أبو المنذر العواضي
27 Sep 2011, 08:31 PM
هنالك من كرر وقرر أن الفئة الباغية هم معاوية ومن معه وهم المعنيون بحديث النبي عليه الصلاة والسلام ( .... ويدعونه إلى النار ) وأكثر من القول بأن - وأعوذ بالله من هذا القول - معاوية على رأس الفئة الباغية التي تدعوا إلى النار فهو إمام البغي وإمام من يدعون إلى النار ، وقبل التحقيق في هذه القضية سأتنزل جدلا لا تسليما بأن الحديث ينطبق على معاوية رضي الله عنه وأرضاه فأقول :
1- قد ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال عن ابنه الحسن ( إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين ) فسمى معاوية ومن معه فئة مؤمنة ، وهذا الخبر على سبيل المعجزة بإخبار الغيب فلو كان معاوية قد ضل في هذه الواقعة وصار إمام من يدعون إلى النار لكان النبي عليه الصلاة والسلام - على حد قولكم والعياذ بالله - مخطئا في هذا الإعلام بل ومن أخبره – تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا – وقد وقع ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام من الصلح على يدي الحسن رضي الله عنه وأرضاه وهو من الشق الأول ولا شك أن الشق الآخر من الحديث حق كما هو الشق الأول لا ريب في ذلك فقد صدر من المعصوم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، وبعد هذا المحكم الواضح أفلا نترك المتشابه ونأخذ المحكم ، أفلا ندع ما يريبنا إلى ما لا يريبنا ، أم أن منهج من في قلوبهم زيغ ويريدون الفتنة خلاف ذلك .
2- ربما سيراوغ البعض ويتهرب من هذه النقطة أو يزعم بجرة قلم أن هذه الحديث غير صحيح أو له تأويل آخر ، فأقول ما قولكم في فعل الحسن نفسه وهو المعصوم عندكم هل كان على ضلالة حينما أقر لمعاوية بالخلافة وبايعه عليها أم كان مصيبا بنص حديث النبي الذي يثبت به أن هذه الفعل من الأفعال التي تدل على سؤدد وسيادة سيدنا الحسن سبط رسول الله عليه الصلاة والسلام وريحانته .
3- لنقل بأن معاوية كان باغيا هو ومن معه لماذا لا نحكم في هذه المسألة بشريعة الله في كتابه حيث يقول (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) ) ولا داعي لأن أنقل كلام المفسرين في هذه الآية العظيمة فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب التفسير .
4- هنالك قفز على الامتداد التاريخي لهذا الصحابي الذي قال فيه الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ( لغبار في أنف معاوية خير من عمر بن عبد العزيز ) فحياة هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه حافلة بالجهاد في سبيل الله فبعد توليه الخلافة واصل الفتوح الإسلامية وأدخل الله في عهده أمما من الكفر والتيه والضلال إلى النور والإيمان والإسلام فهل هذه حال من يدعو إلى النار .
5- لماذا لم يثبت حسب علمي عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه ضلل معاوية أو أنه ممن يدعون إلى النار بل الذي ثبت عنه أنه رضي الله عنه قد ندم في حربه مع معاوية وشك في اجتهاده رضي الله عنه وأرضاه .
والآن إلى الرد على من قال أن الفئة الباغية هي معاوية ومن معه رضي الله عنهم أجمعين أنقله هنا :
الحمد الله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فهذا بيان من كلام علماء السنه فيمن هو المقصود بالفئه الباغية في احاديث رسول الله فال ابن اسحاق عن الحسن البصري عن امه عن ام سلمه ".
قالت: دخل عمار بن ياسر، وقد أثقل المهاجرون والانصار عماراً باللبن فقال: يا رسول الله قتلوني يحملون على ما لا يحملون.
قالت: أم سلمة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، وهو يقول: " ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية ": فال المحقق للسيرة ابن هسام وهو مصطفى العدوي وسيد رجب وعن عِكْرِمَةَ: عن ابْنُ عَبَّاسٍ: عن أَبِي سَعِيدٍ فَال: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ نَّبِيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ) " تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" قَالَ الْحَافِظُ رَوَى حَدِيثَ تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَأُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو أَيُّوبَ وَأَبُو رَافِعٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأَبُو الْيُسْرِ وَعَمَّارٌ نَفْسُهُ وَكُلُّهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَغَالِبُ طُرُقِهَا صَحِيحَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ وَفِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ يَطُولُ عَدَدُهُمْ اِنْتَهَى
قال المهلب وقوله: « يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار » ، إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم على عمارًا ليدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح فى أحد من الصحابة؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل؛ لأنهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل، فقال تعالى: {كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس} [آل عمران: 110].
قال المفسرون: وقد صح أن عمارًا بعثه على إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التى فيها العصمة بشهادة الرسول « لا تجتمع أمتى على ضلال » .
وقد اخبر رسول الله ان الخوارج يخرجون يقتلون اهل الاسلام عند اختلاف المسلمين كما وقع عتد اختلاف معاويه وعلي فقد خرجت تالك الفئه الباغيه من الخوارج كما قال النبي يَكُون فِي أُمَّتِي فرقتان فَتَخْرُج بَيْنهمَا مَارِقَة عَلَى فُرْقَة مُخْتَلِفَة ، يَقْتُلهُمْ أَقْرَب الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْحَقّ "
يَقْتُلهَا ) ( الْمَارِقَة )َهَيْ الْخَوَارِج ( اقرب الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ) أَيْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَالصَّوَاب ، وَهُوَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَة الْأُخْرَى مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ كَانَ مَعَهَا الَّتِي قَاتَلَتْ عَلِيًّا كَانَتْ عَلَى حَقّ لكَنَ عَلَى كان َاوْلَاهُمْ به وَأَمَّا الْمَارِقَة إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ الْفِرَق الْبَاطِلَة لَا مِنْهُمَا ، وَاَللَّه أَعْلَم وقد تجرأ الخوارج بعد قتل عمار على قتل معاوية وعمروا بن العاص والامام علي فقتلوا الامام علي وخباب و طلحه والزبير رضي الله عنهم
قال صاحب كتاب يراءة الاصحاب من دم الاحباب :
ينبغي لمن تدبر ما رسمنا من فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و فضائل أهل بيته رضي الله عنهم أجمعين ، أن يحبهم و يترحم عليهم و يستغفر لهم ، ويتوسل إلى الله الكريم لهم – أي بالدعاء و الترحم والاستغفار و الترضي – ويشكر الله العظيم إذ وفقه لهذا ، ولا يذكر ما شجر بينهم ، ولا ينقّر عنه ولا يبحث .
إن موضوع النزاع و الخلاف بين الصحابة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه يجب أن ينظر إليه من زاويتين :-
الأولى : إن اللوم في تلك الفتنة على العموم يلقى على قتلة عثمان ، لأن كل من قتل من المسلمين بأيدي إخوانهم منذ قتل عثمان رضي الله عنه إنما يقع إثمه عليهم ، فهم الذين فتحوا باب الفتنة و كل ما وقع بعد ذلك فإثمه و وزره عليهم ، إذ كانوا هم السبب المباشر فيها ، و هم الفئة المعتدية الظالمة الباغية التي قتل بسببها كل مقتول في الجمل و صفين و ما تفرق عنها من أحداث و آراء و مواقف فتحت باب الخلاف و الفرقة بين المسلمين .
الثانية : إن ما حدث من جانب الصحابة رضي الله عنهم في هذه الفتنة يحمل على حسن النية و الاختلاف في التقدير و الاجتهاد ، كما يحمل على وقوع الخطأ و الإصابة ، و لكنهم على كل حال كانوا مجتهدين و هم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة و الخطأ ، و إن كان ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ ؛ لأن كل فئة كانت لها وجهة نظر تدافع عنها بحسن نية ، حيث إن الخلاف بينهم لم يكن بسبب التنافس على الدنيا ، و إنما كان اجتهاداً من كل منهم في تطبيق شرائع الإسلام . تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/340-342) بتصرف . و قد سئل ابن المبارك عن الفتنة التي وقعت بين علي و معاوية رضي الله عنهما فقال : فتنة عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا - يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ و الحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه. و يقول النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم (18/219-220) : ـ و اعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد - يعني قوله صلى الله عليه وسلم إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول في النار - و مذهب أهل السنة و الحق إحسان الظن بهم ، و الإمساك عما شجر بينهم ، و تأويل قتالهم و أنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا و يورد شيخ الإسلام في مواضع متفرقة من مجموع الفتاوى (35/50 و 54 و 56 و 69) رأي أهل السنة في هذه المسألة مستبعداً رأي أهل البدع من الخوارج و الرافضة و المعتزلة الذين جعلوا القتال موجباً للكفر أو الفسق ، فيقول : ـ و أهل السنة و الجماعة و أئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة بل يمكن أن يقع الذنب منهم ، والله يغفر لهم بالتوبة و يرفع بها درجاتهم ، و إن الأنبياء هم المعصومون فقط ، أما الصديقون و الشهداء و الصالحون فليسوا معصومين ، و هذا في الذنوب المحققة ، و أما اجتهادهم فقد يصيبون فيه أو يخطئون ، فإذا اجتهدوا و أصابوا فلهم أجران ، و إذا اجتهدوا و أخطأوا فلهم أجر واحد على اجتهادهم ، و جمهور أهل العلم يفرقون بين الخوارج المارقين و بين أصحاب الجمل و صفين. يقول ابن حجر في الفتح (13/37 ) : ــ و اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ، و لو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد و قد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد ، بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً ، و أن المصيب يؤجر أجرين . و هكذا نأخذ من مجموع كلام هؤلاء الأئمة ، أن الموقف مما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم هو الإمساك و عدم الخوض ، و هذا هو الذي دل عليه الحديث الثابت كما عند الطبراني و غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : :"إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" . أنظر : السلسة الصحيحة (1/75) . ومعنى الإمساك عما شجر بين الصحابة ، هو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب و الخلافات على سبيل التوسع و تتبع التفصيلات ، و نشر ذلك بين العامة ، أو التعرض لهم بالتنقص لفئة و الانتصار لأخرى . قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( 3/406) : ـ و كذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم ، و نعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب و هم كانوا مجتهدين ، إما مصيبين لهم أجران أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم ، و ما كان لهم من السيئات ، و قد سبق لهم من الله الحسنى ، فإن الله يغفر لهم إما بتوبة أو بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة . و ما شجر بينهم من خلاف فقد كانوا رضي الله عنهم يطلبون فيه الحق و يدافعون فيه عن الحق ، فاختلفت فيه اجتهاداتهم ، و لكنهم عند الله عز وجل من العدول المرضي عنهم ، و من هنا كان منهج أهل السنة والجماعة هو حفظ اللسان عما شجر بينهم ، فلا نقول عنهم إلا خيراً و نتأول و نحاول أن نجد الأعذار للمخطئ منهم و لا نطعن في نيّاتهم فهي عند الله وقد أفضوا إلى ما قدموا ، فنترضى عنهم جميعاً و نترحم عليهم و نحرص على أن تكون القلوب سليمة تجاههم . قال ابن قدامة المقدسي في اللمعة (ص175) : و من السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و محبتهم و ذكر محاسنهم و الترحم عليهم و الاستغفار لهم ، و الكف عن ذكر مساوئهم و ما شجر بينهم ، و اعتقاد فضلهم و معرفة سابقتهم ، قال الله تعالى{ و الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا}[الحشر/10] و قال تعالى{محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}[الفتح/29] و قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" . البخاري مع الفتح (7/25) و مسلم برقم (6435) . و يقول الإمام الذهبي رحمه الله في السير(10/92-93) : ـ كما تقرر الكف عن كثير مما شجر بينهم ، و قتالهم رضي الله عنهم أجمعين و ما زال يمر بنا ذلك في الدواوين و الكتب و الأجزاء ، و لكن أكثر ذلك منقطع و ضعيف و بعضه كذب .. فينبغي طيه و إخفاؤه بل إعدامه لتصفوا القلوب ، و تتوفر على حب الصحابة و الترضي عنهم ، و كتمان ذلك متعين عن العامة و آحاد العلماء .. إلى أن قال : فأما ما نقله أهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نعرج عليه ، ولا كرامة فأكثره باطل و كذب و افتراء . و فضيلة الصحبة و لو للحظة ، لا يوازيها عملٌ ولا تنال درجتها بشيء ، و الفضائل لا تؤخذ بالقياس
والحمد لله رب العالمين .
1- قد ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال عن ابنه الحسن ( إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين ) فسمى معاوية ومن معه فئة مؤمنة ، وهذا الخبر على سبيل المعجزة بإخبار الغيب فلو كان معاوية قد ضل في هذه الواقعة وصار إمام من يدعون إلى النار لكان النبي عليه الصلاة والسلام - على حد قولكم والعياذ بالله - مخطئا في هذا الإعلام بل ومن أخبره – تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا – وقد وقع ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام من الصلح على يدي الحسن رضي الله عنه وأرضاه وهو من الشق الأول ولا شك أن الشق الآخر من الحديث حق كما هو الشق الأول لا ريب في ذلك فقد صدر من المعصوم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم ، وبعد هذا المحكم الواضح أفلا نترك المتشابه ونأخذ المحكم ، أفلا ندع ما يريبنا إلى ما لا يريبنا ، أم أن منهج من في قلوبهم زيغ ويريدون الفتنة خلاف ذلك .
2- ربما سيراوغ البعض ويتهرب من هذه النقطة أو يزعم بجرة قلم أن هذه الحديث غير صحيح أو له تأويل آخر ، فأقول ما قولكم في فعل الحسن نفسه وهو المعصوم عندكم هل كان على ضلالة حينما أقر لمعاوية بالخلافة وبايعه عليها أم كان مصيبا بنص حديث النبي الذي يثبت به أن هذه الفعل من الأفعال التي تدل على سؤدد وسيادة سيدنا الحسن سبط رسول الله عليه الصلاة والسلام وريحانته .
3- لنقل بأن معاوية كان باغيا هو ومن معه لماذا لا نحكم في هذه المسألة بشريعة الله في كتابه حيث يقول (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) ) ولا داعي لأن أنقل كلام المفسرين في هذه الآية العظيمة فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب التفسير .
4- هنالك قفز على الامتداد التاريخي لهذا الصحابي الذي قال فيه الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله ( لغبار في أنف معاوية خير من عمر بن عبد العزيز ) فحياة هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه حافلة بالجهاد في سبيل الله فبعد توليه الخلافة واصل الفتوح الإسلامية وأدخل الله في عهده أمما من الكفر والتيه والضلال إلى النور والإيمان والإسلام فهل هذه حال من يدعو إلى النار .
5- لماذا لم يثبت حسب علمي عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه ضلل معاوية أو أنه ممن يدعون إلى النار بل الذي ثبت عنه أنه رضي الله عنه قد ندم في حربه مع معاوية وشك في اجتهاده رضي الله عنه وأرضاه .
والآن إلى الرد على من قال أن الفئة الباغية هي معاوية ومن معه رضي الله عنهم أجمعين أنقله هنا :
الحمد الله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فهذا بيان من كلام علماء السنه فيمن هو المقصود بالفئه الباغية في احاديث رسول الله فال ابن اسحاق عن الحسن البصري عن امه عن ام سلمه ".
قالت: دخل عمار بن ياسر، وقد أثقل المهاجرون والانصار عماراً باللبن فقال: يا رسول الله قتلوني يحملون على ما لا يحملون.
قالت: أم سلمة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، وهو يقول: " ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية ": فال المحقق للسيرة ابن هسام وهو مصطفى العدوي وسيد رجب وعن عِكْرِمَةَ: عن ابْنُ عَبَّاسٍ: عن أَبِي سَعِيدٍ فَال: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ نَّبِيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ: ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ) " تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" قَالَ الْحَافِظُ رَوَى حَدِيثَ تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَأُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو أَيُّوبَ وَأَبُو رَافِعٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَأَبُو الْيُسْرِ وَعَمَّارٌ نَفْسُهُ وَكُلُّهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ وَغَالِبُ طُرُقِهَا صَحِيحَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ وَفِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ يَطُولُ عَدَدُهُمْ اِنْتَهَى
قال المهلب وقوله: « يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار » ، إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم على عمارًا ليدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح فى أحد من الصحابة؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل؛ لأنهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل، فقال تعالى: {كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس} [آل عمران: 110].
قال المفسرون: وقد صح أن عمارًا بعثه على إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التى فيها العصمة بشهادة الرسول « لا تجتمع أمتى على ضلال » .
وقد اخبر رسول الله ان الخوارج يخرجون يقتلون اهل الاسلام عند اختلاف المسلمين كما وقع عتد اختلاف معاويه وعلي فقد خرجت تالك الفئه الباغيه من الخوارج كما قال النبي يَكُون فِي أُمَّتِي فرقتان فَتَخْرُج بَيْنهمَا مَارِقَة عَلَى فُرْقَة مُخْتَلِفَة ، يَقْتُلهُمْ أَقْرَب الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْحَقّ "
يَقْتُلهَا ) ( الْمَارِقَة )َهَيْ الْخَوَارِج ( اقرب الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ) أَيْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَالصَّوَاب ، وَهُوَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَة الْأُخْرَى مِنْ الصَّحَابَة وَمَنْ كَانَ مَعَهَا الَّتِي قَاتَلَتْ عَلِيًّا كَانَتْ عَلَى حَقّ لكَنَ عَلَى كان َاوْلَاهُمْ به وَأَمَّا الْمَارِقَة إِنَّمَا كَانَتْ مِنْ الْفِرَق الْبَاطِلَة لَا مِنْهُمَا ، وَاَللَّه أَعْلَم وقد تجرأ الخوارج بعد قتل عمار على قتل معاوية وعمروا بن العاص والامام علي فقتلوا الامام علي وخباب و طلحه والزبير رضي الله عنهم
قال صاحب كتاب يراءة الاصحاب من دم الاحباب :
ينبغي لمن تدبر ما رسمنا من فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم و فضائل أهل بيته رضي الله عنهم أجمعين ، أن يحبهم و يترحم عليهم و يستغفر لهم ، ويتوسل إلى الله الكريم لهم – أي بالدعاء و الترحم والاستغفار و الترضي – ويشكر الله العظيم إذ وفقه لهذا ، ولا يذكر ما شجر بينهم ، ولا ينقّر عنه ولا يبحث .
إن موضوع النزاع و الخلاف بين الصحابة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه يجب أن ينظر إليه من زاويتين :-
الأولى : إن اللوم في تلك الفتنة على العموم يلقى على قتلة عثمان ، لأن كل من قتل من المسلمين بأيدي إخوانهم منذ قتل عثمان رضي الله عنه إنما يقع إثمه عليهم ، فهم الذين فتحوا باب الفتنة و كل ما وقع بعد ذلك فإثمه و وزره عليهم ، إذ كانوا هم السبب المباشر فيها ، و هم الفئة المعتدية الظالمة الباغية التي قتل بسببها كل مقتول في الجمل و صفين و ما تفرق عنها من أحداث و آراء و مواقف فتحت باب الخلاف و الفرقة بين المسلمين .
الثانية : إن ما حدث من جانب الصحابة رضي الله عنهم في هذه الفتنة يحمل على حسن النية و الاختلاف في التقدير و الاجتهاد ، كما يحمل على وقوع الخطأ و الإصابة ، و لكنهم على كل حال كانوا مجتهدين و هم لإخلاصهم في اجتهادهم مثابون عليه في حالتي الإصابة و الخطأ ، و إن كان ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ ؛ لأن كل فئة كانت لها وجهة نظر تدافع عنها بحسن نية ، حيث إن الخلاف بينهم لم يكن بسبب التنافس على الدنيا ، و إنما كان اجتهاداً من كل منهم في تطبيق شرائع الإسلام . تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة (2/340-342) بتصرف . و قد سئل ابن المبارك عن الفتنة التي وقعت بين علي و معاوية رضي الله عنهما فقال : فتنة عصم الله منها سيوفنا فلنعصم منها ألسنتنا - يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ و الحكم على بعضهم بما لا يكون مصيباً فيه. و يقول النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم (18/219-220) : ـ و اعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد - يعني قوله صلى الله عليه وسلم إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل و المقتول في النار - و مذهب أهل السنة و الحق إحسان الظن بهم ، و الإمساك عما شجر بينهم ، و تأويل قتالهم و أنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا و يورد شيخ الإسلام في مواضع متفرقة من مجموع الفتاوى (35/50 و 54 و 56 و 69) رأي أهل السنة في هذه المسألة مستبعداً رأي أهل البدع من الخوارج و الرافضة و المعتزلة الذين جعلوا القتال موجباً للكفر أو الفسق ، فيقول : ـ و أهل السنة و الجماعة و أئمة الدين لا يعتقدون عصمة أحد من الصحابة بل يمكن أن يقع الذنب منهم ، والله يغفر لهم بالتوبة و يرفع بها درجاتهم ، و إن الأنبياء هم المعصومون فقط ، أما الصديقون و الشهداء و الصالحون فليسوا معصومين ، و هذا في الذنوب المحققة ، و أما اجتهادهم فقد يصيبون فيه أو يخطئون ، فإذا اجتهدوا و أصابوا فلهم أجران ، و إذا اجتهدوا و أخطأوا فلهم أجر واحد على اجتهادهم ، و جمهور أهل العلم يفرقون بين الخوارج المارقين و بين أصحاب الجمل و صفين. يقول ابن حجر في الفتح (13/37 ) : ــ و اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك ، و لو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد و قد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد ، بل ثبت أنه يؤجر أجراً واحداً ، و أن المصيب يؤجر أجرين . و هكذا نأخذ من مجموع كلام هؤلاء الأئمة ، أن الموقف مما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم هو الإمساك و عدم الخوض ، و هذا هو الذي دل عليه الحديث الثابت كما عند الطبراني و غيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : :"إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" . أنظر : السلسة الصحيحة (1/75) . ومعنى الإمساك عما شجر بين الصحابة ، هو عدم الخوض فيما وقع بينهم من الحروب و الخلافات على سبيل التوسع و تتبع التفصيلات ، و نشر ذلك بين العامة ، أو التعرض لهم بالتنقص لفئة و الانتصار لأخرى . قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( 3/406) : ـ و كذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم ، و نعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب و هم كانوا مجتهدين ، إما مصيبين لهم أجران أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم ، و ما كان لهم من السيئات ، و قد سبق لهم من الله الحسنى ، فإن الله يغفر لهم إما بتوبة أو بحسنات ماحية أو مصائب مكفرة . و ما شجر بينهم من خلاف فقد كانوا رضي الله عنهم يطلبون فيه الحق و يدافعون فيه عن الحق ، فاختلفت فيه اجتهاداتهم ، و لكنهم عند الله عز وجل من العدول المرضي عنهم ، و من هنا كان منهج أهل السنة والجماعة هو حفظ اللسان عما شجر بينهم ، فلا نقول عنهم إلا خيراً و نتأول و نحاول أن نجد الأعذار للمخطئ منهم و لا نطعن في نيّاتهم فهي عند الله وقد أفضوا إلى ما قدموا ، فنترضى عنهم جميعاً و نترحم عليهم و نحرص على أن تكون القلوب سليمة تجاههم . قال ابن قدامة المقدسي في اللمعة (ص175) : و من السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و محبتهم و ذكر محاسنهم و الترحم عليهم و الاستغفار لهم ، و الكف عن ذكر مساوئهم و ما شجر بينهم ، و اعتقاد فضلهم و معرفة سابقتهم ، قال الله تعالى{ و الذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا}[الحشر/10] و قال تعالى{محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}[الفتح/29] و قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" . البخاري مع الفتح (7/25) و مسلم برقم (6435) . و يقول الإمام الذهبي رحمه الله في السير(10/92-93) : ـ كما تقرر الكف عن كثير مما شجر بينهم ، و قتالهم رضي الله عنهم أجمعين و ما زال يمر بنا ذلك في الدواوين و الكتب و الأجزاء ، و لكن أكثر ذلك منقطع و ضعيف و بعضه كذب .. فينبغي طيه و إخفاؤه بل إعدامه لتصفوا القلوب ، و تتوفر على حب الصحابة و الترضي عنهم ، و كتمان ذلك متعين عن العامة و آحاد العلماء .. إلى أن قال : فأما ما نقله أهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نعرج عليه ، ولا كرامة فأكثره باطل و كذب و افتراء . و فضيلة الصحبة و لو للحظة ، لا يوازيها عملٌ ولا تنال درجتها بشيء ، و الفضائل لا تؤخذ بالقياس
والحمد لله رب العالمين .