صلاح الدين
12 Apr 2007, 09:46 AM
وجاء دور المجوس «أبعاد الثورة الإيرانية »
عبدالله محمد الغريب
البعد التاريخي لقد دانت الجزيزة العربية بالاسلام وامتطى جند الله صهوات خيولهم يطوقون ابواب المدائن ودمشق والقدس بأيد مضرجة بالدماء، ونفوس متعطشة إلى وعد الله لهم في جنان الخلد وملك لا يفنى.
وعندما صمم المسلمون على فتح بلاد فارس انتدبوا سعد بن ابي وقاص لهذه المهمة، كانت هناك مفاوضات ورسل بين الجيشين ونسوق فيما يلي بعض ما حدث:
ارسل سعد بن ابي وقاص طائفة من اصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الاسلام قبل ان تنشب الحرب بينهما فاستأذنوا عليه فأذن لهم، وخرج اهل البلد ينظرون إلى اشكال الرسل وارديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم والنعال بأرجلهم .. كما نظر اهل البلد إلى خيول رسل سعد الضعيفة وجعلوا يتعجبون منها ومنهم غاية العجب ويتساءلون: كيف يتحدى هؤلاء كسرى مع كثرة عدد جيشه وشدة بأسه؟!
ولما استأذن الرسل على الملك «يزدجرد» اذن لهم واجلسهم بين يديه وكان متكبراً قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها اي عن النعال والسياط والثياب و.. الخ.
وكلما قالوا له شيئاً من ذلك تفاءل، فرد الله فأله على رأسه ثم قال لهم: ما الذي اقدمكم هذه البلاد؟ اظننتم أنَّا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟!
فقال النعمان بن مقرن:
ان الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خيري الدنيا والآخرة، فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء ان يمكث، ثم امر ان ينهد إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع إياه فازاداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وامرنا ان نبدأ بمن يلينا من الامم فندعوهم إلى الانصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الاسلام حسّن الحسن وقبّح القيبح كله، فإن ابيتم فأمر من الشر هو اهون من آخر شر منه الجزية، فإن ابيتم فالمناجزة.
وان اجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله واقمناكم عليه على ان تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وان اتيتمونا بالجزية قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم.
قال: فتكلم يزدجرد فقال:
إني لا اعلم في الارض امة كانت اشقى ولا اقل عدداً ولا اسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم ولا تغزوكم فارس ولا تطمعون ان تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وان كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم واكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم. فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة فقال:
أيها الملك! ان هؤلاء رءوس العرب ووجوههم، وهم اشراف يستحيون من الاشراف، وانما يكرم الاشراف ويعظم حقوق الاشراف الاشراف، وليس كل ما ارسلوا له جمعوه لك، و لا كل ما تكلمت به اجابوا عليه، ولا يحسن بمثلهم ذلك، فجاوبني فأكون انا الذي ابلغك ويشهدون على ذلك.
انك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأنت ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، واما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، واما المغازل فانما هي ظهر الارض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من اوبار الإبل واشعار الغنم.
ديننا ان يقتل بعضنا بعضا، وان يبغي بعضنا على بعض، وان كان احدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية ان تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير ارضنا، وحسبه خير احسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها اصدقنا واحلمنا، فدعا إلى امر فلم يجبه احد.
اول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله وما امرنا فهو امر الله، فقال لنا: ان بركم يقول: انا الله وحدي لا شريك لي، كنت اذا لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، انا خلقت كل شيء وإليَّ يصير كل شيء، وان رحمتي ادركتكم فبعثت اليكم هذا الرجل لادلكم على السبيل التي انجيكم بها بعد الموت من غذابي ولأحلكم داري دار السلام.
فنشهد عليه انه جاء بالحق من عنده الحق، وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن ابى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه انفسكم، ومن ابى فقاتلوه فانا الحكم بينكم، فمن قتل منكم ادخلته جنتي، ومن بقي منكم اعقبته النصر على من ناوأه.
فاختر ان شئت الجزية وانت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك.
فقال يزدجرد: اتستقبلني بمثل هذا؟.
فقال المغيرة: ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم استقبلك به.
فقال:لولا ان الرسل لا تقتل لقتلتك، لا شيء لكم عندي، وقال ائتوني بوقر من تراب فاحملوه على اشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من ابيات المدائن.
ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه اني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعد، ثم اورده بلادكم حتى اشغلكم في انفسكم بأشد مما نالكم من سابور.
ثم قال: من اشرفكم؟ فقال عاصم بن عمرو- وافتات ليأخذ التراب-: انا اشرفهم، انا سيد هؤلاء فحملنيه، فقال: اكذلك؟ قالوا: نعم. فحمله على عنقه فخرج به من الديوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ثم انجذب في السير ليأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر قديس فطواه، وقال: بشروا الامير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر.
فقال: ابشروا فقد والله اعطانا الله اقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك اخذ بلادهم. ثم لم يزل امر الصحابة يزداد في كل يوم علوا وشرفا ورفعة، وينحط امر الفرس ذلا وسفلا ووهنا.
ومن خلال حوار النعمان بن مقرن والمغيرة بن شعبة من جهة، ويزدجرد من جهة ثانية تتكشف لنا العقلية التي يفكر بها الفرس:
انهم قساة بغاة يستخفون بغيرهم من الامم، فالعرب ليسوا اكثر من شعب خلق لخدمة الفرس، ويتحدث يزدجرد باسم قومه فيقول: «قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي، ولا تغزوكم فارس»، من العار على اهل فارس ان يفكروا أو يجهزوا انفسهم لغزو العرب، فأهل الضواحي ند للعرب، ولا يستحقون اكثر من هذا الاعداد.
عبدالله محمد الغريب
البعد التاريخي لقد دانت الجزيزة العربية بالاسلام وامتطى جند الله صهوات خيولهم يطوقون ابواب المدائن ودمشق والقدس بأيد مضرجة بالدماء، ونفوس متعطشة إلى وعد الله لهم في جنان الخلد وملك لا يفنى.
وعندما صمم المسلمون على فتح بلاد فارس انتدبوا سعد بن ابي وقاص لهذه المهمة، كانت هناك مفاوضات ورسل بين الجيشين ونسوق فيما يلي بعض ما حدث:
ارسل سعد بن ابي وقاص طائفة من اصحابه إلى كسرى يدعونه إلى الاسلام قبل ان تنشب الحرب بينهما فاستأذنوا عليه فأذن لهم، وخرج اهل البلد ينظرون إلى اشكال الرسل وارديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم والنعال بأرجلهم .. كما نظر اهل البلد إلى خيول رسل سعد الضعيفة وجعلوا يتعجبون منها ومنهم غاية العجب ويتساءلون: كيف يتحدى هؤلاء كسرى مع كثرة عدد جيشه وشدة بأسه؟!
ولما استأذن الرسل على الملك «يزدجرد» اذن لهم واجلسهم بين يديه وكان متكبراً قليل الأدب، ثم جعل يسألهم عن ملابسهم هذه ما اسمها اي عن النعال والسياط والثياب و.. الخ.
وكلما قالوا له شيئاً من ذلك تفاءل، فرد الله فأله على رأسه ثم قال لهم: ما الذي اقدمكم هذه البلاد؟ اظننتم أنَّا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا ؟!
فقال النعمان بن مقرن:
ان الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير ويأمرنا به، ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خيري الدنيا والآخرة، فلم يدع إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص، فمكث كذلك ما شاء ان يمكث، ثم امر ان ينهد إلى من خالفه من العرب ويبدأ بهم ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكره عليه فاغتبط وطائع إياه فازاداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، وامرنا ان نبدأ بمن يلينا من الامم فندعوهم إلى الانصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين الاسلام حسّن الحسن وقبّح القيبح كله، فإن ابيتم فأمر من الشر هو اهون من آخر شر منه الجزية، فإن ابيتم فالمناجزة.
وان اجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله واقمناكم عليه على ان تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وان اتيتمونا بالجزية قبلنا ومنعناكم وإلا قاتلناكم.
قال: فتكلم يزدجرد فقال:
إني لا اعلم في الارض امة كانت اشقى ولا اقل عدداً ولا اسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم ولا تغزوكم فارس ولا تطمعون ان تقوموا لهم، فإن كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا، وان كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم واكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم. فأسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة فقال:
أيها الملك! ان هؤلاء رءوس العرب ووجوههم، وهم اشراف يستحيون من الاشراف، وانما يكرم الاشراف ويعظم حقوق الاشراف الاشراف، وليس كل ما ارسلوا له جمعوه لك، و لا كل ما تكلمت به اجابوا عليه، ولا يحسن بمثلهم ذلك، فجاوبني فأكون انا الذي ابلغك ويشهدون على ذلك.
انك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما، فأنت ما ذكرت من سوء الحال فما كان أسوأ حالاً منا، واما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، واما المغازل فانما هي ظهر الارض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من اوبار الإبل واشعار الغنم.
ديننا ان يقتل بعضنا بعضا، وان يبغي بعضنا على بعض، وان كان احدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية ان تأكل من طعامه، وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، فبعث الله إلينا رجلاً معروفاً نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده، فأرضه خير ارضنا، وحسبه خير احسابنا، وبيته خير بيوتنا، وقبيلته خير قبائلنا، وهو نفسه كان خيرنا في الحال التي كان فيها اصدقنا واحلمنا، فدعا إلى امر فلم يجبه احد.
اول ترب كان له الخليفة من بعده، فقال وقلنا، وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئاً إلا كان، فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه، فصار فيما بيننا وبين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله وما امرنا فهو امر الله، فقال لنا: ان بركم يقول: انا الله وحدي لا شريك لي، كنت اذا لم يكن شيء، وكل شيء هالك إلا وجهي، انا خلقت كل شيء وإليَّ يصير كل شيء، وان رحمتي ادركتكم فبعثت اليكم هذا الرجل لادلكم على السبيل التي انجيكم بها بعد الموت من غذابي ولأحلكم داري دار السلام.
فنشهد عليه انه جاء بالحق من عنده الحق، وقال: من تابعكم على هذا فله ما لكم وعليه ما عليكم، ومن ابى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه انفسكم، ومن ابى فقاتلوه فانا الحكم بينكم، فمن قتل منكم ادخلته جنتي، ومن بقي منكم اعقبته النصر على من ناوأه.
فاختر ان شئت الجزية وانت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك.
فقال يزدجرد: اتستقبلني بمثل هذا؟.
فقال المغيرة: ما استقبلت إلا من كلمني ولو كلمني غيرك لم استقبلك به.
فقال:لولا ان الرسل لا تقتل لقتلتك، لا شيء لكم عندي، وقال ائتوني بوقر من تراب فاحملوه على اشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من ابيات المدائن.
ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه اني مرسل إليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعد، ثم اورده بلادكم حتى اشغلكم في انفسكم بأشد مما نالكم من سابور.
ثم قال: من اشرفكم؟ فقال عاصم بن عمرو- وافتات ليأخذ التراب-: انا اشرفهم، انا سيد هؤلاء فحملنيه، فقال: اكذلك؟ قالوا: نعم. فحمله على عنقه فخرج به من الديوان والدار حتى أتى راحلته فحمله عليها ثم انجذب في السير ليأتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر قديس فطواه، وقال: بشروا الامير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى، ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر.
فقال: ابشروا فقد والله اعطانا الله اقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك اخذ بلادهم. ثم لم يزل امر الصحابة يزداد في كل يوم علوا وشرفا ورفعة، وينحط امر الفرس ذلا وسفلا ووهنا.
ومن خلال حوار النعمان بن مقرن والمغيرة بن شعبة من جهة، ويزدجرد من جهة ثانية تتكشف لنا العقلية التي يفكر بها الفرس:
انهم قساة بغاة يستخفون بغيرهم من الامم، فالعرب ليسوا اكثر من شعب خلق لخدمة الفرس، ويتحدث يزدجرد باسم قومه فيقول: «قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي، ولا تغزوكم فارس»، من العار على اهل فارس ان يفكروا أو يجهزوا انفسهم لغزو العرب، فأهل الضواحي ند للعرب، ولا يستحقون اكثر من هذا الاعداد.