مشاهدة النسخة كاملة : الزيدية .. نظرات في العقيدة والتاريخ
مراسل
13 Jul 2007, 06:47 AM
الزيدية .. نظرات في العقيدة والتاريخ
من المقولات المشهورة أكاديمياً القول بأن الزيدية: هم أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة، وهي مقولة صائبة إلى حد كبير، إذا أريد بلقب "أهل السنة" مدلوله العام، وهو الذي يدخل فيه كل من أثبت الخلافة للخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي – رضوان الله عليهم جميعاً –.
ويثبت أكثر الزيدية الخلافة وفق هذا الترتيب، ويرون أن أبا بكر وعمر إماما عدل، إلا أن علياً – وفقاً لمعتقدهم - كان أولى بالخلافة منهما، من غير أن يبطلوا ولايتهما، فمذهبهم جواز ولاية المفضول - المستجمع شرائط الإمامة - مع وجود الفاضل .
وهذا الموقف من الشيخين أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – هو الذي شكل نقطة الافتراق بينهم وبين الرافضة. حيث يذكر الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن عيسى بن يونس أنه قال: " جاءت الرافضة زيداً، فقالوا: تبرأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك، قال: بل أتولاهما. قالوا: إذا نرفضك، فمن ثم قيل لهم: الرافضة. وأما الزيدية، فقالوا بقوله، وحاربوا معه "، وانتسبوا إليه .
ترجمة زيد بن علي
هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه – أبو الحسين الهاشمي العلوي المدني أخو أبي جعفر الباقر . ولد سنة 75هـ، وتتلمذ على أخيه الأكبر الباقر ، وعلى يد واصل بن عطاء الغزال شيخ المعتزلة، ورئيسهم، ومنه اقتبس الاعتزال، وتبعه أصحابه فأضحى كلهم معتزلة.
وجرت بينه وبين أخيه الباقر مناظرات ينكر عليه فيها تتلمذه على يد واصل بن عطاء المعتزلي ، بسبب أقواله التي يرى الباقر مخالفتها لمذهبه، كقوله: بجواز الخطأ على علي - رضي الله عنه - في قتاله أصحاب الجمل، وقوله في القدر: وأن الإنسان يخلق فعله، وقوله: بأن من شرط الإمام الخروج على أئمة الجور، فمن لم يخرج لا يعد إماماً؛ حتى قال الباقر لزيد يوماً: على مقتضى مذهبك: والدك ( علي زين العابدين ) ليس بإمام؛ فإنه لم يخرج قط، ولا تعرّض للخروج .
قال عنه الذهبي: " وكان ذا علم وجلالة وصلاح .. وفد على متولي العراق يوسف بن عمر، فأحسن جائزته، ثم رُدَّ، فأتاه قوم من الكوفة، فقالوا: ارجع نبايعك، فما يوسف بشيء، فأصغى إليهم وعسكر، فبرز لحربه عسكر يوسف، فقُتل في المعركة، ثم صُلب أربع سنين ". وكان مقتله زمن هشام بن عبد الملك الأموي، ليلة الجمعة لخمس بقين من محرم سنة اثنتين وعشرين ومائة من الهجرة النبوية.
ويُنسب إلى زيد كتب، أشهرها كتاب المجموع في الحديث، وكتاب المجموع في الفقه، وهما كتاب واحد اسمه المجموع الكبير، رواهما عنه تلميذه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الهاشمي الذي مات في الربع الثالث من القرن الثاني للهجرة .
خلفاء زيد وعلماء الزيدية
وقد خلف زيداً من بعد ابنه يحيى المولود سنة سبع وتسعين، حيث سار على درب والده في قتال الأمويين، فمضى إلى خراسان، واجتمعت عليه جماعة كثيرة، قاتل بهم حتى قتله أميرها. وذلك سنة ست وعشرين ومائة في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك الأُموي .
وفُوِّض الأمر بعد يحيى إلى محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن علي حيث خرج محمد المعروف - بالنفس الزكية – في المدينة، فقتله عاملها عيسى بن ماهان ، وخرج إبراهيم من بعده بالبصرة، فكان مقتله فيها بأمر من المنصور .
وظهر أمر الزيدية بعد ذلك بخراسان على يد صاحبهم: ناصر الأطروش (230 ـ 304هـ) ، الذي طلبته الدولة، فاختفى، واعتزل الأمر، وصار إلى بلاد الديلم والجبل، فوجدهم على الكفر، ولم يدينوا بدين الإسلام بعد؛ فدعاهم إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي فدانوا بذلك، ونشؤوا عليه . وبقي أمر الزيدية في تلك البلاد ظاهراً.
وأقام دولة الزيدية في اليمن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم (245ـ 298هـ)، فكان ممن حارب القرامطة فيها، وله أتباع عرفوا باسم "الهادوية" منتشرين في اليمن والحجاز وما والاها.
موقفهم من الإمامة
يعتقد الزيدية بوجوب أن يكون الإمام عدلا مصلحاً مجتهدا يساوي الرعية بنفسه، ويقوم على مصالحهم، ويرعى شأنهم، ويرون أن لا ولاية لظالم، بل يجب الخروج عليه، ومنازعته سلطانه، وعلى هذا الأساس خرج زيد بن علي . ويرون – أي الزيدية - أن أهل البيت النبوي أحق بالخلافة من غيرهم، وأن الخلافة هي في علي ومن بعده الحسن ، ومن بعده الحسين ، ثم في أولاد الحسن والحسين ممن توفرت فيه الشروط المعتبرة، من الشجاعة والعلم والاجتهاد، فمن حاز الإمامة بالسيف منهم فقد وجبت بيعته، وعظمت على الناس طاعته .
عقائد الزيدية
عقائد الزيدية لا تختلف كثيرا عن عقائد المعتزلة، إذ قالوا: بخلق القرآن، ونفوا علو الله على خلقه، واستواءه على عرشه، وأولوا الصفات الخبرية كالمجيء والنزول والعينين، ونفوا أن يكون الله خالقاً لأفعال العباد، وقالوا بأن العباد خالقون لأفعالهم، خيراً كانت أم شراً، وأوجبوا اتباع آل البيت النبوي، وقالوا: أن من خرج عن دائرتهم فدينه مرذول، وإسلامه مدخول. وحكموا بكفر أصحاب الكبائر في الآخرة وخلودهم في النار، وقالوا: إن صاحب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، لا يقال مؤمن، ولا يقال كافر، بل هو فاسق عاص . ونفوا الشفاعة لأهل الكبائر، وأنكروا رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة .
ولا يؤمن الزيدية بالرجعة، ولا بالمهدي المنتظر، ولا يرى عامتهم عصمة أئمة أهل البيت، ويستنكرون القول بأن الله تظهر له أمور كانت خافية فيغير قدره، وهي نظرية البداء التي قال بها المختار الثقفي، حيث إن الزيدية تقرر أن علم الله قديم غير متغير، وكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ . كما أنهم في الفروع على مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان إلا في اليسير من الفروع وافقوا فيه الشافعية والشيعة الجعفرية . وجوزوا خروج إمامين في قطرين، يستجمعان خصال الإمامة، ويكون كل واحد منهما واجب الطاعة.
فرق الزيدية
وافترقت الزيدية - كغيرها من الفرق - إلى مذاهب متعددة، فمن فرقها:
1. الجارودية أصحاب: أبي الجارود زياد بن أبي زياد الذين زعموا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصّ على علي - رضي الله عنه - بالوصف دون التسمية؛ وهو الإمام بعده. والناس قصّروا؛ حيث لم يتعرفوا عليه بالوصف.
2. السليمانية: أصحاب سليمان بن جرير ، وكان يقول: إن الإمامة شورى فيما بين الخلق، ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وإنها تصح في المفضول، مع وجود الأفضل. وأثبت إمامة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - حقاً اجتهادياً باختيار الأمة. وربما كان يقول: إن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي - رضي الله عنه - خطأً لا يبلغ درجة الفسق، وذلك الخطأ: خطأ اجتهادي. غير أنه طعن في عثمان رضي الله عنه.
3- الصالحية والبترية: فالصالحية:أصحاب الحسن بن صالح بن حي والبترية: أصحاب كثير النوى الأبتر. وهما متفقان في المذهب. وقولهما في الإمامة كقول السليمانية؛ إلا أنهم توقفتا في أمر عثمان - رضي الله عنه -، وأما علي ؛ فهو – عندهم - أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأولاهم بالإمامة، لكنه سلّم الأمر لهم راضياً، وفوض إليهم الأمر طائعاً، وترك حقه راغباً. فنحن راضون بما رضي، وهم الذين جوزوا: إمامة المفضول، وتأخير الأفضل؛ إذا كان الأفضل راضياً بذلك.
وقالوا: إن من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين - رضي الله عنهما - وكان: عالماً، زاهداً، شجاعاً؛ فهو الإمام .
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
السلفية من؟
السلفية: هذا البلاء النازل على رقاب الأمة الإسلامية.. بل المتفشي في المجتمعات الإنسانية، تلك الغدة السرطانية في بناء الإسلام العقائدي.. ما هي حقيقتها؟ ومن الذي روّج لها؟ ومن أين جاءت جرثومتها القاتلة؟
قالوا: إنّها ظاهرة عباسية، ترتبط بالتيار الفكري الذي قاده الإمام احمد بن حنبل، كما قال محمد عمارة(1)، أمّا محمد الغزالي فقال فيها: إنّها نزعة عقلية عاطفية ترتبط بخير القرون وتعمّق ولاءها لكتاب الله وسنة رسوله(2).
أمّا محمد سعيد رمضان البوطي فإنه يعتبرها: مفهوماً زمنياً مباركاً.. فالسلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي(3) فهي إذن مفهوم زمني فكري يرتبط بلحظة زمنية فكرية محددة في تاريخ
____________
(1) «انظر تيارات الفكر الإسلامي المعاصر» لمحمد عمارة: ص 128-130.
(2) دستور الوحدة الثقافية لمحمد الغزالي: ص114.
(3) انظر كتاب «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي» لمحمد سعيد رمضان البوطي.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 22
--------------------------------------------------------------------------------
الفكر الإسلامي، إلا أنّها غير مباركة وغير مرغوب فيها بهذا الفكر الشاذ.
وبعض المحدَثين يعتبرها: مفهوماً معرفياً منهجياً يحكم طريقة إنتاج الفكر الإسلامي للمنهج المطابق لمنهج (السلف الصالح) في القرون الهجرية الثلاثة الأولى التي حدَّث عنها الحديث النبوي المصنف في إطار مدونات الصحاح «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»(1).
فيعتبرون أنفسهم ليسوا أصحاب مذهب، بل أصحاب دين جديد، أو دين بديل، أو دين وضعي اخترعوه حديثاً ووضعوا عليه الطبعة المزيفة (صنع في القرن الأول) إذ إنّ ابن تيمية من القرون الثلاثة المفضّلة (حسب الحديث)؟ وأين هو من تلك القرون الأولى في الزمان والمكان..!؟
هذا عدا عن التلميذ غير القريب لابن تميمية محمد بن عبد الوهاب ومن لفّ لفَّه، ودار في فلكه، الذين جعلوا القرآن عضين، والسنّة بدعة، والدين أقرب إلى التين بما رفعوا من أحكام ووضعوا غيرها فأحلّوا حراماً، وحرّموا حلالاً باسم الدعوة إلى الإصلاح والتجديد.
____________
(1) دراسات استراتيجية، مقال محمد جمال باروت: ص196 ع11.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 23
--------------------------------------------------------------------------------
وهذا العصر هو العصر الذهبي لهؤلاء، لأنّه يشكّل الانتماء إلى السلفية قاسماً مشتركاً لمختلف الحركات الإسلامية في الفضاء السني في القرن العشرين، سواء كانت وسطية إصلاحية (معتدلة) أو راديكالية تغييرية (متطرفة).
لقد حرصت جميع هذه الحركات على إدراج صفة السلفية بدرجات متفاوتة، ولهذا كان المفهوم العام لهم يكتنفه الغموض في دلالته أو مضمونه، أو بيان نشأته أو معرفة حدَّه.. وتلك سمة الكثير من المفاهيم والمصطلحات الشائعة في الساحة الإسلامية، فبقدر الذي يصبح فيه المصطلح شائعاً متداولاً بين فرقاء مختلفين، يزداد غموضه الفكري.
ولهذا قسَّم أحد العلماء، السلفية إلى ثمانية أقسام هي:
1- السلفية التاريخية.
2- السلفية المدرسية.
3- السلفية النهضوية.
4- السلفية الوطنية.
5- السلفية الحركية.
6- السلفية الجهادية.
7- السلفية التحررية.
8- السلفية المحدثة.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 24
--------------------------------------------------------------------------------
وعلى كل حال فإنّ البناء الفكري يستند في السلفية كلها إلى بنيتين أساسيتين هما:
1- بنية السلفية العامة المرنة أو المفتوحة على الواقع بوعي وتعقّل.
2- بنية السلفية المذهبية الصلبة أو المغلقة على نفسها بتعصب وتحجّر.
والسلفية العامة المرنة نهضوية مفتوحة، لأنّها استفادت من النهضة الأوروبية فجاءت على أيدي أولئك المصريين الذين ذهبوا إلى فرنسا وعادوا منها محمَّلين بالأفكار الثورية للثورة الفرنسية، ومبهورين بالتقدم الحضاري الصناعي للبلاد الأوروبية، فتفتحت على يدي الشيخ محمد عبده وتلاميذه.
أمّا السلفية المذهبية الصلبة (النصوصية) فإنّها تبلورت في مطلع القرن الماضي في البيئة النجدية البدوية في شبه الجزيرة العربية، التي ارتبط اسمها المعاصر باسم ونتاج وعمل مؤسسها محمد بن عبد الوهاب (1115 - 1206هـ) حيث غذّاها بهذه الأفكار المتحجرة على الماضين والمتجرِّئة على المقدسات، لأنّها تحررت من فكرة تقديس الأماكن والأزمنة و الأشخاص، حيث ضربت بكل أنواع التقديس بوجه الحائط، فلا مقدسات لديهم إلا أنفسهم، ورموزهم من السلفية.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 25
--------------------------------------------------------------------------------
وابن عبد الوهاب لم يكن اخترع هذا الاتجاه المتصلب من عند نفسه، لا.. بل جاءت وقامت على الأفكار والبدع التي جاء بها أحمد ابن تميمة (661 -728هـ) ذاك الشيخ (ذي اللَّوثة) كما يسميه ابن بطوطة في رحلته (أي المجنون) وهذا وذاك كانا من أتباع مدرسة أحمد بن حنبل في الفقه السني، تلك المدرسة التي اعتمدت على الرأي والقياس أكثر من أي شيء آخر، وأحد أهم ميزاتها أنّها تقول بالتجسيم والتشخيص الإلهي.
فالسلفية الوهابية هي نسخة معدلة بالاستنساخ الصناعي والتعديل الجيني لمدرسة ابن تيمية، اختلف عليها الوضع البيئي والاجتماعي؛ لأنّها نشأت في بيئة بدوية غليظة جدّاً وسيئة الأخلاق وبذيئة اللسان، مع ما أضافت عليها الصحراء القاحلة في بلاد نجد شرق الحجاز كما هو معروف.
فما جاء به ابن عبد الوهاب هو نفس ما جاء به ابن تيمية من قبل، مضافاً إليه بعض التعديلات، حيث زاد الزوايا حِدَّة والأفكار شدَّة، والعواطف تحجّراً، والقلوب تصلُّباً، والعقل غفلة ونوماً.. فكانت عقائده كنفسه الشريرة وبيئته الفاسدة غير الصالحة لأي أنواع الحياة الحضارية لبؤسها وقساوتها (كما قيل)..
فالأفكار تتأثر بالتكوين الجسدي للإنسان، الذي يتأثر هو كذلك بالغذاء والهواء والعوامل البيئية كما الوراثية تماماً، ولهذا قلنا الذي
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 26
--------------------------------------------------------------------------------
قلناه من قبل، وعلى من يريد التدقيق أن يرجع إلى الكتب المختصة.
والحقيقة أنّه لا فرق بين السلفية والوهابية، فهما وجهان لعملة واحدة، فهم يعتقدون بنفس المعتقدات والأفكار، فهي في داخل جزيرة العرب (وهابية حنبلية) وعندما تصدر إلى الخارج تسمى (سلفية).
الوهابية بنت السلفية
الواقع أنّ الوهابية تولّدت من السلفية؛ فمحمد بن عبد الوهاب هو رجل دعا إلى أفكار ابن تيمية وقدماء الحنابلة المجسّمة الذين يدّعون السلفية وربما خالفهم ببعض المسائل الفقهية الفرعية كتحريم زيارة القبور، ومحاربة التصوف بدون هوادة.
فمحمد بن عبد الوهاب وبالتالي الوهابية فرقة دعت إلى فكر الحنابلة المجسّمة والنواصب، ونجدهم اليوم متّحدين في الفكر، بل هما فكر واحد، فالألباني مثلاً كان يسمي نفسه سلفياً ولا ينسب نفسه الى الوهابية، ومع ذلك كان الوهابيون يدعمونه مالياً ومعنوياً، ويبثون أفكاره في جزيرة العرب، وتروَّج أفكاره ما بين شباب القصيم والرياض وغيرها من مدن الجزيرة العربية.
فالوهابية: هي تلك الجماعة التي تقودها إدارة هيئة البحوث والدعوة والإرشاد في جزيرة العرب، والتي تدعو إلى مذهب أحمد ابن حنبل، وابن تيمية، وهيئة كبار علمائهم المعاصرين في ذلك الإقليم.
أما السلفية المعاصرة: هم أتباع ابن تيمية، ومذهب أئمة الحنابلة
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 28
--------------------------------------------------------------------------------
المجسمة خارج جزيرة العرب في البلاد المختلفة، والكل يتخذ ابن تيمية إماماً ومرجعاً ورأساً، وهو من علماء الحنابلة، إلا أنّهم لا يقولون (وهابية) لأن هذا اللقب صار مستقبحاً ولكن يدَّعون أنهم على مذهب السلف الصالح، ويقصدون زمرة من المحدِّثين المجسّمة كابن تيمية وابن القيّم الجوزية وأمثالهم..
فالخلاصة أنّ اسم السلفية والوهابية هو اسم لفكر واحد(1) إنْ صحّت التسمية، والأفضل تقديم الكاف على الفاء.
____________
(1) السلفية الوهابية للسقاف: ص20.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 29
--------------------------------------------------------------------------------
أقطاب الفكر
وبما أنّنا قدمنا تعريفاً مختصراً وسريعاً عن هذه الجماعات التي فسدت وأفسدت الكثير الكثير من حياة وفكر وقضايا الأمة الإسلامية.. ورأينا أنّها ترتبط باسمين يعتبران قطبي الرحا التي تدور عليهما السلفية كلّها قديماً (ابن تيمية) وحديثاً (ابن عبد الوهاب)، ولذا كان لزاماً علينا أن نعطي لمحة موجزة عن هذين الرجلين.
أولاً: ابن تيمية
من هو ابن تيمية؟
هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر.
تقي الدين.. أبو العباس.. ابن تيمية..
الحرّاني الدمشقي الحنبلي..
المولود في حران سنة 661ه والمتوفي بدمشق سنة 728ه عن عمر يقارب 67 سنة.
والدته: فهي ست النعم بنت عبدوس الحرّانية.
قبيلته: بقي مرجعه القبلي محل استفهام (رغم اهتمام العرب الشديد بالأنساب) فإنّ أحداً ممن ترجم له لم يذكر قبيلته، ولا
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 30
--------------------------------------------------------------------------------
منحدره القومي، وحتى معاصريه وتلامذته كالذهبي والصفدي، وابن الوردي، وابن عبد الهادي، وابن كثير، لم ينسبوه إلى قبيلة من قبائل العرب ولا من غيرهم.
ولم يذكر شيء من ذلك في تراجم آبائه أيضاً.. فبقيت نسبته عرضة للتكهنات التي لا يؤيدها دليل شاف، ولا ينفيها برهان قاطع بعد سكوت معاصريه، بل ومعاصري آبائه عن ذلك(1).
ومرجع ذلك إلى أنّه كان من غير العرب -كما أظن-؛ لأنّ العرب ومنذ الجاهلية يهتمون أيّما اهتمام بالأنساب والعشائر والقبائل.. بالإضافة إلى نسبته إلى أمّه (جدته) تيمية والعرب تكره التكنّي أو النسبة إلى النساء، والله العالم بحقيقة الرجل.
بيئته:
بين حرّان ودمشق تقسمت حياة ابن تيمية، خلا سنين قلائل قضاها بمصر بعد أن جاوز عمره الخامسة والأربعين، ثم عاد إلى دمشق إلى أن مات فيها.
فحرّان: مسقط رأسه وترعرعه الطفولي خلال ست سنوات فقط، تلك القرية الموغلة في القدم حين قيل: إنّها أوّل قرية بنيت بعد
____________
(1) ابن تيمية صائب عبد الحميد: ص19.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 31
--------------------------------------------------------------------------------
الطوفان النوحي الشهير، وبناها أخو أبينا إبراهيم الخليل (عليه السلام) الأكبر هاران. فسميت باسمه ولكن بعد أنْ عُرّبت فصارت حرّان.
وهي تقع في أعلى الجزيرة السورية ما بين دجلة والفرات، وحّران العواميد التي تقع إلى الشرق من دمشق حالياً غيرها بكل تأكيد.
فحران مسقط رأسه، ومناخ طفولته، وموطن آبائه القديم.
وأما دمشق ففيها نشأته، وترعرعه، ونبوغه، وشهرته، ثم وفاته.
فالمناخ وطبيعة الأرض وقساوة الجو في حرّان يتشابه بعض الشيء مع الجو النجدي الذي ولد فيه ابن عبد الوهاب -كما سيأتي- من حيث القساوة والحرارة والغلظة والشدة في جميع مناحي الحياة.
هذا وقد مرَّ بها الرَّحالة العربي الشهير ابن جبير سنة 580ه فقال فيها: بلد لا حسن لديه، ولا ظل يتوسط برديه (الصباح والمساء) فلا يألف البرد ماؤه، ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه، ولا تجد فيها مقيلاً ولا تتنفس فيها إلا نفساً ثقيلاً، قد نبذ بالعراء ووضع في وسط الصحراء، فعدم رونق الحضارة، وتعرّت أعطافه من ملابس النضارة(1).
____________
(1) ابن تيمية لصائب عبدالحميد: ص25.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 32
--------------------------------------------------------------------------------
أما الجانب العقائدي والفكري لتلك القرية فإنّها كانت موطن الحنابلة وموئلهم منذ القديم، فلم يخرج منها إلا الحنبلي، ومن كان على غير هذا المذهب فيها فإنّه من خارجها أي أنّه ضيف وافد عليها..
«أمّاعقائد أهلها بعد الإسلام فقد غلب عليهم الهوى الأموي، فكانوا أشدّ الناس تعصباً لبني أميّة، وكانوا يرون أنّ صلاة الجمعة لا تتم إلا بلعن الإمام علي (عليه السلام) (والعياذ بالله) وحين جاءهم الأمر من عمر بن عبد العزيز بإزالة لعن أمير المؤمنين عن المنابر امتنعوا وضجّوا، وقالوا: لا صلاة إلا بلعن أبي تراب.
ثم كانت حرّان مأوى مروان الحمار آخر الملوك الأمويين حين فرَّ من العباسيين، وله فيها قصر كبير انفق على بنائه عشرة ألف درهم»(1).
ذاك شأن حرّان مسقط رأس ابن تيمية، إلا أنّ مسكنه الرئيس كان في دمشق الشام، التي جاء إليها فاراً هارباً مع أبيه وأخوته من وجه المغول والتتار سنة 667ه، وحالُ دمشق لا يخفى على أحد من العلماء والأعلام.. فإنّها معقل بني أميّة منذ البداية وحتى النهاية ولذا
____________
(1) ابن تيمية لصائب عبدالحميد: ص25 عن شرح النهج لابن أبي الحديد: 7/122.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 33
--------------------------------------------------------------------------------
فإنّنا لا نحتاج إلى مزيد من الإيضاح هنا.
عقائده:
قلنا إنّ أحمد بن تيمية كان شيخ الحنابلة بعد أبيه في عصره وهؤلاء ما يميزهم عقائدياً ما يلي:
1- التجسيم والتشبيه لله سبحانه وتعالى.
2- النَّصب والعداء لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).
3- الرأي: اعتمادهم على آرائهم الشخصية ورفض كل فكرة تعارضهم مهما كانت قوية الحجة وظاهرة الدلالة.
1- التجسيم:
يرى هؤلاء القوم أنّ الله سبحانه وتعالى جسم كالأجسام الآدمية تماماً، مستندين على حديث أبو هريرة الدوسي: «إنّ الله خلق آدم على صورته»(1).
يرويه أبو هريرة عن كعب الأحبار رأس اليهود وعالمهم.
جاءنا بها بعض من ينقصهم الورع، فقد زوَّروها وحوروها حتى صارت من جملة الأحاديث، وخاصّة أنّ التوراة فيها ما يقرب من
____________
(1) صحيح البخاري: 7/125، و (صحيح مسلم): 8/32.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 34
--------------------------------------------------------------------------------
هذه الصيغة تماماً (سنخلق بشراً على صورتنا يشبهها).
وهذا صاحب صحيح مسلم يروي في كتابه (التمييز) عن بسر بن سعيد تلميذ أبي هريرة قوله: اتقوا الله وتحفَّظوا من الحديث-فوالله- لقد رأيتنا نجالس أبو هريرة فيحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ويحدثنا عن كعب، ثم يقوم.. فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن كعب ويجعل حديث كعب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم).
والحديث المتقدم له أصل صحيح وروايات واضحة إلا أنّها لا تتحدث عن الله سبحانه بل عن الإنسان، كهذه الرواية: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) مرَّ برجل يضرب رجلاً وهو يقول: قبّح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): «إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه، فإن الله تعالى خلق آدم على صورته» أي على صورة هذا الرجل المضروب، أو الوجه الذي تضربه أو تسبه.. فإنّ آدم وجميع الأنبياء والأوصياء والأولياء خُلقوا على هذه الصورة المباركة.. فكيف نسوِّغ ضربها أو سبابها؟ والعرف لدينا يمنع ضرب الحيوان على وجهه فكيف بالإنسان؟
تأمل يا رعاك الله كم هو الفرق بين المفهومين والروايتين.. وكم هي الروايات المحوَّرة والمبتورة، والمشبوهة التي اعتمدها المبطلون لتبرير أعمالهم أو التدليل على عقائدهم، لأنّها بلا دليل معقول أو منقول..
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 35
--------------------------------------------------------------------------------
واليك ما يرويه الرَّحالة الشهير ابن بطوطة عن ابن تيمية في مسألة التجسيم، هذه.. حكاية الفقيه ذي اللوثة (المجنون).
كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية -كبير الشام- يتكلم في الفنون إلا أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظِّمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلم بأمر أنكره الفقهاء.
قال: وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس (شاهد عيان) على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أنْ قال: إنّ الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من المنبر.
فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه (ابن تيمية) وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً، حتى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها، واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة.. فأمر بسجنه وعزَّره (أي جلده) بعد ذلك(1).
وهذه العقيدة الباطلة معروفة عنه، وهو الذي سطّرها في كتابه (الحموية الكبرى) بقوله: إذا قال سائل: كيف ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟
____________
(1) رحلة ابن بطوطة: ص95.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 36
--------------------------------------------------------------------------------
فإذا قال: لا أعلم كيفيته.. قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله(1).
ومنشأ ذلك من بعض الإسرائيليات التي حشوا بها كتب الحديث والسنن عن قصد أو دون قصد، رغم تحذير الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم) والعلماء الأجلاء من هذه المصيبة التي نزلت على الإسلام والمسلمين من جرّاء ذلك، كحديث أم طفيل التي تذكر فيه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم): رأى ربّه في المنام في أحسن صورة، شاباً موفوراً، رجلاه في خضرة، عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب.
أو أنّه كما في رواية أخرى: شاب أمرد وله نور يتلألأ، وقد نهيت عن وصفه.. فسألت ربي أنْ يكرمني برؤيته، وإذا هو كأنّه عروس حين كشف عن حجابه مستو على عرشه.. أو أنّه شيخ كبير بالسن ذو لحية بيضاء طويلة وأنّه يركب على حمار، وينزل إلى السماء الدنيا، وآخر يركبه على ذبابة أو بقَّة.. نستجير بالله من الضلال!!
حتى قال آخرهم: ألزموني ما شئتم، فإنّي التزمه إلا اللحية والعورة، وألَّف محمود التويجري المعاصر كتاب (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة (الرحمن) نعوذ بالله!
هذه عقيدة شيخ الإسلام السلفي ابن تيمية، مجدد الدين، وحامي السنّة والمدافع عن السلف الصالح، وغير ذلك من الألقاب والأوسمة
____________
(1) الحموية الكبرى لابن تيمية: ص20.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 37
--------------------------------------------------------------------------------
التي قلدوه بها، وزينوا بها صدره، ولكن اين هو غداً في الحساب، عن تلك هي المسألة.
2- النصب:
وهو البغض، والحقد، والحسد، لأهل البيت الأطهار (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.. وجعل أجر الرسالة الخاتمة مودتهم وحبّهم في الله وهم كسفينة نوح.. وباب حطّة.. وباب مدينة العلم الرسولي الكوني.
لا أدلّ على نصب القوم وبغضهم لآل البيت النبوي الكريم من طعن ابن تيمية، إمامهم الذي أصَّل لهم الأصول، وقعَّد لهم القواعد بسيدنا علي رضوان الله تعالى عليه، وبالسيدة فاطمة الصديقة بنت سيدنا رسول الله، وهذا ثابت في كتب ابن تيمية ومؤلفاته، خاصّة في كتاب (منهاج السنّة) الذي هو منهاج البدعة حقيقة(1).
وابن حجر العسقلاني يقول عن ابن تميمة بهذا الخصوص:
ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي، ولقوله: إنّه كان مخذولاً حيثما توجه، وإنّه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنّما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله: إنّه كان يحب الرئاسة، وإنّ عثمان كان
____________
(1) السلفية للسقاف: ص65.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 38
--------------------------------------------------------------------------------
يحب المال، ولقوله: أبو بكر أسلم شيخاً يدري ما يقول، وعلي أسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه على قوله(1).
وابن تيمية لم ينج منه إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالهجوم والتهجم المباشر على شخصه الكريم، إلا أنّه أوغل في تناوله لآل البيت الأطهار (عليهم السلام)، فكان أضرّ عليهم ممن ولغ في دمائهم الطاهرة الزكية، فكان أذاه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) كبيراً جداً.
1- لأنّه تجرّأ على الآل الكرام لا سيما أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) وزوجته فاطمة الزهراء (عليها السلام) وسيدي شباب أهل الجنة، فكان رأس هذه البدعة، وإثمها يعود عليه بإذن الله.
2- لأنّه فتح الباب واسعاً للهجوم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) وعدم احترامه.
3- لأنّه أول من فتح باب الجرأة على المقدسات الإسلامية الزمانية والمكانية التي تنتهك ليزيلها عن الوجود بمحو آثارها وبالتالي محوها من العقول والقلوب المؤمنة.. وهذه سياستهم تجاه المقدسات كما سيأتي في بحوث قادمة.
ومن جرأته على الله ورسوله وآل البيت والصحابة نعطيك نماذج من أقواله.. من شدة احترامه لله رب العالمين فإنّه يجسمه ويشبهه
____________
(1) السلفية: ص65 عن الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: 1/155.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 39
--------------------------------------------------------------------------------
ويمثله على المنبر ويثبت له كل الصفات الآدمية تقريباً وقد مرَّ بك بعض أقواله فلا نعيد.
ولعظيم عدم احترامه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فإنّه يفتي بعدم فائدته بعد موته ولذا فلا يجوز التوسل به أو التشفع لديه أو الدعاء بحقه أو التوجه بجاهه العظيم، لأنه يفضي إلى الشرك ففيه هذه المفسدة(1) هذا من جهته، والمثل الشائع لدينا يقول: العزّ عز الله، والجاه جاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)..
ومن جهة أخرى يقول: التوسل بدعائه - رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) - وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة، ولهذا نهي عن الاستغفار لعمه (أبو طالب) وأبيه (عبد الله) وغيرهما من الكفار(2).
ثم يقول: وقد يدعو الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) لبعض الكفار بأنْ يهديه الله أو يرزقه، فيهديه أو يرزقه، كما دعا لأم أبي هريرة حتى هداها الله!!؟
وكما دعا لدوس قبيلة أبي هريرة فقال: اللهم اهد دوساً وائت بهم فهداهم الله(3).
____________
(1) التوسل والوسيلة: ص33 - 34.
(2) المصدر نفسه: ص6.
(3) المصدر نفسه: ص6.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 40
--------------------------------------------------------------------------------
بينما نلاحظه ينقل في مكان آخرما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «استأذنت ربي أنْ أستغفر لأمي فلم يأذن لي»(1).
لا أدري من كان النبي لدى هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثاً، هل كان محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أم أبو هريرة الدوسي؟
آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، وأمه وأبيه، وعمه، وجده كلهم كافر مشرك، ولا يستغفر -فقط استغفار عدا الشفاعة والانتشال من عذاب النار- لأمه أو أبيه أو جده أولئك العظام الذين أنجبوه وقبيلة أبو سنّور (هريرة) كلها يشفع لها ولا سيما أمّه فيدعو لهم فيسلموا عن بكرة أبيهم.
أيُّ صحبة صحبتك يا أبا السنّور، وأينك أنت والمقام ذاك مقامك.
ولكن لهفي عليك يا رسول الله (صلوات الله عليك وعلى آلك) وروحي لك الفداء وأنت ترى أولئك الكوكبة العظيمة من آبائك الكرام وأمهاتك الطاهرات يتقلبون في العذاب -والعياذ بالله- وأنت لا تغني عنهم من الله شيئاً، ولكنّك شفعت ودعوت لقوم أبو سنّور ففازوا ونجوا من عذاب الله، فلماذا فعلت ذلك وأنقذت الدوسيين وتركت الهاشميين.
____________
(1) المصدر نفسه: ص8.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 41
--------------------------------------------------------------------------------
حاشا وكلا، هذه ليست ارادة الله ولا حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن هذا قول ابن تيمية وحكم السلفية بآباء النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلّم)، عليه ما يستحق من الله يوم الحساب.
وأما موقفه من أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، فإنّنا نقلنا لُمعاً منها لا سيما ما جاء به بحق أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) وسيدة النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) وخصومتها مع الشيخين، والإمام الحسين ونهضته المباركة.. لكل ذلك له آراء واضحة وصريحة.. وأقوال قبيحة تخبرك عما انطوى عليه الرجل من البغض والنصب البغيض.
فإنّه كان مؤيداً لكل أعداء رسول الله وأهل بيته (صلوات الله عليهم جميعاً)، ومبرراً لأعمالهم المادية، بل والمحاربة بحجج واهية وأقوال داهية ليس فيها نور، بل كلها قبساً نارياً من ديجور.. معللاً ذلك بالتأويل المحض.. اسمعه يقول:
وأما أهل التأويل المحض -كمعاوية ويزيد- فأولئك مجتهدون مخطئون، خطأهم مغفور لهم (عند ابن تيمية وليس عند الله) وهم مثابون على ما احسنوا فيه من حسن قصدهم واجتهادهم في طلب الحق واتّباعه(1).
وعليه فإنّ معاوية لم يخرج على إمام زمانه الإمام علي (عليه السلام)
____________
(1) رأس الحسين (عليه السلام) لابن تيمية: ص204.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 42
--------------------------------------------------------------------------------
ويحاربه، بل معاوية كان مجتهداً يطلب الحق، والإمام علي (عليه السلام) كان يحارب لأجل نفسه وحبّه للرئاسة والتملك على رقاب الناس بالسوط والسيف.. لاحظ حاصل كلامه في منهاج السنّة:
وعلي رضي الله عنه لم يكن قتاله يوم الجمل وصفين بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وإنّما كان رأياً رآه، وهو الذي ابتدأ أهل صفين في القتال، وعلي إنّما قاتل الناس على طاعته لا على طاعة الله.
فمن قدح في معاوية بأنّه كان باغياً، قال له النواصب: علي أيضاً كان باغياً ظالماً، قاتل المسلمين على إمارته وصال عليهم.. فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الأرض والفساد، وهذا حال فرعون.
والله تعالى يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(1).
ويكمل استشهاده معلقاً على الآية: فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة -أي أنّ الإمام علي (عليه السلام) من أهل الشقاء عنده- وليس هذا كقتال الصديق للمرتدين ومانعي الزكاة: فإنّ الصدِّيق إنما قاتلهم على طاعة الله
____________
(1) القصص: 83.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 43
--------------------------------------------------------------------------------
ورسوله لا على طاعته، فإنّ الزكاة فرض عليهم، فقاتلهم على الإقرار بها وعلى ادائها، بخلاف من قاتل ليطاع هو(1).
هل يحتاج هذا الكلام إلى تعليق أو تفنيد.. لا سيما وأنّ علماء الإسلام قالوا كلمتهم لمن قاله، حيث أفتوا بكفره وفسقه وسجنه وتعزيره عليه.
وأمّا معاوية عند الرجل (ناصر السنة ومحييها!) فإنّه في القمَّة العالية من التقى والورع، وبالمكان المطلق بالاجتهاد والفقاهة، وبالزمان الراشدي الأول من الإسلام، ولا يمكن أنْ يطرقه ذم، أو أن ينوشه عيب، هو لم يقاتل الإمام علي (عليه السلام)، بل الإمام هو الذي بدأه بالقتال وهو يطالب بدم ابن عمه عثمان بن عفان.
إنّ بني أميّة ليسوا بأعظم جرماً من بني إسرائيل.
فمعاوية حين أمر بسم الحسن فهو من باب قتال بعضهم بعضاً(2).
ويزيد ليس بأعظم جرماً من بني إسرائيل، كان بنو إسرائيل يقتلون الأنبياء.. وقتل الحسين ليس بأعظم من قتل الأنبياء(3).
يعترف بأنّ معاوية بعث ودسَّ السم للإمام الحسن (عليه السلام)، ولكنه
____________
(1) منهاج السنة لابن تيمية: 2/202 - 204، 232.
(2) انظر منهاج السنة: 2/225.
(3) انظر المصدر السابق: 2/247.
المستر همفر وصناعة الوهابية
هذا مختصر سريع عن محمد بن عبد الوهاب وفيه الخطوط العامة والعريضة، أمّا الخصوصيات لذاك الشخص فإنّها أعظم وأعجب ممّا تتصور، نقتطف بعضها من مذكرات صديقه وصانعه الفكري، أعني: ذاك الجاسوس البريطاني المسمّى (المستر همفر) اسمعه كيف يصف محمد بن عبد الوهاب، ويشرح بعض أعمالهما.
تعرّف همفر على محمد بن عبد الوهاب في البصرة وعند أحد أصحاب الدكاكين: «تعرفت على شاب كان يتردد على هذا الدكان يعرف اللغات الثلاث، التركية والفارسية والعربية، كان في زي طلبة العلوم الدينية، وكان يسمّى بـ (محمد بن عبد الوهاب) وكان شاباً طموحاً للغاية، عصبي المزاج، ناقماً على الحكومة العثمانية».
ويقول: «كان (محمد بن عبد الوهاب) شاباً متحرّراً بكل معنى الكلمة، لا يتعصّب ضدّ الشيعة، كما أنّه لم يكن يرى أي وزن لأتباع المذاهب الأربعة المتداولة بين أهل السنة، ويقول: إنّها ما أنزل الله بها من سلطان».
ويقول: «كان الشاب الطموح (محمد) يقلّد فهم نفسه في فهم القرآن والسنّة، ويضرب بآراء المشايخ لا مشايخ زمانه والمذاهب
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 52
--------------------------------------------------------------------------------
الأربعة فحسب، بل بآراء أبي بكر وعمر أيضاً عرض الحائط إذا فهم هو من الكتاب على خلاف ما فهموه، وكان يقول: إنّ الرسول قال: إنّي مخلّف فيكم كتاب الله والسنة. ولم يقل: إني مخلّف فيكم كتاب الله والسنّة والصحابة والمذهب، ولذا فالواجب اتّباع الكتاب والسنّة مهما كانت آراء المذاهب والصحابة والمشايخ مخالفة لذلك».
إلى أن يقول: «لقد وجدت في (محمد الوهاب) ضالتي المنشودة، فإنّ تحرره، وطموحه، وتبرّمه من مشايخ عصره، ورأيه المستقل الذي لا يهتم حتى بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهمه هو من القرآن والسنة.. كان أكبر نقاط الضعف التي كنت أتمكن أتسلل منها إلى نفسه.. وأين هذا الشاب المغرور من ذاك الشيخ التركي الذي درست عنده في تركيا، فإنّه كان مثال السلف كالجبل لا يُحرّكه شيء.
(الشيخ محمد الوهاب) كان يزدري بأبي حنيفة أيّما ازدراء، وكان يقول عن نفسه: إنّني أكثر فهماً من أبي حنيفة.. »! وكان يقول: إنّ نصف كتاب البخاري باطل!
لقد عقدت بيني وبين (محمد) أقوى الصِلات والروابط، وكنت أنفخ فيه باستمرار وأبين له أنّه أكثر موهبة من (علي وعمر) وأنّ الرسول لو كان حاضراً لاختارك خليفة له دونهما، وكنت أقول له
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 53
--------------------------------------------------------------------------------
دائماً: آمل من تجديد الإسلام على يدك، فإنّك المنقذ الوحيد الذي يرجى به انتشال الإسلام من هذه السقطة.
وقد قررت مع (محمد) أنْ نناقش في تفسير القرآن على ضوء أفكارنا الخاصّة، لا على ضوء فهم الصحابة والمذاهب والمشايخ، وكنّا نقرأ القرآن ونتكلم عن نقاط منها كنت أقصد من ورائها إيقاع (محمد) في الفخ، وكان هو يسترسل في قبول آرائي ليظهر نفسه بمظهر المتحرر وليجلب ثقتي أكثر فأكثر.
وهكذا راح المستر يُشكّك هذا الشاب المغرور بالعقائد الإسلامية والإيمانية واحدة تلو أخرى. فأبطل له حقها، وأحق الباطل مكانها، وأحلّ الحرام وحرّم الحلال وكل ذلك يتدرج خطوة خطوة إلى أنْ استحكم الفتل على رقبة الشيخ».
1- إبطال الجهاد:
«قلت له ذات مرة: الجهاد ليس واجباً، قال: وكيف وقد قال الله {جَاهِدْ الْكُفَّارَ}؟
قلت: الله يقول: {جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ}، فإذا كان الجهاد واجباً لماذا لم يجاهد الرسول المنافقين؟
قال: جاهدهم الرسول بلسانه.
قلت: إذاً، فجهاد الكفار أيضاً واجب باللسان.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 54
--------------------------------------------------------------------------------
قال: لكن الرسول حارب الكفار.
قلت: حرب الرسول كان دفاعاً عن النفس حيث إنّ الكفار أرادوا قتل الرسول فدفعهم. فهزّ (محمد) رأسه علامةً للرضا».
2- حلّية المتعة:
للأسف، الكفار يقتنعون ويقنعون المسلمين بالمتعة، وما زال السواد الأعظم من المسلمين يحرمونها لكلمة قالها عمر بن الخطاب يوماً، فكيف أقنع المستر الشيخ بالمسألة؟؟
«وقلت له ذات مرة: متعة النساء جائزة؟
قال: كلا.
قلت: فالله يقول: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}؟
قال: عمر حرّم المتعة قائلاً: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما.
قلت: أنت تقول: أنا أعلم من عمر، فلماذا تتّبع عمر؟ ثم إذا قال عمر أنّه حرّمها وأنّ الرسول أحلّها فلماذا تترك رأي القرآن ورأي الرسول وتأخذ برأي عمر؟
فسكت، ولّما وجدت سكوته دليل الاقتناع وقد أثرت فيه الغريزة الجنسية (ولم تكن له إذ ذاك زوجة) قلت له: ألا نتحرر أنا وأنت ونتخذ (متعة) نستمتع بها.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 55
--------------------------------------------------------------------------------
فهزَّ رأسه علامة الرضا.. وقد اغتنمت أنا هذا الرضا أكبر اغتنام.. وقرّرت موعداً لآتي له بامرأة ليتمتع بها، وكان همي أنْ أكسر خوفه من مخالفة الناس، لكنّه اشترط عليَّ أنْ يكون الأمر سراً بيني وبينه وأنْ لا أخبر المرأة باسمه.
فذهبت فوراً إلى بعض النساء المسيحيات اللاتي كنّ مجنّدات من قبل وزارة المستعمرات لإفساد الشباب المسلم، ونقلت لها كامل القصة، وجعلت لها اسم (صفية) وفي يوم الموعد ذهبت بالشيخ (محمد) إلى دارها، وكانت الدار خالية إلا منها فقرأنا أنا والشيخ العقد لمدة أسبوع، وأمهرها الشيخ نقداً ذهبياً.
فأخذت أنا من الخارج، و (صفية) من الداخل، نتراوح على توجيه الشيخ محمد عبد الوهاب».
3- تحليل الخمر:
لأنّها أحد أهم الموارد للسيطرة على الإنسان، وهي تفسد له عقله وتشلّ إرادته، وتهدم جسده، والخمر من الأسلحة الأساسية مع النساء والدولار للفساد والإفساد.
وبعدما أخذت (صفية) من محمد كل مأخذ، وتذوّق محمد حلاوة مخالفة أوامر الشريعة تحت غطاء الاجتهاد والاستقلال في الرأي والحرية.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 56
--------------------------------------------------------------------------------
وفي اليوم الثالث من (المتعة) أجريت مع (محمد) حواراً طويلاً عن (عدم تحريم الخمر)، وكلَّما استدلَّ بالآيات القرآنية والأحاديث زيفتها، وقلت له أخيراً: لقد صحَّ أنّ معاوية ويزيد وخلفاء بني أميّة وبني العباس كانوا يتعاطون الخمر، فهل من الممكن أنْ يكون كل أولئك على ضلال وأنت على صواب، إنّهم لا شك كانوا أفهم لكتاب الله وسنّة الرسول ممّا يدلّ على أنّهم لم يفهموا التحريم، وإنّما فهموا الكراهة والإعافة، وفي الأسفار المقدسة لليهود والنصارى إباحة الخمر، فهل يعقل أنْ يكون الخمر حراماً في دين وحلالاً في دين، والأديان كلها من عند إله واحد؟
ثمّ إنّ الرواة رووا أنّ عمر (بن الخطاب) شرب الخمر حتى نزلت الآية {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُون}ولو كانت الخمرة حراماً لعاقبه الرسول، فعدم عقاب الرسول دليل الحليّة.
أخذ يسمعني (محمد) بكل قلبه، ثم تنهّد وقال: بل ثبت في بعض الأخبار أنّ عمر (ابن الخطاب) كان يكسر الخمر بالماء ويشربها، ويقول: إن سكرها حرام.. ولا، إذا لم تكن تسكر.
ثمّ أردف الشيخ قائلاً: وكان عمر صحيح الفهم في ذلك، لأنّ القرآن يقول: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ الصَّلاةِ} فإذا لم تسكر الخمر لم تفعل هذه الأمور التي ذكرت في الآية وعليه فلا
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 57
--------------------------------------------------------------------------------
نهي عن الخمر إذا لم تكن مسكرة.
أخبرت (صفية) بما جرى، وأكدت عليها أنْ تسقي الشيخ في هذه المرّة خمرة مغلَّظة، ففعلت وأخبرتني بعد ذلك أن الشيخ شرب حتى الثمالة وعربد وجامعها عدّة مرات في تلك الليلة، وقد رأيت أنا آثار الضعف والنحول عليه غداة تلك الليلة، وهكذا استوليت أنا وصفية على الشيخ استيلاءً كاملاً».
ويعلّق على هذه الحادثة قائلاً: «يا لها من كلمة رائعة تلك الكلمة الذهبية التي قالها لي وزير المستعمرات حين ودعته: إنّا استرجعنا إسبانيا من الكفار (يقصد المسلمين) بالخمر والبغاء فلنحاول أنْ نسترجع سائر بلادنا بهاتين القوتين العظيمتين.
فالخمرة أُمّ الخبائث، والنساء أصل المفاسد، فإذا شربت الخمرة وصارت أمراً عادياً، وصارت النساء تباع بالشوارع كأرخص أنواع الأحذية، هكذا تسقط الأمّة تحت أقدام أعدائها».
4- إبطال الصوم:
«ذات مرة تكلمت مع الشيخ عن الصوم وقلت له: إنّ القرآن يقول: {وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُم} ولم يقل أنّه واجب عليكم، فالصوم بنظر الإسلام مندوب وليس بواجب.
لكنّه قاوم الفكرة، وقال: يا محمد تريد أن تخرجني من ديني.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 58
--------------------------------------------------------------------------------
قلت له: يا وهاب، إنّ الدين هو صفاء القلب، وسلامة الروح، وعدم الاعتداء على الآخرين، ألم يقل النبي: الدين الحب؟ وألم يقل الله في القرآن الحكيم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}؟ فإذا حصل للإنسان اليقين بالله وباليوم الآخر، وكان طيّب القلب نظيف العمل، كان من أفضل الناس. لكنّه هزَّ رأسه علامة للنفي وعدم الارتياح».
صحيح إنّه لم يقتنع لأنّ بذلك يخرج من الدين إلا أنّ المستر الخبيث شكك الشيخ بالصوم ووجوبه.
5- التشكيك بالصلاة:
«ومرة أخرى قلت له: الصلاة ليست واجبة.
قال: وكيف؟
قلت: لأنّ في القرآن يقول الله: {وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}.. فالمقصود من الصلاة ذكر الله تعالى، فلكَ أنْ تذكر الله تعالى عوضاً عن الصلاة.
قال وهاب: نعم، سمعت أنّ بعض العلماء كانوا يذكرون الله تعالى في أوقات الصلاة عوضاً عن الصلاة.
ففرحت لكلامه أيّما فرح.. وأخذت أنفخ فيه هذا الرأي حتى ظننت إني استوليت على لُبّته، وبعد ذلك وجدته لا يهتم بأمر الصلاة،
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 59
--------------------------------------------------------------------------------
وأحياناً لا يصلي، خصوصاً في الصباح، فإنّه كان يترك الصلاة غالباً، حيث كنت أسهر معه إلى بعد منتصف الليل غالباً، فكان منهوك القوى عند الصباح، فلا يقوم للصلاة.
وهكذا أخذت أسحب رداء الإيمان من عاتق الشيخ (إنْ كان عنده إيمان) شيئاً فشيئاً، وأردت ذات مرة أنْ أناقش حول (الرسول) لكنّه صمد في وجهي صموداً كبيراً، وقال لي: إنْ تكلمت بعد ذلك حول هذا الموضوع قطعت علاقتي بك. وخشيت أنْ ينهار كل ما بنيته، ومن أجل ذلك أحجمت عن الكلام عن الرسول».
إلا أنّ تلميذك يا مستر تجرَّأ وفتح الباب إلى تلاميذه حتى قال قائلهم: إنْ عصاه خير من رسول الله -والعياذ بالله-.
«لكن أخذت في إذكاء روحه في أنْ يكوِّن لنفسه طريقاً ثالثاً غير السنّة وغير الشيعة، وكان يستجيب لهذا الإيحاء كل استجابة؛ لأنّه كان يملأ غروره وتحرره.
وبفضل (صفية) التي دامت علاقتها معه بعد الأسبوع أيضاً في (متعات جديدة) تمكنّا في الأخذ بقيادة الشيخ كاملاً.
وذات مرة قلت للشيخ: هل صحيح أنّ النبي آخى بين أصحابه؟ قال: نعم.
قلت: هل أحكام الإسلام وقتية أم دائمة؟
قال: بل دائمة؛ لأنّ الرسول يقول: حلال محمد حلال إلى يوم
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 60
--------------------------------------------------------------------------------
القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة.
قلت: إذن فلنواخى أنا. وأنت فتواخينا..
ومنذ ذلك الحين كنت أتبعه في كل سفر وحضر، وكنت أهتم لأنْ تأتي الشجرة التي غرستها ثمارها التي صرفت لأجلها أثمن أوقات شبابي».
قاتلكم الله أنتم وغراسكم، وأحرق أشجاركم وأهلك ثماركم.. لأنّها أبشع من العلقم طعماً، وأنتن من الجيفة ريحاً، وعليكم من الله ما تستحقون على أعمالكم.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 61
--------------------------------------------------------------------------------
حديث الأحلام
يقول المستر همفر:
«كنت أنا ومحمد نسير في الطريق الذي رسمناه بخطى سريعة ولم أكن أفارقه لا في سفر ولا في حضر، وكانت مهتمي أنْ أُربّي منه روح الاستقلال والحرية، وحالة التشكيك (بكل العقائد والشخصيات) وكنت أُبشّره دائماً بمستقبل زاهرٍ وأمدح فيه روحه الوقادة، ونفسه النقادة، ولفقت له ذات مرة (حلماً).
قلت له: إنّي رأيت البارحة في المنام رسول الله ووصفته بما كنت سمعته من خطباء المنابر جالساً على كرسي وحوله جماعة من العلماء، لم أعرف أحداً منهم، وإذا بي أراك قد دخلت ووجهك يشرق نوراً، فلمّا وصلتَ إلى الرسول قام الرسول إجلالاً لك وقبّل بين عينيك، وقال لك: يا محمد أنت سميي، ووارث علمي، والقائم مقامي في إدارة شؤون الدين والدنيا.
فقلتَ: يا رسول الله، إنّي أخاف أنْ أظهر علمي على الناس.
قال رسول الله لك: لا تخف، إنّك أنت الأعلى.
فلمّا سمع محمد بالمنام، كاد أنْ يطير فرحاً.. وسألني مكرراً هل
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 62
--------------------------------------------------------------------------------
أنت صادق في رؤياك؟ وكلما سأل أجبته بالإيجاب حتى اطمأنّ وأظنّ أنّه صمّم من ذلك اليوم على إظهار أمره»(1).
هكذا تكوّن المسار الفكري عند محمد عبد الوهاب بغرس من الجاسوس البريطاني، وهكذا انحرف المسار الفكري والعقائدي لهذا الرجل بنفخ ودفع ذاك الخبيث البريطاني، إلا أنّ أرض محمد عبد الوهاب كانت خصبة لمثل ذاك الزرع.. لأنّه كان مغروراً متكبراً جاف الطبع، حاد الكلام، عصبي المزاج.
ولكي لا نترك الموضوع بلا نتيجة تذكر.. أذكرها من المستر الأستاذ وأحوال الشيخ التلميذ باختصار لنصل إلى الخطة السداسية التي رسمتها المخابرات البريطانية لينفذها محمد بن عبد الوهاب في الأمة الإسلامية لهدمها ونقض أركانها من الأساس.
ومن البصرة هاجر الشيخ محمد عبد الوهاب إلى أصفهان من بلاد إيران التي كانت تحت سيطرة الشاه، وهو من العملاء كما هو مشهور ومعلوم.. ولحقته (صفية) إلى أصفهان، وتنعّم بمتعة لمدة شهرين، ثمّ انتقل إلى (شيراز) حيث هيّأ له جاسوس آخر، متعة بامرأة أخرى اسمها (آسية) أجمل وأكثر أنوثة وعاطفة من (صفية)
____________
(1) مذكرات المستر همفر: ص53-76 بتصرف واختصار.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 63
--------------------------------------------------------------------------------
وإنّه قضى معها أسعد ساعات العمر «وتبين لي فيما بعد: أنّ (عبد الكريم الجاسوس الجديد) اسم مستعار لأحد المسيحيين من (جلفاء) من نواحي أصفهان كان من عملاء الوزارة وأنّ (آسية) من يهود (شيراز) وكانت أيضاً هي الأخرى من عملاء الوزارة.
وكان نتيجة سيطرتنا -نحن الأربعة- على (محمد الوهاب) أنّه طُبخ كأفضل ما يمكن لما يرجى منه في المستقبل(1).
____________
(1) مذكرات المستر همفر: 97-98، بتصرف.
--------------------------------------------------------------------------------
الصفحة 64
--------------------------------------------------------------------------------
لا حظ العقيدة والتاريخ
أسامة
16 Dec 2007, 12:01 PM
إن خالفت الكاتب في موضوعه السابق، فابدأ بنقضه.
ثم عارضه بالكلام عن السلفية.
أما إن كنتَ لا تستطيع الرد، أو لم تقرأ أصلاً .
وتظنّ أنك باللصق هذا قد فعلتَ شيئاً، فأنت واهم.
أنت مجرد مشاغب فقط لا أقل ولا أكثر.
إن خالفت الكاتب في موضوعه السابق، فابدأ بنقضه.
ثم عارضه بالكلام عن السلفية.
أما إن كنتَ لا تستطيع الرد، أو لم تقرأ أصلاً .
وتظنّ أنك باللصق هذا قد فعلتَ شيئاً، فأنت واهم.
أنت مجرد مشاغب فقط لا أقل ولا أكثر.
لا يلتفت اليه لغرضه صرف القراء عن الموضوع المهم
الأنسي
20 Aug 2008, 08:33 PM
السلفية هي التي تفضح عوار أهل البدع فمن أبغض السلفية فإن في قلبه مرض
ولو كنت باحث عن حق يا أخ معن اطرح ماعندك من الشبة أو أسئلة ستكون ان شاء الله من السلفيين وان كنت الآخر وأرجوا اللاتكون الثاني فلا فائدة أن نهدر الوقت والمال فيما لا فائدة فيه
والسلام:)
الشريف الحسني
20 Aug 2008, 10:08 PM
يا اخ معن اارجو منك ان تبحث عن طريقة تريك كيف تدخل في المواضيع فما اصيبت المذاهب الا من اهلها
السيد الحسيني
27 Aug 2008, 08:55 AM
الإعراض عن متل ما نقله الذي اسمى نفسه" بمعن" هو الطريق السليم.
ونقله هذا نقل ناتج عن هوى، وهكذا أصحاب الهوى، لا يأتون إلا بما شابه الهوى.
وما زعمه أن السلفية بلاء، فالبلاء فيه أعظم وأولى، ألم تشعر ايا معن أن ما نفلته عن السلفية كذب وافترى، وأنتم أهل الافتراء،
ألم تعلم أيها المفترى أن السلفية هي الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وسلكها من بعده أصحابه الصادقين رضوان الله عليهم.
أماشعرت أيها المتقول على السلفية، أنك حين تتكلم عن المنهج السلفي تتكلم على الإسلام، لأنها لما ظهرت فرق الوباء، التي تحمل المرض والسقم كما هو حالك وحال من سار طريقتك المذعورة، وحمل فكرتك المقطوعة المبتورة، أصبحت السلفية هي التي تمثل الإسلام الحق، وما سواها مستقل من الإسلام ومستكثر .
في الحقيقة لقد آذيت الله ورسوله ببحثك، وعرف اتباع السلفية غور نقلك، فوضع الجيف على طاولت المناقشة سهل، وهي في الغالب خال عن العقل والمنطق والنقل.
فكلامك على السلفية ورجالتها لا يخلو إما أن تكون حاطب ليل وهو الذي يغلب عليك، أو تكون ممن لم يستشعر المسؤلية إذا تكلم، ويعلم أن كلامه سيسئل عنه، وهذا بعيد محتمل.
وعلى كل إن الإعراض عن مثل هذه القاذروت هو الأولى، وضرب كلام صاحبها أحرى، ومناقشة كلامك قد يكون فيبه شيء من الاعتراف بك أنت كمناقش، أما ما وضعته فنتنه يؤذي كل من مر عليه، وسوء رائحته يزعج من لحظه طرفه.
ومهما تكن عند امرء من خليقة ........................... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
والله المستعان
حسن عزي
15 Sep 2008, 04:25 PM
الأخ معن
حبذا لو تكتفي بقياس الخط العادي فتكبير الخط لن يزيد كلامك وضوحا ولن يقوي الحجة بحال. لقد تعبت كثيرا في قراءة ما كتبته وشعرت بتشتيت الفكر وعدم التركيز. أرجو أن تجعل مقياس الخط معقولا حتى نستطيع التفاعل مع ما تكتبه.
أشكرك
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.