المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرات للشيخ محمد الغزالي في التاريخ الإسلامي (1)


مراسل
22 Jul 2007, 06:16 PM
نظرات للشيخ محمد الغزالي في التاريخ الإسلامي (1)بقلم / الدكتور : نجيب بن خيرة *



تمهيد:



لم تعد أهمية التاريخ في حياة الأمم موضع شك ، ولم تعد مكانة علم التاريخ في مناهج الدارسين على اختلاف مراحلهم موضع تساؤل ..ولقد غبر زمان كان أهله يرددون وراء كريستوفر دوسن قوله :" ما أسعد أمة ليس وراءها تاريخ " ، وانقضى عصر كان مربوه يؤمنون بما ذهب إليه جون جاك روسو " من أن الحمقى هم الذين يسمحون لأولادهم بأن يتعلموا التاريخ ".




إن الزمان قد تغير ، ولم يصبح من الممكن أن تتطور ، وتنتظم في مدارج الحضارة و الرقي بعيدا عن نبض الماضي ، وبمنأى عن فقه صحيح لتجارب السابقين.



والمسلمون أولى الأمم بالنظر البصير إلى سيرة أسلافهم ، ودراسة ما صنعوه من أحداث مع نقدها و التفكير فيها .. حتى تحصل العبرة ويتحقق المقصود .



والمناهج الحديثة لم تعد تدرس التاريخ القديم على أنه قديم وانتهى أمره ، ولم تعد تنظر إلى أحداث العصور الخوالي على أنها أحداث انتهت مع أمس الدابر .. لأن شيئا مما حدث في الماضي لا يمكن أن ينتهي نهاية باتة قاطعة فهو من صنع الإنسان ، والتاريخ إنما هو الاهتمام بتركة الإنسان وآثار جهده على ظهر الأرض .. وربما يشك بعض الناس في قيمة تثقيف الناشئة بمعلومات عن أشخاص مضوا وحضارات أصبحت في طي الفناء ، والحقيقة أن هؤلاء الأشخاص وهذه الحضارات لم تعف آثارها ، فما زالت مقيمة بيننا مؤثرة فينا وملهمة لنا .



والشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ كتب في جوانب كثيرة من الثقافة الإسلامية بيد أنه لم يؤثر عنه كتاب في التاريخ بمعناه الخاص ، وهو شغوف بقراءة التاريخ الإنساني عموما ، والتاريخ الإسلامي على وجه الخصوص .. لكنها قراءة المتدبر الواعي ، الراصد لبواعث الفعل التاريخي ، الراسم للخط البياني لأمة الإسلام عبر تاريخها الطويل صعودا وهبوطا ، وصولا إلى القمة ، ونزولا إلى القاع ..



وللشيخ نظرات صائبة ، وآراء ثاقبة تفرّد بها وحده ، ثم تبنّاها الدعاة والمفكرون وفقهاء التاريخ من معاصريه ، مضيفين إليها وشارحين غاياتها ، ومحللين أهدافها القريبة والبعيدة .



ولا يكاد يخلو مؤلف من مؤلفاته ولا دراسة ولا مقال إلا وله فيه نظرة إلى حدث من أحداث تاريخ المسلمين يحلله، ويقرأ بين سطوره ، ويخرج منه في النهاية بقوانين التغيير ، وسنن الإصلاح ، مع بيان تطبيقاتها في الأمة المعاصرة اليوم .



لقد فقه الغزالي أن الحرب الشرسة ضد الإسلام خاضها الخصوم وهم مسلحون بالمعرفة التاريخية التي يرتكزون عليها لتشويه تاريخنا ، وطمس صفحاته المشرقة ، وإظهار الأمة المسلمة على أنها أمة الحروب والدماء والتطاحن والتلاحي .



ودُوِّن التاريخ على هذا النحو المغلوط ..والحقيقة أن ذلك لا يمت إلى النفس الإسلامية ، ولا للأرض الإسلامية ، ولا للفكر الإسلامي بصلة ، بل هو مجموع إسقاطات المؤرخين الغربيين في تفسير التاريخ وفلسفته ، ومنهج دراسته وتدريسه.



كنت أعرض للموضوع وأود أن أستشهد له من كلام الشيخ الغزالي فأجد بدل النص نصين وثلاثة وأربعة وأكثر ، كلها خادمة للموضوع، مجلية لفكرته ، فأشعر ـ في كل مرة ـ بالعجز لصياغة فكرته بأسلوبي ، فأسترسل في نقل النصوص حتى لا أحرم القارئ الكريم من متعة الأسلوب ، وإشراقة العرض ، وروعة البيان … قد تتكرر الفكرة عند الشيخ ولكنه تكرار له طعم خاص، ومذاق مميز ، يحار المرء أيها يأخذ وأيها يدع ؟ وكم يأخذ منها وكم يترك ؟.



وقد استطاع الشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ في كل ما تناوله من قضايا التاريخ الإسلامي أن يتخلص من إسار التفاصيل والجزئيات ، ويتجاوز الأكاديمية الميتة ـ وإن كان يحترم أبجدياتها الضرورية ـ ويعمد إلى التحليل والتفسير القائم على الفقه الصحيح لسنن الله في السقوط والنهوض ..أليس التاريخ هو مختبر ودليل صدقية هذه السنن ، ومن أهم مصادر التعرف عليها ، كما أرشدنا إلى ذلك الكتاب والسنة ؟.



كما استطاع الغزالي أن ينفخ الحياة في وقائع التاريخ الجامدة المبعثرة ، ويقدمها للقارئ المسلم المعاصر كائنا ينبض بالحياة .. مصححا معادلة الريادة والقيادة على النحو السنني الذي لا يتخلف ، واصفا مكمن الداء ، وواضعا المفاتيح في الأبواب بدل وضعها في الجدران الصماء..



1 ـ دراسة التاريخ .. فريضة إسلامية :



ليس التاريخ بالنسبة للأمة مجرد ماض وانتهى ، بل هو بالنسبة لكل الأمم الحية جزء من النهر الكبير الذي تتدافع بين شطئانه أمواج حضارتها ، فيكاد الماضي ينسكب في الحاضر ، ويكاد الحاضر يذوب بين معبري الماضي والمستقبل.



إنه ذاكرة الأمة ومستقبلها ومستودع تجاربها ومعارفها ، وهو عقلها الظاهر والباطن ، وخزانة قيمها ومآثرها ، وأساس شخصيتها في القدم والممتدة مع الزمان .



عندما يقول الناس : فلان فقد ذاكرته ، عرفنا أنه على عتبة الجنون ، فما بعد الذهول عما كان إلا العجز عن مواجهة ما يكون.



وعندما يقول الناس : فلان ليس له مهاد يبني عليه ، ولا تقاليد ينبعث منها ، ولا تراث يستمد منه ، عرفنا أنه زنيم، يرتجل سيرته وسلكه دون أساس ولا مقياس ، وذاك ما عناه شوقي في قوله :



مثل القوم نسوا تاريخهم ** كلقيط عيَّ في الحي انتسابا



أوكمغلوب على ذاكرة ** يشتكي من صلة الماضي انقضابا



وعلى الرغم مما يقال عن المسلمين بأنهم ماضويون أو تاريخيون ، وعلى الرغم من أهمية علم التاريخ في تحقيق وعي الأمة ، وتبصيرها بحاضرها ومستقبلها ، فإن المسلمين لا يزالون يجهلون من أسراره الشيء الكثير ، وإن عرفوه فإنهم لا يعرفون منه إلا قصصا وروايات لا تزيد القاريء فهما ، ولا تمده بحكمة .



لذلك نجد أن الشيخ الغزالي في دراسته للتاريخ لا يقف عند مرحلة معينة من مراحله ، بل يجعل التاريخ الإسلامي حلقات مترابطة تبدأ من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حاضر المسلمين اليوم ، فتاريخنا الضخم لا تزال أسراره مخبوءة ، ولا تزال معرفة المسلمين به بائسة .



يقول الشيخ " ومحمد نبي الله اليتيم ، هو الإنسان الوحيد الذي هتك سدول الباطل ، وساق الجماهير إلى معرفة الله الواحد ، واستنقذها بقوة من فتك القوى الشريرة.



وله صلى الله عليه وسلم سيرة لم تستكشف أعماقها ، ولأمته تاريخ حافل غريب لا أدري ، لماذا عومل بالطريقة التي عومل بها ؟ إنه في نظري مجهول الحقائق مخبوء الأسرار ، ولا أحسب أمة في الأولين والآخرين أفقر إلى معرفة تاريخها من أمتنا الإسلامية !….



إن ما وقع أمس لا يعني أصحابه وحدهم ؛ لذا يجب علينا أن نكترث به ، ونفيد منه ، ونوازن ونحكم ، وإلا دفعنا ثمن جهالتنا من دمائنا واستقرارنا ..



وقد أبان القرآن الكريم أن هناك عقلا يتكون من التجربة ، ومن السير في الأرض ، ومن الرحلة إلى الماضي ! وبين أن الإنسان الذي تقوم معرفته على قراءات سريعة ، وأحكام نظرية ، أضعف حسّا من إنسان له معاناة في الدنيا ، وتجارب مع الناس .



هذا العقل المتولد من المدارسة والمعاناة هو الذي يشير إليه القرآن الكريم عندما يقول :" أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"



وقد تساءل القرآن الكريم مستنكرا حال قوم يمرون بآثار الماضين الهالكين ، ثم لا يرعوون " ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا "



ومن هنا نجد أن دراسة التاريخ فريضة دينية ، وهي إلى جوار ذلك فريضة إنسانية، بل إنني ـ بعد التأمل في تاريخ المسلمين القريب والبعيد ـ أشعر بأنها ضرورة بقاء ، وسياج لحياتنا ورسالتنا ، إذا كنا حُراصا على صون حياتنا، وتبليغ رسالتنا ."



وليس التاريخ هو مجرد أحداث يسردها المؤرخ كيفما اتفق ، يتسلى بها السامع ، وينتشي بها الراوي .. وتتحقق بها لذة القصص العابرة دون هدف أو غاية ، " إنما هو تفسير الحوادث والاهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها ، وتجعل منها وحدة متماسكة الحلقات ، متفاعلة الجزئيات ، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان و المكان " .



والشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ ينظر إلى التاريخ على أنه المعبد الذي تعرف فيه سنن الله في الكون ، وقوانينه في الحياة والأحياء ، وهو مختبر سلوك البشر ، ومجال فرز الحق من الباطل ، وميزان الفوز من الخسران .



وليس دخول هذا المعبد من نوافل الأعمال ، بل هو واجب كل مسلم يريد أن يعرف سنن الله في خلقه ، فيقول :" إن دراسة التاريخ ليست نافلة يتطوع بأدائها من يشاء ، إنها ضرورة دينية واجتماعية تقوم بها الأمم الحية ، ولو أن مؤسسة تجارية غفلت عن حساب الأرباح و الخسائر ، وارتجلت أعمالها ذاهلة عن ماضيها وتجاربها لأغفلت أبوابها على عجل ، وانسحبت من الأسواق لتكون ذكرى " .