المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجهـلُ المُكعب ؟!!


الهمام2009
22 Aug 2011, 04:11 PM
الجهـلُ المُكعب ؟!!

/ بقلم : أبي فِهْر همام بن عبد الله الحسين


وقالَ الطَانِزونَ له فقيهٌ ... فصعَّدَ حاجبيهِ به وتَاها

وأطرَقَ للمسائلِ أيْ بأنّي ... ولا يَدرِي لَعَمرُكَ ما طَحَاها

كانَ منْ سَوَالِفِ الأقْضِيَةِ أنْ كتبَ اللهُ عليَّ يوماً ما أنْ أقرأ شيئاً "لشَرْلتَانٍ"(1) عريضِ الدعوى، و"جَهْكَبَارٍ" (2) سَخِيفِ الفَحوى، مقالاً بعنوان : لماذا جُلُّ الشعبِ اليمنيِّ يُحبُ الرئيسَ علي عبد الله صالح وفقهُ الله ؟!!! ولمْ يُخامرني شكٌ حينها وأنا أقرأ ذلك المقال أنَّ كاتبَ تلكَ السطورِ داخلٌ فيما يسميه الأطباءُ : " مانيا هلُّو سيناتوريا " وهو الهذيانُ والوسوسةُ واختلاطُ العقلِ، وقلت: "حالةُ لُطْفٍ" لعَليَّ أنْ أُجِمَّ نفسي بشيءٍ منْ اللهوِ قليل, ومضيتُ أقرأُ تلكَ المقالةِ كي أَسَرِّي عنْ نفسي ما أنا فيه، فأيامُنا هذهِ جَالِبَةٌ للغمِّ.

فرحتُ أقرأ المقالةَ وصاحبُها يُعددُ أسبابَ محبةِ الشعبِ للرئيسِ السببَ بعدَ السببِ, لا لشيءٍ إلاَّ لأسرِّي الهمَّ عنْ نفسي, فأضحكُ ولا أملكُ إلا الضَّحِكَ، حين أَراهُ يتقمَّصُ أحياناً قميصاً من الرزانةِ والجدِّ، ويركبُ أحياناً أخرى مركباً منْ التِيهِ والتَعَالمُِ، ويَسلُكُ ثالثةً مَسلَكاً منْ الإنصافِ والموضُوعيةِ.

وهكذا وجدتُ نفسي من فَرْطِ العَجَبِ قدْ غَلبني الضَّحِكُ, فمضيتُ أقرأُ فينفجرُ صدري بالضَّحِكِ وأنا وحدي، وتركتُ نفسي على سَجِيَّتها غيرَ مُحتَشمٍ وقد أخذَ مني الضَّحِكُ كُلَّ مَأْخذٍ, وإذْ بـ " أمِّ فِهْرٍ " على رأسي تنظُرُ إليَّ مُتعجِّبةً، وتدعُو لِي بالسلامةِ, وتُعَوِّذني بربِّ الفَلَقِ, منْ شرِّ ما خلقَ, وبربِّ الناسِ, ملكِ الناسِ, إلهِ الناسِ, منْ شرِّ الوسواسِ الخنَّاس, فكَفْكَفْتُ ما استشرَى من ضحكي على عَجَلٍ, مخافةَ أنْ تنظُرَ إليَّ بغيرِ العينِ التي ألِفَتْ أنْ تراني بها.

حتى إذا ما انصرفت عني عاودتُ القراءةَ مُجدداً، فعاودني الضَّحِكُ مُجدداً، فضحكتُ ولمْ أبالِ بما وجدتُ في المقالِ من حيفٍ شَديدٍ، وجهلٍ مُريعٍ, تحت عَجَاجٍ منْ التَعَالُمِ والتَنَفُخِ ، في غُرورٍ فاجرٍ، وسُوءِ أدبٍ وقِحَةٍ، وقَنِعتُ حينها بما سرَّى عني منْ الهمومِ بهذيانهِ ووسوستهِ واختلاطهِ. فقدْ وجدتُني ظفرتُ بما فوقَ المُنَى، بِترْيَاقٍ للهمِّ عجيب! فقد خفَّ كاتبُ المقالِ على قلبي جدّاً - رُغمَ أنّي قدْ عَهِدتُهُ فيما مضى"بجهلهِ وظلمهِ وهواه" أثقلَ منْ فيل - وتذكرتُ حينها ممَّا تَعلمتُه منْ دراستي للحسابِ والإحصاءِ ورِيَاضَةِ الأذهانِ بالأرقامِ والأعدادِ : أنَّ الرقمَ حين يُكتبُ مُجرَّداً يدلُّ ذلك على ذاتِ الرقمِ دونَ زِيَادةٍ أو نُقْصَان، فإنْ وُضِعَ أَعلاهُ رقمُ اثنين بخطٍ دقيقٍ هكذا ( 3 2 ) دلَّ ذلك على أنَّ هذا الرقمَ مَضروبٌ في ذاتهِ مرةً واحدةً, ويُقالُ له بلغةِ الحسابِ والإحصاء ( ( أُسّ ) – بضمِ الهمزةِ – تَرْبِيعْ ) ، وأمَّا إنْ وُضِعَ أعلاهُ رقمُ ثلاثةٍ كذلك بخطٍ دقيقٍ هكذا ( 3 3 ) فإنَّه حينئذٍ يكونُ مضروباً في ذاتهِ مرتين, ويُقالُ له بلغةِ الحسابِ والإحصاء ( ( أُسّ ) تَكْعِيبْ )، ولستُ ههنا بصددِ تلقينِ القراءِ دروساً في الإحصاءِ والحساب, ولكنِّي لمَّا رأيتُ ما امتازَ بها هذا "الشَرْلتَانُ" منْ عظيمِ الجهلِ المُركبِ, مع عظيمِ الحُمقِ والرُّعونَةِ, عَنَّ ليَّ أنَّه بالإمكانِ استحداثُ نوعٍ جديدٍ منْ أنواعِ الجهلِ, حيثُ أنَّ الجهلَ ينقسمُ عندَ الفقهاءِ والأصوليين وغيرِهم منْ أهلِ العلمِ إلى قسمين اثنين : أحدُهما / جهلٌ بسيط : وهو ما كان صاحبُه فاقداً للمعرفةِ فقداً تاماً، خِلواً من العلم خُلواً كاملاً. والآخرُ / الجهلُ المركب : وهو ما فقدَ منه صاحبُه المعرفةَ الصائبة, وأحلَّ عوضاً عنها معرفةً خاطئةً وعلماً مغلوطاً. فهذان النوعان منْ الجهلِ هما المعروفان الدارجان عند أهل العلم، ولنُضِفْ إليهما نوعاً ثالثاً جديداً - وهو ما أصبو إلى توليده - ولنصطلحْ على تسميتهِ بالجهلِ المُكعب أُسوةً بما يُقالُ في لغةِ الحسابِ والإحصاء ( ( أُسّ ) تَكْعِيبْ )، فالجهلُ المكعبُ إضافةً إلى خُلوِ صاحبهِ منْ العلمِ الصحيحِ وتحَلِّيهِ بالعلمِ الزائفِ والمعرفةِ المَغلُّوطَة, إلاَّ أنَّه لا يقفُ عند هذا الحدِ بلْ يعودُ على العلمِ الصحيحِ والمعرفةِ الحَقَّةِ بالتغلِّيطِ والتخطئةِ، ويَرجِعُ على أهلِ العلمِ الصحيحِ والمعرفةِ الحَقَّةِ بالازدراءِ والاحتقارِ تارةً, والتضليلِ والتبديعِ تارةً أخرى, مع الرُّعونَةِ والحَمَاقَةِ، والبَلادةِ والبَلاهةِ, وحينها فإنَّني لا أجدُ مَنَاصاً منْ أنْ أقسمَ الجهلَ إلى أقسامٍ ثلاثةٍ = جهلٍ بسيط, وجهلٍ مركب, وجهلٍ مكعب ولا أجدُ صاحبَنا راقِمَ هذا المقال إلاَّ منْ ذوي الجهلِ المكعبِ !!!

ولنعدْ إلى مقالِ صاحبنا "الشَرْلتَان" وسيدنا "الجَهْكَبَار"، ونعودُ كذلك إلى شيءٍ منْ الحَصَاةِ ( الحَصَاةُ : العَقْلُ والرَّأْيُ, يُقالُ : فلانٌ ذُو حَصاةٍ وأصاةٍ ، أَيْ عَقْلٍ ورَأْي.), وشيءٍ منْ الجدِّ، ولا يَعْتَرِضَنَّا علينا كَودَنٌ غليظُ الطبعِ, فيَعِيبَ عليَّ أني لمْ أكنْ "موضوعيَّاً" جاداً !, بلْ كنتُ كاتباً هَازِلاً سَاخِراً, فهذا اعتراضٌ غَثٌ منْ شخصٍ عنده أَلفاظٌ يمضغُها ويلوكها, لا يدريها ولا يدري متى يَحسنُ الاعتراضُ بها، فإنّي إنَّما خَلَطتُ هَزْلاً بِجدٍّ لأَنّي عَرَضْتُ لآدميٍّ هو هَزْلٌ كُلُّه، ولكنَّ المقاديرَ وضعَتْهُ بحيثُ يُحْمَلُ ما يقوله مَحْمَلَ الجدِّ، فحدِّثني كيفَ أستطيعُ أنْ أتَّقِيَ ما لا مَفَرَّ منه، منْ الهزلِ الناشبِ في حَلْقِ الجدِّ ؟!

عدتُ إلى قراءةِ المقالِ بِتَؤدةٍ سطراً بعدَ سطرٍ، وبينما الضَّحِكُ يشُقُّ عنْ حَلْقي، ويُباعِدُ بين فكّيَّ، أومضتْ عَيْني، ودوّمَتْ حَدَقتُها في مَحْجِرِها " كما دَوَّمَتْ في الأرضِ فَلْكةُ مِغْزَلِ "!

فلقدْ فوجئتُ بشيءٍ أمسكَ عليَّ ضحكِي، وكظَمَه في بُلْعُومي، شيءٍ سمعتُ حِسَّ دبيبِه منْ تحتِ الألفاظ، فجعلتُ أستسْمعه، فإذا هو :

كَشِيشُ أَفْعَى أَجْمَعَتْ لِعَضِّ

فَهْيَ تَحُكُّ بَعْضَها بِبَعْضِِ

وإذا أسودٌ سالخٌ، (وهو أقتلُ ما يكونُ منْ الحيّاتِ)، يمشِي بين الألفاظِ فيُسْمَعُ لجلدِه حَفيفٌ، ولأنيابِه جَرْشٌ، فما زلتُ أنحدرُ مع الأسطرِ والصوتُ يعلو، يخالطه فحيحٌ، ثم ضُبَاحٌ، ثم صَفِيرٌ، ثم نُبَاح، (وكلها منْ أصواتِ الأفاعي) فألقيتُ المقالةََ مَقْتاً لهذا الصوتِ البغيضِ، الذي انبعثَ فبدّدَ لَذَّتي، وغَتَّ بيدِ بَشَاعَتِه حُلْقُومَ ضَحِكي !! ( غتَّ حَلْقَة، خَنَقَهُ وعَصَرَهُ عصراً شديداً ).

شيءٍ جاءني بالغَثَاثَةِ والغَثَيان, والبلاءِ الكَرِيهِ، وإنْ كنتُ يومئذٍ منْ أحوجِ الناسِ إلى الترفيه عنْ نفسي ببعضِ الضَّحِكِ، فلقدْ كنَّا بُرهَةً منْ الدهرِ نقولُ عنْ هذا "الشَرْلتَان" وأَضرَابِه ونُظرَائِه من "الشَرْلتَانات" و"الجَهْكَبَارات", نقولُ عنهم : إنَّهم "خوارجٌ على الدعاةِ, مرجئةٌ مع الحكامِ ", فلقدْ دارَ الزمانُ دورَتَهُ, وازدادتْ حَالةُ القومِ سُوءاً, فصاروا خوارجَ على الأمةِ بأْسرِها والشعوبِ جميعِها، فالأمةُ بشعوبِها عندَ هذا "الشَرْلتَان" أحدُ ثلاثةٍ إمَّا عميلٌ مدفوعٌ، أو صاحبُ فكرٍ منحرفٍ, أو صاحبُ مَطَامِعَ دنيويةٍ، والشعوبُ هم أيضاً القَتَلَةُ المجرمون الظَلَمَةُ، سَفَّاكو الدماءِ, والمفسدون في الأرضِ بأنواعٍ شتى منْ الفسادِ، وقولُه تعالى: { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يَصدُقُ عليهم, والأحكامُ الواردةُ في هذه الآيةِ يستَحِقُونها شرعاً، هذا حالُ القومِ مع الشعوبِ المظلومةِ المقهورةِ المسحوقةِ.

وأما حالُهمْ مع الحكامِ فقد بَلَغُوا بهم مَبْلَغاً مَهُولاً منْ التعظيمِ والإجلالِ والتَقْدِيسِ, ولمْ يبقَ بينهم وبين الرَافِضَةِ مع أَئِمَتِهم إلاَّ مَرْحَلةٌ نَخشىَ - إنْ لمْ يَتَدَارْكهم الله برحمةٍ منْ عندِه - أنْ يَجتازوها فيَبْلُغُوا بالحكامِ إلى درجةٍ من العصمةِ والأُلُوهِيةِ, وإلاَّ فقليِّ بربكَ بمَا تَصِفُ منْ يَصِفُ الرئيسَ اليمنيَّ بأنَّه ( المشجعُ للخيرِ العلمي والديني, المحبُ للعلماءِ والصالحين, الصبورُ, كثيرُ العفوِ, الشجاعُ, الحكيمُ, منْ دَفعَ الله به عنْ اليمنِ الفتنَ الداخليةَ والخارجيةَ, الوطنيُّ الذي لا يُلَبِي مطالبَ الدولِ الغربيةِ فهي تسعى جاهدةً لإزالته, الغيورُ على البلادِ فلمْ يتركها للعملاءِ العابثين, المُضَادُّ للمفاسدِ المهلكةِ, الداعي إلى الحوارِ والتحاكمِ إلى الحقِّ والبرهانِ الواضح, منْ يَصدُقُ فيه قولُ الشاعرِ : أَضَاعُونِي وأيَّ فتىً أَضَاعُوا ... ليومِ كَرِيهةٍ وسِدَادِ ثَغْرِ, وأهمُّ منْ ذلك كُلِّه أنَّه مظــلومٌ .)

فماذا أقولُ وبمَ أُعَلِقُ على هذا الكلامِ سوى أنْ أقولْ : " إنَّ الله الذي أنبتَ في الأرضِ العشبَ، خَلقَ له منْ خلقِه ما شاء !!"

فأيُّ كلامٍ غَثٍّ جداً هذا، وأيُّ كلامٍ باردٍ جداً هذا, وأيُّ قلبٍ للحقائقِ رأساً على عقب, وتحسينٍ للقبيحِ, وتقبيحٍ للحسنِ، وجورٍ في الأحكامِ هذا. كلامٌ لو تَلاهُ تَالٍ على مريضٍ قدْ أُعِدَّ لإجراءِ جِراحةٍ، لأغناهُ عن" البنجِ"، ولقامَ هذا " التثليجُ " مقامَ " البنجِ " خير قيامٍ !

وأمَّا أنا فلا أملك إلاَّ أنْ أقولَ مُستنكفاً ساخراً لاذعاً – كما قالَ شيخُ المَعَرَّةِ -: ما هذا ؟ " هل هو إلاَّ كما قالت الكاهِنةُ : أُفٍّ وتُفٍّ, وجَوْرَبٍ وخُفٍّ . قيل : وما جَوربٌ وخُفٌّ ؟ قالت : واديان في جهنم " !! ( رسالة الغفران : 462) وحسبُكَ منْ شرٍ سَماعُهْ !

آهٍ . تذكرت لَطِيفةً يَحسُنُ التعليقُ بها عند استشهادِه ببيتِ العَرَجيِّ : " أَضَاعُونِي وأيَّ فتىً أَضَاعُوا " وهي ما حَكَاهُ الأصمعيُّ قالَ : مَرَرّتُ بكَنَاسٍ يَكْنِسُ كَنِيفَاً ( الكَنِيفُ : الحُشُّ أو المِرحَاضُ أو الْبَالُوعَةُ وهو مُوضعُ قضاءِ الحاجةِ ) وهو يُغَنِي ويقول : أَضَاعُونِي وأيَّ فتىً أَضَاعُوا ... ليومِ كَرِيهةٍ وسِدَادِ ثَغْرِ, فقال لهُ الأصمعيُّ: أمَّا سِدَادُ الثَغْرِ فلا عِلمَ لنا كيفَ أنتَ فيهِ, وأمَّا سِدَادُ الكُنُفِ فمعلومٌ !!

ولنعُدْ إلى كاتبِ المقالِ صاحِبِنا "الشَرْلتَان" وسيدِنا "الجَهْكَبَار" فقد دخلت عليه " المانيا هلُّو سيناتوريا " في أُبَهةِ المشيَخةِ على كُرسيِّ عَلَمٍ جَليلٍ منْ أعلام الأئمة نزا عليهِ على حينِ غفلةٍ منْ الزمانِ ومنْ الناسِ, فتَخَفَّى في طَيْلَسانِ الكُرسيِّ الموروثِ، وتَقَبَّى قَبَاءَ العالِمِ النحريرِ, ( القَبَاءُ : كِساءٌ كالعَبَاءةِ منْ نفيسِ الثياب. وتَقَبَّاهُ : دخلَ فيه ولَبِسَهُ ) في خُيَلاءٍ مَغرورٍ، وتعالمٍ فَجٍّ، وتَنَفُخٍ مَقيتٍ، فقامت هذه الحالةُ " المَنُخُولِّيِةِ " مُنتصبةَ القَوامِ, ممطوطةَ الجِيدِ, سَامِقَةَ الهامَةِ, تُرمِّز حاجبيها من العُجبِ ( أيْ : تحركها ), فتمضغُ ألفاظاً, وتلُوكُ كلماتٍ, ثم تتمطَّقُ ( أي : تُلصِقُ اللسانَ بأعلى الفمِ وتحركه, فيُسمعُ له صوت, وذلك عند استطابةِ طعامٍ لذيذٍ ! ) فَفُتِنَ صاحِبُنا، وفَتَنَ منْ حوله مِنْ الأغْرارِ فتعلَّقوا به، وقد زاغت نفوسُهم, بِذَلاذِلِ طَيْلَسانِ الكرسيِّ الموروثِ, ( والذَّلاذِلُ : ما دنا منْ الأرضِ منْ أسافلِ القميصِ أو الطَيْلَسانِ ), فمضى بهم يتبختَرُ وهو يجرُّهم في أذيالهِ, حتى وَلَجُوا أوديةً وفِجَاجاً منْ الجهلِ البسيطِ, والمركبِ, والمُكعبِ، والدعاوى العريضةِ، والهوى المستشري ..... لِيَبلُغوا إلى مِهُواةٍ سحِيقَةٍ لا قرارَ لها.

ولئِنْ كان "الخُنفُشَارُ" في الزمنِ القديمِ شخصاً خِلواً منْ المعرفةِ الصحيحةِ أحلَّ عِوضاً عنها معرفةً خاطئةً بالكذبِ المحضِّ والدعاوى العريضةِ, "فجَهْكَبَارُ" عصرِنا هذا ضمَّ إلى ذلك كلِه الزَهْوَ والافتخارَ بالعلمِ الزائفِ, والذمَّ والاحتقارَ والتضليلَِ والتبديعَ لذوي العلمِ الحقِ والمعرفةِ الصائبةِ, مع الفَجَاجَةِ، والظلمِ, والتَعَصُبِ، والتعالمِ, والتَنَفُّخِ، والرُّعُونَةِ, والحَمَاقَةِ، والبَلادةِ, والبَلاهةِ... فجمعَ كما يُقالُ بين حَشَفٍ وَسُوءِ كِيلَةٍ .

وما "شَرْلتَاننا الجَهْكَبَاريُّ" هذا إلاَّ نَكِرةٌ يعيشُ بينَ ظَهرَانينا, ضيقُ الفِكرِ, قاصرُ النظرِ, قدْ حوى بينَ جنبيهِ منْ الجهلِ فُنوناً, ومنْ الحُمقِ صُنوفاً, يُبْرِقُ ويُرْعِد, ويُرْغِي ويُزْبِد, ويَهْذِي هَذَيانَ المَحمومِ, ويتحركُ حَركةَ المُرْتَعِشِ, يَصيحُ في كلِّ وادٍ مُنادياً على نفسهِ بالجهلِ, ومُعلناً للجميعِ بأني: أنا: أنا : أنا "الشَرْلتَانُ" الكبيرُ, و"الجَهْكَبَارُ" العظيمُ, فيُطلِقُ الفتاوى والأحكامَ والآراءَ والأقوالَ, في سلسلةٍ نَكِدَةٍ منْ الأحكامِ المُتَعَجِرِفةِ, والآراءِ المَغْلُوطَةِ, والأقوالِ المُجَازِفَةِ .

فما أعجب هذا " الشَرْلتَان " الفَدْمُ ( الفدم: الأَحْمَقُ الجَافِي ), الأَنْوَكُ (الأَنْوَكُ : الأَحْمَقُ الجَاهِلُ, يُقال: ما أَنْوَكَهُ، أي: ما أَحْمَقَه ), السخيفُ العقلِ, بَلِه ذي العقلِ الخَرَابِ !

قلتُ لَمَّا رَأيتُه في قُصُورٍ *** مُشْرِفاتٍ وَنِعْمَةٍ لا تُعَابُ

رَبِّ ، ما أَبيْنَ التبايُنَ فيه ! *** مَنْزِلٌ عامرٌ وعَقْلٌ خَرَابُ !

وها أنا ذا أوجهُ خطابيَ إلى صاحبنا "الشَرْلتَان", وسيدنا "الجَهْكَبَار""المحترمِ ؟!": فيا أيها "الشَرْلتَانُ الجَهْكَبَاريُّ ", يا منْ أشبهتَ أبا العيناءِ وأشعبَ الطمَّاعَ و هَبَنَّقَةَ وجُحَا, بلْ فُقْتَهم جميعاً, حتى لقدْ فُقْتَ حمارَ جُحَا وغيرِها منْ الأَسَاطِير التاريخيةِ التي أضحَكت البَشريةَ بحمَاقَاتِها وغفْلتِها رَدْحاً منْ الزمنِ, وها أنت أيها "الشَرْلتَانُ الجَهْكَبَاريُّ " تُعِيدُ البسمةَ على شَفَةِ البشريةِ بسلسلةِ حمَاقَاتِك وروائعِ رُعُونَتِك .

فيا أيها "الشَرْلتَانُ الجَهْكَبَاريُّ " ما أُراك ومنْ حولك إلاَّ كجُحَا وحمارهِ, بيدَ أنَّ حمار جُحَا - ويا ليتَهُ يكونُ كذلك - في مشهدنا هذا حمارٌ ناطقٌ - مزجاً بينَ الأدبِ العربي والأدبِ الغربي, ذي الخيالِ اللامحدودِ, في قصةِ الغُولِ والأميرةِ حين كان الحمارُ ناطقاً بالحكمةِ والرأي السديدِ -, فما أَرى حمارَك إلاَّ وقدْ صرخَ صرخةً مُدويةً أنْ : كفى ... كفى ... كفى ... كفى جهلاً بسيطاً, وجهلاً مركباً, وجهلاً مُكعباً, وحينها سيكونُ ناطقاً كما نطقَ حمارُ الحكيمِ تُوما, وصارخاً بما صرخَ بهِ حمارُ الحكيمِ تُوما :

قالَ حمارُ الحكيمِ تُوما لو أنصفَ الناسُ كنتُ أركبْ

لأنني جاهلٌ جهلاً بسيطاً وصاحبي جاهلٌ جهلاً مركبْ

بل مكعب, بل مخمس, بل مسدس, بل مثمن, بل جاهلٌ الجهلَ أجمع ؟!!!

لكنني منذُ اليومَ وبُعيد ما رقمه يَرَاعُ هذا الفذِّ في "الشَرْلَتة"، والفريدِ في "الجَهْبَرة" من مقال : لماذا جُلُّ الشعبِ اليمني يُحبُ الرئيسَ علي عبد الله صالح وفقه الله ؟!!! سأعُدُه ذَخِيرَةً تُصَانُ, وطُرْفُةً عَزِيَزةً لا تُمْتَهن, وإنِّي لأرجو أنَّه كلما أطبقت عليَّ سَحَابةٌ منْ كَدَر، أو ضُرِبت عليَّ أَسْدادٌ منْ الكَرْب والحَزَن، أنْ استخرجَ " الحَجُوريَّ " منْ مَخْبَئهِ فأقضي أوقاتَ لُطْفٍ معه فيَتَبَدّدَ الهمُّ ويَتَطَايرَ الحَزَنُ، ولا شيءَ عندها سيكونُ في مجلسي سوى الضَّحِكِ, ثمَّ الضَّحِكِ, ثمَّ الضَّحِكِ, ويصيرُ اسمُ " الحَجُوريِّ " بمجردِ ذكرهِ اسماً جالباً " للفَرْفَشَةِ " كما تقولُ العامةُ في مصرَ، مُحدِّثاً عند تكرارهِ طَرَفاً منْ الانبساطِ يتخلَّلُ ما نُعاني منْ جِدِّ الحياةِ, وما ينبغي أنْ نحملَ منْ أثقالِها.

آهٍ .. لقدْ كانَ- بحقٍ - مقالُ : لماذا جُلُّ الشعبِ اليمني يُحبُ الرئيسَ علي عبد الله صالح وفقه الله ؟!! تُحفةً منْ التُّحَفِ, لاستخراجه الضَّحِكَ منْ قَبْضَةِ التَقْطِيبِ والعُبوسِ .

وفي الختام : فإنِّي مُسجلٌ هاهنا اعتذاري للقراءِ الكرام, فلولا هذا "الشَرْلتَانُ" السخيفُ و"الجَهْكَبَارُ" الغَثِيثُ لكان الجدُّ المحضُّ أغلبَ على ما كتبتُ، ولكنَّ الجِدَّ ربما ثَقُلَ أحياناً، فكانَ منْ رحمةِ الله بنا وبالناسِ أنْ سخرَ لنا هذا "الشَرْلتَانُ الجَهْكَبَاريُّ" .

وثمَّ أقولُ للقارئ : معذرةً مرةً ثانيةً، فإنِّي ضَربتُ بك في تِيهٍ طويل المَدَى، لا أدري أترضاهُ أمْ تسخطُه، ولكنِّي تعودتُ أحياناً أنْ أحملَ القلمَ وأكتُبُ، لأُعبّرَ عنْ شيءٍ في نفسي، لعلَّهُ لا يعني كثيراً منْ الناسِ، بيدَ أنِّي أستلِذُ مُحاولةَ الإبانةِ عنه. وكأنِّي قدْ فعلتُ ذلك منذ بدأتُ، ولم أبلغْ هذا المبلغَ حتى رأيتُ منْ حقِّ القارئ أنْ يعرفَ ما الذي دعاني إلى كُلِّ هذه الإطالة. (3) (4)

ـــــــــــــــــــ

(1) الشَرْلتَان : بفتح الشين وسكون الراء معروفٌ في لغة العجم، وله في العربية سبعون اسماً على الأقل، وأصل " الشرلتان " عند الأعاجم، هو المشعوذ الذي يقف على لَقَم الطريق، ( والَّلقَم ، بفتح اللام والقاف، وسط الطريق أو رأسه )، يُحسِّن بضاعته لتَنفُق عند الناس، ويزيّن عوَرها وفسادها بألفاظ مفخّمَةٍ محبَّرة، تميل إليها أسماع العامة، وتأخذهم من غفلاتهم، فيكونون أسرع استجابةً للفظه، وتكون أيديهم أعجلَ إلى جيوبهم، فهو سارق أموالٍ باللفظ المحبّر! ثم استعمل " الشَرْلتَان " لأخيه وشبيهه، وهو الرجل الذي لا يزال يلوك ألفاظاً يتلقّطها من هنا ومن ثَمَّ، بلا عقلٍ، وبلا تمييز، ثم يتَّخذ الدَّعوى العريضة وسيلةً للإقناع، ثم يلبس من التظاهر لباساً كالطَّبْل، ظاهره ضخم وباطنه أجوف، ثم يصنع من هذه الأخلاط الثلاثة جُرعةً مُسكِرةً للعامة وأشباه العامة، ليقال إنَّه عالمٌ واسع العلم متبحّر، وحاذقٌ لطيف الحْذقِ مترفِّق، وبارعٌ تامُّ البراعة متفوّق! فهو سارق عقولٍ باللفظ المحبّر! ولكنهما جميعاً لا يسرقان إلا السخيف العقل، الذي لا ينظر ولا يتماسك. وقد قلت إنَّ هذا الإنسان " شَرْلتَان " فهذه إحدى صفاته الكثيرة, ولقد استحسنت هذا اللفظ لأنَّي وجدت حروفه، ووجدت حركات حروفه، لها دلالة على طبيعة كتابة هذا الإنسان وعقله، ووافقت هذه الدلالة الظاهرة، باطن معنى هذا اللفظ الأعجمي، فاستحسنته لذلك ليكون خاصاً به ومن يشبهه ممن دخلوا مدخله وسلكوا مسلكه، ممن لا تجد فيما يسطرونه سوى الجهل المكتوب من ذوي التعالُم الفجّ، والتنفخ الغث، والتعاقل الأنوك, من كل طياشٍ متحذلق عريض الدعوى طويلها, متبجحٍ في كل ميدان بما لا يحسن منه شيئاً، إلا إيماءاً وتلفيقاً وتعاقُلاً.

(2) الجَهْكَبَار : على زنة خُنفُشَار معنىً لا لفظاً, بل وزيادةً في المعنى، فجَهْكَبَار مركبٌ تركيباً مزجياً من الجهل المكعب, وزيدت الألف والراء مطابقةً للخنفشار في الوزن الصرفي، وإنْ شئت فقل: هو جهلٌ كبار، مُزج فصار جَهْكُبَار . (3) أفدت كثيراً جدا في كتابة هذا المقال مما سطره يراع العلَّامة السيد محمود محمد شاكر في كتابه " أباطيل وأسمار", وأسوتي في ذلك ما قاله ابن المقفع في (الأدب الصغير: 129) : " من أخذ كلاماً حسناً عن غيره فتكلَّم به في موضعه وعلى وجهه, فلا ترينَّ عليه في ذلك ضُؤولةً ( ضُؤولة : حِطة شأنٍ وصغر )."

(4) بعد أن رقمت هذا المقال وقفت على كلامٍ من رائع القول للشيخ العلَّامة / د.عبد العزيز آل عبد اللطيف, بعنوان ثقافة المديح, أنقله ههنا برمته لنفاسته وقصره. قال الشيخ : " من المقرف أنَّ الوكيل الحصري لمديح السلاطين وأشباههم هم صنف من متديّنة هذا العصر الكئيب, وأشنع من ذلك أن غثاثة هذا الاطراء يظهر في قوالب دينية, وربما وُصف الممدوح بنقيض حاله, فيقال عن حاكم يتحلى بالجهل المركب بأنَّه من العلماء الفقهاء! فالملك فاروق-مثلاً- يُكال له المديح الرخيص بلا عدّ ولا حساب, مع أنَّ فاروق لا تزيد معلوماته عن معلومات حلاق-على حد تعبير الشيخ محمد الغزالي- بل تكاد تجزم أنَّ الممدوح يعلم كذب المادح وزيفه, لكنَّ النفوس المريضة تستروح للمديح الكاذب والقول الباطل, فلا بد من الاحتساب على هؤلاء المدّاحين المتملقين بلزوم السنة في قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب" وتذكيرهم بقوله تعالى : {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}, وإبلاغ مكاتب مكافحة التسول بشأن الذين يتسولون على مستوى رفيع, فهل نحن فاعلون؟!

وقالَ الطَانِزونَ له فقيهٌ ... فصعَّدَ حاجبيهِ به وتَاها

وأطرَقَ للمسائلِ أيْ بأنّي ... ولا يَدرِي لَعَمرُكَ ما طَحَاها

كانَ منْ سَوَالِفِ الأقْضِيَةِ أنْ كتبَ اللهُ عليَّ يوماً ما أنْ أقرأ شيئاً "لشَرْلتَانٍ"(1) عريضِ الدعوى، و"جَهْكَبَارٍ" (2) سَخِيفِ الفَحوى، مقالاً بعنوان : لماذا جُلُّ الشعبِ اليمنيِّ يُحبُ الرئيسَ علي عبد الله صالح وفقهُ الله ؟!!! ولمْ يُخامرني شكٌ حينها وأنا أقرأ ذلك المقال أنَّ كاتبَ تلكَ السطورِ داخلٌ فيما يسميه الأطباءُ : " مانيا هلُّو سيناتوريا " وهو الهذيانُ والوسوسةُ واختلاطُ العقلِ، وقلت: "حالةُ لُطْفٍ" لعَليَّ أنْ أُجِمَّ نفسي بشيءٍ منْ اللهوِ قليل, ومضيتُ أقرأُ تلكَ المقالةِ كي أَسَرِّي عنْ نفسي ما أنا فيه، فأيامُنا هذهِ جَالِبَةٌ للغمِّ.

فرحتُ أقرأ المقالةَ وصاحبُها يُعددُ أسبابَ محبةِ الشعبِ للرئيسِ السببَ بعدَ السببِ, لا لشيءٍ إلاَّ لأسرِّي الهمَّ عنْ نفسي, فأضحكُ ولا أملكُ إلا الضَّحِكَ، حين أَراهُ يتقمَّصُ أحياناً قميصاً من الرزانةِ والجدِّ، ويركبُ أحياناً أخرى مركباً منْ التِيهِ والتَعَالمُِ، ويَسلُكُ ثالثةً مَسلَكاً منْ الإنصافِ والموضُوعيةِ.

وهكذا وجدتُ نفسي من فَرْطِ العَجَبِ قدْ غَلبني الضَّحِكُ, فمضيتُ أقرأُ فينفجرُ صدري بالضَّحِكِ وأنا وحدي، وتركتُ نفسي على سَجِيَّتها غيرَ مُحتَشمٍ وقد أخذَ مني الضَّحِكُ كُلَّ مَأْخذٍ, وإذْ بـ " أمِّ فِهْرٍ " على رأسي تنظُرُ إليَّ مُتعجِّبةً، وتدعُو لِي بالسلامةِ, وتُعَوِّذني بربِّ الفَلَقِ, منْ شرِّ ما خلقَ, وبربِّ الناسِ, ملكِ الناسِ, إلهِ الناسِ, منْ شرِّ الوسواسِ الخنَّاس, فكَفْكَفْتُ ما استشرَى من ضحكي على عَجَلٍ, مخافةَ أنْ تنظُرَ إليَّ بغيرِ العينِ التي ألِفَتْ أنْ تراني بها.

حتى إذا ما انصرفت عني عاودتُ القراءةَ مُجدداً، فعاودني الضَّحِكُ مُجدداً، فضحكتُ ولمْ أبالِ بما وجدتُ في المقالِ من حيفٍ شَديدٍ، وجهلٍ مُريعٍ, تحت عَجَاجٍ منْ التَعَالُمِ والتَنَفُخِ ، في غُرورٍ فاجرٍ، وسُوءِ أدبٍ وقِحَةٍ، وقَنِعتُ حينها بما سرَّى عني منْ الهمومِ بهذيانهِ ووسوستهِ واختلاطهِ. فقدْ وجدتُني ظفرتُ بما فوقَ المُنَى، بِترْيَاقٍ للهمِّ عجيب! فقد خفَّ كاتبُ المقالِ على قلبي جدّاً - رُغمَ أنّي قدْ عَهِدتُهُ فيما مضى"بجهلهِ وظلمهِ وهواه" أثقلَ منْ فيل - وتذكرتُ حينها ممَّا تَعلمتُه منْ دراستي للحسابِ والإحصاءِ ورِيَاضَةِ الأذهانِ بالأرقامِ والأعدادِ : أنَّ الرقمَ حين يُكتبُ مُجرَّداً يدلُّ ذلك على ذاتِ الرقمِ دونَ زِيَادةٍ أو نُقْصَان، فإنْ وُضِعَ أَعلاهُ رقمُ اثنين بخطٍ دقيقٍ هكذا ( 3 2 ) دلَّ ذلك على أنَّ هذا الرقمَ مَضروبٌ في ذاتهِ مرةً واحدةً, ويُقالُ له بلغةِ الحسابِ والإحصاء ( ( أُسّ ) – بضمِ الهمزةِ – تَرْبِيعْ ) ، وأمَّا إنْ وُضِعَ أعلاهُ رقمُ ثلاثةٍ كذلك بخطٍ دقيقٍ هكذا ( 3 3 ) فإنَّه حينئذٍ يكونُ مضروباً في ذاتهِ مرتين, ويُقالُ له بلغةِ الحسابِ والإحصاء ( ( أُسّ ) تَكْعِيبْ )، ولستُ ههنا بصددِ تلقينِ القراءِ دروساً في الإحصاءِ والحساب, ولكنِّي لمَّا رأيتُ ما امتازَ بها هذا "الشَرْلتَانُ" منْ عظيمِ الجهلِ المُركبِ, مع عظيمِ الحُمقِ والرُّعونَةِ, عَنَّ ليَّ أنَّه بالإمكانِ استحداثُ نوعٍ جديدٍ منْ أنواعِ الجهلِ, حيثُ أنَّ الجهلَ ينقسمُ عندَ الفقهاءِ والأصوليين وغيرِهم منْ أهلِ العلمِ إلى قسمين اثنين : أحدُهما / جهلٌ بسيط : وهو ما كان صاحبُه فاقداً للمعرفةِ فقداً تاماً، خِلواً من العلم خُلواً كاملاً. والآخرُ / الجهلُ المركب : وهو ما فقدَ منه صاحبُه المعرفةَ الصائبة, وأحلَّ عوضاً عنها معرفةً خاطئةً وعلماً مغلوطاً. فهذان النوعان منْ الجهلِ هما المعروفان الدارجان عند أهل العلم، ولنُضِفْ إليهما نوعاً ثالثاً جديداً - وهو ما أصبو إلى توليده - ولنصطلحْ على تسميتهِ بالجهلِ المُكعب أُسوةً بما يُقالُ في لغةِ الحسابِ والإحصاء ( ( أُسّ ) تَكْعِيبْ )، فالجهلُ المكعبُ إضافةً إلى خُلوِ صاحبهِ منْ العلمِ الصحيحِ وتحَلِّيهِ بالعلمِ الزائفِ والمعرفةِ المَغلُّوطَة, إلاَّ أنَّه لا يقفُ عند هذا الحدِ بلْ يعودُ على العلمِ الصحيحِ والمعرفةِ الحَقَّةِ بالتغلِّيطِ والتخطئةِ، ويَرجِعُ على أهلِ العلمِ الصحيحِ والمعرفةِ الحَقَّةِ بالازدراءِ والاحتقارِ تارةً, والتضليلِ والتبديعِ تارةً أخرى, مع الرُّعونَةِ والحَمَاقَةِ، والبَلادةِ والبَلاهةِ, وحينها فإنَّني لا أجدُ مَنَاصاً منْ أنْ أقسمَ الجهلَ إلى أقسامٍ ثلاثةٍ = جهلٍ بسيط, وجهلٍ مركب, وجهلٍ مكعب ولا أجدُ صاحبَنا راقِمَ هذا المقال إلاَّ منْ ذوي الجهلِ المكعبِ !!!

ولنعدْ إلى مقالِ صاحبنا "الشَرْلتَان" وسيدنا "الجَهْكَبَار"، ونعودُ كذلك إلى شيءٍ منْ الحَصَاةِ ( الحَصَاةُ : العَقْلُ والرَّأْيُ, يُقالُ : فلانٌ ذُو حَصاةٍ وأصاةٍ ، أَيْ عَقْلٍ ورَأْي.), وشيءٍ منْ الجدِّ، ولا يَعْتَرِضَنَّا علينا كَودَنٌ غليظُ الطبعِ, فيَعِيبَ عليَّ أني لمْ أكنْ "موضوعيَّاً" جاداً !, بلْ كنتُ كاتباً هَازِلاً سَاخِراً, فهذا اعتراضٌ غَثٌ منْ شخصٍ عنده أَلفاظٌ يمضغُها ويلوكها, لا يدريها ولا يدري متى يَحسنُ الاعتراضُ بها، فإنّي إنَّما خَلَطتُ هَزْلاً بِجدٍّ لأَنّي عَرَضْتُ لآدميٍّ هو هَزْلٌ كُلُّه، ولكنَّ المقاديرَ وضعَتْهُ بحيثُ يُحْمَلُ ما يقوله مَحْمَلَ الجدِّ، فحدِّثني كيفَ أستطيعُ أنْ أتَّقِيَ ما لا مَفَرَّ منه، منْ الهزلِ الناشبِ في حَلْقِ الجدِّ ؟!

عدتُ إلى قراءةِ المقالِ بِتَؤدةٍ سطراً بعدَ سطرٍ، وبينما الضَّحِكُ يشُقُّ عنْ حَلْقي، ويُباعِدُ بين فكّيَّ، أومضتْ عَيْني، ودوّمَتْ حَدَقتُها في مَحْجِرِها " كما دَوَّمَتْ في الأرضِ فَلْكةُ مِغْزَلِ "!

فلقدْ فوجئتُ بشيءٍ أمسكَ عليَّ ضحكِي، وكظَمَه في بُلْعُومي، شيءٍ سمعتُ حِسَّ دبيبِه منْ تحتِ الألفاظ، فجعلتُ أستسْمعه، فإذا هو :

كَشِيشُ أَفْعَى أَجْمَعَتْ لِعَضِّ

فَهْيَ تَحُكُّ بَعْضَها بِبَعْضِِ

وإذا أسودٌ سالخٌ، (وهو أقتلُ ما يكونُ منْ الحيّاتِ)، يمشِي بين الألفاظِ فيُسْمَعُ لجلدِه حَفيفٌ، ولأنيابِه جَرْشٌ، فما زلتُ أنحدرُ مع الأسطرِ والصوتُ يعلو، يخالطه فحيحٌ، ثم ضُبَاحٌ، ثم صَفِيرٌ، ثم نُبَاح، (وكلها منْ أصواتِ الأفاعي) فألقيتُ المقالةََ مَقْتاً لهذا الصوتِ البغيضِ، الذي انبعثَ فبدّدَ لَذَّتي، وغَتَّ بيدِ بَشَاعَتِه حُلْقُومَ ضَحِكي !! ( غتَّ حَلْقَة، خَنَقَهُ وعَصَرَهُ عصراً شديداً ).

شيءٍ جاءني بالغَثَاثَةِ والغَثَيان, والبلاءِ الكَرِيهِ، وإنْ كنتُ يومئذٍ منْ أحوجِ الناسِ إلى الترفيه عنْ نفسي ببعضِ الضَّحِكِ، فلقدْ كنَّا بُرهَةً منْ الدهرِ نقولُ عنْ هذا "الشَرْلتَان" وأَضرَابِه ونُظرَائِه من "الشَرْلتَانات" و"الجَهْكَبَارات", نقولُ عنهم : إنَّهم "خوارجٌ على الدعاةِ, مرجئةٌ مع الحكامِ ", فلقدْ دارَ الزمانُ دورَتَهُ, وازدادتْ حَالةُ القومِ سُوءاً, فصاروا خوارجَ على الأمةِ بأْسرِها والشعوبِ جميعِها، فالأمةُ بشعوبِها عندَ هذا "الشَرْلتَان" أحدُ ثلاثةٍ إمَّا عميلٌ مدفوعٌ، أو صاحبُ فكرٍ منحرفٍ, أو صاحبُ مَطَامِعَ دنيويةٍ، والشعوبُ هم أيضاً القَتَلَةُ المجرمون الظَلَمَةُ، سَفَّاكو الدماءِ, والمفسدون في الأرضِ بأنواعٍ شتى منْ الفسادِ، وقولُه تعالى: { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يَصدُقُ عليهم, والأحكامُ الواردةُ في هذه الآيةِ يستَحِقُونها شرعاً، هذا حالُ القومِ مع الشعوبِ المظلومةِ المقهورةِ المسحوقةِ.

وأما حالُهمْ مع الحكامِ فقد بَلَغُوا بهم مَبْلَغاً مَهُولاً منْ التعظيمِ والإجلالِ والتَقْدِيسِ, ولمْ يبقَ بينهم وبين الرَافِضَةِ مع أَئِمَتِهم إلاَّ مَرْحَلةٌ نَخشىَ - إنْ لمْ يَتَدَارْكهم الله برحمةٍ منْ عندِه - أنْ يَجتازوها فيَبْلُغُوا بالحكامِ إلى درجةٍ من العصمةِ والأُلُوهِيةِ, وإلاَّ فقليِّ بربكَ بمَا تَصِفُ منْ يَصِفُ الرئيسَ اليمنيَّ بأنَّه ( المشجعُ للخيرِ العلمي والديني, المحبُ للعلماءِ والصالحين, الصبورُ, كثيرُ العفوِ, الشجاعُ, الحكيمُ, منْ دَفعَ الله به عنْ اليمنِ الفتنَ الداخليةَ والخارجيةَ, الوطنيُّ الذي لا يُلَبِي مطالبَ الدولِ الغربيةِ فهي تسعى جاهدةً لإزالته, الغيورُ على البلادِ فلمْ يتركها للعملاءِ العابثين, المُضَادُّ للمفاسدِ المهلكةِ, الداعي إلى الحوارِ والتحاكمِ إلى الحقِّ والبرهانِ الواضح, منْ يَصدُقُ فيه قولُ الشاعرِ : أَضَاعُونِي وأيَّ فتىً أَضَاعُوا ... ليومِ كَرِيهةٍ وسِدَادِ ثَغْرِ, وأهمُّ منْ ذلك كُلِّه أنَّه مظــلومٌ .)

فماذا أقولُ وبمَ أُعَلِقُ على هذا الكلامِ سوى أنْ أقولْ : " إنَّ الله الذي أنبتَ في الأرضِ العشبَ، خَلقَ له منْ خلقِه ما شاء !!"

فأيُّ كلامٍ غَثٍّ جداً هذا، وأيُّ كلامٍ باردٍ جداً هذا, وأيُّ قلبٍ للحقائقِ رأساً على عقب, وتحسينٍ للقبيحِ, وتقبيحٍ للحسنِ، وجورٍ في الأحكامِ هذا. كلامٌ لو تَلاهُ تَالٍ على مريضٍ قدْ أُعِدَّ لإجراءِ جِراحةٍ، لأغناهُ عن" البنجِ"، ولقامَ هذا " التثليجُ " مقامَ " البنجِ " خير قيامٍ !

وأمَّا أنا فلا أملك إلاَّ أنْ أقولَ مُستنكفاً ساخراً لاذعاً – كما قالَ شيخُ المَعَرَّةِ -: ما هذا ؟ " هل هو إلاَّ كما قالت الكاهِنةُ : أُفٍّ وتُفٍّ, وجَوْرَبٍ وخُفٍّ . قيل : وما جَوربٌ وخُفٌّ ؟ قالت : واديان في جهنم " !! ( رسالة الغفران : 462) وحسبُكَ منْ شرٍ سَماعُهْ !

آهٍ . تذكرت لَطِيفةً يَحسُنُ التعليقُ بها عند استشهادِه ببيتِ العَرَجيِّ : " أَضَاعُونِي وأيَّ فتىً أَضَاعُوا " وهي ما حَكَاهُ الأصمعيُّ قالَ : مَرَرّتُ بكَنَاسٍ يَكْنِسُ كَنِيفَاً ( الكَنِيفُ : الحُشُّ أو المِرحَاضُ أو الْبَالُوعَةُ وهو مُوضعُ قضاءِ الحاجةِ ) وهو يُغَنِي ويقول : أَضَاعُونِي وأيَّ فتىً أَضَاعُوا ... ليومِ كَرِيهةٍ وسِدَادِ ثَغْرِ, فقال لهُ الأصمعيُّ: أمَّا سِدَادُ الثَغْرِ فلا عِلمَ لنا كيفَ أنتَ فيهِ, وأمَّا سِدَادُ الكُنُفِ فمعلومٌ !!

ولنعُدْ إلى كاتبِ المقالِ صاحِبِنا "الشَرْلتَان" وسيدِنا "الجَهْكَبَار" فقد دخلت عليه " المانيا هلُّو سيناتوريا " في أُبَهةِ المشيَخةِ على كُرسيِّ عَلَمٍ جَليلٍ منْ أعلام الأئمة نزا عليهِ على حينِ غفلةٍ منْ الزمانِ ومنْ الناسِ, فتَخَفَّى في طَيْلَسانِ الكُرسيِّ الموروثِ، وتَقَبَّى قَبَاءَ العالِمِ النحريرِ, ( القَبَاءُ : كِساءٌ كالعَبَاءةِ منْ نفيسِ الثياب. وتَقَبَّاهُ : دخلَ فيه ولَبِسَهُ ) في خُيَلاءٍ مَغرورٍ، وتعالمٍ فَجٍّ، وتَنَفُخٍ مَقيتٍ، فقامت هذه الحالةُ " المَنُخُولِّيِةِ " مُنتصبةَ القَوامِ, ممطوطةَ الجِيدِ, سَامِقَةَ الهامَةِ, تُرمِّز حاجبيها من العُجبِ ( أيْ : تحركها ), فتمضغُ ألفاظاً, وتلُوكُ كلماتٍ, ثم تتمطَّقُ ( أي : تُلصِقُ اللسانَ بأعلى الفمِ وتحركه, فيُسمعُ له صوت, وذلك عند استطابةِ طعامٍ لذيذٍ ! ) فَفُتِنَ صاحِبُنا، وفَتَنَ منْ حوله مِنْ الأغْرارِ فتعلَّقوا به، وقد زاغت نفوسُهم, بِذَلاذِلِ طَيْلَسانِ الكرسيِّ الموروثِ, ( والذَّلاذِلُ : ما دنا منْ الأرضِ منْ أسافلِ القميصِ أو الطَيْلَسانِ ), فمضى بهم يتبختَرُ وهو يجرُّهم في أذيالهِ, حتى وَلَجُوا أوديةً وفِجَاجاً منْ الجهلِ البسيطِ, والمركبِ, والمُكعبِ، والدعاوى العريضةِ، والهوى المستشري ..... لِيَبلُغوا إلى مِهُواةٍ سحِيقَةٍ لا قرارَ لها.

ولئِنْ كان "الخُنفُشَارُ" في الزمنِ القديمِ شخصاً خِلواً منْ المعرفةِ الصحيحةِ أحلَّ عِوضاً عنها معرفةً خاطئةً بالكذبِ المحضِّ والدعاوى العريضةِ, "فجَهْكَبَارُ" عصرِنا هذا ضمَّ إلى ذلك كلِه الزَهْوَ والافتخارَ بالعلمِ الزائفِ, والذمَّ والاحتقارَ والتضليلَِ والتبديعَ لذوي العلمِ الحقِ والمعرفةِ الصائبةِ, مع الفَجَاجَةِ، والظلمِ, والتَعَصُبِ، والتعالمِ, والتَنَفُّخِ، والرُّعُونَةِ, والحَمَاقَةِ، والبَلادةِ, والبَلاهةِ... فجمعَ كما يُقالُ بين حَشَفٍ وَسُوءِ كِيلَةٍ .

وما "شَرْلتَاننا الجَهْكَبَاريُّ" هذا إلاَّ نَكِرةٌ يعيشُ بينَ ظَهرَانينا, ضيقُ الفِكرِ, قاصرُ النظرِ, قدْ حوى بينَ جنبيهِ منْ الجهلِ فُنوناً, ومنْ الحُمقِ صُنوفاً, يُبْرِقُ ويُرْعِد, ويُرْغِي ويُزْبِد, ويَهْذِي هَذَيانَ المَحمومِ, ويتحركُ حَركةَ المُرْتَعِشِ, يَصيحُ في كلِّ وادٍ مُنادياً على نفسهِ بالجهلِ, ومُعلناً للجميعِ بأني: أنا: أنا : أنا "الشَرْلتَانُ" الكبيرُ, و"الجَهْكَبَارُ" العظيمُ, فيُطلِقُ الفتاوى والأحكامَ والآراءَ والأقوالَ, في سلسلةٍ نَكِدَةٍ منْ الأحكامِ المُتَعَجِرِفةِ, والآراءِ المَغْلُوطَةِ, والأقوالِ المُجَازِفَةِ .

فما أعجب هذا " الشَرْلتَان " الفَدْمُ ( الفدم: الأَحْمَقُ الجَافِي ), الأَنْوَكُ (الأَنْوَكُ : الأَحْمَقُ الجَاهِلُ, يُقال: ما أَنْوَكَهُ، أي: ما أَحْمَقَه ), السخيفُ العقلِ, بَلِه ذي العقلِ الخَرَابِ !

قلتُ لَمَّا رَأيتُه في قُصُورٍ *** مُشْرِفاتٍ وَنِعْمَةٍ لا تُعَابُ

رَبِّ ، ما أَبيْنَ التبايُنَ فيه ! *** مَنْزِلٌ عامرٌ وعَقْلٌ خَرَابُ !

وها أنا ذا أوجهُ خطابيَ إلى صاحبنا "الشَرْلتَان", وسيدنا "الجَهْكَبَار""المحترمِ ؟!": فيا أيها "الشَرْلتَانُ الجَهْكَبَاريُّ ", يا منْ أشبهتَ أبا العيناءِ وأشعبَ الطمَّاعَ و هَبَنَّقَةَ وجُحَا, بلْ فُقْتَهم جميعاً, حتى لقدْ فُقْتَ حمارَ جُحَا وغيرِها منْ الأَسَاطِير التاريخيةِ التي أضحَكت البَشريةَ بحمَاقَاتِها وغفْلتِها رَدْحاً منْ الزمنِ, وها أنت أيها "الشَرْلتَانُ الجَهْكَبَاريُّ " تُعِيدُ البسمةَ على شَفَةِ البشريةِ بسلسلةِ حمَاقَاتِك وروائعِ رُعُونَتِك .

فيا أيها "الشَرْلتَانُ الجَهْكَبَاريُّ " ما أُراك ومنْ حولك إلاَّ كجُحَا وحمارهِ, بيدَ أنَّ حمار جُحَا - ويا ليتَهُ يكونُ كذلك - في مشهدنا هذا حمارٌ ناطقٌ - مزجاً بينَ الأدبِ العربي والأدبِ الغربي, ذي الخيالِ اللامحدودِ, في قصةِ الغُولِ والأميرةِ حين كان الحمارُ ناطقاً بالحكمةِ والرأي السديدِ -, فما أَرى حمارَك إلاَّ وقدْ صرخَ صرخةً مُدويةً أنْ : كفى ... كفى ... كفى ... كفى جهلاً بسيطاً, وجهلاً مركباً, وجهلاً مُكعباً, وحينها سيكونُ ناطقاً كما نطقَ حمارُ الحكيمِ تُوما, وصارخاً بما صرخَ بهِ حمارُ الحكيمِ تُوما :

قالَ حمارُ الحكيمِ تُوما لو أنصفَ الناسُ كنتُ أركبْ

لأنني جاهلٌ جهلاً بسيطاً وصاحبي جاهلٌ جهلاً مركبْ

بل مكعب, بل مخمس, بل مسدس, بل مثمن, بل جاهلٌ الجهلَ أجمع ؟!!!

لكنني منذُ اليومَ وبُعيد ما رقمه يَرَاعُ هذا الفذِّ في "الشَرْلَتة"، والفريدِ في "الجَهْبَرة" من مقال : لماذا جُلُّ الشعبِ اليمني يُحبُ الرئيسَ علي عبد الله صالح وفقه الله ؟!!! سأعُدُه ذَخِيرَةً تُصَانُ, وطُرْفُةً عَزِيَزةً لا تُمْتَهن, وإنِّي لأرجو أنَّه كلما أطبقت عليَّ سَحَابةٌ منْ كَدَر، أو ضُرِبت عليَّ أَسْدادٌ منْ الكَرْب والحَزَن، أنْ استخرجَ " الحَجُوريَّ " منْ مَخْبَئهِ فأقضي أوقاتَ لُطْفٍ معه فيَتَبَدّدَ الهمُّ ويَتَطَايرَ الحَزَنُ، ولا شيءَ عندها سيكونُ في مجلسي سوى الضَّحِكِ, ثمَّ الضَّحِكِ, ثمَّ الضَّحِكِ, ويصيرُ اسمُ " الحَجُوريِّ " بمجردِ ذكرهِ اسماً جالباً " للفَرْفَشَةِ " كما تقولُ العامةُ في مصرَ، مُحدِّثاً عند تكرارهِ طَرَفاً منْ الانبساطِ يتخلَّلُ ما نُعاني منْ جِدِّ الحياةِ, وما ينبغي أنْ نحملَ منْ أثقالِها.

آهٍ .. لقدْ كانَ- بحقٍ - مقالُ : لماذا جُلُّ الشعبِ اليمني يُحبُ الرئيسَ علي عبد الله صالح وفقه الله ؟!! تُحفةً منْ التُّحَفِ, لاستخراجه الضَّحِكَ منْ قَبْضَةِ التَقْطِيبِ والعُبوسِ .

وفي الختام : فإنِّي مُسجلٌ هاهنا اعتذاري للقراءِ الكرام, فلولا هذا "الشَرْلتَانُ" السخيفُ و"الجَهْكَبَارُ" الغَثِيثُ لكان الجدُّ المحضُّ أغلبَ على ما كتبتُ، ولكنَّ الجِدَّ ربما ثَقُلَ أحياناً، فكانَ منْ رحمةِ الله بنا وبالناسِ أنْ سخرَ لنا هذا "الشَرْلتَانُ الجَهْكَبَاريُّ" .

وثمَّ أقولُ للقارئ : معذرةً مرةً ثانيةً، فإنِّي ضَربتُ بك في تِيهٍ طويل المَدَى، لا أدري أترضاهُ أمْ تسخطُه، ولكنِّي تعودتُ أحياناً أنْ أحملَ القلمَ وأكتُبُ، لأُعبّرَ عنْ شيءٍ في نفسي، لعلَّهُ لا يعني كثيراً منْ الناسِ، بيدَ أنِّي أستلِذُ مُحاولةَ الإبانةِ عنه. وكأنِّي قدْ فعلتُ ذلك منذ بدأتُ، ولم أبلغْ هذا المبلغَ حتى رأيتُ منْ حقِّ القارئ أنْ يعرفَ ما الذي دعاني إلى كُلِّ هذه الإطالة. (3) (4)

ـــــــــــــــــــ

(1) الشَرْلتَان : بفتح الشين وسكون الراء معروفٌ في لغة العجم، وله في العربية سبعون اسماً على الأقل، وأصل " الشرلتان " عند الأعاجم، هو المشعوذ الذي يقف على لَقَم الطريق، ( والَّلقَم ، بفتح اللام والقاف، وسط الطريق أو رأسه )، يُحسِّن بضاعته لتَنفُق عند الناس، ويزيّن عوَرها وفسادها بألفاظ مفخّمَةٍ محبَّرة، تميل إليها أسماع العامة، وتأخذهم من غفلاتهم، فيكونون أسرع استجابةً للفظه، وتكون أيديهم أعجلَ إلى جيوبهم، فهو سارق أموالٍ باللفظ المحبّر! ثم استعمل " الشَرْلتَان " لأخيه وشبيهه، وهو الرجل الذي لا يزال يلوك ألفاظاً يتلقّطها من هنا ومن ثَمَّ، بلا عقلٍ، وبلا تمييز، ثم يتَّخذ الدَّعوى العريضة وسيلةً للإقناع، ثم يلبس من التظاهر لباساً كالطَّبْل، ظاهره ضخم وباطنه أجوف، ثم يصنع من هذه الأخلاط الثلاثة جُرعةً مُسكِرةً للعامة وأشباه العامة، ليقال إنَّه عالمٌ واسع العلم متبحّر، وحاذقٌ لطيف الحْذقِ مترفِّق، وبارعٌ تامُّ البراعة متفوّق! فهو سارق عقولٍ باللفظ المحبّر! ولكنهما جميعاً لا يسرقان إلا السخيف العقل، الذي لا ينظر ولا يتماسك. وقد قلت إنَّ هذا الإنسان " شَرْلتَان " فهذه إحدى صفاته الكثيرة, ولقد استحسنت هذا اللفظ لأنَّي وجدت حروفه، ووجدت حركات حروفه، لها دلالة على طبيعة كتابة هذا الإنسان وعقله، ووافقت هذه الدلالة الظاهرة، باطن معنى هذا اللفظ الأعجمي، فاستحسنته لذلك ليكون خاصاً به ومن يشبهه ممن دخلوا مدخله وسلكوا مسلكه، ممن لا تجد فيما يسطرونه سوى الجهل المكتوب من ذوي التعالُم الفجّ، والتنفخ الغث، والتعاقل الأنوك, من كل طياشٍ متحذلق عريض الدعوى طويلها, متبجحٍ في كل ميدان بما لا يحسن منه شيئاً، إلا إيماءاً وتلفيقاً وتعاقُلاً.

(2) الجَهْكَبَار : على زنة خُنفُشَار معنىً لا لفظاً, بل وزيادةً في المعنى، فجَهْكَبَار مركبٌ تركيباً مزجياً من الجهل المكعب, وزيدت الألف والراء مطابقةً للخنفشار في الوزن الصرفي، وإنْ شئت فقل: هو جهلٌ كبار، مُزج فصار جَهْكُبَار . (3) أفدت كثيراً جدا في كتابة هذا المقال مما سطره يراع العلَّامة السيد محمود محمد شاكر في كتابه " أباطيل وأسمار", وأسوتي في ذلك ما قاله ابن المقفع في (الأدب الصغير: 129) : " من أخذ كلاماً حسناً عن غيره فتكلَّم به في موضعه وعلى وجهه, فلا ترينَّ عليه في ذلك ضُؤولةً ( ضُؤولة : حِطة شأنٍ وصغر )."

(4) بعد أن رقمت هذا المقال وقفت على كلامٍ من رائع القول للشيخ العلَّامة / د.عبد العزيز آل عبد اللطيف, بعنوان ثقافة المديح, أنقله ههنا برمته لنفاسته وقصره. قال الشيخ : " من المقرف أنَّ الوكيل الحصري لمديح السلاطين وأشباههم هم صنف من متديّنة هذا العصر الكئيب, وأشنع من ذلك أن غثاثة هذا الاطراء يظهر في قوالب دينية, وربما وُصف الممدوح بنقيض حاله, فيقال عن حاكم يتحلى بالجهل المركب بأنَّه من العلماء الفقهاء! فالملك فاروق-مثلاً- يُكال له المديح الرخيص بلا عدّ ولا حساب, مع أنَّ فاروق لا تزيد معلوماته عن معلومات حلاق-على حد تعبير الشيخ محمد الغزالي- بل تكاد تجزم أنَّ الممدوح يعلم كذب المادح وزيفه, لكنَّ النفوس المريضة تستروح للمديح الكاذب والقول الباطل, فلا بد من الاحتساب على هؤلاء المدّاحين المتملقين بلزوم السنة في قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب" وتذكيرهم بقوله تعالى : {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}, وإبلاغ مكاتب مكافحة التسول بشأن الذين يتسولون على مستوى رفيع, فهل نحن فاعلون؟!