المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول مسألة الخروج على الحكام


ابو عبد الوهاب
18 Oct 2011, 10:35 PM
حول مسألة الخروج على الحكام – الجزء الأول
هي مجرد محاولة لطرح وجهة نظر قد تصيب وقد تخطئ وما هي الا مجرد نقولات , فرحم الله من سدد الخلل وقوم الزلل وجزاه عني كل الخير ...
كثر الجدل والخوض في مسالة الخروج على الحكام كل يريد أن ينتصر لرأيه , مفسرا النصوص على مقتضى ما يذهب اليه , ومحاولا فرض وجهة نظره على من يخالفه , فإن لم يفلح إعتبره خارجا عن الشرع مخالفا له , إن لم يتجاوز ذلك الى التكفير واستباحة الدم والمال .. ولا حول ولا قوة الا بالله ...
وقبل كل شيء يجب التنبيه الى أن هذه المسالة من المسائل الطنية الفروعية التي تختلف الأفهام فيها وتتعدد الآراء , ولا يأثم المخالف فيها , والحديث هنا إنما نوجهه الى من يطلبون الحق والحق فقط , أما من ينحازون الى سلطة حاكمة أو يتعصبون الى جهة معينة أو الى جماعة تفهم الدين على انه ( قص ولصق ) فهؤلاء لا جدوى من التحدث اليهم ..
كما يجب التنبيه الى أن ما يطرح هنا ليس له أي علاقة مباشرة بالصراع المحتدم هذه الأيام أو بأحد من أطرافه , إنما هو رأي متجرد ينطلق من منطلق شرعي بحت – حسب فهمنا – ولا ينحاز لأحد البتة ...
ويجب التنبيه الى أن هذه المسالة لم ينعقد الإجماع القطعي بشأنها أبدا كما يدعي البعض , ولولا أنها من المسائل الظنية الفروعية لما احتاجوا الى ادعاء ذلك الإجماع في حقها , وبهذا فإنها محل للاجتهاد إذ ليس فيها نص معلوماللفظ والمعنى ... ومعلوم أن الحوادث من أفعال الناس لا حصر لها ولا تنتهي، وليس بلازم أن يكون منصوصاً على كل فعل يفعله الناس، وإنما الشرع كليات وجوامع وقواعد يدخل تحتها ما لا حصر له من الأمور، بل ما يكفي لعمل الناس إلى يوم القيامة، ولكن يحتاج إلى فقه وإلى علم، فإذا سئل الإنسان عن حادثة ما: فإذا كانت لا نص عليها من كتاب الله وسنة رسوله فيجب أن يجتهد في النظر في أقوال العلماء فيها ويبحث عن أقرب قول إلى الدليل وأصوبه،
فالاجتهاد سائغ في مثل هذه المسائل ، وهو "استنباط الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنّة"، ولكن عند التطبيق لا يجوز لنا أن نأخذ إلا ما قام عليه الدليل من أقوال أهل العلم، فلا يجوز لنا أن نأخذ ما خالف الدليل إمّا تعصُّباً لصاحبه، وإما لأنه يوافق أهواءنا، ويوافِق رغباتنا، بل المدار على الكتاب والسنّة: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
وما زال العلماء رحمهم الله يجتهدون في الوقائع، فمن أصاب منهم فله أجران ومن أخطأ فله أجر كما في الحديث، لكن إذا استبان لهم الدليل أخذوا به وتركوا اجتهادهم، وأما إذا لم يبلغهم الحديث أو لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم عندهم فيه حديث , أو ثبت وله معارض أو مخصص ونحو ذلك , كما في مسالة الخروج هذه , فحينئذ يسوغ للمسلم القادر أن يجتهد فكل يؤخذ من قوله ويترك سوى النبي صلى الله عليه وسلم ....
قبل محاولة القراءة في بعض النصوص التي يستشهد بها كل فريق لتدعيم ما يذهب اليه , لابد من الإشارة الى بعض مواقف السلف الصالح لنعرف من خلالها كيف فهموا النصوص وكيف تعاملوا معها ...
-قال الله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً"النساء- 59
فجعل طاعة الله ورسوله ، طاعة مطلقة وطاعة أولي الأمر مقيدة ما أطاعوا الله ورسوله , أما حين يظهر الفساد ويزول السداد وتتعطل الحقوق وترتفع الصيانة ويفشو الكذب والخداع والخيانة وما الى ذلك فإنها جميعا خارجة عن طاعة الله ورسوله ويصبح استدراك الأمر محتما عندما تعم به البلوى كما هو الحال في بلاد العرب التي ترزح تحت أنظمة حكم بلغت الغاية في الفساد ، وكما يقول الصديق رضي الله عنه في خطبتة الجامعة :-
" أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم "
إن العقد والبيعة تقتضي عاقداً أو مبايعاً وهم جماهير الأمة , خصوصا أهل الحل والعقد , ومعقوداً عليه وهو الخليفة أو الإمام أو الحاكم . والعقد يحدد التزامات طرفي العقد وهي لا تنعقد إذا لم تكن قائمة على الرضا والاختيار الحر لا يدخله إكراه ولا أجبار فالعقد ليس بيعة ذات طبيعة شكلية من قبيل تصفيق الأيدي وإنما من حيث جوهرها تعني الرضا ثم الانقياد ، وهناك التزامات متبادلة بين الطرفين فالبيعة هي العهد على الطاعة ، مادام الحاكم مطيعاً لله مطبقاً شرعه ....
وقال - رضي الله عنه- ايضا :(( يا أيها الناس ! إنكم تقرأون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ))
- ويقول عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ( أيها الناس من رأى فيَّ اعوجاجاً فليقوِّمه )فتقدم إليه رجل وقال : ( لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوَّمناه بسيوفنا )،فرد عليه عمر رضي الله عنه قائلاً ( الحمد لله أن كان في أمة محمد من يقوِّم اعوجاج عمر بالسيف)
- وما الذي كان يصنعه أبو ذر رضي الله عنه ضد معاوية في الشام حتى ضج منه واشتكاه الى الخليفة عثمان رضي الله عنه ؟
- وما الذي صنعه الحسين سبط النبي وسيد شباب أهل الجنة , وماذا صنع حفيده ( زيد بن علي ) , وما الذي صنعه (ابن الأشعث) ومن معه من كبار التابعين ضد الحجاج ؟
- وهذا الإمام النووي رحمه الله يقول في روضة الطالبين ما نصه "الباغي في اصطلاح العلماء هو المخالف لإمام العدل الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجب عليه أو غيره بشرطه الذي سنذكره إن شاء الله تعالى"
ثم يقول – رحمه الله - والتشديدات الواردة في الخروج عن طاعة الإمام وفي مخالفته كحديث من حمل علينا السلاح فليس منا وحديث من فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وحديث من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية كلها محمولة على من خرج عن الطاعة وخالف الإمام بلا عذر ولا تأويل ....
- وهذا العلامة ابن الوزير رحمه الله يقول في الروض الباسم " في بيان أنّ الفقهاء لا يقولون: إنّ الخارج على إمام الجور باغ ولا آثم, وهذا واضح من أقوالهم, ويدلّ عليه وجوه:
الأوّل: نصّهم على ذلك, قال الإمام النّووي في ((الرّوضة)) ما لفظه: ((الباغي في اصطلاح العلماء هو: المخالف لإمام العدل, الخارج عن طاعته بامتناعه من أداء واجب عليه, أو غيره)) انتهى كلامه. وهو نصّ في موضع النّزاع.
ويقول : وقد حكي هذا عن العلماء على الإطلاق والاستغراق, ولم يستثن أحداً.
الوجه الثّاني: أنّ الكلام في الخروج على أئمة الجور [عندهم] من المسائل الظّنيّة الفروعيّة التي لا يأثم المخالف فيها, فالذي يخرج على الجائر -مستحلاً لذلك- غير آثمٍ، لأنه عَمِلَ باجتهاده في مسألة ظنيةٍ فروعيَّةٍ، فلم يستحقُّ التأثيم، ولا يُوصف فعله ممن استحله بالتحريم.
وللشّافعيّة في جواز ذلك وجهان معروفان, ذكرهما في ((الرّوضة)) للنّووي, وفي ((مجموع المذهب في قواعد المذهب)) للشّيخ صلاح الدّين العلائي, وذكر ذلك غير واحد, ومن المعلوم أنّ ذلك لو كان حراماً قطعاً كشرب الخمر, لم يكن لهم فيه أقوال.
قال الإمام العلامة صلاح الدين العلائيُّ في " المجموع المُذْهَب في قواعد المذهب " ما لفظه: الإمام الأعظم إذا طرأ فسقُه، فيه ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: أنه ينعزل، وصححه في " البيان ".
الثاني: أنه لا ينعزل، وصححه كثيرون، لما في إبطال ولايته من اضطراب الأحوال.
الثالث: إن أمكن استتابته أو تقويم أَوَدِهِ، لم يُخلع، وإن لم يمكن ذلك، خُلِعَ.
ثم يقول ابن الوزير رحمه الله :
الفصل الثاني: في بيان أنّ منع الخروج على الظّلمة استثنى من ذلك من فحش ظلمه, وعظمت المفسدة بولايته, مثل: يزيد بن معاوية, والحجّاج بن يوسف, وأنّه لم يقل أحدّ منهم ممّن يعتدّ به بإمامة من هذه حاله, وإن ظنّ ذلك من لم يبحث, لإيهام ظواهر عباراتهم في بعض الموضع, فقد نصّوا على بيان مرادهم وخصّوا عموم ألفاظهم, فممّا ذكره الإمام الجويني فإنّه قال في كتاب ((الغياثي)) وقد ذكر أنّ الإمام لا ينعزل بذلك ما لفظه-: ((وهذا في نادر الفسق, فأمّا إذا تواصل منه العصيان, وفشا منه العدوان, وظهر الفساد, وزال السّداد, وتعطّلت الحقوق, وارتفعت الصّيانة, ووضحت الخيانة؛ فلا بدّ من استدراك هذا الأمر المتفاقم, فإن أمكن كفّ يده وتولية غيره بالصّفات المعتبرة, فالبدار البدار, وإن لم يكن ذلك لاستظهاره بالشّوكة إلا بإراقة الدّماء, ومصادمة الأهوال؛ فالوجه أن يقاس ما النّاس مدفوعون إليه مبتلون به بما يفرض وقوعه, فإن كان النّاجز الواقع أكثر مما يتوقع؛ فيجب احتمال المتوقّع, وإلا فلا يسوغ التّشاغل بالدّفع, بل يتعيّن الصّبر والابتهال إلى الله تعالى)).
قلت : وهذا واضح جدا في اعتبار الموازنة والنظر الى مقاصد الشرع وكلياته ,وعدم تحريم المطالبة برفع الظلم والحيف من حيث المبدأ خاصة عندما تعم البلوى , والله المستعان ....
وهذا ابن بطال يروى عن الفقهاء أنهم اشترطوا في طاعة المتغلِّب إقامة الجهاد والجُمُعات والأعياد، وإنصافَ المظلوم غالباً، ومع هذه الشروط، فما قال ابن بطال عن الفقهاء: إن طاعته واجبةٌ، ولا أن الخروج عليه حرامٌ، بل قال عنهم: إنه متى كان كذلك، فطاعته خيرٌ من الخروج عليه، لما فيها من حقنِ الدماء وتسكين الدهماء.

ومن ذلك ما ذكره أبو محمد بن حزم في الرّدّ على أبي بكر بن مجاهد المقرىء , فإنّه ادّعى الإجماع على تحريم الخروج على الظّلمة, فردّ ذلك عليه ابن حزم, واحتجّ عليه بخروج الحسين بن عليّ -رضي الله عنهما- وخروج أصحابه على يزيد, وبخروج ابن الأشعث, ومن معه من كبار التّابعين, وخيار المسلمين على الحجّاج بن يوسف. وقال ابن حزم: أترى هؤلاء كفروا؟ بل والله من كفّرهم فهو أحقّ بالتّكفير. ولقد يحقّ على المرء المسلم أن يزمّ لسانه, ويعلم أنّه مجزيٌّ بما تكلّم به, مسئول عنه غداً, قال: ولو كان خلافاً يخفى لعذرناه؛ ولكنّه أمر ظاهر لا يخفى على المخدّرات في البيوت))
وقال – والكلام لابن الوزير - "فإن قلت: فأين موضع الخلاف بينهم وبين المعتزلة والشّيعة؟ قلت: في موضعين:
الموضع الأوّل: أنّهم ذكروا أنّ الخروج على أئمة الجور متى كان مؤدياً إلى أعظم من جورهم؛ من إراقة الدّماء, وفساد ذات البين, حرّم تحريماً ظنّياً اجتهاديّاً [مختلفاً] في صحّته بين علمائهم وسائر علماء الإسلام
ويقول ايضا " وأمّا الرّأي فقالوا: الإمام راع منصوب للمصلحة, فإذا كان مهلكاً للرّعيّة, مفسداً في الأرض, كان المسترعي له مثل المسترعي للذئب على الغنم, ومطفيء مشبوب النّيران بالضّرم."
وفي فتح الباري ذكر ابن حجر عدم الإجماع على هذه المسالة فقال في 13/8 ونقل ابن التين عن الداودي قال : الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب ، وإلا فالواجب الصبر ، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء فإن أحدث جورا بعد أن كان عادلا فاختلفوا في جواز الخروج عليه والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه أ . هـ .
من خلال ما سبق وباستقراء النصوص يمكن استخلاص مجموعة من الملاحظات ومنها :
· أن المسالة ليست مطلقة من كل قيد فلا خروج بالمطلق ولا منع بالمطلق وكل حالة تقدر بقدرها حسب المبادئ الكلية للشريعة ومقاصدها الشريفة .
· أن المسالة ظنية ولا نص قطعي الدلالة عليها ولا إجماع قطعي بشأنها , ولا يأثم المخالف فيها ....
· أن مسالة التنازع بين ولاة الأمر والرعية أمر وارد بنص الآية الكريمة وحينها يجب الرد الى الله والرسول ...
· أن المتغلب الذي يثب على الحكم بالقوة مخالفا مبدأ الحرية والاختيار المكفول شرعا للأمة يأثم على ذلك , وان اعتبر البعض ولايته صحيحة اذا التزم بالواجبات الضروريه كإقامة الجمعات والأعياد والجهاد وإنصاف المظلوم والحفاظ على الحقوق ...
· أن عقد البيعة على أي صيغة كان ما لم يخالف الشرع ملزم لطرفيه فإذا اخل به احدهما صار الطرف الآخر في حل منه ...
· أن رفع الظلم وتغيير المنكر واجب شرعي يصير متعينا عندما تعم البلوى , أما الصبر المأمور به في بعض الأحاديث فانه يتنزل على الحالات المحدودة , مع ضرورة السعي لإزالة ما يكره بعض الرعية أو آحادها من أمرائهم بكل الطرق التي لا تؤدي الى الفتنة والاضطراب , فإذا استحال ذلك كان الصبر والابتهال الى الله اسلم وأصلح للمجموع ...
· أن الخارجين على الحاكم إذا كان لديهم تأويل يحتجون به وعقد يتمسكون به وبلغوا من الكثرة بحيث يشكلوا ما يسمى ( الطائفة ) لا يدخلون تحت مسمى البغي ) ويجب التعامل معهم على هذا الأساس فيتم السعي في الإصلاح فان بغت إحداهما على الأخرى وجب الضغط عليها بكل الوسائل التي تجبر الباغي على الانصياع للحق ...
· أن من ينطبق عليهم حكم البغي يجب التعامل معهم بالحوار والمحاججة أولا فإذا اعتدوا وسلكوا سبيل القوة والمغالبة بالسلاح أو غيره وجب التعامل معهم وفقا لأحكام ( دفع الصائل ) بمعنى أن يكون هناك تناسب بين وسائل مدافعتهم والوسائل التي يستخدمونها , فلا يجوز استعمال البندقية في مواجهة العصا مثلا ...
فإذا تم ردعهم وكفهم وجب الكف عنهم فلا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تستلب أموالهم أو تنتهك أعراضهم ...
· أن الخروج على حكام الجور لا يعد من قبيل البغي , إنما البغي على إمام العدل كما عرف ذلك النووي رحمه الله وغيره ....
والحمدلله رب العالمين ...
" يتبع باذن الله "

الليث
18 Oct 2011, 11:40 PM
بارك الله فيك
ان شاء الله اتابع هذه المسألة المهمة والتي اختلط فيها الكلام وليت الاساتذة يثرونها بالنقاش والحوار الهادف

ابو عبد الوهاب
19 Oct 2011, 10:31 PM
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]اقتباس[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الليث[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]بارك الله فيك
ان شاء الله اتابع هذه المسألة المهمة والتي اختلط فيها الكلام وليت الاساتذة يثرونها بالنقاش والحوار الهادف
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
بارك الله فيكم اخي / الليث ,,,
وشكر الله مروركم وتفاعلكم ...
وذلك ما نتمناه من اساتذتنا الفضلاء وبانتظار ما سيتفضلون بطرحه ...
تحياتي وخالص شكري ..

ابو عبد الوهاب
19 Oct 2011, 10:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة الخروج على الحكام ..قراءة عامة في بعض النصوص .. الجزء الثاني
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه الى يوم الدين
هي خاطرة مكملة لسابقتها قد يعترض عليها البعض وقد يقف منها البعض موقفا سلبيا , ولربما يتفق معها آخرون بشكل أو آخر.... لكنها في جميع الأحوال محاولة للوصول الى ما يرى صاحبها أنه الحق , أحببت أن اطرحها الى جانب ما تفضل به الأساتذة الفضلاء على الرغم من قلة ما معي وعجزي عن الوصول الى مستوى طرحهم ومعالجتهم ,ولعلي استفيد من خلال ما يكتبون , هي عبارة عن تناول مجمل أضيفه الى ما سطرته أقلامهم القديرة المتميزة .
أقول : مسالة الخروج على الحاكم الجائر شغلت حيزا كبيرا في الفكر السياسي الإسلامي , ثار الجدل حولها على مدى قرون متطاولة بدأ منذ الفتنة الكبرى عندما حوصر الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وقتل شهيدا على يد الغوغاء والسبائيين , وما تلا ذلك من حروب خاضها البعض واعتزلها البعض ...نشأ على اثر ذلك فرق ترتدي عباءة الإسلام وتنتسب اليه كالخوارج والشيعة... فتبنى الخوارج مبدأ التكفير ووجوب الخروج على الحكام .., وتطور الشيعة فيما بعد – وما أكثر تطوراتهم – فصار مبدأ الخروج على الحكام من غير أهل البيت والقائمة المعدة منذ القرن الرابع الهجري أساسا لدينهم وأصل الأصول بالنسبة لهم حتى أنهم طبقوه بأثر رجعي ليصل الى الخلفاء الراشدين الثلاثة الأولين فقالوا بتكفيرهم وعدم شرعيتهم فضلا عن حكام الدولتين الأموية والعباسية ومن تلاهم .....
وآخرون نعتقد أنهم على الحق تناولوا المسالة من منظور آخر ينطلق من الآيات القرآنية والسنة النبوية وتطبيقات ذلك في حياة الخلفاء الراشدين ومن تلاهم في العصور اللاحقة , وتم تحديد الشروط التي ينبغي توفرها في الحاكم وواجباته , ومتى ينعزل ومتى تجب طاعته ومتى يجوز الخروج عليه ,ومتى يجب ,ومتى يحرم ., بمعنى أن هذه المسألة كانت ولا تزال عند أهل السنة – حسبما نفهم - مسألة اجتهادية تأخذ حكم المنع والجواز والوجوب , وقد وضعوا لذلك قواعد وشروط استنادا الى الأدلة الشرعية كما أصلوا لفقه تغيير المنكر باعتبار أن ذلك له صلة وثيقة بمسالة الخروج على الحاكم الجائر , والفت في ذلك الكتب الخاصة بالأحكام السلطانية والسياسات الشرعية .,كما تم تناول ذلك في كتب الفقه وشروح الحديث وفي تفاسير القرآن الكريم , ونحن نثق في فهمهم وحسن إدراكهم وتقديرهم باعتبارهم الأتقى والأورع والأكثر علما ....الا أن المعاصرين لم يلتزموا بما أصله ألئك الأفذاذ وأخذ كل منهم يأخذ ما يحلو له ويوافق هواه أو يخدم أغراضه .., وفي بعض من الأحيان قد يكون ذلك بحسن نية , فنتج عن ذلك ما يمكن أن نطلق عليه اتجاهات متعددة كل يدعي وصلا بليلى , وليلى تقر للبعض منهم فقط ...
· اتجاه يرى الخروج مطلقا لمجرد الخلاف أو عدم الانتماء للمجموعة المحددة مسبقا ,كالخوارج والرافضة, الا أن الخوارج لا يكذبون ولا يداهنون , بينما الرافضة يبرعون في العمل السري والكيد المنظم حتى تتهيأ لهم الظروف التي يعملون على خلقها بصبر وأناة ...
· اتجاه يرى تحريم الخروج مطلقا , وكل حاكم عندهم حتى ولو كان ( نمرود إبراهيم ) أو ( فرعون موسى ) له قداسة خاصة وحق الهي لا يجوز المساس به تحت أي ظرف , حتى ولو ادعوا خلاف ذلك في أقوالهم ...
· اتجاه وسط بين الطرفين المتطرفين ....
· اتجاه يلبس لكل وقت ما يناسبه ويأخذ ما يحلو له حسب مصلحته أو هواه , وهؤلاء يتواجدون داخل الاتجاهات الثلاثة السابقة وهم يسودونها غالبا مع شديد الأسف ...
ما يلفت الانتباه ويسترعي التفكير والتأمل , أن الاتجاهين المتطرفين المتضادين تكون الدولة في ظلهما ووفق رؤيتهما ( كهنوتية ثيوقراطية ) مشابهة تماما لما كان سائدا عند النصارى في أوروبا العصور الوسطى , حتى وان ادعى احدهما أو كلاهما خلاف ذلك ...
وهما لا يتورعان عن الفتك بمخالفيهم وتكفيرهم واستباحة أموالهم وأعراضهم , وأنهما يعقدان حلفا غير مباشر ضد أولئك المخالفين رغم العداء والتنافر الشديد بينهما ,, ولاحول ولا قوة الا بالله ...
إذا قمنا بإلقاء نظرة سريعة على واقع الحال في عصرنا الحاضر سنجد الآتي :-
- شعوبا خانعة ذليلة مصابة بكل أمراض الحضارة الغربية معافاة من كل ايجابياتها ..استشرى فيها الكذب والنفاق والأنانية والانحلال.... وأدمنت الحسد والبغضاء وحب الظهور الكاذب .
هذه الشعوب تفرز قادة وزعماء على شاكلتها فلا يتوقع أن نجد زعيما صالحا ..كلهم سيئون إلا أن بعض الشر أهون من بعض .....المخلصون وأصحاب الكفاءة والنزاهه غرباء مهمشون في ظل أنظمة اقل ما يقال عنها أنها فاسدة.
- ظروف دولية في غاية السوء وتخلف اجتماعي وعلمي واقتصادي .....الخ, يضرب أطنابه على كافة الشعوب الإسلامية.
- أقطار لازالت الشريعة فيها قائمة بشكل أو آخر , وأقطار محيت منها تماما مع استشراء الطغيان والاستبداد فيها جميعا وان بدرجات متفاوتة .............
- فساد يضرب إطنابه في كل جوانب الحياة , يمتد راسيا ليشمل غالبية من يتولى عملا عاما , وأفقيا ليشمل كل أفراد الشعوب , بل وكل الموجودات , وعلاقة مختلة بين الرعاة والرعية أبرز ملامحها الاستعلاء من قبل الرعاة , والتسليم والخنوع من قبل الرعية , مع بذل غاية الجهد لنيل الحظوة لدى (الأسياد ) للحصول على فتات من المكاسب الفردية .....
وعليه أحاول القاء نظرة سريعة لتسليط الضوء ولو قليلا على واقعنا في هذه المسالة , وبأسلوب مجمل توخيا للإيجاز وحتى لا أتقمص دور المفتي , وليظل الأمر في إطار (مجرد خاطرة) مرت على ذهن واحد من الناس البسطاء لا يتبنى رؤية أي طرف – في هذه المقالة - , وإنما يؤمن بضرورة فهم النصوص والجمع بينها والتعامل معها بتجرد تام لله رب العالمين دون هوى أو رغبة أو رهبة وبما يجسد روح الشريعة ومقاصدها الشريفة , ويؤمن بضرورة التمييز بين مفهوم الخروج بالمعنى الاصطلاحي ومفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ............
أولا :يقول البعض : يجوز الخروج على الحاكم الجائر, ولكن ليس على إطلاقه إذ ينبغي تحقق شروط لابد منها , ويطرحون بعض التصورات المفترضة ,فإذا كان الحاكم يحكم بشريعة الله ولو من الناحية النظرية وعنده الاستعداد لتطبيقها كواقع عملي إذا وجد من يعينه على ذلك وهو في الوقت نفسه لا يجرؤ على المجاهرة بمخالفتها ولا يعمل على محاربتها ....مع مداهنته لأعداء الأمة نتيجة لضعفه وقلة إمكانياته ووجود أزلام القوى المعادية من حوله من عباد ذواتهم ومصاصي دماء الشعوب , وهم يملكون المال والنفوذ ولديهم الأشياع والأتباع , وكلها أمور تحتمتل التأويل .....فهذا وأمثاله يقع الوزر الأول في انحرافه على الشعوب الفاسدة التي ابتعدت عن دينها في كل صغيرة وكبيرة فأفرزت مثل ذلك الحاكم ومثل تلك الحاشية ....هذا النموذج يوجد منه العديد في العالم العربي... وحسب النصوص الشرعية وأقوال العلماء, مثل هذا النموذج لايجوز الخروج عليه ابتداء , إنما يجب الإنكار عليه ونصحه وأمره بالمعروف وفقا للضوابط الشرعية مع الاستفادة من تجارب وتطورات الفكر الإنساني عبر الزمن بعد إخضاعها لموازين الشرع , وامتلاك وسائل القدرة والضغط , وتوعية المجتمعات , إضافة الى تقدير وموازنة المصالح والمفاسد , أما المنابذة بالسيف فانه غير وارد في مثل هذه الحالة خاصة وان أمثال هؤلاء الحكام يتوفر لديهم الدافع للاستقامة إذا وجد ما يكفل له حماية عرشه ....
ولعلنا نلحظ أن جميع أقوال السلف تشدد عند وجود المنكر على القدرة وعلى وجوب تقدير درجة الإنكار وأساليبه ووسائله....والقدرة هنا تعني إمكانية الغلبة وإمكانية الصمود والتصدي للخطر الخارجي والتحديات الداخلية , والموازنة بين المصلحة المرجوة والمفسدة المتوقعة.......
فإذا تمكنا –والقول لهم- من إصلاح الحاكم ونظامه بوسائل كهذه , فلا حاجة لإسقاطه بالقوة بمعنى الخروج عليه بالسلاح , بل حتى الخروج عليه والمناداة بخلعة أصبح متاحا بحكم تطورات العصر واصبح منصوصا عليه في الدساتير ...مع الأخذ بعين الاعتبار انه بالنظر الى الظروف والملابسات التي تكتنف كل حالة أن إنكار المنكر قد يصل الى درجة التغيير باليد واستخدام السلاح..وبهذا نجنب الأمة ويلات الفتن وما يترتب عليها من مفاسد .
نموذج آخر من الأنظمة المستبدة , يحارب شرع الله ويوالي أعداء الله ويتاجر بقضايا الأمة وكرامتها...الشريعة في ظلها معطلة والحرمات منتهكة والظلم هو القانون المتبع ,أما الفساد والمحسوبية فانه الدين القويم والشرع الحكيم والثقافة السائدة , الأمة كلها مختزلة في شخص الحاكم هم العبيد وهو الرب الأعلى ولا يريهم الا ما يرى .,فمثل هذا – يقولون - يتوجب جهاده والخروج عليه مع التشديد على استخدام انسب الوسائل وليس بالضرورة استخدام السلاح , مع تحري المصلحة ,والتخطيط المحكم ,والنظر من كافة الزوايا .
فقد تكمن القوة كلها في عدم استخدام القوة والعنف والاكتفاء بإنكار اللسان وهو ما يسمى (التعبير السلمي) كما حصل في مصر الباسلة حرسها الله من كيد الأعداء ......
لكن من يذهبون الى وجوب الخروج أو على الأقل جوازه مطلقا يغفلون هذه الاعتبارات وغيرها ويصرون على أن النصوص التي يستندون اليها تدل قطعا على صحة ما يذهبون اليه في حين أنها كأخواتها من أدلة المخالفين لهم يمكن تأويلها وتقييدها وتخصيصها بنصوص أخرى نظرا لأنها نصوص عامة مجملة وردت في الكتاب والسنة مفادها وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , كقوله تعالى: ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. وقوله تعالى: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل.........
وقوله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ..........
وقوله صلى الله عليه وسلم :لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا..........
وقوله صلى الله عليه وسلم : أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.... وكثير من النصوص الأخرى وكلها تدل على أن المسالة ليست محسومة بل هي اجتهادية وتحمل وجوها عديدة لا يمكن إعمالها دون النظر الى النصوص الأخرى التي هي اخص منها وأوضح دلالة على المنع ......
ثانيا :الاتجاه المتبني لمبدأ التحريم المطلق : هؤلاء إما جامدون منغلقون أو أغبياء مضللون أو مرتبطون بأنظمة الحكم ..قد يكون لدى البعض منهم اجتهاد معين رغم قناعتهم بان الأمر ليس على إطلاقه وذلك من باب سد الذرائع وعدم فتح أبواب الفتنة خاصة عندما يجدون أن النظام الذي يرتبطون به يقيم الشريعة ويحترمها ويعمل على خدمتها ورعايتها – حسب وجهة نظرهم – وإذا حدثت مخالفات شرعية تتعلق بالارتباطات والعلاقات الدولية بل وحتى التفريط بدرجة أو أخرى في قضايا الأمة فما هو الا بسبب الاضطرار ودفعا للضرر المتعذر دفعه والحفاظ على امن الأوطان وصيانة المكتسبات ودفع عجلة التطور.......كما أن ولي الأمر في نظرهم يستطيع أن يرى مالا يراه الإنسان العادي ولديه القدرة على تقدير الأمور أكثر من غيره , ونسي هؤلاء انه وان كان لاجتهادهم بعض الوجاهة انه يجب بيان أحكام الشرع وعدم تفصيلها على هوى الحاكم بمعنى أن عليهم بيان الحكم الشرعي في مسالة ما بتجرد كامل ثم بيان الرخصة التي تسوغ جواز عدم إعماله بحسب اجتهادهم ...وقد يحرمون أمرا اليوم ثم يضطرون لتحليله غدا لمجرد أن الحاكم اقتضت مصلحته تغيير الحكم , فالتظاهر مثلا يكون اليوم حراما وفتنة وإفساد في الأرض ويصبح حلالا في الغد والمصلحة تقتضيه , والمرأة لها أحكام خاصة اليوم وفي الغد أحكام غيرها دون أن تتغير الظروف اللهم الا توجهات الحاكم وحساباته ..... والجهاد اليوم في بقعة ما واجب ثم يصبح أمرا مخالفا للشرع بعد فترة ما رغم عدم تغير المعطيات والمسوغات الشرعية اللهم الا توجهات الحاكم وسياساته المرحلية ....
لقد صدرت فتاوى مؤخرا من جهات مرجعية كبيرة نحترمها ونجلها وفي اكثر من بلد عربي عصفت به رياح ( الربيع العربي ) أو كتمت أنفاسه نسماتها , هذه الفتاوى تصب في خانة القائلين بتحريم الخروج على أئمة الجور, بل تحريم حتى مجرد الإنكار عليهم ولو بالقلب , لنقل من باب حسن الظن أنها بنيت على معطيات خاطئة حيث أن بعضا منها وصفت ما يحدث في (مصر) إبان ثورتها بالفتنة وان من يتعاطف مع المطالبين بحقوقهم (منحرف وضال) , ولسان الحال يقول : لو قدر لفرعون أن يعود لوجدنا من يفتي بحرمة الإنكار عليه وضلال نبي الله موسى عليه السلام , متناسين أن فراعنة اليوم قد تجاوزوا مساوئ سلفهم وإمامهم بمراحل....وهل علموا أن مجرد زوال مثل ذلك النظام مهما كان النظام الذي سيخلفه يعد من اكبر المصالح ؟
أما إذا كانوا يتخوفون من شيء ما فلماذا لا يقولون إن أوضاعنا تختلف بسبب كذا وكذا.....؟ بدل أن يسبغوا المشروعية على ما يتعدى الكفر البواح لمجرد الخوف أو السير وراء إملاءات الحاكم فما هكذا يلعب بدين الله.... وإذا كان تحريا للمصلحة – من وجهة نظرهم - فما هكذا تورد الإبل ...
قال (ابن القيم الجوزية ) رحمه الله في ( طرقه الحكمية ) : تحري المصلحة , هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك ومعترك صعب , فرطت فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد......وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة , والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الواقع وتنزيل الشريعة عليه , فلما رأى ولاة الأمور ذلك أحدثوا من أوضاع سياستهم شرا طويلا وفسادا عريضا فتفاقم الأمر وتعذر استدراكه....
وأفرطت طائفة أخرى – والكلام لابن القيم - قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله , وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وانزل به كتابه ............
" يتبع بإذن الله "

ابن الوزير
22 Oct 2011, 12:13 AM
أخي الكريم/ أبو عبد الوهاب

بارك الله في قلمك وعلمك .. بحث مهم ومفيد ويحتاج إلى إثراء بالنقاش حوله ..
لي عودة إن شاء الله تعالى، مع طلب أن يتم نقل الموضوع - إن أذنتَ - إلى قسم الحوار مع الزيدية؛ إذ هذه المسألة كما لا يخفاك لها تعلّق كبير بالقسم، للجدل بل واللغط الحاصل حولها بين الزيدية وأهل السنة، فموضوعك هنا يصلح - مع كونه تحرير لهذه المسألة في إطار أهل السنة - تصحيحاً للمفهوم المغلوط عند بعض الزيدية في تصوّرهم لقول أهل السنة فيها .

تقبل خالص التحية والتقدير .

ابو عبد الوهاب
22 Oct 2011, 10:25 PM
بارك الله فيك اخي الفاضل / ابن الوزير ولا حرمنا الله نعمة الانتفاع بما حباك من فضله
لقد قررت قبل ان اقرأ تعليقكم الكريم التوقف عن استكمال ما بداته لاسباب عديدة . فلما قرات تعليقكم الكريم تشجعت وعزمت على اكماله وكلي امل ان يتم تصحيح ما يرد فيه من اخطاء , وسد ما يعتريه من اختلالات , وتقويم ما قد يعرض عليه من اعوجاج , وعليكم - بعد الله تعالى - الاعتماد وكل من لديه القدرة والرغبة لاثرائه , لانني على ثقة من قصوري الشديد , ولن يتم تعويض ذلك الا من خلالكم جزيتم الخير .....
اما بشان نقل الموضوع الى قسم الحوار فالامر يعود اليكم برمته , فانتم الاقدر على تحديد الاصلح والانسب , وليس هناك من داع الى الاستئذان والراي ماترونه , كل ما يهمنا هو حصول ما يتوقع ان فيه نفعا قل او كثر ., ومن الله نلتمس العفو ...
تقبل اخي العزيز فائق الشكر والامتنان واخلص التحية والسلام ...

ابو عبد الوهاب
22 Oct 2011, 10:29 PM
حول مسألة الخروج على الحكام .. قراءة عامة في بعض النصوص .. الجزء الثالث
استكمالا لما بدأناه وحتى لا يكون الكلام عائما نحاول النظر سريعا في احد النصوص التي يستدل بها المحرمون الخروج على حكام الجور ومناقشة مضمونه بشكل بسيط ,من خلال مقارنته بعدد من النصوص التي تصب في نفس الاتجاه لدى هؤلاء , لنرى كيف فسرت مضامينه أو خصصتها أو قيدنها , وهل كانت مساعدة لهم على ما ذهبوا اليه , مع تقديرنا لاجتهادهم وحملهم على حسن الظن في الغالب .
- ورد في الصحيحين عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية . "
نود أن نسأل :
ماهي الأشياء التي يكرهها الرعية من حكامهم ويكون الصبر متعينا حتى مع وجودها , ولا يجوز لهم معها العصيان والخروج ؟
وهل الأمر بالصبر على الوجوب أم على الاستحباب , أم أن ذلك يخضع لمعايير تقتضيها كل حالة بعينها ؟
ومفارقة الجماعة المنهي عنها هل تتحقق بالتمرد والعصيان , أم بالخروج والمطالبة بالخلع , أم بالمطالبة والإنكار؟ وما هو المقصود بهذه الجماعة , وما هو مفهوم الميتة الجاهلية الواردة في الحديث ؟
- للإجابة على هذه الأسئلة نلقي نظرة على النصوص الآتية والتي يستشهد بها أيضا القائلون بتحريم الخروج على حكام الجور.. وكلها صحيحة ,
(1) عن عوف بن مالك الاشجعي قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة . ,
(2) وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يكون بعدي أئمة لايهتدون بهدبي ولا يستنون بسنتي , وسيقوم فيكم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان انس ,قال قلت كيف اصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال تسمع وتطيع وان ضرب ظهرك واخذ مالك فاسمع وأطع .
(3)وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وان لا ننازع الأمر أهله الا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان . ,
(4)وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أبا ذر كيف بك عند ولاة يستأثرون عليك بهذا الفيئ ؟ قال والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي واضرب حتى الحقك قال : أولا أدلك على ما هو خير لك من ذلك تصبر حتى تلحقني .,
(5) واخرج الشيخان من حديث ابن عمر "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره الا أن يؤمر بمعصية فان أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .,
- حديث عوف فيه بيان لأحد الأشياء المكروهة من الأمراء وهو عمل المعاصي في خاصة نفسه فعند عدم القدرة على التغيير باليد واللسان فيجب كراهة ذلك العمل ولزوم الطاعة دون المنابذة والخروج بالسيف ...
أما حديث حذيفة فهو يفسر لنا أمورا أخرى من الأشياء المكروهة وهو أنهم لايهتدون بهدي رسول الله ولا يستنون بسنته وان من حولهم بطانة هم في حقيقتهم شياطين في جثمان انس نفاقا وفسادا , ومنها الاستئثار بالمال , ومنها الإيذاء الجسدي وسلب الحقوق المالية , ومنها التكليف بما تكرهه النفوس بطبعها أو يكون عسيرا عليها مع انه مطلوب شرعا كالأمر بالقتال جهادا مثلا ... وكل هذه الأشياء باستثناء ما هو مأمور به شرعا كالجهاد تظل محصورة في نطاق محدود وحالات فردية , فإذا عمت بها البلوى وتضرر منها العموم وجب مقاومتها ودفعها بكل الوسائل كما نصت عليه آيات الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة , وفهم سلف الأمة كالصديق والفاروق وغيره مما اشرنا اليه في بداية الحديث عن الموضوع ......
- والأمر بالصبر يخضع كذلك لمبدأ الموازنة بين المصالح المرجوة والمفاسد المتوقعة وفقا لقواعد الشرع الكلية ومقاصده الشريفة ومحدودية أو عموم البلاء , وقد يقترن بالشعور القلبي بالكراهية في حالة العجز وعدم القدرة , وقد يتعدى ذلك الى الإنكار باللسان , وقد يصل الأمر الى حد التغيير باليد , , فإذا توفرت القدرة وأمن الضرر وعمت البلوى وجب تغيير المنكر حتى لو أدى الى ضرر شريطة أن يكون اقل مما هو واقع فعلا ..
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه , النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره صراحة بترك حمل السيف بل انه دل الصحابي الجليل على ما هو خير وأفضل والمفاضلة لا تكون الا بين جائزين وفقا للحال والمآل , ومن هنا يتضح انه لم يأخذ حكم الوجوب , والحديث يبين لنا بوضوح أن أبا ذر فهم أن استئثار الولاة بالمال يسوغ العصيان والقتال , لكن النبي صلى الله عليه وسلم أرشده الى أن الصبر على ذلك خير له ولم ينهه صراحة مراعاة للظروف والأحوال المتغيرة التي يجب عرضها على نصوص الشرع وتنزيل أحكامه عليها...., وهو ما رأيناه من سيدنا أبي ذر فيما بعد حتى أن معاوية طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه إبعاده عنه عندما أقض مضجعه بالإنكار عليه في سياسته المالية , فالصبر عنده-رضي الله عنه- لم يكن مجرد حالة سلبية مقتصرة على الإنكار بالقلب فقد كان يجمع الفقراء فيما يشبه التظاهر في زمننا للمطالبة بحقوقهم دون أن ينزع يدا من طاعة , حفاظا على مصلحة المسلمين ولعدم توفر المسوغات الشرعية المبيحة للمنابذة بالسيف , وقد رأينا فيما بعد أئمة أوصلهم اجتهادهم الى جواز الخروج وربما وجوبه في مواجهة حكام عصرهم .
ما نلاحظه بالنظر الى الحديث محل البحث في هذه الخاطرة كمثال - وحسبما نفهم- والله اعلم ما يلي :
الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يقول : من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر , ولم يقل إذا رأيتم من أمرائكم شيئا أو أشياء تكرهونها فاصبروا , (من) الواردة في الحديث من أسماء الموصول، وهذه الأسماء لم توضع - فى اللغة - للعموم، بل هى للجنس، تحتمل العموم، وتحتمل الخصوص .
بمعنى أن الخطاب جاء بصيغة المفرد في إشارة نظنها والله اعلم تصب في نطاق الحالات الفردية أو المحدودة وإن كان كل مؤمن مخاطبا به لوروده في سياق النكرة , ولا قرينة تدل على أن ما يكره من الأمراء يلزم الصبر عليه عندما يصبح حالة عامة , وهو يشبه قوله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع ...الحديث " , ثم أن الأمر لايعدو كونه مجرد الكراهة الفردية أو الفئوية المحدودة والتي ربما تكون أحيانا قائمة على غير أساس أو بدوافع لامبرر لها ...
بينما كان الخطاب عندما يتوجه الأمر الكريم بتغيير المنكر عندما يطال العموم ويتعلق بإزالة الظلم والأخذ على يد الظالم ليخاطب المجموع في إشارة الى تفاقمه وعموم البلوى به , فمن ذلك قوله تعالى : " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ..."
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :" لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم " وكذا قوله " لتأخذن على يد الظالم ولتاطرنه على الحق أطرا ..." وقوله صلى الله عليه وسلم " إذا خشيت أمتي أن تقول للظالم ياظالم فقد تودع منها " , الحديث كما يبدو يعالج بالإشارة كما سلف مشكلة فرد أو مجموعة أفراد عندما ينسلخون عن جماعة المسلمين لمجرد كراهية شيء من أميرهم , وهم مع ذلك يظلون أفرادا شذوا عن الجماعة وعادوا الى ما يشبه حياة الجاهلية ...
إذن عندما يتوجه الخطاب الى المجموع كما في النصوص السالفة فهو يخاطب الجماعة لا الأفراد , فإذا كانت في مقابلها جماعة تضارعها أو تقاربها سميت كل منهما ( طائفة) بغض النظر عمن هو المحق منهما لتأخذ الحالة هنا توصيفا شرعيا آخر ولتجري عليها أحكام أخرى ...
فالصبر المأمور به في الحديث انما يختص بفرد أو مجموعة أفراد محدودين , لا بما يمكن أن يأخذ وصف الجماعة ذات الثقل الجماهيري بما تضمه من أهل العلم والرأي وسائر شرائح المجتمع وشتى أصقاعه وأقاليمه , ومثل هؤلاء يبعد إن لم يكن مستحيلا أن يجتمعوا على مجرد أمر بسيط كرهته فئة ما ...
· الميتة الجاهلية ليس المقصود بها الموت على الكفر , لان المسالة كما بينا سابقا ظنية فروعية , وما يكفر به المرء هو أشياء محددة ليس الخروج على الحاكم الجائر منها , فالغرض هو الزجر والتشبيه بما كان عليه أهل الجاهلية إذ أنهم لم يكونوا يعرفون إماما أو جماعة , وسيأتي شرح الإمام الشوكاني لمعنى الميتة الجاهلية وكذا معنى الجماعة...
· يمكن لأحد ما أن يرد على هذه الملاحظات , ويمكنه أن يسوق نصوصا وطرائق للرد عليها , ويمكننا أن نرد عليه وننقض قوله من الأساس- وهذا القول ليس جزافا – وسنظل ندور في حلقة مفرغة لا تنتهي , القصد أن المسالة ليست اسود وابيض بالمطلق إنما هي خاضعة للاجتهاد وتباين الافهام والتقديرات , وربما الأهواء ..
· اذكر أن احد الإخوة الأفاضل قد تساءل في إحدى المشاركات عن الموقف من فهم السلف للمسائل الشرعية واذكر أنني رددت عليه حينها بالقول " المشكلة ليست في فهم السلف فهم النبراس الذي يضيء لنا الطريق , انما المشكلة في إدراك فهمهم رضوان الله عليهم , ولعل هذا الموضوع يوضح بعض ما قصدت حينذاك ....
" يتبع بإذن الله "

الليث
24 Oct 2011, 08:09 PM
بارك الله فيك أستاذنا الفاضل ابوعبد الوهاب

أرجو ان تتابع الموضوع وتكمله والله يجزيك كل خير

ابو عبد الوهاب
24 Oct 2011, 10:56 PM
بارك تالله فيكم اخي / الليث وحياكم الله وبياكم ...
ما نحن الا منكم وبكم , وكل ما اتمناه ان تتم غربلة الموضوع واثرائه , وتصحيح ما قد يرد فيه من اخطاء ...
ولسوف اتابع قدر المستطاع ,, جزاك الله خيرا على المتابعة والتشجيع ...
مع اعطر التحايا ....

رعد
25 Oct 2011, 07:03 AM
بحث طيب بارك الله فيك

ابو عبد الوهاب
27 Oct 2011, 11:30 PM
حول مسالة الخروج على الحكام..قراءة عامة ... الجزء الرابع
إذا قمنا بإلقاء نظرة عامة على مضمون النصوص إجمالا وإن تكرر بعض ماسبق سنجد ما يلي :
- النصوص إجمالا تنظم حياة المجتمع المسلم وتضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم بحيث يكون التعاون والتكامل والسمع والطاعة وتغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد وليس الفوضى , حتى تستقيم حياة الناس بعيدا عن الصراع والمناكفة وتبديد الجهود والطاقات مع حفظ الدين وحراسته وحماية البيضة الى غير ذلك من عوامل الاستقرار والنماء ...
وهي تتضمن في نفس الوقت وجوب المنابذة والأخذ على يد الظالم عندما تعم البلوى , أو يستعلي الكفر البواح المعلوم من الدين صراحة , ودور المجتهد هو تحديد ما ينبغي عمله وفقا لما يحقق مقاصد الشريعة ....
- وهي كذلك تتضمن الحرص على وحدة الأمة واستقرارها ولزوم جماعتها والابتعاد عن كل ما يشق الصف ويفرق الكلمة , وعدم الانقياد وراء كل طامع في السلطة متشوف للنفوذ لمجرد أن أفرادا أو جماعات محدودة تنقم على الحاكم العادل المجمع عليه من السواد الأعظم أمورا خاصة ينبغي الصبر عليها تغليبا لمصلحة الأمة بالحفاظ على تلك الأساسيات ...
وهي مع ذلك تتضمن كما أسلفنا الأمر بالمنابذة والخروج عندما يعم الظلم ويمتد ضرره الى الغالبية , وبالتالي فان الحاكم عندما يفقد مقومات بقائه وشروط عدالته , فيفشو منه العدوان ويظهر الفساد ويزول السداد وتضيع الحقوق , ويجمع غالبية الأمة على وجوب إزالته ,لايجوز أن يسوغ له أن يفعل ما يشاء بحجة أن الخروج عليه أو حتى مجرد الإنكار والمطالبة بالحقوق حرام وفتنة كما يذهب اليه من يرى وجوب الطاعة والصبر بالمطلق..............
- والنصوص كذلك تدل في مجملها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...
وهي كذلك تدل على وجوب خلع الظلمة ومجاهدتهم لمن قدر عليه , وعدم جواز طاعتهم إذا وقع منهم الكفر الصريح ,كما هو مصرح به في حديث عبادة , وما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر, وكما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه " ....فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن , ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن , وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " , علما بأن المجاهدة لاتعني بالضرورة استخدام السلاح ونصب الحرب فهي تأخذ صورا شتى بينتها الأحاديث باليد حينا وباللسان حينا وبالقلب حينا كما ورد أيضا أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر....
- الجماعة التي ورد النهي عن مفارقتها جماعة المسلمين المنقادة لأهل العلم كما قال العلماء , وليس جماعة الحاكم وحاشيته عندما يكونون في جانب والأمة في جانب آخر , فإذا ما قام الناس بقيادة من علمائهم وأهل الرأي فيهم بالإنكار على الحاكم وحاشيته أو مطالبتهم بحقوق مشروعة وبالوسائل الصحيحة المعتبرة شرعا وعلى وفق العقود المنظمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم فإن ذلك لايعد مفارقة للجماعة بل هو إنحياز اليها , خاصة وأن الأنظمة جميعا في عصرنا تدعي أنها تعبر عن إرادة الجماهير وأنها تعمل على تحقيق تطلعاتها وحفظ مصالحها , فلماذا يقال للجماهير المطالبة بحقوقها المشروعة أنها خارجة عن الجماعة داعية الى الفتنة , ولا تبرأ من هذا الوصف الا إذا خنعت وأقرت المفسدين على باطلهم راضية متابعة ... فالجماعة التي لا يجوز مفارقتها من قبل الجميع حكاما ومحكومين هي جماعة المسلمين , والحاكم المفارق للجماعة بجوره وظلمه وفساده وتضييعه للحقوق وعدم استجابته للمطالب المشروعة ...الخ هو المفارق للجماعة , وهو رأس الفتنة ....
الصبر المقصود في الحديث هو صبر فرد أو أفراد , أو فئة قليلة , لا صبر غالبية الأمة ,فإذا كانت غالبية الأمة بعلمائها وحكمائها متضررة من شيء تكرهه وطالبت بحقوقها المشروعة فلا يجوز القول بأنها وقعت في المفارقة المنهي عنها .
بل إن من يقف بضد ذلك هو المفارق الذي يقع تحت طائلة الوعيد الذي تضمنه الحديث سواء كان حاكما أو محكوما .
- أما الميتة الجاهلية فقد قال العلماء أن يكون حاله في الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك وليس المراد أن يموت كافرا بل يموت عاصيا , وقد ورد التشبيه مورد الزجر والتنفير , كما قال الإمام ( الشوكاني ) في نيل الاوطار ..
مع الأخذ بعين الإعتبار عموما أن الخروج على الإمام العادل المجمع على إمامته من غالبية الأمة لمجرد خطأ أو تقصير أو انحراف يحتمل التأويل – فيه من المفاسد الدينية والدنيوية مالا يجادل فيه احد , حيث أن الحياة لا يمكن أن تستقيم , والأوضاع لا يمكن أن تستقر إذا ما ترك لكل شخص أو فئة أن يفعل ما يشاء بحجة أن له مطالب مشروعة , حينئذ يتحول الأمر الى فوضى عارمة يسير فيها كل امرئ على هواه دون حدود أو قيود , فيهلك الحرث والنسل وتعم الفوضى وهو مالا تقره شريعة أو عقل ....
أما الكفر البواح الذي يبيح منازعة الحاكم فالمراد به كما قال النووي رحمه الله "المراد بالكفر هنا المعصية ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم " انتهى , فتح الباري 13/8
وقد ورد في بعض الروايات لفظ المعصية البواح أو الصراح كما ذكر ذلك الشوكاني في نيل الاوطار 7/201 ما نصه : " ووقع عند الطبراني كفرا صراحا بصاد مهملة مضمومة ثم راء ووقع في رواية إلا أن تكون معصية لله بواحا "
وفي رواية لأحمد ما لم يأمرك بإثم بواحا وفي رواية له وللطبراني عن عبادة " سيلى أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله " وعند ابن أبي شيبة من حديث عبادة " سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون ويفعلون ما تنكرون فليس لاؤلئك عليكم طاعة " انتهى .
وعلى ما سبق فان المانعين من الخروج يستدلون بأدلة من الكتاب والسنة ومنقولات من مصنفات السلف , بمعزل عن الأدلة الأخرى , لدرجة أن يصل بهم الأمر الى حد تحريم الخروج على طغاة فاقوا فرعون في طغيانه وإفساده وسوء مسلكه ,طغاة يخيرون رعاياهم بين الخنوع والخضوع وبين القتل والفوضى والتدمير ,ويخيرون أسيادهم من الغرب بين الاستبداد والعمالة , وبين الحرية والإسلام , ومنعوا حتى مجرد أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر في أي درجة من درجاته حتى لو مسخ جميع أحكام الشريعة وعطلها وحارب من يدعو اليها, ولم يسلم من ظلمه احد من رعاياه على اختلاف أحوالهم وأديانهم......
أما من أجازوا ذلك أو أوجبوه فهم يستدلون بادلتهم أيضا بمعزل عن الأدلة الأخرى من مثل ما رواه الطبراني واحمد عن عبادة بن الصامت "سيلي أموركم رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله " والحديث من الواضح انه يفسر الحديث الآخر الذي رواه عبادة رضي الله عنه وفيه الأمر بالسمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وان لا ينازع الأمر أهله ...
خلاصة القول أن عامة النصوص تدل على أن مذهب القائلين بالمنع مطلقا باطل , وكذا مذهب القائلين بالجواز مطلقا أيضا باطل , وليس لأحد الاحتجاج بالنسخ ...إذ لايوجد أي تعارض فيما بينها فهي مكملة لبعضها البعض ومفسرة , فالمسالة اجتهادية الأصل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , الذي قد يصل الى حد الخروج ونزع يد الطاعة , فإذا ما كانت هناك مظالم أو حقوق يعتقد البعض أنها مستلبة , فوسائل الضغط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متعددة وفعالة– خصوصا في هذا العصر ...
وللمسلم أن يقاوم الظلم ويطالب بالحقوق وينتزعها بكل الوسائل المتاحة , ولكن وفقا للضوابط الشرعية , وبما يحقق المصلحة المعتبرة .
ذلك هو جانب من فهم السلف حول المسالة إجمالا , واستعراض لبعض النصوص وما يمكن أن يفهم منها , وبقي أن نجد من يصحح الخطأ ويسد النقص والخلل ...
ولنذكر مجموعة من الأحاديث المتعلقة بالموضوع :
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَمَا زَالَ بِنَا الْبَلاَءُ حَتَّى قَصَّرْنَا وَإِنَّا لَنُبَلِّغُ فِى السِّرِّ.
وقَالَ أَيضا : وَذَاكَ الَّذِى حَمَلَنِى عَلَى أَنْ رَحَلْتُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَمَلأْتُ مَسَامِعَهُ ثُمَّ رَجَعْتُ.
وعَنْ أَبِى أُمَامَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ رَمَى الْجَمْرَةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَىُّ الْجِهَادِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ :« كَلِمَةُ حَقٍّ تُقَالُ لإِمِامٍ جَائِرٍ ». قَالَ الْمُعَلَّى وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ لإِمِامٍ ظَالِمٍ.
وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَعَرَفْتُ فِى وَجْهِهِ أَنْ قَدْ حَضَرَهُ شَىْءٌ فَتَوَضَّأَ وَخَرَجَ وَمَا يُكَلِّمُ أَحَدًا فَلَصِقْتُ بِالْحُجُرَاتِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ قَالَ :« أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ مَنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِى فَلاَ أُجِيبَكُمْ وَتَسْأَلُونِى فَلاَ أُعْطِيَكُمْ وَتَسْتَنْصِرُونِى فَلاَ أَنْصُرَكُمْ ».
وفي سنن ابن ماجة , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه ؛ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَقَاضَاهُ دَيْناً كَانَ عَلَيْهِ. فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى قَالَ لَهُ: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إلاَّ قَضَيتَنِي. فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: وَيْحَكَ! تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ؟ قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ((هَلاَّ مَعَ صَاحِبِ اَلْحَقِ كُنْتُمْ؟)) ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَولَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهاَ ((إِنْ كَانَ عِنْدكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضْينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ)) فَقَالَتْ: نَعَمْ. بِأبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ، فَأَقْرَضَتْهُ. فَقَضَى الأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ. فَقَالَ: أَوْفَيْتَ. أَوْفَى اللهُ لَكَ. فَقَالَ ((أُولئِكَ خِيَارُ النَّاسُ. إِنَّهُ لاَ قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لاَ يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ)).
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :« إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَإِنَّهَا سَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَاَمَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ ». رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى الصَّحِيحِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ.
· وعن أبي رافع؛ قال: أخبرني ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إنه لم يكن نبي قط إلا وله ومن أصحابه حواري وأصحاب يتبعون أثره ويقتدون بهديه، ثم يأتي من بعد ذلك خوالف أمراء، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون » .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد .
وزاد مسلم : « فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل » .
· وعن عطاء بن يسار (وهو قاضي المدينة)؛ قال: سمعت ابن مسعود رضي الله عنه وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سيكون أمراء من بعدي؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده » .
رواه: الإمام أحمد مختصرا، وابن حبان في "صحيحه"، وهذا لفظه.
· وعن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا يفعلون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولن يرد علي الحوض » .
رواه: الإمام أحمد، والبزار . وهذا لفظ أحمد .
· وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة : « "أعاذك الله من إمارة السفهاء". قال: وما إمارة السفهاء ؟ قال: "أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم؛ فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردون علي حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم؛ فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون علي حوضي" » .
رواه: الإمام أحمد، والبزار . قال المنذري : "ورواتهما محتج بهم في الصحيح". وقال الهيثمي: "رجالهما رجال الصحيح".
ورواه: عبد الرزاق في "مصنفه"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم
· وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « "سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها". فقلت: يا رسول الله ! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: "تسألني يابن أم عبد كيف تفعل ؟ ! لا طاعة لمن عصى الله » .
رواه الإمام أحمد وابنه عبد الله، ورجالهما ثقات. ورواه ابن ماجه بإسنادين؛ رجال أحدهما ثقات، وفي الآخر إسماعيل بن عياش، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، وبقية رجاله ثقات.
· وعن أبي سلالة الأسلمي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « سيكون عليكم أئمة؛ يملكون أرزاقكم، يحدثونكم فيكذبون، ويعملون ويسيئون العمل، لا يرضون منكم حتى تحسنوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم، فأعطوهم الحق ما رضوا به، فإذا تجاوزوا؛ فمن قتل على ذلك فهو شهيد » .
رواه: البخاري في "الكنى"، والطبراني، وابن السكن، وفيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف.
· وعن أبي برزة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « إن بعدي أئمة إن أطعتموهم أكفروكم، وإن عصيتموهم قتلوكم، أئمة الكفر ورؤوس الضلالة » . رواه الطبراني .
· وعن حذيفة رضي الله عنه: أنه قال: "لا تزالون بخير ما لم يكن عليكم أمراء لا يرون لكم حقا إلا إذا شاؤوا ".
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
· وعنه رضي الله عنه: أنه قال: "يكون أمراء يعذبونكم ويعذبهم الله".
· وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما؛ قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليأتين على الناس زمان يكون عليهم أمراء سفهاء؛ يقدمون شرار الناس، ويظهرون بخيارهم، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفًا ولا شرطيًا ولا جابيًا ولا خازنًا » .
رواه أبو يعلى . قال الهيثمي : "ورجاله رجال الصحيح، خلا عبد الرحمن ابن مسعود، وهو ثقة".
· وعن أبي قبيل عن معاوية بن أبي سفيان : أنه صعد المنبر يوم الجمعة، فقال في خطبته: إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية قال مثل ذلك. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته. فقام إليه رجل ممن حضر المسجد، فقال: كلا، إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا. فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأدخله، فقال القوم: هلك الرجل. ثم دخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية للناس: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « سيكون بعدي أمراء؛ يقولون ولا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة » ، وإني تكلمت أول جمعة، فلم يرد علي أحد، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية، فلم يرد علي أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم، ثم تكلمت في الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل، فرد علي، فأحياني أحياه الله.
رواه: الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"، وأبو يعلى . قال الهيثمي : "ورجاله ثقات".
ولمن أراد المزيد , انظر إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن ,للشيخ حمود التويجري , (باب ما جاء في أئمة السوء ومن يغشاهم...) 1/214وما بعدها .
- بقي نقطتان متعلقتان بالموضوع كل منهما تحتاج الى مقالة مستقلة , وردت بعض الإشارات عنهما في ثنايا ما سبق , فإن يسر الله سيتم طرحهما في اقرب وقت , وإن تولى أمر إيضاحهما احد ما , فهو خير على خير وجزاه الله خيرا الا وهما :
موقف الشرع من المظاهرات , وحكم القتلى الذين يسقطون فيها ...
كيف ينبغي التعامل مع الأسرى والمعتقلين في أي نزاع قد ينشب , وفقا لأحكام الشرع الحنيف ...
ختاما وبعد كل ما سبق , أين نحن في أوضاعنا الحالية من الناحية الشرعية ؟
هل يمكن لأحد القول بان الخروج على انظمة الحكم في بلدان كتلك التي اجتاحتها رياح (الربيع العربي) متعين وواجب ؟
أم أن ذلك الخروج مشروع فقط , أي جائز ؟
أم انه ممنوع ومحرم ؟
كل فريق يمكنه أن يدعم وجهة نظره بالأدلة والبراهين النقلية والعقلية , ولذلك فان المسالة تصبح خلافية لايجوز لأحد أن يفرض ما يراه على الآخر أو أن يتهمه بالانحراف والضلال , بله الكفر , نعم يمكن لكل فريق أن يقول لمخالفه أنت مخطئ والصواب معي وأنت معذور ...
وعند التحقيق ومن خلال استقراء النصوص والنظر الى الواقع المعاش , يمكن القول أن الخروج على نظام حكم فاسد فاشل كتلك الأنظمة هو أمر مشروع ولا يقال بأنه واجب ولا محرم لحصول الاختلاف بين مؤيد لذلك ومعارض له , ولا يمكن لأحد القول بأنه مخالف لمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية , وهو اقرب ما يكون الى ما يمكن وصفه بنزاع بين طائفتين خرجت إحداهما تطالب بحقوق مشروعة تكفلها شريعة الله نقلا وعقلا وكل قوانين الأرض , وبموجب عقد تتمسك به بينها وبين الحاكم .
فقابلتها الأنظمة ومن يؤيدها بالمراوغات والتنصل من الإلتزامات حينا وبالقتل حينا آخر مستقوية بدعم خارجي إقليمي ودولي , وبما تملكه من إمكانات ووسائل الدولة , ومستخدمة كل وسائل البغي والكيد غير مراعية لمصلحة , ودون رادع من دين أو خلق , وقد وضفت في ذلك الصراع عددا من المحسوبين على العلم الشرعي لتبرير تجاوزاتها وتحريم الخروج عليها , والذين هم في الحقيقة إنما ينطلقون من منطلقات مصلحية أو عصبية أو عدائية ضد المخالفين لهم , أو لغباء وجمود وعدم وضوح رؤية , ومن خلصت نيته منهم وصح مقصده فهو معذور وحسابه على الله , فلربما أراد الخير فلم يصبه .. والله اعلم ...
أما وقد وضح ما الناس مقدمون عليه, والمآل الذي تسير البلاد اليه , وبأن هناك من يسعى لإشعال الحرب بين الاخوة , ومن يهييئ لتقسيم البلاد عن طريق التمكين لتيارات معينة لتبسط سيطرتها عسكريا وفكريا على اجزاء من البلاد , وغير ذلك من الشرور .
فهل سنجد من أولئك الذين نحسبهم مخلصين ممن اخطأوا تقدير الموقف الشرعي مما يحدث في فترة سابقة , هل سنجد منهم موقفا يرضي الله ورسوله بعد ان تغيرت الظروف واختلفت المعطيات , وتبين الرشد من الغي , وبعد أن أصبح الخطر ماثلا للعيان يهدد عقيدة الأمة ووحدتها وأمنها واستقرارها , ذلك هو المؤمل والله المستعان ...
وبعد : نحن بحاجة الى التعامل مع الأدلة الشرعية بوعي وإدراك وتجرد , وإعمالها جميعا دون إجتزاء وبلا إفراط أو تفريط , ودون تعصب أو جمود , متأسين بهدي نبينا صلى الله عليه وسلم ومسترشدين بفهم صحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان , والله اعلم .
والحمد لله رب العالمين .

ابو عبد الوهاب
27 Oct 2011, 11:35 PM
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]اقتباس[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رعد[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]بحث طيب بارك الله فيك [Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]شكرالله لك اخي الكريم / رعد ,, وبارك فيك ...

ابن الوزير
28 Oct 2011, 10:10 AM
رائع ما سطّره قلمك الكريم أخي العزيز أبو عبد الوهاب ..

لغة سلسة، ونظر ثاقب، وتحليل عميق، وموازنة تفرض قبولها بدرجة كبيرة جداً من المنطق والهدوء والإقناع .. حفظك الله وزادك من فضله .

سيتم نقل الموضوع - بناءً على تفويضكم الكريم - إلى قسم الحوار مع الزيدية، وأرجو أن تنتظر تعليقاتي، مع جزيل الشكر وبالغ الامتنان .

ابن الوزير
29 Oct 2011, 05:02 PM
الأخ الفاضل/ أبو عبد الوهاب

مرةً أخرى، أشكرك على بحثك القيّم وقراءتك المتزنة العميقة لمسألة الخروج على الحكام، وحقاً أخي ما طرأ في البال كلاماً أحب أن يُضاف، أو تقييداً أودّ أن يطرح، أو تنبيهاً أتمنى أن يقال إلا وجدتُ ذلك مسطوراً محبوراً فيما يأتيني وأنا أقرأ هذه المقالة الطيبة، فجزاك الله خيراً وبارك فيك .

وقد أحببتُ هنا أن أنوّه على بعض النقاط المهمة التي تضمّنها البحث - وهو كلّه مهم - لعلّها تكون دافعاً لمن يستطول البحث أن يقرأه، أو على الأقلّ فليخرج بها، ففيها فوائد جزيلة ينبغي أن تُعلم . فمنها:

أولاً: أنّ مسألة الخروج الحاكم من المسائل الظنية الفروعية التي لم يصحّ فيها إجماعٌ قطعيّ، وقد ذكرتَ في التدليل على هذه النقطة ما فيه كفاية .

ثانياً: البغي لا يكون إلا في الخروج على الإمام العدل لا الظالم، وهذه المسألة مهمة جداً في تقدير من هم البغاة وإجراء الأحكام المتعلّقة بالبغي عليهم، وقد خلط فيها الكثير للأسف، فمع اعتراف البعض بفجور الحاكم وظلمه يمنع الخروج عليه، ثم يسمّي الخارجين عليه بغاةً ؟!

ثالثاً: وهي نقطة غاية في الأهمية أضيف التأكيد عليها هنا، وهي أن البعض ممن يرى حرمة الخروج على الحاكم يخلط بين تبيينه لهذا الرأي ونشره بين الناس، وبين وقوفه إلى جانب الظالم ودفاعه عنه وتشريعه قتال المخالفين للحاكم، وهذا من أسوأ الخلط وأقبحه، فإنّ غاية ما في القول بحرمة الخروج على الظالم هو النهي عن ذلك، لا الوقوف بجانب الظالم والمجادلة عنه والمخاصمة لأجله فضلاً عن تشريع القتل الذي يمارسه الظالم ضد الخارجين عليه .
ولو افترضنا أنّ الخارجين على الظالم ظلمةٌ مثله؛ لكان الواجب على هؤلاء الاعتزال بناءً على أن توصيف الأمر سيكون بـ ( الفتنة ) ، لكنهم للأسف قد وقفوا في صف الظالم واستبسلوا في الدفاع عنه، بما يبعث على العجب الشديد من هذه الغفلة بل الجهل والهوى على أقل الأحوال .

رابعاً: أحسنتَ أيّما إحسان في توصيف المراد من الأحاديث الناهية عن الخروج على الحاكم والجمع بينها وبين الأحاديث أو الآيات الأخرى الدالة على وجوب الأخذ على يد الظالم، ومعنى الصبر على الحاكم، وتقييد ذلك بكونه متعلقاً بفرد أو طائفة قليلة، ومعنى الكفر البواح الذي وضحته الروايات الأخرى ( المعصية البواح، الإثم البواح ) وتعيّن الأخذ على الظالم إن كان ظلمه عاماً وفحشة متعدياً لغالبية الأمة، وكذا معنى المنابذة وأنها لا تعني وجوب استخدام السلاح مطلقاً، وعلى كل حال فيمكن للقارئ أن يراجع مقدمة الجزء الرابع من قراءتك ليحصّل هذه الفوائد المهمة الطيبة .

خامساً: ويدخل تحت ما ذكرتُه قبل التوجيه القوي لمعنى أحاديث النهي عن الخروج، والحكمة من ذلك، والمصالح العائدة من الأخذ بها أخذاً صحيحاً معتدلاً مع أخواتها من النصوص الأخرى، وفي هذا ردٌّ على من ينكر تلك الأحاديث بإطلاق، ويدعي أنّها مختلقة من قبل الحكام، ولو قرأها قراءة صحيحةً على وفق ما جاء في هذا البحث؛ لتبيّن له أنه من لسان الشرع الحكيم، خصوصاً وأنها قد بلغت مبلغ التواتر المعنوي .

سادساً: وهي نقطة مهمة، خاصة بتصحيح التصوّر الخاطئ الحاصل عند بعض الزيدية عن قول أهل السنة في الخروج، ولعلّ قراءة هذا المقال، وتأمّل نصوص العلماء التي أوردتَها، خصوصاً عن الحافظ ابن الوزير رحمه الله؛ تكفي الناظر إن شاء الله تعالى .

هذا ، ولو أردتُ أن أنوّه على كل الفوائد المهمة لأعدتُ البحث هنا، فأكتفي بهذا القدر، سائلاً المولى تعالى أن ينفع بهذا البحث نفعاً عميماً .

ابو عبد الوهاب
29 Oct 2011, 08:32 PM
اخي الفاضل / ابن الوزير حياك الله وبياك وبارك فيك وفي قلمك , ونفعنا جميعا بما حباك به من فضله واولاك ...
ذلك ما كنت انتظره منكم , وما كنت على ثقة من نفعه, فما سيسطره قلم كريم كالذي تحركه اناملكم لاشك انه سيكون بمثابة معين عذب رقراق يروي الظمآن وتطمئن اليه النفوس ...
فقد جمعتم الشوارد وحددتم الموارد وسهلتم الارتواء لكل صادر ووارد ...
ولقد وضعتم النقاط على الحروف وشيدتم باحرف بسيطة مختصرة منائر لاتكفيها الوف الالوف من الكلمات والحروف .
وياليتكم استرسلتم اكثر , فذلك - علم الله - مما نفرح به ونسر ...
فالبحث كان طويلا وتم جمعه في ظروف لا تساعد على النظر والتمحيص والمراجعة فقد حوى العديد من الاخطاء الشكلية على الاقل , وترتيب الافكار لم يكن على وجه يحقق الرضا ويبعث الرجاء على تحصيل الفائدة المرجوة ...
لكن ما تفضلتم به قد سد الكثير الكثير جدا من الخلل , وجبر ما اعترى البحث من نقص او خطل ...
ولعلني استطيع القول جازما ان الموضوع لم يقترب من الغاية المؤملة الا بعد ان اضيفت اليه تلك الخلاصة المركزة , فتنبيهاتكم المهمة هي ما بعث فيه الحياة بعد ان كان جامدا ثقيلا يصعب على القارئ المتعجل الوقوف عنده واستخلاص مضامينه , ليتحول الى موضوع سهل خفيف يناسب الجميع ...
فمن اراد الخلاصة فقد صارت بين يديه وفي متناوله , ومن اراد التوسع عاد الى الى البحث المطول ...
بارك الله فيكم اخي العزيز ,, ولا نزال ننتظر المزيد فلا يزال هناك الكثير ...
فقط اريد التنبيه في هذه العجالة الى احد الاخطاء التي لاحظتها قبل قليل في الموضوع , فقد ورد في الجزء الاول : ان العقد او البعة تقتضي عاقدا ومعقودا عليه ...., وهذا لا شك خطأ, والصواب : ان العقد يقتضي عاقدين ومعقودا عليه , عاقدان هما الامة ومن يحكمها , ومعقودا عليه وهو الحكم او الامامة ....
تحياتي وموفور احترامي وتقديري لشخصكم الكريم وكل ذي علاقة بالمنتدى ...

الشريف الحسني
29 Oct 2011, 09:08 PM
سيداي القديران الفاضلان ابو عبد الوهاب وابن الوزير لقد قلتما وبحثتما فافدتما ووالله ان هذا من توفيق الله لمثلكما ولا تعدم الامة من اي خير من وجود مثليكما بوركتم واجدتم
ولي بحث حول الموضوع اوسمته بعنوان( الاسطورة التي هوت شرعية الحاكم الظالم ).
اللهم يسر اتمامه ..

الشريف الحسني
30 Oct 2011, 09:20 PM
اجدداعجابي بهذا المقال الرائع

ابو عبد الوهاب
31 Oct 2011, 06:59 PM
بارك الله فيكم استاذنا القدير / الشريف الحسني ,,
ما تفضلتم به هو وسام نعتز به ونقدره كثيرا خصوصا عندما يصدر عن شخص مثلكم ,
وهو ان دل على شيئ فانما يدل على لطفكم ووافر ادبكم وحسن معشركم , والموضوع كماترون لا يزال بحاجة الى كثير من الاثراء والغربلة , وباذن الله تعالى سيخرج بحثكم الكريم , ليكتمل به النقص ويتلافى الخطأ وتسد الثغرات ....
شكرا على المرور الكريم والتفاعل والتشجيع , وجزاكم الله خيرا ...
ولكم منا كل التقدير والاحترام مع خالص التحايا ...

الشريف الحسني
31 Oct 2011, 08:50 PM
هذا من كرم اخلاقكم استاذي القدير الذي لا يستطيع مثلي ان يصله