باسعد
11 Jun 2011, 02:07 AM
دحضُ مقولةِ إن الزيديةَ، أقربُ طوائف الشيعة لأهل السنة
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
فالزيديةُ فرقة من فرق الشيعة المبتدِعة الضُّلاَّل، تنسب إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنهم – وقد افترقت الزيدية فرقًا، أشرُّهم وأشنعُهم: الجاروديةُ (الحوثيون حديثًا)، جميعهم متفقون على أن من طلب الحكم، أو الإمامة من ولد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وجب الخروج، وسَلُّ السيف معه، كما اتفقوا على أن أصحاب الكبائر، مخلدون في النار، وجميعهم ينفون شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم – لعصاة الأمة، كما أنهم متفقون على أن عليًّا، أفضلُ من جميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي هذا ردٌّ صريحٌّ للقرآن والسنة، كما أنهم يقولون بتقية الروافض، ولكن إذا لزم الأمر.
وأكثر الزيدية، طعنت في الصحابة طعن الإمامية؛ كما قال الشهرستاني في كتابه " الملل والنحل".
قال أبو الحسن الأشعريُّ في "مقالات الإسلاميين" (ج 1 / ص 65): "سموا زيدية؛ لتمسُّكِهم بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان زيد بن على، يفضل على بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتولى أبا بكر وعمر ، ويرى الخروجَ على أئمة الْجَوْر... فلما سمع زيد من بعض أتباعه الطعنَ على أبى بكر وعمر، فأنكر ذلك على من سمعه منه؛ فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم: رفضتموني؟! فيقال: إنهم سموا الرافضة؛ لقول ذلك.
قال: ومنهم: الجارودية، يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على علي بن أبى طالب بالوصف، لا بالتسمية، فكان هو الإمامَ من بعده، وأن الناس ضلوا وكفروا بتركهم الاقتداءَ به بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم الحسنُ من بعد على، هو الإمام، ثم الحسينُ هو الإمام من بعد الحسن.
والفرقة الثانية: السليمانية، يزعمون أن الإمامةَ شورى، وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها قد تصلح في المفضول، وإن كان الفاضلُ أفضلَ في كل حال، ويثبتون إمامة الشيخين: أبى بكر، وعمر.
وحكى زرقانُ، عن سليمانَ بنِ جرير: أنه كان يزعم أن بيعة أبى بكر وعمر، خطأٌ، لا يستحقان عليها اسم الفسق؛ من قبل التأويل، وأن الأمة قد تركت الأصلح في بيعتهما، وكان سليمانُ بنُ جرير يكفر عثمان؛ عند الأحداث التي نُقمت عليه.
والفرقة الثالثة: البترية، يزعمون أن عليًّا أفضلُ الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبى بكر، وعمر، ليست بخطإٍ؛ لأن عليًّا ترك ذلك لهما، ويقفون في عثمانَ، وفى قتلته، ولا يقدمون عليه بِإِكْفار، وينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا.
والفرقة الرابعة: النعيمية، يزعمون أن عليًّا، كان مستحقًا للإمامة، وأنه أفضلُ الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن الأمة ليست بمخطئة خطأ إثم في أن ولت أبا بكرٍ، وعمرَ - رضوانُ الله عليهما - ولكنها مخطئةٌ خطأً بينًا في ترك الأفضلِ، وتبرؤوا من عثمانَ، ومن محاربِ علىٍّ، وشهدوا عليه بالكفر.
والفرقة الخامسة: يتبرءون من أبى بكر ،وعمر، ولا ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة.
والفرقة السادسة: اليعقوبية، يتولون أبا بكر، وعمر، ولا يتبرؤون ممن هو برىءٌ منهما، وينكرون رجعةَ الأموات.
قال أبو الحسن الأشعري: وأجمعتِ الزيديةُ أن أصحاب الكبائر، كلهم معذبون في النار، خالدون فيها، محلدون أبدًا لا يخرجون.
وأجمعتِ الروافضُ، والزيديةُ على تفضيلِ علِىٍّ علَى سائر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أنه ليس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ منه. أهـ. مختصرًا وبتصرف يسير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (ج 13 / ص 34):"قال سفيانُ الثوريُّ: "من فضَّل عليًّا على أبي بكرٍ، وعمرَ، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وما أرى يصعد له إلى الله - عز وجل - عمل؛ وهو كذلك"؛ رواه أبو داود في سننه، وكأنه يعرض بالحسن بن صالح بن حيّ، فإن الزيدية الصالحية - وهم أصلح طوائف الزيدية - ينسبون إليه".
معتقدُ الشيعة الزيديةِ:
بالإضافة إلى ما ذكرناه عن ضلالات الزيدية، فقد تأثرت بعقائد المعتزلة الباطلة، حتى صارت معتقداتٍ راسخةً للزيديةِ؛ فقالوا بأصول المعتزلة الخمسة، وهي:
1- التوحيد: ومعناه: نفي صفات الله - تعالى - كمذهب الجهمية الكفار.
2- العدل: ومعناه: نفيُ القدر.
3- المنزلة بين المنزلتين: حيث قالوا: إن مرتكب الكبيرة، ليس بمسلم، ولا كافر، ولكنه في منزلة بين المنزلتين .
4- إنفاذ الوعيد: ومعناه: أن صاحب الكبيرة، مخلدٌ في نار جهنمَ - عياذًا بالله - وأهل السنة يقولون: إن صاحب الكبيرة - غير المستحل - أمره إلى الله - عز وجل - فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، ثم يدخله الجنة، وإن شاء غفر له، وأدلة أهل السنة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، مشهورةٌ، وليس هذا موضعَ بسطِها.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وفي هذا يرون وجوب الخروج على الولاة إذا ظلموا، وإن لم يأتوا بالكفر الصريح .
والحاصل: أن الزيديةَ وعيديةٌ في "باب الأسماء، والأحكام"، قدرية في "باب القدر"، جهمية محضة في "باب الصفات".
وقال أبو محمد بن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل": " ثم اختلف الزيدية فرقًا، فقالت طائفة: إن الصحابة ظلموه – أي علي رضي الله عنه - وكفروا من خالفه من الصحابة، وهم الجارودية، وقالت أخرى: إن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يظلموه، لكنه طربت نفسه بتسليم حقه إلى أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما - وأنهما إماما هُدى، ووقف بعضهم في عثمان - رضي الله عنه - وتولاه بعضهم".
قال: "وجميع الزيدية، لا يختلفون في أن الإمامة في جميع ولد علي بن أبي طالب، من خرج منهم يدعو إلى الكتاب والسنة، وجب سَلُّ السيفِ معه".
قال: "وذهب جميع المعتزلة، وجميع الخوارج الزيدية: إلى أن سل السيوفِ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع، ولا ييأسون من الظَفَر، ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون؛ لقلتهم، وضعفهم بظفر، كانوا في سعة من ترك التغيير باليد".
ثم قال - رحمه الله -: ذِكرُ شنع الشيعة، أهل الشنع من هذه الفرقة، ثلاث طوائف، أولها: الجارودية من الزيدية، ثم الإمامية من الرافضة، ثم الغالية" اهـ. موضع الحجة منه مختصرًا.
قال العلامة المقبلي - المتوفَّى 1108 هـ، وهو من كبار علماء اليمن، وقد وسمه الشوكاني بالمجتهد المطلق، قال في كتابه " دليل العلم الشامخ ": "إن الزيدية ليس لهم قاعدة محددة، فإنهم – أحيانًا - يطعنون في بعض خيار الصحابة، كأبي هريرةَ، وجريرٍ البجليِّ، وأم المؤمنين حبيبةَ - رضي الله عنهم - لأنهم رووا ما يخالف هواهم، وإذا جاءهم الحديث على ما يوافق هواهم، قبلوه من طريق ذلك الصحابي، وإن كان أقل فضلًا ورتبةً ممن طعنوا فيه". اهـ. موضع الشاهد منه.
والذي يظهر: أن زيدية اليمن المعاصرين الحوثيين، هم (الجارودية)، وهم أقرب إلى الشيعة الإمامية الرافضية الجعفرية، حيث تحصر (الجارودية) الإمامة في أولاد فاطمةَ - رضي الله عنها – فقط، وقد تحول كثير من الشيعة الزيدية إلى المعتقد الرافضي، وهذا غير مستغرب، فالجارودية إخوة للرافضة، أو أخبث، وليس باليمن من فرق الزيدية غيرهم، وهم في صنعاءَ، وصعدةَ، وما يليها؛ كما قال نشوان بن سعيد الحِمْيرِي (573هـ).
ولعله قد بان لك سر التقارب الصفوي الحوثي، والدعم الرافضي (اللوجستي) لإخوانهم في المعتقد، الجارودية، أو الحوثية، على بَلَدَيِ الإسلام والعرب الخُلَّص؛ أملًا في إقامة الهلال الشيعي، الصفوي، الرافضي، وإعادةِ أمجاد ساسان – عليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - والعودةِ لأمجاد الفرس (الدولة الشعوبية)، فأنساهم حقدهم الدفين، وأعمتهم حميتهم الإيوانية الكِسروية، عن شدة بأس أهل السنة، حماة التوحيد الخالص، فدون ما أردوا - بعون الله وتوفيقه - خرط القتاد.
ولعلك أدركت مما سبق: أن أن مقولة أصحاب "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة 1/81": إن الزيدية أقرب فرق إلى أهل السنة، ليس مدحًا للزيدية؛ لأن الجارودية إن لم تكن أشرَّ من الرافضة، فهي مثلهم، أو يعتذر عنهم بأن يكون المعنى، كما يقال: الشمس أقرب نجم إلى الأرض، وهي تبعد عن الأرض 93 مليون ميلٍ، أو كما يقول علماء الجرح والتعديل: هذا الحديث، أصح ما في الباب، وهو في نفسه منكر؛ لأن جميع ما في الباب من الموضوعات.
وتصحيح العبارة أن نقول كما قال أبو محمد بن حزم في "الفصل في الملل والنحل" (ج 2 / ص 89): "وأقربُ مذاهبِ الشيعةِ إلى أهلِ السنةِ، المنتمون إلى أصحابِ الحسن بن صالح بن حيّ الهمذاني الفقيه، القائلون بأن الإمامة في ولد علي - رضي الله عنه - والثابت عن الحسن بن صالح - رحمه الله - أن الإمامة في جميع قريش، وتولِّي جميع الصحابة - رضي الله عنهم - إلا أنه كان يفضل عليًّا على جميعهم". اهـ مختصرًا.
وليس للحسن بن صالح بن حيّ الهمذاني – فيما نعلم – أتباع من عصور متباعدة، إلى يوم الناس هذا، وأن زيدية اليوم، جارودية، حوثية، ضُلَّال، خُلَّص.
هذا؛ وقد أسست الزيديةُ دولةً شيعيةً في اليمن، فخرجت على الدولة العثمانية في عام 1322هـ، مع إمامهم: يحيى بنِ منصور بنِ حميد الدين، واستمرت دولتهم حتى عام 1382هـ، إلا أنهم لا زالوا في اليمن؛ إذ يمثلون ربع السكان تقريبا.
دحض مقولة إن الزيدية أقرب طوائف الشيعة لأهل السنة (2)
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
بينّا في المقال السابق خطأَ إطلاق القول بأن الزيديةَ أقربُ لأهل السنة، ثم ذكرنا توجيهَ تلك المقولةِ، وأنها قيلت في أحد فرق الزيدية، وهي الصالحيةُ (الزيدية المفضِّلة) - على ما في هذه الفرقة من ضلال - كما قال سفيان الثوري : "من فضل عليًّا على أبي بكر، وعمر، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ وما أرى يصعدُ له إلى الله عمل مع ذلك"، وقال أيوب السِّخْتِيَاني: "من قدم عليًّا على عثمان، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار".
قال شيخ الإسلام - في "مجموع الفتاوى" (ج 4 / ص 428) -:
"... وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي؛ فلهذا قال أيوب، وأحمد بن حنبل، والدارقطني: "من قدم عليًّا على عثمان، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار"؛ فإنه وإن لم يكن عثمان أحقَّ بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني.
ومن نسبهم إلى الجهل، والظلم، فقد أزرى بهم. ولو زعم زاعم، أنهم قدموا عثمان؛ لضَغَن كان في نفس بعضهم على علِيٍّ، وأن أهل الضَغَن كانوا ذوي شوكة، ونحو ذلك، مما يقوله أهل الأهواء - فقد نسبهم إلى العجز عن القيام بالحق، وظهورِ أهلِ الباطل منهم على أهل الحق، هذا وهْم في أعز ما كانوا، وأقوى ما كانوا. فإنه حين مات عمر، كان الإسلام: من القوة، والعز، والظهور، والاجتماع، والائتلاف، فيما لم يصيروا في مثله قط.
وكان عمر أعزَّ أهلَ الإيمانِ، وأذلَّ أهلَ الكفرِ والنفاقِ، إلى حد بلغ في القوةِ، والظهورِ مبلغًا لا يخفى على من له أدنى معرفةٍ بالأمور.
فمن جعلهم في مثل هذه الحال جاهلين، أو ظالمين، أو عاجزين عن الحق فقد أزرى بهم، وجعل خيرَ أمةٍ أُخْرجت للناس على خلافِ ما شَهِد اللهُ به لهم.
وهذا هو أصل مذهب "الرافضة"؛ فإنه يكونُ الرجل واقفًا، ثم يصيرُ مفضِّلًا، ثم يصير سبَّابًا، ثم يصيرُ غاليًا، ثم يصيرُ جاحدًا معطلًا.
فإن القدْحَ في خير القرون الذين صحبوا الرسولَ، قدْحٌ في الرسول - عليه السلامُ - كما قال مالكٌ وغيره من أئمة العلم.
هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما طعنوا في أصحابه؛ ليقول القائل: رجلُ سوءٍ كان له أصحابُ سوءٍ؛ ولو كان رجلًا صالحًا، لكان أصحابه صالحين". اهـ. موضع الحجة منه مختصرًا.
وقد أشرنا - فيما سبق – إلى الارتباط الوثيق بين الشيعة الزيدية المعتزلة، وأن الزيدية يقولون بعقائدهم الباطلة، فيما يتعلق بذات الله – تعالى - والقدر، وتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وغيرها ذلك من العقائد المرذولة.
وقد مال الشهرستاني في "الملل والنحل"، إلى أن الارتباط بين الفرقتين قديم، وزعم أن زيد بن علي، تتلمذ على يد واصلِ بنِ عطاءِ رأسِ المعتزلة، وأخذ العقيدة عنه، فقال[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]ج 1 / ص155): "وزيد بن علي، لما كان مذهبه هذا المذهب أراد أن يحصل الأصول والفروع، حتى يتحلى بالعلم، فتلمذ في الأصول لواصل بن عطاء الغزَّالِ الألثغِ رأس المعتزلة ورئيسِهم، مع اعتقاد واصل، أن جده علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأهل الشام، ما كان على يقين من الصواب، وأن أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه، فاقتبس منه الاعتزالَ، وصارت أصحابُهُ كلُّهم معتزلةً" اهـ .
وقال أيضًا: (ج 1 / ص 30): "والقدرية ابتدؤوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين، فسمي هو وأصحابه معتزلةً، وقد تتلمذ له زيد بن علي، وأخذ الأصول؛ فلذلك صارت الزيديةُ كلُّهم معتزلةً، ومن رفض زيد بن علي لأنه خالف مذهب آبائه في الأصول، وفي التبرئ، والتولي، وهم أهل الكوفة، وكانوا جماعة سموا رافضة، ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة، حين نُشرت أيام المامون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام". اهـ.
وقال الشهرستاني "الملل والنحل" (1/162): وأكثرهم في زماننا مقلدون؛ لا يرجعون إلى رأي أو اجتهاد: أما في الأصول؛ فيرون رأي المعتزلة: حذوَ القذَّة بالقذَّة؛ ويعظمون أئمة الاعتزال أكثرَ من تعظيمهم أئمةَ أهل البيت.
وأما في الفروع: فهم على مذهب أبي حنيفة، إلا في مسائل قليلة، يوافقون فيها الشافعي - رحمه الله - والشيعة.
وقد حكى أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ج 1 / ص 74) موافقة الزيدية لعقائد المعتزلة، ولكن لم يذكر أن ذلك كان قديمًا، ولا ذكر تتلمذ زيد على واصل، فقال: "وأجمعت الزيدية على أن أصحاب الكبائر كلَّهم معذبون في النار، خالدون فيها مخلدون أبدًا، لا يخرجون منها، ولا يغيبون عنها، وأجمعوا جميعًا، على تصويب علي بن أبى طالب في حربه، وعلى تخطئة من خالفه".
قال: والزيدية بأجمعها، ترى السيف والعرض على أئمة الجور، وإزالة الظلم، وإقامة الحق، وهى بأجمعها، لا ترى الصلاة خلف الفاجر، ولا تراها إلا خلف من ليس بفاسق".
ولا يخفى أن كل ما سبق من الأصول الكبار للمعتزلة.
وانظر العلم الشامخ: (319)، للعلامة المقبلي.
وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - في أكثر كتبه – وفي مواضع لا تحصى منها، يقرن بين الفرقتين في حكاية العقائد الباطلة، فقال في "منهاج السنة النبوية" (ج 3 / ص 461): وكذلك المعتزلة، باينوا جميع الطوائف، فيما اختصوا به من المنزلة بين المنزلتين، وقولهم: إن أهل الكبائر يخلدون في النار، وليسوا بمؤمنين ولا كفار؛ فإن هذا قولُهم الذي سُمُّوا به معتزلةً، فمن وافقهم فيه بعد ذلك من الزيدية، فعنهم أخذوا" وقال في : مجموع الفتاوى (ج 1 / ص 148):
"وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته، فمتفقٌ عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين الأربعة، وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع، من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخلُ النار لا يخرجُ منها".
وقال الفتاوى الكبرى (ج 6 / ص 550): "ذهبت المعتزلة والخوارج والزيدية الإمامية، ومن عداهم من أهل الأهواء، إلى أن كلام الباري - تعالى - عن قول الزائغين حادث، مستفتح الوجود، وصار صائرون من هؤلاء إلى الامتناع من تسميته مخلوقًا، مع القطع بحدوثه؛ لما في لفظ المخلوق من إيهام الخلق؛ إذ الكلامُ المختلق، هو الذي يبديه المتكلمُ تخرصًا من غير أصل، وأطلق معظم المعتزلة لفظَ المخلوق على كلام الله".
وقال في بيان تلبيس الجهمية (ج 1 / ص 410): "زعمت المعتزلة بأجمعها، والخوارج بأسرها، وأكثر الزيدية، وكثير من الشيعة والمرجئة - سوى أصحابِ الحديثِ من أهل الإرجاء - أن الله ليس بجسم ولا صورة، ولا جزء ولا عرض، وليس يشبه شيئًا من ذلك".
وقال - في معرض كلامه عن المعتزلة "منهاج السنة النبوية" (ج 1 / ص 70) -: "وأما التفضيل، فأئمتهم وجمهورهم، كانوا يفضلون أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - وفي متأخريهم من توقف في التفصيل، وبعضهم فضل عليًّا، فصار بينهم وبين الزيدية نسبٌ واشِجٌ، من جهة المشاركة في التوحيد والعدل والإمامة والتفضيل، وكان قدماء المعتزلة وأئمتهم، كعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهم، متوقفين في عدالةِ عليٍّ".
وقال - في معرض كلامه عن إثابة الله للمطيع، والعفو عن العاصي أو تعذيبه "منهاج السنة"(2/ 302) -: "فهذا مذهب أهل السنة الخاصة وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة،... والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار، وأما الشيعة، فالزيدية منهم، أو أكثر الزيدية تقول بقول المعتزلة في ذلك، والإمامية على قولين".
وقال - منهاج السنة النبوية (ج 8 / ص 224) -: "والمعتزلة كان قدماؤهم يميلون إلى الخوارج، ومتأخروهم يميلون إلى الزيدية".
فلعله قد ظهر للقارئ الكريم من تلك النقولات، الصلةُ العلمية الوثيقة بين الزيدية والمعتزلة، وأن الزيديةَ معتزلةٌ في باب الأسماء والصفات، وفي باب القدر، وغيرهما من عقائد وأقوال المعتزلة الفاسدة، وأن المذهب الزيدي، حَفِظَ أصولَ المعتزلة؛ فلهم الفضلُ في حفظ بعض تراث المعتزلة من الاندثارِ والانطماس، حيث نقلوا ما أمكنهم من كتب المعتزلة، بعد إبادتهم في العراق إلى اليمن، ككتاب "المغني" للقاضي عبد الجبار، و"الأُصولِ الخمسةِ"، وغيرِهما من الآثار الكلامية، ولولاهم لكان مصيرُ آثار المعتزلة الاندثار.
إلا أن العلماء بالفرق مختلفون، فيما إذا كانت الزيدية على أصول المعتزلة منذ نشأتها - كما سبق نقله عن الشهرستاني - أم أن هذا التأثر قد تأخر إلى أواخر القرن الثالث الهجريّ، واستمر إلى يومنا هذا، أي: على مدى أكثرَ من ألف عام.
والذي يظهر، أن القول الأخير، هو ما تطمئن إليه النفس؛ لأنه لم يذكر أحد ممن له اهتمام بالفرق، كشيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية"، وابن حزم في "الفصل"، والأشعريِّ في "مقالات الإِسلاميين"، والنوبختيِّ في "فرق الشيعة"، والبغداديِّ في "الفرق بين الفرق"، وغيرهم؛ لم يذكروا تَتَلْمُذَ زيدِ بنِ الحسين عليٍّ على واصل بن عطاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - "منهاج السنة النبوية" (ج 1 / ص 31) -: " وكان متكلمو الشيعة، كهشام بن الحكم، وهشام بن الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمى، وأمثالهم، يزيدون في إثبات الصفات على مذهب أهل السنة، فلا يقنعون بما يقوله أهل السنة والجماعة، من أن القرآن غيرُ مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، وغيرِ ذلك من مقالاتِ أهل السنةِ والحديث، حتى يبتدعو في الغلو في الإثبات والتجسيم والتبعيض والتمثيل، ما هو معروف من مقالاتهم التي ذكرها الناس، ولكن في أواخر المائة الثالثة، دخل من دخل من الشيعة في أقوال المعتزلة، كابن النوبختي صاحب كتاب "الآراء والديانات"، وأمثاله، وجاء بعد هؤلاء المفيد بن النعمان وأتباعه، ولهذا تجد المصنفين في المقالات كالأشعريِّ، لا يذكرون عن أحد من الشيعة، أنه وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم، إلا عن بعض متأخريهم، وإنما يذكرون عن بعض قدمائهم التجسيم، وإثبات القدر وغيره".
هذا؛ وكونُ الصلةِ بين الزيديةِ والمعتزلةِ منذُ النشأة، أو من نهاية القرن الثالث، لا يغير من الأمر أو الواقع شيئًا، فلن ينفعَ الخلفَ كونُ سلفِهِم أقلَّ بدعةً وضلالًا منهم؛ كما لم ينفعِ الصوفيةَ القبوريةَ المعاصرةَ كونُ كثيرٍ من أسلافِهِم كانوا زُهَّادًا عُبَّادًا حقًّا، ولم يكونوا قبوريين.
ففي القرونِ الثلاثةِ الأخيرة، تحولتِ الصوفيةُ تحوُّلًا جزريًّا إلى القبورية، وأحسبه يشبه - تمامًا - التحولَ الزيديَّ إلى الاعتزال؛ فضلًا عن أصولها الشيعية الضالة الأخرى، قبل أكثرَ من عشَرة قرون. هذا؛ وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.
هذا لكل من ينافح ويكافح عن الزيدية وعلى رأسهم الرئيس اليمني الذي أتخذه من دون أخوانه من أهل السنة والجماعة ولكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
فالزيديةُ فرقة من فرق الشيعة المبتدِعة الضُّلاَّل، تنسب إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنهم – وقد افترقت الزيدية فرقًا، أشرُّهم وأشنعُهم: الجاروديةُ (الحوثيون حديثًا)، جميعهم متفقون على أن من طلب الحكم، أو الإمامة من ولد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وجب الخروج، وسَلُّ السيف معه، كما اتفقوا على أن أصحاب الكبائر، مخلدون في النار، وجميعهم ينفون شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم – لعصاة الأمة، كما أنهم متفقون على أن عليًّا، أفضلُ من جميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي هذا ردٌّ صريحٌّ للقرآن والسنة، كما أنهم يقولون بتقية الروافض، ولكن إذا لزم الأمر.
وأكثر الزيدية، طعنت في الصحابة طعن الإمامية؛ كما قال الشهرستاني في كتابه " الملل والنحل".
قال أبو الحسن الأشعريُّ في "مقالات الإسلاميين" (ج 1 / ص 65): "سموا زيدية؛ لتمسُّكِهم بقول زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان زيد بن على، يفضل على بن أبي طالب على سائر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتولى أبا بكر وعمر ، ويرى الخروجَ على أئمة الْجَوْر... فلما سمع زيد من بعض أتباعه الطعنَ على أبى بكر وعمر، فأنكر ذلك على من سمعه منه؛ فتفرق عنه الذين بايعوه، فقال لهم: رفضتموني؟! فيقال: إنهم سموا الرافضة؛ لقول ذلك.
قال: ومنهم: الجارودية، يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على علي بن أبى طالب بالوصف، لا بالتسمية، فكان هو الإمامَ من بعده، وأن الناس ضلوا وكفروا بتركهم الاقتداءَ به بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم الحسنُ من بعد على، هو الإمام، ثم الحسينُ هو الإمام من بعد الحسن.
والفرقة الثانية: السليمانية، يزعمون أن الإمامةَ شورى، وأنها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنها قد تصلح في المفضول، وإن كان الفاضلُ أفضلَ في كل حال، ويثبتون إمامة الشيخين: أبى بكر، وعمر.
وحكى زرقانُ، عن سليمانَ بنِ جرير: أنه كان يزعم أن بيعة أبى بكر وعمر، خطأٌ، لا يستحقان عليها اسم الفسق؛ من قبل التأويل، وأن الأمة قد تركت الأصلح في بيعتهما، وكان سليمانُ بنُ جرير يكفر عثمان؛ عند الأحداث التي نُقمت عليه.
والفرقة الثالثة: البترية، يزعمون أن عليًّا أفضلُ الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأَولاهم بالإمامة، وأن بيعة أبى بكر، وعمر، ليست بخطإٍ؛ لأن عليًّا ترك ذلك لهما، ويقفون في عثمانَ، وفى قتلته، ولا يقدمون عليه بِإِكْفار، وينكرون رجعة الأموات إلى الدنيا.
والفرقة الرابعة: النعيمية، يزعمون أن عليًّا، كان مستحقًا للإمامة، وأنه أفضلُ الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن الأمة ليست بمخطئة خطأ إثم في أن ولت أبا بكرٍ، وعمرَ - رضوانُ الله عليهما - ولكنها مخطئةٌ خطأً بينًا في ترك الأفضلِ، وتبرؤوا من عثمانَ، ومن محاربِ علىٍّ، وشهدوا عليه بالكفر.
والفرقة الخامسة: يتبرءون من أبى بكر ،وعمر، ولا ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة.
والفرقة السادسة: اليعقوبية، يتولون أبا بكر، وعمر، ولا يتبرؤون ممن هو برىءٌ منهما، وينكرون رجعةَ الأموات.
قال أبو الحسن الأشعري: وأجمعتِ الزيديةُ أن أصحاب الكبائر، كلهم معذبون في النار، خالدون فيها، محلدون أبدًا لا يخرجون.
وأجمعتِ الروافضُ، والزيديةُ على تفضيلِ علِىٍّ علَى سائر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أنه ليس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ منه. أهـ. مختصرًا وبتصرف يسير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (ج 13 / ص 34):"قال سفيانُ الثوريُّ: "من فضَّل عليًّا على أبي بكرٍ، وعمرَ، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وما أرى يصعد له إلى الله - عز وجل - عمل؛ وهو كذلك"؛ رواه أبو داود في سننه، وكأنه يعرض بالحسن بن صالح بن حيّ، فإن الزيدية الصالحية - وهم أصلح طوائف الزيدية - ينسبون إليه".
معتقدُ الشيعة الزيديةِ:
بالإضافة إلى ما ذكرناه عن ضلالات الزيدية، فقد تأثرت بعقائد المعتزلة الباطلة، حتى صارت معتقداتٍ راسخةً للزيديةِ؛ فقالوا بأصول المعتزلة الخمسة، وهي:
1- التوحيد: ومعناه: نفي صفات الله - تعالى - كمذهب الجهمية الكفار.
2- العدل: ومعناه: نفيُ القدر.
3- المنزلة بين المنزلتين: حيث قالوا: إن مرتكب الكبيرة، ليس بمسلم، ولا كافر، ولكنه في منزلة بين المنزلتين .
4- إنفاذ الوعيد: ومعناه: أن صاحب الكبيرة، مخلدٌ في نار جهنمَ - عياذًا بالله - وأهل السنة يقولون: إن صاحب الكبيرة - غير المستحل - أمره إلى الله - عز وجل - فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، ثم يدخله الجنة، وإن شاء غفر له، وأدلة أهل السنة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، مشهورةٌ، وليس هذا موضعَ بسطِها.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وفي هذا يرون وجوب الخروج على الولاة إذا ظلموا، وإن لم يأتوا بالكفر الصريح .
والحاصل: أن الزيديةَ وعيديةٌ في "باب الأسماء، والأحكام"، قدرية في "باب القدر"، جهمية محضة في "باب الصفات".
وقال أبو محمد بن حزم في "الفصل في الملل والأهواء والنحل": " ثم اختلف الزيدية فرقًا، فقالت طائفة: إن الصحابة ظلموه – أي علي رضي الله عنه - وكفروا من خالفه من الصحابة، وهم الجارودية، وقالت أخرى: إن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يظلموه، لكنه طربت نفسه بتسليم حقه إلى أبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما - وأنهما إماما هُدى، ووقف بعضهم في عثمان - رضي الله عنه - وتولاه بعضهم".
قال: "وجميع الزيدية، لا يختلفون في أن الإمامة في جميع ولد علي بن أبي طالب، من خرج منهم يدعو إلى الكتاب والسنة، وجب سَلُّ السيفِ معه".
قال: "وذهب جميع المعتزلة، وجميع الخوارج الزيدية: إلى أن سل السيوفِ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجب إذا لم يمكن دفع المنكر إلا بذلك، قالوا: فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع، ولا ييأسون من الظَفَر، ففرض عليهم ذلك، وإن كانوا في عدد لا يرجون؛ لقلتهم، وضعفهم بظفر، كانوا في سعة من ترك التغيير باليد".
ثم قال - رحمه الله -: ذِكرُ شنع الشيعة، أهل الشنع من هذه الفرقة، ثلاث طوائف، أولها: الجارودية من الزيدية، ثم الإمامية من الرافضة، ثم الغالية" اهـ. موضع الحجة منه مختصرًا.
قال العلامة المقبلي - المتوفَّى 1108 هـ، وهو من كبار علماء اليمن، وقد وسمه الشوكاني بالمجتهد المطلق، قال في كتابه " دليل العلم الشامخ ": "إن الزيدية ليس لهم قاعدة محددة، فإنهم – أحيانًا - يطعنون في بعض خيار الصحابة، كأبي هريرةَ، وجريرٍ البجليِّ، وأم المؤمنين حبيبةَ - رضي الله عنهم - لأنهم رووا ما يخالف هواهم، وإذا جاءهم الحديث على ما يوافق هواهم، قبلوه من طريق ذلك الصحابي، وإن كان أقل فضلًا ورتبةً ممن طعنوا فيه". اهـ. موضع الشاهد منه.
والذي يظهر: أن زيدية اليمن المعاصرين الحوثيين، هم (الجارودية)، وهم أقرب إلى الشيعة الإمامية الرافضية الجعفرية، حيث تحصر (الجارودية) الإمامة في أولاد فاطمةَ - رضي الله عنها – فقط، وقد تحول كثير من الشيعة الزيدية إلى المعتقد الرافضي، وهذا غير مستغرب، فالجارودية إخوة للرافضة، أو أخبث، وليس باليمن من فرق الزيدية غيرهم، وهم في صنعاءَ، وصعدةَ، وما يليها؛ كما قال نشوان بن سعيد الحِمْيرِي (573هـ).
ولعله قد بان لك سر التقارب الصفوي الحوثي، والدعم الرافضي (اللوجستي) لإخوانهم في المعتقد، الجارودية، أو الحوثية، على بَلَدَيِ الإسلام والعرب الخُلَّص؛ أملًا في إقامة الهلال الشيعي، الصفوي، الرافضي، وإعادةِ أمجاد ساسان – عليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - والعودةِ لأمجاد الفرس (الدولة الشعوبية)، فأنساهم حقدهم الدفين، وأعمتهم حميتهم الإيوانية الكِسروية، عن شدة بأس أهل السنة، حماة التوحيد الخالص، فدون ما أردوا - بعون الله وتوفيقه - خرط القتاد.
ولعلك أدركت مما سبق: أن أن مقولة أصحاب "الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة 1/81": إن الزيدية أقرب فرق إلى أهل السنة، ليس مدحًا للزيدية؛ لأن الجارودية إن لم تكن أشرَّ من الرافضة، فهي مثلهم، أو يعتذر عنهم بأن يكون المعنى، كما يقال: الشمس أقرب نجم إلى الأرض، وهي تبعد عن الأرض 93 مليون ميلٍ، أو كما يقول علماء الجرح والتعديل: هذا الحديث، أصح ما في الباب، وهو في نفسه منكر؛ لأن جميع ما في الباب من الموضوعات.
وتصحيح العبارة أن نقول كما قال أبو محمد بن حزم في "الفصل في الملل والنحل" (ج 2 / ص 89): "وأقربُ مذاهبِ الشيعةِ إلى أهلِ السنةِ، المنتمون إلى أصحابِ الحسن بن صالح بن حيّ الهمذاني الفقيه، القائلون بأن الإمامة في ولد علي - رضي الله عنه - والثابت عن الحسن بن صالح - رحمه الله - أن الإمامة في جميع قريش، وتولِّي جميع الصحابة - رضي الله عنهم - إلا أنه كان يفضل عليًّا على جميعهم". اهـ مختصرًا.
وليس للحسن بن صالح بن حيّ الهمذاني – فيما نعلم – أتباع من عصور متباعدة، إلى يوم الناس هذا، وأن زيدية اليوم، جارودية، حوثية، ضُلَّال، خُلَّص.
هذا؛ وقد أسست الزيديةُ دولةً شيعيةً في اليمن، فخرجت على الدولة العثمانية في عام 1322هـ، مع إمامهم: يحيى بنِ منصور بنِ حميد الدين، واستمرت دولتهم حتى عام 1382هـ، إلا أنهم لا زالوا في اليمن؛ إذ يمثلون ربع السكان تقريبا.
دحض مقولة إن الزيدية أقرب طوائف الشيعة لأهل السنة (2)
الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
بينّا في المقال السابق خطأَ إطلاق القول بأن الزيديةَ أقربُ لأهل السنة، ثم ذكرنا توجيهَ تلك المقولةِ، وأنها قيلت في أحد فرق الزيدية، وهي الصالحيةُ (الزيدية المفضِّلة) - على ما في هذه الفرقة من ضلال - كما قال سفيان الثوري : "من فضل عليًّا على أبي بكر، وعمر، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ وما أرى يصعدُ له إلى الله عمل مع ذلك"، وقال أيوب السِّخْتِيَاني: "من قدم عليًّا على عثمان، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار".
قال شيخ الإسلام - في "مجموع الفتاوى" (ج 4 / ص 428) -:
"... وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي؛ فلهذا قال أيوب، وأحمد بن حنبل، والدارقطني: "من قدم عليًّا على عثمان، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار"؛ فإنه وإن لم يكن عثمان أحقَّ بالتقديم وقد قدموه كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني.
ومن نسبهم إلى الجهل، والظلم، فقد أزرى بهم. ولو زعم زاعم، أنهم قدموا عثمان؛ لضَغَن كان في نفس بعضهم على علِيٍّ، وأن أهل الضَغَن كانوا ذوي شوكة، ونحو ذلك، مما يقوله أهل الأهواء - فقد نسبهم إلى العجز عن القيام بالحق، وظهورِ أهلِ الباطل منهم على أهل الحق، هذا وهْم في أعز ما كانوا، وأقوى ما كانوا. فإنه حين مات عمر، كان الإسلام: من القوة، والعز، والظهور، والاجتماع، والائتلاف، فيما لم يصيروا في مثله قط.
وكان عمر أعزَّ أهلَ الإيمانِ، وأذلَّ أهلَ الكفرِ والنفاقِ، إلى حد بلغ في القوةِ، والظهورِ مبلغًا لا يخفى على من له أدنى معرفةٍ بالأمور.
فمن جعلهم في مثل هذه الحال جاهلين، أو ظالمين، أو عاجزين عن الحق فقد أزرى بهم، وجعل خيرَ أمةٍ أُخْرجت للناس على خلافِ ما شَهِد اللهُ به لهم.
وهذا هو أصل مذهب "الرافضة"؛ فإنه يكونُ الرجل واقفًا، ثم يصيرُ مفضِّلًا، ثم يصير سبَّابًا، ثم يصيرُ غاليًا، ثم يصيرُ جاحدًا معطلًا.
فإن القدْحَ في خير القرون الذين صحبوا الرسولَ، قدْحٌ في الرسول - عليه السلامُ - كما قال مالكٌ وغيره من أئمة العلم.
هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما طعنوا في أصحابه؛ ليقول القائل: رجلُ سوءٍ كان له أصحابُ سوءٍ؛ ولو كان رجلًا صالحًا، لكان أصحابه صالحين". اهـ. موضع الحجة منه مختصرًا.
وقد أشرنا - فيما سبق – إلى الارتباط الوثيق بين الشيعة الزيدية المعتزلة، وأن الزيدية يقولون بعقائدهم الباطلة، فيما يتعلق بذات الله – تعالى - والقدر، وتخليد مرتكب الكبيرة في النار، وغيرها ذلك من العقائد المرذولة.
وقد مال الشهرستاني في "الملل والنحل"، إلى أن الارتباط بين الفرقتين قديم، وزعم أن زيد بن علي، تتلمذ على يد واصلِ بنِ عطاءِ رأسِ المعتزلة، وأخذ العقيدة عنه، فقال[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]ج 1 / ص155): "وزيد بن علي، لما كان مذهبه هذا المذهب أراد أن يحصل الأصول والفروع، حتى يتحلى بالعلم، فتلمذ في الأصول لواصل بن عطاء الغزَّالِ الألثغِ رأس المعتزلة ورئيسِهم، مع اعتقاد واصل، أن جده علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأهل الشام، ما كان على يقين من الصواب، وأن أحد الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه، فاقتبس منه الاعتزالَ، وصارت أصحابُهُ كلُّهم معتزلةً" اهـ .
وقال أيضًا: (ج 1 / ص 30): "والقدرية ابتدؤوا بدعتهم في زمان الحسن، واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين، فسمي هو وأصحابه معتزلةً، وقد تتلمذ له زيد بن علي، وأخذ الأصول؛ فلذلك صارت الزيديةُ كلُّهم معتزلةً، ومن رفض زيد بن علي لأنه خالف مذهب آبائه في الأصول، وفي التبرئ، والتولي، وهم أهل الكوفة، وكانوا جماعة سموا رافضة، ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة، حين نُشرت أيام المامون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام". اهـ.
وقال الشهرستاني "الملل والنحل" (1/162): وأكثرهم في زماننا مقلدون؛ لا يرجعون إلى رأي أو اجتهاد: أما في الأصول؛ فيرون رأي المعتزلة: حذوَ القذَّة بالقذَّة؛ ويعظمون أئمة الاعتزال أكثرَ من تعظيمهم أئمةَ أهل البيت.
وأما في الفروع: فهم على مذهب أبي حنيفة، إلا في مسائل قليلة، يوافقون فيها الشافعي - رحمه الله - والشيعة.
وقد حكى أبو الحسن الأشعري في "مقالات الإسلاميين" (ج 1 / ص 74) موافقة الزيدية لعقائد المعتزلة، ولكن لم يذكر أن ذلك كان قديمًا، ولا ذكر تتلمذ زيد على واصل، فقال: "وأجمعت الزيدية على أن أصحاب الكبائر كلَّهم معذبون في النار، خالدون فيها مخلدون أبدًا، لا يخرجون منها، ولا يغيبون عنها، وأجمعوا جميعًا، على تصويب علي بن أبى طالب في حربه، وعلى تخطئة من خالفه".
قال: والزيدية بأجمعها، ترى السيف والعرض على أئمة الجور، وإزالة الظلم، وإقامة الحق، وهى بأجمعها، لا ترى الصلاة خلف الفاجر، ولا تراها إلا خلف من ليس بفاسق".
ولا يخفى أن كل ما سبق من الأصول الكبار للمعتزلة.
وانظر العلم الشامخ: (319)، للعلامة المقبلي.
وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - في أكثر كتبه – وفي مواضع لا تحصى منها، يقرن بين الفرقتين في حكاية العقائد الباطلة، فقال في "منهاج السنة النبوية" (ج 3 / ص 461): وكذلك المعتزلة، باينوا جميع الطوائف، فيما اختصوا به من المنزلة بين المنزلتين، وقولهم: إن أهل الكبائر يخلدون في النار، وليسوا بمؤمنين ولا كفار؛ فإن هذا قولُهم الذي سُمُّوا به معتزلةً، فمن وافقهم فيه بعد ذلك من الزيدية، فعنهم أخذوا" وقال في : مجموع الفتاوى (ج 1 / ص 148):
"وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته، فمتفقٌ عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين الأربعة، وغيرهم، وأنكرها كثير من أهل البدع، من الخوارج والمعتزلة والزيدية، وقال هؤلاء: من يدخلُ النار لا يخرجُ منها".
وقال الفتاوى الكبرى (ج 6 / ص 550): "ذهبت المعتزلة والخوارج والزيدية الإمامية، ومن عداهم من أهل الأهواء، إلى أن كلام الباري - تعالى - عن قول الزائغين حادث، مستفتح الوجود، وصار صائرون من هؤلاء إلى الامتناع من تسميته مخلوقًا، مع القطع بحدوثه؛ لما في لفظ المخلوق من إيهام الخلق؛ إذ الكلامُ المختلق، هو الذي يبديه المتكلمُ تخرصًا من غير أصل، وأطلق معظم المعتزلة لفظَ المخلوق على كلام الله".
وقال في بيان تلبيس الجهمية (ج 1 / ص 410): "زعمت المعتزلة بأجمعها، والخوارج بأسرها، وأكثر الزيدية، وكثير من الشيعة والمرجئة - سوى أصحابِ الحديثِ من أهل الإرجاء - أن الله ليس بجسم ولا صورة، ولا جزء ولا عرض، وليس يشبه شيئًا من ذلك".
وقال - في معرض كلامه عن المعتزلة "منهاج السنة النبوية" (ج 1 / ص 70) -: "وأما التفضيل، فأئمتهم وجمهورهم، كانوا يفضلون أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - وفي متأخريهم من توقف في التفصيل، وبعضهم فضل عليًّا، فصار بينهم وبين الزيدية نسبٌ واشِجٌ، من جهة المشاركة في التوحيد والعدل والإمامة والتفضيل، وكان قدماء المعتزلة وأئمتهم، كعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وغيرهم، متوقفين في عدالةِ عليٍّ".
وقال - في معرض كلامه عن إثابة الله للمطيع، والعفو عن العاصي أو تعذيبه "منهاج السنة"(2/ 302) -: "فهذا مذهب أهل السنة الخاصة وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة،... والخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل الكبائر في النار، وأما الشيعة، فالزيدية منهم، أو أكثر الزيدية تقول بقول المعتزلة في ذلك، والإمامية على قولين".
وقال - منهاج السنة النبوية (ج 8 / ص 224) -: "والمعتزلة كان قدماؤهم يميلون إلى الخوارج، ومتأخروهم يميلون إلى الزيدية".
فلعله قد ظهر للقارئ الكريم من تلك النقولات، الصلةُ العلمية الوثيقة بين الزيدية والمعتزلة، وأن الزيديةَ معتزلةٌ في باب الأسماء والصفات، وفي باب القدر، وغيرهما من عقائد وأقوال المعتزلة الفاسدة، وأن المذهب الزيدي، حَفِظَ أصولَ المعتزلة؛ فلهم الفضلُ في حفظ بعض تراث المعتزلة من الاندثارِ والانطماس، حيث نقلوا ما أمكنهم من كتب المعتزلة، بعد إبادتهم في العراق إلى اليمن، ككتاب "المغني" للقاضي عبد الجبار، و"الأُصولِ الخمسةِ"، وغيرِهما من الآثار الكلامية، ولولاهم لكان مصيرُ آثار المعتزلة الاندثار.
إلا أن العلماء بالفرق مختلفون، فيما إذا كانت الزيدية على أصول المعتزلة منذ نشأتها - كما سبق نقله عن الشهرستاني - أم أن هذا التأثر قد تأخر إلى أواخر القرن الثالث الهجريّ، واستمر إلى يومنا هذا، أي: على مدى أكثرَ من ألف عام.
والذي يظهر، أن القول الأخير، هو ما تطمئن إليه النفس؛ لأنه لم يذكر أحد ممن له اهتمام بالفرق، كشيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية"، وابن حزم في "الفصل"، والأشعريِّ في "مقالات الإِسلاميين"، والنوبختيِّ في "فرق الشيعة"، والبغداديِّ في "الفرق بين الفرق"، وغيرهم؛ لم يذكروا تَتَلْمُذَ زيدِ بنِ الحسين عليٍّ على واصل بن عطاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - "منهاج السنة النبوية" (ج 1 / ص 31) -: " وكان متكلمو الشيعة، كهشام بن الحكم، وهشام بن الجواليقي، ويونس بن عبد الرحمن القمى، وأمثالهم، يزيدون في إثبات الصفات على مذهب أهل السنة، فلا يقنعون بما يقوله أهل السنة والجماعة، من أن القرآن غيرُ مخلوق، وأن الله يُرى في الآخرة، وغيرِ ذلك من مقالاتِ أهل السنةِ والحديث، حتى يبتدعو في الغلو في الإثبات والتجسيم والتبعيض والتمثيل، ما هو معروف من مقالاتهم التي ذكرها الناس، ولكن في أواخر المائة الثالثة، دخل من دخل من الشيعة في أقوال المعتزلة، كابن النوبختي صاحب كتاب "الآراء والديانات"، وأمثاله، وجاء بعد هؤلاء المفيد بن النعمان وأتباعه، ولهذا تجد المصنفين في المقالات كالأشعريِّ، لا يذكرون عن أحد من الشيعة، أنه وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم، إلا عن بعض متأخريهم، وإنما يذكرون عن بعض قدمائهم التجسيم، وإثبات القدر وغيره".
هذا؛ وكونُ الصلةِ بين الزيديةِ والمعتزلةِ منذُ النشأة، أو من نهاية القرن الثالث، لا يغير من الأمر أو الواقع شيئًا، فلن ينفعَ الخلفَ كونُ سلفِهِم أقلَّ بدعةً وضلالًا منهم؛ كما لم ينفعِ الصوفيةَ القبوريةَ المعاصرةَ كونُ كثيرٍ من أسلافِهِم كانوا زُهَّادًا عُبَّادًا حقًّا، ولم يكونوا قبوريين.
ففي القرونِ الثلاثةِ الأخيرة، تحولتِ الصوفيةُ تحوُّلًا جزريًّا إلى القبورية، وأحسبه يشبه - تمامًا - التحولَ الزيديَّ إلى الاعتزال؛ فضلًا عن أصولها الشيعية الضالة الأخرى، قبل أكثرَ من عشَرة قرون. هذا؛ وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.
هذا لكل من ينافح ويكافح عن الزيدية وعلى رأسهم الرئيس اليمني الذي أتخذه من دون أخوانه من أهل السنة والجماعة ولكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد