ابن الوزير
17 Jun 2011, 11:11 PM
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
تصحيح تصوّرات الزيدية عن السلفية (2) : نصوص الصفات بين الإثبات والتأويل
كانت ولا زالت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة التي تتحدث عن صفات الله تعالى من أكثر النصوص التي دار حولها الجدل والاختلاف، هل تُجرى على ظاهرها ويوصف ربنا تعالى بما دلّت عليه، أم الواجب تأويلها وصرف دلالتها، أم الأفضل السكوت المطلق عنها وتفويض معناها إلى الله تعالى ؟ هذه أشهر المذاهب وأقواها في المسألة .
والذي عليه أهل السنة والجماعة من أهل الحديث المسمّون بالسلفية أنّ الأصل حمل هذه النصوص على ظاهرها، وإثبات ما دلّت عليه من الصفات لله تعالى، وقد تقدّم في الحلقة الأولى بيان معنى الظاهر هنا، وبيان أن الإثبات لا يستلزم التشبيه أو التجسيم، ولمن أراد مراجعة الحلقة الأولى فمن ( هنا ) ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])
غير أنّ هناك تصوّرات خاطئة عن أهل هذا المذهب أهمّها:
1- الظنّ بأنهم يحملون كلّ نص على ظاهره ويمنعون من التأويل مطلقاً، فإذا وجدوا ما يدل على قولهم بالتأويل في بعض النصوص اتهموهم بالتناقض، ويكفي أن ينظر القارئ في بعض كتابات العلامة عبد المجيد الحوثي من الزيدية، والتي ملأها بتقرير هذا التصوّر عن السلفية.
2- إلزامهم القول بظاهر كلّ نص في الصفات ولو كان ضعيفاً، وتحميلهم أوزار غيرهم من غلاة المثبتة وأهل الحشو الذين أخذوا بالموضوعات في هذا الباب، وأثبتوا لله تعالى ما يتنزّه عنه من صفات النقص، أو اتخاذ بعض الأخطاء في هذا الباب وسيلةً للشنيع على أصل الإثبات، وهذا مبثوثٌ بكثرة في كتب الزيدية، ويكفي الاطلاع على بعض مواضيع الإخوة الزيدية ومشاركاتهم في هذه المسائل هنا في منتديات إظهار الحق؛ ليتبيّن ذلك .
وفي سبيل تصحيح هذا التصوّر - ولأنّ المقام لا يسمح بالإطالة والتفصيل - أورد للقارئ الكريم نصوصاً مختارة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فارس هذا الميدان، لعلّها أن تحقق المطلب وتفي بالغرض، ثم مع النقاش سيكون التمام بإذن الله تعالى إن حصل نقصٌ أو قصور .
المسألة الأولى: المذهب السلفي لا يمنع من التأويل مطلقاً :
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلا مما فيه كفاية وإنما نذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأي ) اهـ
وقال رحمه الله تعالى: ( ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره ؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه ؛ لأنه تفسير القرآن بالقرآن ؛ ليس تفسيرا له بالرأي . والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم ) اهـ
وهذا النص واضح لا يحتاج إلى زيادة تبيين إلا بذكر المسألة الثانية .
المسألة الثانية: شروط التأويل في المذهب السلفي :
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( إذا وصف الله نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله أو وصفه بها المؤمنون - الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم - فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها : إلى باطن يخالف الظاهر ومجاز ينافي الحقيقة لا بد فيه من أربعة أشياء : -
( أحدها : أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي ؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب أو خلاف الألسنة كلها ؛ فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له ؛ وإن لم يكن له أصل في اللغة .
( الثاني : أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة وفي معنى بطريق المجاز لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف . وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز .
( الثالث : أنه لا بد من أن يسلم ذلك الدليل - الصارف - عن معارض ؛ وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح .
( الرابع : أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد مجازه سواء عينه أو لم يعينه لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم ؛ دون عمل الجوارح ؛ فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن نورا وهدى وبيانا للناس وشفاء لما في الصدور وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .
ثم هذا " الرسول " الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما وأنصحهم للأمة وأبينهم للسنة فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره ؛
إما أن يكون عقليا ظاهرا مثل قوله : { وأوتيت من كل شيء } فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها وكذلك : { خالق كل شيء } يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم .
أو سمعيا ظاهرا مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر .
ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس سواء كان سمعيا أو عقليا ؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة ؛ وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره ؛ لأن هناك دليلا خفيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسا وتلبيسا وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان .
فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة ؟ ) اهـ
إذن هذه هي شروط التأويل عند ابن تيمية، وفي اعتقادي أنها شروطٌ منطقية بل ينبغي أن تكون اتفاقية .
يتــبـع ..
تصحيح تصوّرات الزيدية عن السلفية (2) : نصوص الصفات بين الإثبات والتأويل
كانت ولا زالت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة التي تتحدث عن صفات الله تعالى من أكثر النصوص التي دار حولها الجدل والاختلاف، هل تُجرى على ظاهرها ويوصف ربنا تعالى بما دلّت عليه، أم الواجب تأويلها وصرف دلالتها، أم الأفضل السكوت المطلق عنها وتفويض معناها إلى الله تعالى ؟ هذه أشهر المذاهب وأقواها في المسألة .
والذي عليه أهل السنة والجماعة من أهل الحديث المسمّون بالسلفية أنّ الأصل حمل هذه النصوص على ظاهرها، وإثبات ما دلّت عليه من الصفات لله تعالى، وقد تقدّم في الحلقة الأولى بيان معنى الظاهر هنا، وبيان أن الإثبات لا يستلزم التشبيه أو التجسيم، ولمن أراد مراجعة الحلقة الأولى فمن ( هنا ) ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])
غير أنّ هناك تصوّرات خاطئة عن أهل هذا المذهب أهمّها:
1- الظنّ بأنهم يحملون كلّ نص على ظاهره ويمنعون من التأويل مطلقاً، فإذا وجدوا ما يدل على قولهم بالتأويل في بعض النصوص اتهموهم بالتناقض، ويكفي أن ينظر القارئ في بعض كتابات العلامة عبد المجيد الحوثي من الزيدية، والتي ملأها بتقرير هذا التصوّر عن السلفية.
2- إلزامهم القول بظاهر كلّ نص في الصفات ولو كان ضعيفاً، وتحميلهم أوزار غيرهم من غلاة المثبتة وأهل الحشو الذين أخذوا بالموضوعات في هذا الباب، وأثبتوا لله تعالى ما يتنزّه عنه من صفات النقص، أو اتخاذ بعض الأخطاء في هذا الباب وسيلةً للشنيع على أصل الإثبات، وهذا مبثوثٌ بكثرة في كتب الزيدية، ويكفي الاطلاع على بعض مواضيع الإخوة الزيدية ومشاركاتهم في هذه المسائل هنا في منتديات إظهار الحق؛ ليتبيّن ذلك .
وفي سبيل تصحيح هذا التصوّر - ولأنّ المقام لا يسمح بالإطالة والتفصيل - أورد للقارئ الكريم نصوصاً مختارة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فارس هذا الميدان، لعلّها أن تحقق المطلب وتفي بالغرض، ثم مع النقاش سيكون التمام بإذن الله تعالى إن حصل نقصٌ أو قصور .
المسألة الأولى: المذهب السلفي لا يمنع من التأويل مطلقاً :
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلا مما فيه كفاية وإنما نذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأي ) اهـ
وقال رحمه الله تعالى: ( ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره ؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه ؛ لأنه تفسير القرآن بالقرآن ؛ ليس تفسيرا له بالرأي . والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم ) اهـ
وهذا النص واضح لا يحتاج إلى زيادة تبيين إلا بذكر المسألة الثانية .
المسألة الثانية: شروط التأويل في المذهب السلفي :
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى : ( إذا وصف الله نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله أو وصفه بها المؤمنون - الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم - فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها : إلى باطن يخالف الظاهر ومجاز ينافي الحقيقة لا بد فيه من أربعة أشياء : -
( أحدها : أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي ؛ لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربي ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب أو خلاف الألسنة كلها ؛ فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي ما يراد به اللفظ وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنح له ؛ وإن لم يكن له أصل في اللغة .
( الثاني : أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة وفي معنى بطريق المجاز لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف . وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز .
( الثالث : أنه لا بد من أن يسلم ذلك الدليل - الصارف - عن معارض ؛ وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها ثم إن كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت إلى نقيضه وإن كان ظاهرا فلا بد من الترجيح .
( الرابع : أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد مجازه سواء عينه أو لم يعينه لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم ؛ دون عمل الجوارح ؛ فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن نورا وهدى وبيانا للناس وشفاء لما في الصدور وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .
ثم هذا " الرسول " الأمي العربي بعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما وأنصحهم للأمة وأبينهم للسنة فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره ؛
إما أن يكون عقليا ظاهرا مثل قوله : { وأوتيت من كل شيء } فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها وكذلك : { خالق كل شيء } يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم .
أو سمعيا ظاهرا مثل الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر .
ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفي لا يستنبطه إلا أفراد الناس سواء كان سمعيا أو عقليا ؛ لأنه إذا تكلم بالكلام الذي يفهم منه معنى وأعاده مرات كثيرة ؛ وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكي والبليد والفقيه وغير الفقيه وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره ؛ لأن هناك دليلا خفيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسا وتلبيسا وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان .
فكيف إذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره أقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفي على أن الظاهر غير مراد أم كيف إذا كان ذلك الخفي شبهة ليس لها حقيقة ؟ ) اهـ
إذن هذه هي شروط التأويل عند ابن تيمية، وفي اعتقادي أنها شروطٌ منطقية بل ينبغي أن تكون اتفاقية .
يتــبـع ..