ابن الوزير
21 Jan 2008, 12:01 PM
هل قدح أهل السنة في أبي الطفيل رضي الله عنه؟!
يقول السيد مجد الدين في اللوامع ( 1/247فما بعدها):
" نعم، فممن نالوا منه، من أفاضل أصحاب رسول اللَّه ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم ـ، أبو الطفيل ، عامر بن واثله الكناني الليثي، المولود عام أحد، المتوفى سنة عشر ومائة، على الصحيح ، آخر الصحابة موتاً ـ رضي الله عنه ـ.
قال في ترجمته في تهذيب التهذيب : كان أبو الطفيل ثقة في الحديث، /184/ وكان متشيعاً.
إلى قوله: وكانت الخوارج يرمونه باتصاله بعلي، وقوله بفضله وفضل أهل بيته؛ وليس في روايته بأس. انتهى.
وإن كنت ممن يعرف مصطلح القوم، علمت ما في هذه الكلمات من التوهين عندهم.
وحَكَى عن المغيرة، أنه كان يكره حديثه.."
ثم قال: " وقد نقضوا كلامهم في شأن الصحابة، بكلامهم /185/ في هذين الصحابيين الفاضلين ـ رضوان الله عليهما ـ ( قلت: يريد بذلك هند بن أبي هالة و أبا الطفيل، وقد تقدم الكلام عن هند)، لما كانا في جانب الحق، ومن طائفة أفضل الخلق، لم يبالوا بصحبتهما، ولم يراعوا جليل منزلتهما"..
ثم نقل عن بعض سادات العترة قوله: " قال: ولم أرهم جرحوا ممن يسمونه صحابة، إلا هنداً ربيب النبي، وأبا الطفيل.
إلى قوله: لجِدِّهما في قتال الطاغية، واختصاصهما بعلي؛ وعند اللَّه تجتمع الخصوم". انتهى.
قلت:
تقدّم الكلام عن هند بن أبي هالة رضي الله عنه، فلا نعيده هنا.
ولقد تضمّن كلامه السابق عن أبي الطفيل ما ملخّصه أن أهل السنة قد قدحوا في عدالة أبي الطفيل رضي الله عنه، فناقضوا قاعدتهم في عدالة الصحابة جميعاً.
وأنّ السبب في عدم مبالاتهم بصحبته وجليل منزلته هو أنه كان في جانب الحق وطائفة أفضل الخلق، يقصد بذلك الإمام علي رضي الله عنه. ولجدّه في قتال الطاغية، واختصاصه بعلي، على حدّ تعبير بعض سادات العترة الذي نقله عنه المؤلف.
واستدل المؤلّف على قوله هذا بما نقله من تهذيب التهذيب مما يفيد توهين أبي الطفيل في نظر المؤلِّف.
والجواب:
أولاً: أن النقل المذكور في تهذيب التهذيب لا يفيد الوتهين، إذ حاصله:
- الوصف بالتوثيق، وهذا من الثناء لا التوهين، وهو جارٍ من المحدثين في غير أبي الطفيل من الصحابة، خصوصاً صغارهم، أو المختلف في صحبتهم، كقول ابن سعد في سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي: ثقة قليل الحديث، مع أن الجمهور ذكروه في الصحابة، وقال ابن عبد البر: صحبته صحيحة. (الإصابة في معرفة الصحابة - (ج 1 / ص 442). وأبو الطفيل من صغار الصحابة الذي رأوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم ولم يسمعوا منه، فقد أدركه وعمره ثمان سنين فقط، حتى جعله البعض من كبار التابعين.
- وأما وصفه بالتشيع، فمحمولٌ على أن من وصفه بذلك إنما هو لأجل ما نُقِل عنه من تفضيله لعلي رضي الله عنه، مع ثنائه على الشيخين، لكنّ هذا لم يثبت عنه، ولا عن أحدٍ من الصحابة، لذا لا يُلتفتُ إليه.
وقد يُحتمل أنه لقتاله مع علي رضي الله عنه، وشدة حبه له، كما هو المنقول عنه، وهذا تشيّعٌ محمود لا مذموم، وبالتالي لا يكون هذا الوصف قدحاً فيه، وهذا هو الأقرب.
- وأما كلام الخوارج فيه، فهو ناتجٌ عن عقيدتهم الفاسدة في عليٍّ رضي الله تعالى عنه وفي أتباعه، والنقل عنهم مجرّد إخبار لا غير، إذ قد علم الجميعُ مباينة أهل السنة لرأي الخوارج وبراءتهم منه.
فلا شك أنهم يردون كلامهم فيه كما ردوا كلامهم في علي رضي الله عنه.
- وأما قوله: ليس بروايته بأس، فإن هذا من كلام ابن عدي، والنص في الكامل لابن عدي هو هكذا: وليس برواياته بأس. الكامل لابن عدي - (ج 5 / ص 87).
فيكون الكلام عن مروياته والأحاديث المنقولة عنه لا في نفس الرجل، خصوصاً وأنه من صغار الصحابة، حيث رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم ولم يثبت سماعه منه عند بعض أهل العلم، فتكون مروياته من قبيل المراسيل، فلا يُستغرب وصفها بذلك.
- وأما كراهة المغيرة لحديثه، فهو اجتهادٌ منه محمول على أنه لأجل الإرسال، أو لعدم ثبوت صحبته عنده، أو غير ذلك، ولو لم تصح هذه الاحتمالات، فهو خطأٌ لا يوُافق عليه، وقد نصّ بعض علماء أهل السنة على تخطئة من تكلّم في أبي الطفيل كما سيأتي.
ثانياً: أن هذا المنقول فيما يظنه السيد توهيناً لأبي الطفيل إنما هو قولٌ لبعض علماء الجرح والتعديل من أهل السنة لا جميعهم، والمنقول في ترجمة أبي الطفيل في كثيرٍ من مصادر أهل السنة هو الثناء المطلق، فضلاً أن كتب الحديث عند أهل السنة قد أخرجت أحاديثه، فروى له البخاري أثر علي رضي الله عنه ( حدثوا الناس ...) وأخرج له مسلم أكثر من أربعة أحاديث، وكذا أصحاب السنن والمسانيد، وصحّح أهل العلم أحاديثه، ولم يعلّ أحدٌ منهم شيئاً منها بسببه، سوى المذكور عن ابن حزم، وقد خُطِّئ، كما سيأتي، فلا يؤاخذ الكلّ بجريرة البعض.
ثالثاً: أن ابن حجر رحمه الله تعالى قد نصّ على تخطئة من تكلّم في أبي الطفيل، فقال في مقدمة الفتح: " عامر بن واثلة أبو الطفيل صحابي أخطأ من تكلم فيه. (ج 1 / ص 463).
رابعاً: أن كراهة المغيرة لحديثه، ليس هو لأجل اختصاصه بعليّ ولا لقتاله معه، حيث لم يذكر ذلك ولم ينص عليه، فلا سبيل لما علّل به السيد مجد الدين مما ذكره.
وكذلك ما نقله ابن حجر عن ابن حزم من تضعيفه لأحاديثه، فإنما هو لأجل ما ذُكِر عن أبي الطفيل أنه كان حامل راية المختار الكذاب، قال ابن حجر: "قلت: أساء أبو محمد بن حزم فضعّف أحاديث أبي الطفيل، وقال: كان صاحب راية المختار الكذاب، وأبو الطفيل صحابي لا شك فيه ولا يؤثر فيه قول أحد ولا سيما بالعصبية والهوى". مقدمة الفتح - (ج 1 / ص 410).
فتأمّل كيف جعل السبب قتاله مع المختار، ولم يجعل قتاله مع عليّ رضي الله عنه سبباً للجرح، كيف وقد قاتل مع علي رضي الله عنه جملةٌ كبيرةٌ من الصحابة ولم يطعن فيهم أحدٌ من أهل السنة؟!
وعلى كلّ حال، فلو صحّ ما ذكره السيد من القدح في أبي الطفيل ؛ فهو مردودٌ على أصحابه، كما تقدّم من كلام ابن حجر رحمه الله تعالى..
والله تعالى أعلم.
يقول السيد مجد الدين في اللوامع ( 1/247فما بعدها):
" نعم، فممن نالوا منه، من أفاضل أصحاب رسول اللَّه ـ صَلَّى الله عَليْه وآله وسَلَّم ـ، وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم ـ، أبو الطفيل ، عامر بن واثله الكناني الليثي، المولود عام أحد، المتوفى سنة عشر ومائة، على الصحيح ، آخر الصحابة موتاً ـ رضي الله عنه ـ.
قال في ترجمته في تهذيب التهذيب : كان أبو الطفيل ثقة في الحديث، /184/ وكان متشيعاً.
إلى قوله: وكانت الخوارج يرمونه باتصاله بعلي، وقوله بفضله وفضل أهل بيته؛ وليس في روايته بأس. انتهى.
وإن كنت ممن يعرف مصطلح القوم، علمت ما في هذه الكلمات من التوهين عندهم.
وحَكَى عن المغيرة، أنه كان يكره حديثه.."
ثم قال: " وقد نقضوا كلامهم في شأن الصحابة، بكلامهم /185/ في هذين الصحابيين الفاضلين ـ رضوان الله عليهما ـ ( قلت: يريد بذلك هند بن أبي هالة و أبا الطفيل، وقد تقدم الكلام عن هند)، لما كانا في جانب الحق، ومن طائفة أفضل الخلق، لم يبالوا بصحبتهما، ولم يراعوا جليل منزلتهما"..
ثم نقل عن بعض سادات العترة قوله: " قال: ولم أرهم جرحوا ممن يسمونه صحابة، إلا هنداً ربيب النبي، وأبا الطفيل.
إلى قوله: لجِدِّهما في قتال الطاغية، واختصاصهما بعلي؛ وعند اللَّه تجتمع الخصوم". انتهى.
قلت:
تقدّم الكلام عن هند بن أبي هالة رضي الله عنه، فلا نعيده هنا.
ولقد تضمّن كلامه السابق عن أبي الطفيل ما ملخّصه أن أهل السنة قد قدحوا في عدالة أبي الطفيل رضي الله عنه، فناقضوا قاعدتهم في عدالة الصحابة جميعاً.
وأنّ السبب في عدم مبالاتهم بصحبته وجليل منزلته هو أنه كان في جانب الحق وطائفة أفضل الخلق، يقصد بذلك الإمام علي رضي الله عنه. ولجدّه في قتال الطاغية، واختصاصه بعلي، على حدّ تعبير بعض سادات العترة الذي نقله عنه المؤلف.
واستدل المؤلّف على قوله هذا بما نقله من تهذيب التهذيب مما يفيد توهين أبي الطفيل في نظر المؤلِّف.
والجواب:
أولاً: أن النقل المذكور في تهذيب التهذيب لا يفيد الوتهين، إذ حاصله:
- الوصف بالتوثيق، وهذا من الثناء لا التوهين، وهو جارٍ من المحدثين في غير أبي الطفيل من الصحابة، خصوصاً صغارهم، أو المختلف في صحبتهم، كقول ابن سعد في سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي: ثقة قليل الحديث، مع أن الجمهور ذكروه في الصحابة، وقال ابن عبد البر: صحبته صحيحة. (الإصابة في معرفة الصحابة - (ج 1 / ص 442). وأبو الطفيل من صغار الصحابة الذي رأوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم ولم يسمعوا منه، فقد أدركه وعمره ثمان سنين فقط، حتى جعله البعض من كبار التابعين.
- وأما وصفه بالتشيع، فمحمولٌ على أن من وصفه بذلك إنما هو لأجل ما نُقِل عنه من تفضيله لعلي رضي الله عنه، مع ثنائه على الشيخين، لكنّ هذا لم يثبت عنه، ولا عن أحدٍ من الصحابة، لذا لا يُلتفتُ إليه.
وقد يُحتمل أنه لقتاله مع علي رضي الله عنه، وشدة حبه له، كما هو المنقول عنه، وهذا تشيّعٌ محمود لا مذموم، وبالتالي لا يكون هذا الوصف قدحاً فيه، وهذا هو الأقرب.
- وأما كلام الخوارج فيه، فهو ناتجٌ عن عقيدتهم الفاسدة في عليٍّ رضي الله تعالى عنه وفي أتباعه، والنقل عنهم مجرّد إخبار لا غير، إذ قد علم الجميعُ مباينة أهل السنة لرأي الخوارج وبراءتهم منه.
فلا شك أنهم يردون كلامهم فيه كما ردوا كلامهم في علي رضي الله عنه.
- وأما قوله: ليس بروايته بأس، فإن هذا من كلام ابن عدي، والنص في الكامل لابن عدي هو هكذا: وليس برواياته بأس. الكامل لابن عدي - (ج 5 / ص 87).
فيكون الكلام عن مروياته والأحاديث المنقولة عنه لا في نفس الرجل، خصوصاً وأنه من صغار الصحابة، حيث رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم ولم يثبت سماعه منه عند بعض أهل العلم، فتكون مروياته من قبيل المراسيل، فلا يُستغرب وصفها بذلك.
- وأما كراهة المغيرة لحديثه، فهو اجتهادٌ منه محمول على أنه لأجل الإرسال، أو لعدم ثبوت صحبته عنده، أو غير ذلك، ولو لم تصح هذه الاحتمالات، فهو خطأٌ لا يوُافق عليه، وقد نصّ بعض علماء أهل السنة على تخطئة من تكلّم في أبي الطفيل كما سيأتي.
ثانياً: أن هذا المنقول فيما يظنه السيد توهيناً لأبي الطفيل إنما هو قولٌ لبعض علماء الجرح والتعديل من أهل السنة لا جميعهم، والمنقول في ترجمة أبي الطفيل في كثيرٍ من مصادر أهل السنة هو الثناء المطلق، فضلاً أن كتب الحديث عند أهل السنة قد أخرجت أحاديثه، فروى له البخاري أثر علي رضي الله عنه ( حدثوا الناس ...) وأخرج له مسلم أكثر من أربعة أحاديث، وكذا أصحاب السنن والمسانيد، وصحّح أهل العلم أحاديثه، ولم يعلّ أحدٌ منهم شيئاً منها بسببه، سوى المذكور عن ابن حزم، وقد خُطِّئ، كما سيأتي، فلا يؤاخذ الكلّ بجريرة البعض.
ثالثاً: أن ابن حجر رحمه الله تعالى قد نصّ على تخطئة من تكلّم في أبي الطفيل، فقال في مقدمة الفتح: " عامر بن واثلة أبو الطفيل صحابي أخطأ من تكلم فيه. (ج 1 / ص 463).
رابعاً: أن كراهة المغيرة لحديثه، ليس هو لأجل اختصاصه بعليّ ولا لقتاله معه، حيث لم يذكر ذلك ولم ينص عليه، فلا سبيل لما علّل به السيد مجد الدين مما ذكره.
وكذلك ما نقله ابن حجر عن ابن حزم من تضعيفه لأحاديثه، فإنما هو لأجل ما ذُكِر عن أبي الطفيل أنه كان حامل راية المختار الكذاب، قال ابن حجر: "قلت: أساء أبو محمد بن حزم فضعّف أحاديث أبي الطفيل، وقال: كان صاحب راية المختار الكذاب، وأبو الطفيل صحابي لا شك فيه ولا يؤثر فيه قول أحد ولا سيما بالعصبية والهوى". مقدمة الفتح - (ج 1 / ص 410).
فتأمّل كيف جعل السبب قتاله مع المختار، ولم يجعل قتاله مع عليّ رضي الله عنه سبباً للجرح، كيف وقد قاتل مع علي رضي الله عنه جملةٌ كبيرةٌ من الصحابة ولم يطعن فيهم أحدٌ من أهل السنة؟!
وعلى كلّ حال، فلو صحّ ما ذكره السيد من القدح في أبي الطفيل ؛ فهو مردودٌ على أصحابه، كما تقدّم من كلام ابن حجر رحمه الله تعالى..
والله تعالى أعلم.