صلاح الدين
12 Apr 2007, 09:36 AM
وجاء دور المجوس «أبعاد الثورة الإيرانية »
عبدالله محمد الغريب
البعد التاريخي
وبعد الحدث الأليم الذي اودى بحياة امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه، راح اليهود والمجوس يدفعون انصار علي لقتال بني امية، ووجدت الدعوات الباطنية فراغاً؛ فأخذت تنشط حتى استفحل امرها، وكان من اهمها:
- السبئية: نسبة لعبدالله بن سبأ اليهودي الذي نادى بألوهية علي بن ابي طالب، وقد قال لعلي رضي الله عنه: انت، انت، يعني انت الإله، فنفاه إلى المدائن، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون انه وصي موسى عليهما السلام مثلما قال في علي رضي الله عنه، وهو اول من اظهر القول بالنص بامامه علي رضي الله عنه، ومنه تشعبت اصناف الغلاة.
- وزعم ان عليا حي لم يمت، ففيه الجزء الإلهي، ولا يجوز ان يستولي عليه وهو الذي يجيء بالسحاب، والرعد صوته، والبرق تبسمه، وانه سينزل بعد ذلك إلى الارض فيملؤها عدلاً كما ملئت جورا، وقالت السبئية بتناسخ الجزءالإلهي في الامة بعد علي -رضي الله عنه-.
- الكيسانية: اصحاب كيسان مولى امير المؤمنين علي -رضي الله عنه- يقول اتباعه بأن الدين طاعة رجل، واولوا الاركان الشرعية، وقالوا بالتناسخ والحلول، والرجعة بعد الموت، ويعتقدون ان كيسان قد احاط بالعلوم كلها، واقتباسه من السيدين- علي وابنه محمد بن الحنفية- الاسرار بجملتها من علم التأويل والباطن وعلم الآفاق والأنفس.
ثم كثرت الدعوات الباطنية فظهرت المختارية فيما بعد، والهاشمية، والبيانية، والرازمية، وجوهر هذه الحركات ومضمونها واحد وان اختلفت الاسماء.
وتراجعت هذه الحركات امام تخطيط بني امية الذين ضربوا بيد من حديد، وظن الناس انه لن تقوم قائمة للفرس بعد خلافة معاوية - رضي الله عنه- وللناس عذرهم فيما يظنون؛ لأن معظمهم يجهل تاريخ اديان الفرس، وقدرته على التحول من العلنية إلى السرية.
اما نصر بن سيار- وإلي بني أمية على خراسان- فكان يبصر المؤامرات التي يدبرها الفرس في جنح الظلام، وقد كتب إلى مروان آخر حكام بني امية قائلاً:
أرى خلل الرماد وميض جمر
وأخشى أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعيدان تذكي
وأن الحرب مبدؤها الكلام
فقلت من التعجب ليت شعري
أأيقــــــــاظ أمية أم نيام
ولم يكن بنو امية نياما، ولكن التنظيم اقوى من الفوضى، وما كانت الفرقة والتناحر والترف قادرة على دحر التخطيط والعمل الجاد المستمر، وهذه كانت حالة بني امية مع خصومهم.
{ مؤامرة أبي مسلم الخراساني:
في عام 129 ظهر ابو مسلم الخراساني قرب «مرو» واحتلها عام 130 ثم سقطت خراسان كلها بأيدي العباسيين، وبعد سقوط خراسان وجه ابو مسلم جيوشه إلى العراق فاحتلها واظهرت ابا العباس السفاح من مخبئه وبويع له بالخلافة عام 132، ومنذ هذا التاريخ بدأ حكم الفرس فعلاً، وكان خلفاء بني العباس اشبه بالضيوف في بيت ابي مسلم الخراساني، أو في بيت جعفر البرمكي باستثناء وقفات طيبة جريئة من بعض خلفاء بني العباس وتكاد لا تذكر من ندرتها، وأشفى معظم الفرس غليلهم من العرب المسلمين فاشبعوهم قتلا وتنكيلا وبطشاً منذ بداية قيام الدولة العباسية وحتى عام 137، وعندما هم المنصور ان يكون خليفة فعلاً، سخر منه ابو مسلم وشق عليه عصا الطاعة، وحاول ان يستقل بخراسان لولا ان المنصور استدرجه بحنكته ودهائه، وفرق عنه معظم اتباعه وانصاره ثم قتله عام 137، ولم يكن مقتل ابي مسلم الخراساني امرا سهلا؛ ففي عام 138 خرج «سنباذ» يطالب بدم ابي مسلم، وسنباذ هذا مجوسي استطاع ان يجمع تحت لوائه جيشا من الفرس تغلب بهم على قوس وأصبهان، فبعث إلىه ابو جعفر المنصور جيشا هزمه بين همذان والري.
وفي عام 141 ظهرت جماعة من الخراسانيين من جماعة ابي مسلم في قرية رواندا قرب اصفهان وعرفوا «بالرواندية» وكانوا يقولون بتناسخ الارواح، ونادوا ألوهية المنصور، وأرادوا من وراء ذلك قتله ثأراً لزعيمهم ابي مسلم، لكن المنصور قاومهم بنفسه، وانتصر عليهم غير انهم تمكنوا من قتل عثمان بن نهيك قاتل ابي مسلم.
وفي عام 161 ظهر رجل فارسي اطلق عليه اسم «المقنع» وادعى ان الله سبحانه وتعالى قد حل بآدم عليه السلام، ثم في نوح، ثم في ابي مسلم الخراساني، ثم حل فيه بعد ابي مسلم، واجتمع عليه خلق كثير تغلب بهم على بلاد ما وراء النهر، واحتمى بقلعة «كش» فأرسل إليه المهدي جيشاً بقيادة سعيد الجرشي فحاصره وهزمه وقتل كثيرا من اصحابه، فلما احس بالهلكة شرب سمًَّا وسقاه نساءه واهله فمات وماتوا جميعا، ودخل المسلمون قلعته واحتزوا رأسه وارسلوه إلى المهدي عام 163 هجرية.
والمهدي كان شديدا في حرب الملاحدة وانشأ هيئة مهمتها التنقيب والبحث عن الزنادقة، وجعل لها رئىسا اطلق عليه اسم «صاحب الزنادقة».
قال المسعودي في المهدي:
انه امعن في قتل الملحدين والمداهنين عن الدين لظهورهم في ايامه، واعلانهم عن معتقداتهم في خلافته لما انتشر في كتب ماني، وابن ديصان ومرقيون مما نقله عبدالله بن المقفع وغيره وترجمه من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنف في ذلك ابن ابي العوجاء وحماد عجرد ويحيى بن زياد، ومطيع بن اياس من تأييد المذاهب المانوية والديصانية والمرقونية، فكثر بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس.
وكان المهدي اول من امر الجدليين من اهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، واقاموا البراهين على المعاندين وازالوا شبه الملحدين فاوضحوا الحق للشاكين.
ولقد اوصى المهدي ابنه «الهادي» بتتبع الزنادقة والبطش بهم، ورغم قيام هيئة مختصة مهمتها تتبع الزنادقة استطاعوا ان يحتفظوا بأنشطتهم بصورة سرية، وعن هذا الطريق تمكنوا من احتلال اغلب المناصب في دولة بني العباس وبلغ احدهم «الافشين» قائد جيوش المعتصم.
{ المبحث الثالث: البرامكة
تنسب هذه الاسرة إلى جدها برمك، وهو من مجوس بلخ، وكان يخدم النوبهار وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران، فكان برمك وبنوه سدنة له، وكان برمك عظيم المقدار عندهم ولم يعلم هل اسلم أم لا؟.
ولما جاءت الدعوة العباسية خراسان كان خالد بن برمك من اكبر دعاتها وقد استوزره ابو العباس السفاح، ثم استمر في منصبه ايام المنصور، وبعد وفاة خالد ولي المنصور ابنه يحيى اذربيجان، ثم اصبح كاتباً ووزيراً لهارون الرشيد.
وملك البرامكة امر الرشيد فاحتازوا الاموال دونه، حتى كان الرشيد يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه، واصبحت بيوتهم مؤئل الادباء والعلماء وذوي الحاجات، فملكوا القصور والضياع والمزارع حتى طغى صيتهم على صيت الخليفة.
وفي عام 187 امر الرشيد بالقضاء عليهم، فقتل جعفر، وسجن يحيى وبقية اولاده حتى ماتوا في السجن، واختلف المؤرخون في سبب نكبتهم، فذكر ابن كثير انهم اظهروا الزندقة والله اعلم.
عبدالله محمد الغريب
البعد التاريخي
وبعد الحدث الأليم الذي اودى بحياة امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه، راح اليهود والمجوس يدفعون انصار علي لقتال بني امية، ووجدت الدعوات الباطنية فراغاً؛ فأخذت تنشط حتى استفحل امرها، وكان من اهمها:
- السبئية: نسبة لعبدالله بن سبأ اليهودي الذي نادى بألوهية علي بن ابي طالب، وقد قال لعلي رضي الله عنه: انت، انت، يعني انت الإله، فنفاه إلى المدائن، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون انه وصي موسى عليهما السلام مثلما قال في علي رضي الله عنه، وهو اول من اظهر القول بالنص بامامه علي رضي الله عنه، ومنه تشعبت اصناف الغلاة.
- وزعم ان عليا حي لم يمت، ففيه الجزء الإلهي، ولا يجوز ان يستولي عليه وهو الذي يجيء بالسحاب، والرعد صوته، والبرق تبسمه، وانه سينزل بعد ذلك إلى الارض فيملؤها عدلاً كما ملئت جورا، وقالت السبئية بتناسخ الجزءالإلهي في الامة بعد علي -رضي الله عنه-.
- الكيسانية: اصحاب كيسان مولى امير المؤمنين علي -رضي الله عنه- يقول اتباعه بأن الدين طاعة رجل، واولوا الاركان الشرعية، وقالوا بالتناسخ والحلول، والرجعة بعد الموت، ويعتقدون ان كيسان قد احاط بالعلوم كلها، واقتباسه من السيدين- علي وابنه محمد بن الحنفية- الاسرار بجملتها من علم التأويل والباطن وعلم الآفاق والأنفس.
ثم كثرت الدعوات الباطنية فظهرت المختارية فيما بعد، والهاشمية، والبيانية، والرازمية، وجوهر هذه الحركات ومضمونها واحد وان اختلفت الاسماء.
وتراجعت هذه الحركات امام تخطيط بني امية الذين ضربوا بيد من حديد، وظن الناس انه لن تقوم قائمة للفرس بعد خلافة معاوية - رضي الله عنه- وللناس عذرهم فيما يظنون؛ لأن معظمهم يجهل تاريخ اديان الفرس، وقدرته على التحول من العلنية إلى السرية.
اما نصر بن سيار- وإلي بني أمية على خراسان- فكان يبصر المؤامرات التي يدبرها الفرس في جنح الظلام، وقد كتب إلى مروان آخر حكام بني امية قائلاً:
أرى خلل الرماد وميض جمر
وأخشى أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعيدان تذكي
وأن الحرب مبدؤها الكلام
فقلت من التعجب ليت شعري
أأيقــــــــاظ أمية أم نيام
ولم يكن بنو امية نياما، ولكن التنظيم اقوى من الفوضى، وما كانت الفرقة والتناحر والترف قادرة على دحر التخطيط والعمل الجاد المستمر، وهذه كانت حالة بني امية مع خصومهم.
{ مؤامرة أبي مسلم الخراساني:
في عام 129 ظهر ابو مسلم الخراساني قرب «مرو» واحتلها عام 130 ثم سقطت خراسان كلها بأيدي العباسيين، وبعد سقوط خراسان وجه ابو مسلم جيوشه إلى العراق فاحتلها واظهرت ابا العباس السفاح من مخبئه وبويع له بالخلافة عام 132، ومنذ هذا التاريخ بدأ حكم الفرس فعلاً، وكان خلفاء بني العباس اشبه بالضيوف في بيت ابي مسلم الخراساني، أو في بيت جعفر البرمكي باستثناء وقفات طيبة جريئة من بعض خلفاء بني العباس وتكاد لا تذكر من ندرتها، وأشفى معظم الفرس غليلهم من العرب المسلمين فاشبعوهم قتلا وتنكيلا وبطشاً منذ بداية قيام الدولة العباسية وحتى عام 137، وعندما هم المنصور ان يكون خليفة فعلاً، سخر منه ابو مسلم وشق عليه عصا الطاعة، وحاول ان يستقل بخراسان لولا ان المنصور استدرجه بحنكته ودهائه، وفرق عنه معظم اتباعه وانصاره ثم قتله عام 137، ولم يكن مقتل ابي مسلم الخراساني امرا سهلا؛ ففي عام 138 خرج «سنباذ» يطالب بدم ابي مسلم، وسنباذ هذا مجوسي استطاع ان يجمع تحت لوائه جيشا من الفرس تغلب بهم على قوس وأصبهان، فبعث إلىه ابو جعفر المنصور جيشا هزمه بين همذان والري.
وفي عام 141 ظهرت جماعة من الخراسانيين من جماعة ابي مسلم في قرية رواندا قرب اصفهان وعرفوا «بالرواندية» وكانوا يقولون بتناسخ الارواح، ونادوا ألوهية المنصور، وأرادوا من وراء ذلك قتله ثأراً لزعيمهم ابي مسلم، لكن المنصور قاومهم بنفسه، وانتصر عليهم غير انهم تمكنوا من قتل عثمان بن نهيك قاتل ابي مسلم.
وفي عام 161 ظهر رجل فارسي اطلق عليه اسم «المقنع» وادعى ان الله سبحانه وتعالى قد حل بآدم عليه السلام، ثم في نوح، ثم في ابي مسلم الخراساني، ثم حل فيه بعد ابي مسلم، واجتمع عليه خلق كثير تغلب بهم على بلاد ما وراء النهر، واحتمى بقلعة «كش» فأرسل إليه المهدي جيشاً بقيادة سعيد الجرشي فحاصره وهزمه وقتل كثيرا من اصحابه، فلما احس بالهلكة شرب سمًَّا وسقاه نساءه واهله فمات وماتوا جميعا، ودخل المسلمون قلعته واحتزوا رأسه وارسلوه إلى المهدي عام 163 هجرية.
والمهدي كان شديدا في حرب الملاحدة وانشأ هيئة مهمتها التنقيب والبحث عن الزنادقة، وجعل لها رئىسا اطلق عليه اسم «صاحب الزنادقة».
قال المسعودي في المهدي:
انه امعن في قتل الملحدين والمداهنين عن الدين لظهورهم في ايامه، واعلانهم عن معتقداتهم في خلافته لما انتشر في كتب ماني، وابن ديصان ومرقيون مما نقله عبدالله بن المقفع وغيره وترجمه من الفارسية والفهلوية إلى العربية، وما صنف في ذلك ابن ابي العوجاء وحماد عجرد ويحيى بن زياد، ومطيع بن اياس من تأييد المذاهب المانوية والديصانية والمرقونية، فكثر بذلك الزنادقة وظهرت آراؤهم في الناس.
وكان المهدي اول من امر الجدليين من اهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، واقاموا البراهين على المعاندين وازالوا شبه الملحدين فاوضحوا الحق للشاكين.
ولقد اوصى المهدي ابنه «الهادي» بتتبع الزنادقة والبطش بهم، ورغم قيام هيئة مختصة مهمتها تتبع الزنادقة استطاعوا ان يحتفظوا بأنشطتهم بصورة سرية، وعن هذا الطريق تمكنوا من احتلال اغلب المناصب في دولة بني العباس وبلغ احدهم «الافشين» قائد جيوش المعتصم.
{ المبحث الثالث: البرامكة
تنسب هذه الاسرة إلى جدها برمك، وهو من مجوس بلخ، وكان يخدم النوبهار وهو معبد كان للمجوس بمدينة بلخ توقد فيه النيران، فكان برمك وبنوه سدنة له، وكان برمك عظيم المقدار عندهم ولم يعلم هل اسلم أم لا؟.
ولما جاءت الدعوة العباسية خراسان كان خالد بن برمك من اكبر دعاتها وقد استوزره ابو العباس السفاح، ثم استمر في منصبه ايام المنصور، وبعد وفاة خالد ولي المنصور ابنه يحيى اذربيجان، ثم اصبح كاتباً ووزيراً لهارون الرشيد.
وملك البرامكة امر الرشيد فاحتازوا الاموال دونه، حتى كان الرشيد يحتاج إلى اليسير من المال فلا يقدر عليه، واصبحت بيوتهم مؤئل الادباء والعلماء وذوي الحاجات، فملكوا القصور والضياع والمزارع حتى طغى صيتهم على صيت الخليفة.
وفي عام 187 امر الرشيد بالقضاء عليهم، فقتل جعفر، وسجن يحيى وبقية اولاده حتى ماتوا في السجن، واختلف المؤرخون في سبب نكبتهم، فذكر ابن كثير انهم اظهروا الزندقة والله اعلم.