [10].
4) البعد عن سوء الظن، فقد تقع مخالفة عن جهل أو ضرورة أو غفلة ؛ فلا يجوز الحكم من خلالها على الآخرين ولا سيما الدعاة الفضلاء والداعيات الفضليات. وفي قصة الإفك عبرة، وفي قصة صفية حذر.

المحور الرابع:
حكم صناعة القيادات النسائية من الناحية الشرعية (وهل هو فرض كفاية)
يظهر والله تعالى أعلم أنَّ حكم صناعة القيادات النسائية لبنات جنسها في المجالات الخاصة بالنساء، هو مما يختلف حكمه باختلاف الحاجة إليه، وربما انطبقت عليه الأحكام التكليفية الخمس ما بين مشروع واجب أو مندوب أو مباح، وما بين ممنوع منع تحريم أو كراهة.
وقد أشار إلى هذا الشيخ العلامة عبد الكريم زيدان في جوابه على سؤال: هل يصل الجواز الذي توفرت شروطه إلى درجة الوجوب؟: " فالمرأة التي ترى تحقق هذين الشرطين فيها، يجوز لها أو يندب أو يجب حسب الظروف والأحوال تولي هذه الوظائف لأداء هذه الخدمات للنساء ؛ ومثل هذا يقال بالنسبة لتعليم الإناث ما هو ضروري لهنّ أو ما هو مندوب لهن، فيجوز للمرأة أو يندب أو يجب حسب الظروف والأحوال تولي وظائف تعليم الإناث إذا توفر فيها الشرطان المذكوران [ يعني: عدم الإخلال بواجبها في البيت و حاجتها إلى ارتزاق والكسب بسبب هذه الوظيفة ] " [11].
هذا ما تيسر بيانه في هذه العجالة، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

-----------------------------
[1] رواه أبو داود وغيره، وصححه غير واحد من أهل العلم بالحديث.
[2] وتدخله النساء على تبعية أي على سبيل التبع ؛ لأن قوم كل نبي رجال ونساء، وقد يذكّر ويؤنّث، فيذكّر مثل: (وكذب به قومك) ويؤنّث مثل: (كذبت قوم نوح) ؛ فأسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كان من الآدميين يذكّر ويؤنّث، مثل رهط ونفر.
[3] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية:8/15-16.
[4] الكشّاف:1038، ت / خليل مأمون شيحا، دار المعرفة: بيروت. ذكره في تفسيره لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم...).
[5] مشارق الأنوار على صحاح الآثار:2/328-329 في بيانه لمعنى: (يؤم القوم أقرؤهم).
[6]انتهى ما دونته عنه في الدرس بجامع سارة في 26/5/1419، لا أدري بلفظه أم بمعناه إذ خلا التعليق من راموزه ج 8 ص 227، وقد أكّد لي الشيخ عبد الله بن مانع العتيبي - أحد كبار تلاميذ الشيخ وأكثرهم ملازمة له - أن ما دونته عن الشيخ هو نص كلام
الشيخ وأنه قد سأله عن المسألة أكثر من مرة فأجابه بمقتضى هذا الجواب.
[7] أضواء البيان:5/168-169 في تفسيره لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم...).
[8] رواه مسلم، ك/ الإمارة، ب/فضيلة الأمير العادل وعقوبة الجائر... ح (1829) (20).
[9] ينظر: المفصّل في أحكام المرأة، د. عبد الكريم زيدان:4/303-304.
[10] شرح النووي على مسلم:12/213.
[11]المفصّل في أحكام المرأة، د. عبد الكريم زيدان:4/311-312.