نيران صديقة
25 Feb 2008, 05:22 PM
نظرة
الإثنى عشرية إلى الزيدية
بين حقيقة الأمس وتقية اليوم
تأليف/ محمد الخَضِر
تقديم الشيخ/ محمد بن محمد المهدي
الطبعة الأولى: 1423هـ
الناشر: مركز الإيمان الخيري للشريط الإسلامي
اليمن / إب
مقدمة لا بد منها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آل بيته وصحابته أجمعين وبعد: فهذه مقدمة كان لا بد أن تكون بين يدي هذا البحث المهم، الذي زبره يراع الأخ/ محمد الخضر -بارك الله فيه- والتي سنسلط فيها الضوء على جملة من الأمور، التي تتعلق بموضوع يهم أبناء هذا البلد، الذي يسعى أتباع الفرقة المنحرفة -وبخاصة الرافضة- إلى غرس مفاهيم تتنافى مع المعتقدات الراسخة والمبادئ التي سار عليها أهل اليمن-سواءً كانوا زيدية أو سنية- من التمسك بالكتاب والسنة.
ذلك أن أصحاب تلك الفرق وجدوا من يتلقاهم بالترحاب من بعض الزيدية، الذين خدعوا بزيف الشعارات التي يرفعها أولئك، كحب آل البيت وغيرها من الشعارات الخادعة، وفات هؤلاء حقيقة نظرة الروافض إليهم قديماً وحديثاً، وهو ما سيتحدث عنه أخونا في رسالته هذه التي نقدم لها.
كما أنه فاتهم حقيقة الصراع بين الفرقتين وبدايته وسببه، وحقيقة نظرة أئمة الزيدية إلى الروافض، وهو ما سنسلط عليه الضوء في هذه المقدمة.
بداية الصراع بين الفريقين:
بدأ الصراع بين جناحين شيعيين، أحدهما غال والآخر معتدل في حكمه على مخالفيه وفي نظرته إلى قضية الإمامة -قياساً على الجناح الآخر المتشدد والموغل في الخرافة- لقد وقع الانشقاق ثم طال الافتراق بعد رفض الإمام زيد -رحمه الله- البراءة من الشيخين -أبي بكر وعمر رضي الله عنهما-عندما اشترط عليه الغلاة شرطاً قاسياً لكيما يجاهدوا معه جيوش هشام بن عبد الملك.([1])
لقد طلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين وما كان لزيد ولا غيره من آل بيت النبوة أن ينسلخوا من حلف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وصحبه وآله، فجده رسول الله، وجده علي -رضي الله عنه- وآل بيته- رضي الله عنهم- كانوا عنهما راضين ولهما موالين.
فمنذ أن رفضت تلك الفئة الحاقدة على الصحب والآل نصرة زيد، سموا الرافضة، ومنذ مرقت بعد النواصب، بدأت الأحكام تصدر منها على الأمة بالتكفير، ولم يسلم معتدلو الشيعة كالزيدية، بل لم يسلم زيد بن علي بن الحسين -رضي الله عنه- من تكفيرهم.
والكتاب الذي نقدمه يتولى نقل بعض تلك الأحكام الجائرة على الزيدية من الرافضة. فبعد أن فرغ الرافضة من تكفير الأصحاب والأمة كاملة، عادوا نهمين إلى زيد وأتباعه، فحكموا عليهم بصنوف من الأحكام القائمة على الظلم، فهم عندهم نواصب أو شبههم، ونزلوا فيهم النصوص التي ينزلونها على أهل السنة، وهي أدلة لا يجوز إنزالها على المسلمين من السنة والزيدية وغيرهم.
وأسرف الرافضة في الحكم على الزيدية ظلماً وعدواناً بصنوف من الأحكام.حتى أنكروا تشيعهم، وجرحوا رواتهم، ويكفي لجرح الراوي عند الرافضة كونه زيدياً. وحكموا عليهم بالكفر الصريح، حتى قال المجلسي: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم".([2]) وكفروهم مرات؛ لقولهم بصحة الإمامة في غير الإثنى عشري، وكفروا زيداً بخروجه مطالباً بالإمام لنفسه.
وسوف يقف القارئ في هذه الرسالة- التي نقدم لها- على طامات كثيرة من الحكم على الزيدية بشتى صنوف أحكام الظلم والجور من قبل الرافضة، وقد فعلوا ذلك مع أهل السنة وأعظم منه.
وأما كلام علماء الزيدية عبر العصور في الرافضة فأكثر من أن يحصر وسوف يرى القارئ بعض هذه النقولات عن الإمام زيد والهادي والمنصور بالله ويحي بن حمزة والمهدي أحمد بن يحي المرتضى وغيرهم من أئمة آل البيت رحمهم الله.
وأرى -والله أعلم- أن المطلع على كلام الرافضة في هذا الكتاب في الإمام زيد بن علي والزيدية، والناظر في هذه المقدمة على كلام الأئمة الزيدية في الرافضة سيدرك الهوة السحيقة بين المذهبين، وسلامة مذهب الزيدية من كثير من الافتراءات التي نسبت إليه بحجة أن الزيود روافض، وسيدرك بهتان أهل الرفض على المسلمين وفضيحة أتباع ابن سبأ في دعوى أن الخلاف بينهم وبين المذاهب الإسلامية إنما هو في الفروع.
أقوال أئمة الزيدية في الفرق الرافضية:
* كلام الإمام زيد بن علي -رحمه الله- (ت122هـ) في الرافضة:
"اللهم اجعل لعنتك ولعنة آبائي وأجدادي ولعنتي على هؤلاء القوم الذين رفضوني وخرجوا من بيعتي كما رفض أهل حروراء علي بن أبي طالب -عليه السلام- حتى حاربوه".([3])
والسبب في هذا اللعن هو أنهم طلبوا منه أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى ذلك فرضوه، فقال: "أنتم الرافضة، وقال: الرافضة مرقوا علينا".([4])
* كلام القاسم بن إبراهيم (ت 246هـ):
قال -رحمه الله- في معرض رده على الرافضة بشأن الوصية والأوصياء: "... وما قالت به الرافضة من هذا فقد تعلم أن كثيراً منها لم يقصد فيه لما قصد، أو يعتقد من الشرك بالله في قوله به ما اعتقد، إلا وأن كل ما قالوا به في الله، أشرك الشرك بالله، فنعوذ بالله من الشرك في ربوبيته، والجهل بما تفرد به من وحدانيته هذا، إلا ما أتوا به من الضلال، بقولهم في الوصية، وما أعظموا على الله ورسوله في ذلك من الدعوى والفرية، التي ليس بها في العقول حجة ولا برهان، ولم ينزل بها من الله وحي ولا فرقان. وما قالت به الرافضة من الأوصياء من هذه المقالة، فهو قول فرقة كافرة من أهل الهند يقال لهم البرهمية... ".([5])
* كلام الهادي يحيى بن الحسين (ت 298هـ):
أما كلام الإمام يحيى بن الحسين - الملقب بـ(الهادي)، وناشر المذهب الهادوي الزيدي في اليمن آخر القرن الثالث - فهو كثير وطويل في الرافضة إلى حد الحكم عليهم بالكفر والمروق واتباع الشهوات وأنهم حزب الشيطان.
فقد قال في مسألة من طلق ثلاثاً معاً، ومن طلق على غير السنة: إن طلاقه يقع بلا خلاف، ثم قال: "ثم اختلفوا في معنى الطلاق وكيفيته، فقالت شرذمة مخالفة للحق في كل المعاني من الكتاب والسنة، وهي هذه الإمامية الرافضة: من طلق زوجته على غير طهر من غير جماع، أو طلق ثلاثاً معاً؛ لم يكن ذلك طلاقاً، وكانت زوجته على حالهاً".([6])
وقال: "ولا أعلم أحداً يخالف ما روي وقيل به من ذلك غير هذا الحزب حزب الشيطان، الخاسر الهالك (الرافضة) عند الله، الجائز، المحل للشهوات، المتبع للذات، المبيح للحرمات، الآمر بالفاحشات، الواصف للعبد الذليل بصفة الواحد الجليل". وبعد وصفهم بالتشبيه وإنكار التوحيد وإبطال ما أثبته الله واتباع المثل والفسق قال: "حزب الإمامية الرافضة للحق والمحقين".([7])
والهادي -رحمه الله- يَسِم الرافضة بتعطيل الجهاد، وصدق فلا جهاد عندهم حتى يظهر مهديهم.
"وقول هؤلاء الإمامية الذين عطلوا الجهاد وأظهروا المنكر في البلاد والعباد".([8])
وقال: "وقول هذا الحزب الضال، مما لا يلتفت إليه من المقال لما هم عليه من الكفر والإيغال، والقول بالكذب والفسوق والمحال، فهم على الله ورسوله في كل أمر كاذبون، ولهما في أفعالهما مخالفون، وقد جاهروهما بالعصيان، وتمردوا عليهما بالبغي والطغيان، وأظهروا المنكر والفجور، وأباحوا علانية الفواحش والشرور، وناصبوا الآمرين بالحسنات المنكرين للمنكر والشرارات الأئمة الهادين من أهل بيت الرسول المطهرين.
وهتكوا -يا لهم الويل- الحرمات، وأماطوا الصالحات، وحرضوا على إماتة الحق وإظهار البغي والفسق، وضادوا الكتاب، وجانبوا الصواب، وأباحوا الفروج، وولدوا الكذب والهروج، وفيهم ما حدثني أبي وعماي محمد والحسن عن أبيهم القاسم بن إبراهيم -صلوات الله عليهم أجمعين- عن أبيه عن جده عن إبراهيم بن الحسن عن أبيه عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبيهم علي بن أبي طالب -عليهم وعليه السلام- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يا علي: يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يعرفون به يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلهم، قتلهم الله؛ فإنهم مشركون)".([9])
وقال في تحريم المتعة في النكاح من كتابه (الأحكام):
"وأبطل الإمامية المستحلون للمتعة ذلك كله، وردوا كتاب الله سبحانه رداً، وعاندوا الله في حكمه عناداً، وقالوا شرط الإنسان أوجب من حكم الرحمن. فأبطلوا الأنساب بين الوالد والولد، والمواريث بينهما. وقالوا: لا يتوارث الوالد والولد، فأبطلوا بذلك حكم الواحد الأحد الصمد، ثم قالوا: لا تورث زوجة من زوجها إن نزل به موت، ولا يورث زوج من زوجته إن نزل بها موت. ولا يلزمها عدة تعتدها من ماء زوجها، كما حكم الله بذلك عليها، فنقضوا الكتاب، وخالفوا في كل الأسباب، فأحلوا ما حرمه الله، وحرموا ما أحله".([10])
وقال في بيان معتقده في رسالة بعثها إلى صنعاء: "وإلى الله أبرأ من كل ثنوي رافضي غوي، ومن كل حروري ناصبي، ومن كل معتزلي غال، ومن جميع الفرق الشاذة، ونعوذ بالله من كل مقالة غالية، ولا بد من فرقة ناجية، وهذه الفرق كلها عندي حجتهم داحضة".([11])
والحق أن الهادي -رحمه الله- أقوى وأصرح في الحكم على الرافضة - من أتباعه - بالمروق.
فهم -كما يرى- مستحلون الحرمات، كافرون، مشركون، خارجون على أئمة أهل البيت، مساعدون مناصرون لأئمة الجور، معطلون للجهاد، مفسدون في البلاد.
وهنا أُذَكِّر كل أخ زيدي خدعة الروافض بأساليب تقيتهم ومكرهم أن يراجع نفسه، ويعرف حقيقة أتباع (ابن سبأ) كما عرفهم الهادي -رحمه الله.
* كلام المنصور بالله عبد الله بن حمزة (ت 614هـ):
أما العلامة عبد الله بن حمزة فهو أطول نفساً من غيره في تضييق الخناق على الرافضة، فقد رد عليهم بالمئات من الصفحات، وناقش كل أباطيلهم وترهاتهم، وفند أساطير أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي([12]) وربطهم به.
وأبطل ادعاءهم بورود النص لتعيين أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- أميراً([13])، وفند أدلتهم في دعوى عصمة الأئمة الإثنى عشر.([14])
وكتاب "المجموع المنصوري" رقم (1) وهو يربوا على (400) صفحة كله يدور حول شذوذهم وانحرافهم، ورد ذلك بعلم وعقل، فقد أبان انحرافاتهم في شتى مسائلهم، ومنها:
دعوى الإمامة وحصرها في اثني عشر إماماً([15])، ودعوى العصمة([16])، ودعوى علم الغيب للأئمة([17])، ودعوى وجود مهدي في السرداب([18])، والتقية([19])، والبداء([20])، وزندقتهم في دعوى تحريف القرآن([21])، وتحريف معاني القرآن في تفاسير بعضهم، وبيان تناقضهم([22])، وغير ذلك.
ومما قاله في الرد على قولهم بالرجعة:
"وأما ما ذهبوا إليه من الرجعة فمما لا دليل عليه، ولا يجوز لمسلم اعتقاده، ولا يجدون عليه دليلاً يوصل إلى العلم، وأما الدليل على بطلانه فلأن المعلوم من دين النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن من مات فميعاده يوم البعث ولا حياة قبله إلا ما وردت به الآثار في عذاب القبر، فحكم ذلك حكم الآخرة، فإن المعلوم ضرورة من دين النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خلاف ما ذهب إليه القوم في هذه المسألة، فلتحق بالكفريات، ويبعد أن يكون خلافاً بين أهل الإسلام".([23])
وقال في نفي نسبة تحريف القرآن إلى آل البيت:
"فإنهم رووا عن أهل البيت -عليهم السلام- الذين ادعوا أنهم أئمة سابقون، وأهل البيت -عليهم السلام- لذلك نافون، كما قدمنا أشياء تدل على التشبيه الذي نزههم الله عنه، وأشياء تدل على أنهم فسروا كتاب الله بما لا يوافق تحقيقه اللسان العربي، ولا بمجازه، ومثل ذلك يعجز العادلين عن الله، والمحرفين لكتابه، وإلى (مثل ذلك) ذهبت الباطنية الملاحدة، وكفّرها بذلك جميع الزيدية، وكافة الأمة".([24])
ثم ذكر نماذج من التحريف لمعاني القرآن الكريم عندهم فقال:
"قد صنف التريقي تفسيراً سماه كتاب (التحريف والتنزيل)، فكل ما في القرآن من ذكر الظالمين جعله على ظالمي آل محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وكل خير جعله الولاية، وكل شر جعله أبا بكر وعمر إلا القليل. وكذلك في (نوادر الحكمة) لأبي جعفر القمي.
وما ينسب إلى رواية الجعابي يرويه بإسناده إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر -عليه السلام- وهذا التفسير الذي زعموا أنه يرويه المهلبي في قول الله تعالى: (فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون)، قال: نزلت في علي يوم بدر.
"ادخلوا هذه القرية" قال: يريد ولاية علي. "وإذا أخذنا ميثاقكم" قالوا أبو جعفر: هي الولاية. "ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة" قال: قد دعوناكم إلى ما دعاكم إليه الرسول، ورفعنا فوقكم العذاب لننظر طاعتكم، فإن لم يفعلوا قذفنا - يعني أمير المؤمنين - عليكم. "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً" يطيع غير علي. "قال عفريت من الجن" قال: عمر... الخ.
ثم رد عليهم وعلى تفاسيرهم التي تعني التحريف فقال:
"وهذا قليل من كثير مما هو مجود في تفاسيرهم المنسوبة إلى الأئمة -عليهم السلام-. والله تعالى ينزههم من هذه الأقوال الواهية، والترهات المتلاشية، فكيف يطعن في التفاسير المروية عن العلماء، المصححة بالأدلة، ويوجب الرجوع إلى التفاسير التي يضيفونها إلى الأئمة -عليهم السلام- ومعاذ الله أن تكون هذه أقوال أئمة الهدى ومصابيح الدجى".([25])
وعند الكلام على المهدي في عدة مواضع من كتابه أثبت خروجه في آخر الزمان من الأحاديث الواردة في السنة، وأنه سيأتي، وأنه يختلف عن مهدي الرافضة بالأوصاف، وأنه لا مكان له يعلم، كما يدعي الروافض، وهذا المسلك نفس مسلك أهل السنة في ظهور المهدي، ولكن دون تحديد زمن معين لخروجه، وهذا المهدي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، بخلاف مهدي الرافضة الذي يعيد الله له الصحابة ونساء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليقتلهم، والذي يهدم الكعبة، ويحكم بحكم داود -كما زعموا- وكلام المنصور بالله لا يختلف كثيراً عن كلام عامة أهل السنة في خروج المهدي آخر الزمان.([26])
* كلام الإمام يحيى بن حمزة (ت 749هـ) -رحمه الله-:
قال الإمام يحيى بن حمزة: "اعلم أن الناس مختلفون في حكم من خالف هذه النصوص الواردة على مذاهب خمسة أولها: من قال: إن قصد الرسول -صلى الله عليه وسلم- معلوم بالضرورة فالمخالف فيها يكفر، هذا رأي الإمامية والروافض".
ثم ذكر الأربعة الأقوال الأخرى، وبعضها أكثر رداءة من بعض، ثم قال: "فهذه الفرق كما ترى مختلفون في أمر الخلفاء، والذي يقضي به الشرع عندنا، ونحب أن نلقى الله تعالى عليه، ونأمر من وقف على كتابنا هذا، وهو طريق السلامة لكل منصف هو أن مخالفتهم لهذه النصوص، وإن كانت قاطعة لا توجب في حقهم كفراً ولا فسقاً ولا خروجاً عن الدين، ولا توجب قطع الموالاة، فإن إسلامهم صحيح، ويدل على صحة ما اخترناه في ذلك -وهو الذي عليه أكابر أهل البيت والمخلصين في أتباعهم وشيعتهم- مسالك".([27])
ثم ذكر مسالك تبرز اختياره لهذا المذهب الأسلم في أوساط الشيعة خلاصتها:
الأول: أن التكفير والتفسيق لا يكون إلا بدلالة قاطعة، والإجماع منعقد على ذلك، ولم يقم هنا برهان شرعي على ذلك التكفير والتفسيق.
الثاني: أننا نعلم بالقطع والضرورة صحة ديانتهم وسلامة إيمانهم واستقامته على الدين، ومحبتهم لله ورسوله وموالاتهم ونصرتهم.
الثالث: ما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- من الثناء عليهم وتبشيرهم بالجنة.
الرابع: ما كان في ثناء أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- عليهم، وزجر من تكلم فيه، ثم إن آل البيت من الحسن والحسين وزين العابدين وزيد والباقر والصادق وغيرهم لا يحصون كانوا يثنون عليهم.([28])
ثم قال الإمام يحيى مبيناً المراد الذي لأجله ذكر ما سبق فقال:
الغرض الأول: أن يعلم أمير المؤمنين وأكابر أهل البيت السابقين منهم والمقتصدين غير قائلين في أحد من الصحابة بكفر ولا فسق، مع مخالفتهم لهذه النصوص القاطعة، وأن مخالفتهم تقطع موالاتهم ولا تبطلها.
الغرض الثاني: أن يكون الناظر على فقه من أمره، وبصيرة من دينه في الإقدام على التكفير والتفسيق من غير بصيرة، فإن الخطأ في مثل هذا عظيم والإثم فيه كبير.
قال المؤيد بالله -عليه السلام-: ولو قيل لأحد من مدعي التكفير والتفسيق في حقهما أرني أحداً من أئمتنا أنه تبرأ من الشيخين لم يمكنه ذلك أصلاً ولا وجد إليه سبيلاً، فضلاً عن القول بالكفر والفسق.
(فحصل) من هذه الروايات التي نقلناها عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعن أمير المؤمنين وأولاده السابقين التولي والمحبة للصحابة -رضي الله عنهم-، وأن أحداً من أهل البيت لم ينقل عنهم بتكفير ولا تفسيق لهم -أي الشيخين- وهذا هو الأوثق من حال الأئمة السابقين أهل الآراء الصائبة، والأذهان الثاقبة، ثم إن لهم بعد القطع بعدم التكفير والتفسيق مذهبين.
الأول: من صرح منهم بالترحم والترضية عليهم، وهذا هو الأشهر من أمير المؤمنين كما حكيناه، ومن زيد بن علي، وجعفر الصادق، والناصر للحق، والسيد المؤيد وغيرهم -وهذا هو المختار عندنا ونرتضيه لأنفسنا مذهباً، ودللنا عليه، وهو أنا ذكرنا أن إسلامهم مقطوع به لا محالة، وإيمانهم، وعروض ما عرض من مخالفة النصوص ليس فيه إلا مجرد أنه خطأ في النص، فأما أن يكون هذا الخطأ كفراً وفسقاً فلم تقم عليه دلالة ولا برهان، فإن قيل: فأنتم تقطعون بأن هذا الخطأ كبيرة، أو تقطعون بكونه صغيرة، أو توجبون التوقف فيه، قلنا: المعاصي ثلاثة أوجه منها:
ما دل عليه الشرع بكونه كبيراً، وهذه هي المعاصي التي عليها الحدود. ومنها: ما لم يرد الشرع فيه بكونه صغيراً ولا كبيراً، فما هذه حالة يقطع بكونه خطأ ولا يقطع بكونه كفراً ولا فسقاً، ثم ما هذا حاله فإنه لا يقطع الموالاة ولا يطرق خللاً في أصل الدين والإسلام، بل الموالاة واجبة مع القطع بكونه خطأ... الخ.
الثاني: وذكر بعد ذلك مذهب من توقف عن الترضي والدعاء للخلفاء، وكذا من نهى عن تكفيرهم وتفسيقهم ونسب هذا المذهب إلى الهادي.([29])
وكلام الإمام طويل ومتين ويدل على ورع وعلى تبحر في العلوم الشرعية والعقلية، وقد عرفت عنه العدالة في حكمه.
وكلامه وهو الإمام الذي قل فن من الفنون إلا وصنف فيه في الرد على الرافضة، والجارودية، وغيرهما من الفرق ينأى بالمذهب الزيدي وآل البيت من تلك الأكاذيب المنسوبة إلى آل البيت من اللعن والتكفير لخيرة الأصحاب.
ولسنا معه -رحمه الله- في قطعية النصوص على إمامة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وكذلك لا صراحة في النصوص في اختيار أبي بكر -رضي الله عنه- وإنما اختاره المسلمون إماماً لهم.
فالإمام ابن حمزة أعرض صفحاً عن مذهب الرافضة في الأصحاب، والجارودية وغيرهما، وأخذ بمذهب آبائه الكرام، وصاحب البيت أدرى بما فيه.
* كلام مجد الدين المؤيدي (معاصر):
قال وهو يشرح خروج الإمام زيد بن علي بن الحسين على الأمويين: "ولم يفارقه إلا هذه الفرقة الرافضة التي ورد الخبر الشريف بضلالها".([30])
وقال: "فإن الأمة أجمعت على أن الرافضة هم الفرقة الناكثة على الإمام زيد بن علي".
وقال: "واقتدت هذه الفرق بسلفها المارقة الحرورية".([31])
أما كلام مجتهدي الزيدية من القدماء والمعاصرين فطويل جداً حول الرافضة والجارودية وانحرافهما.
وهناك آخرون من العلماء ردوا على الرافضة كابن الوزير، والأمير الصنعاني، والشوكاني، وغيرهم، ويكفي كتاب محمد بن إبراهيم الوزير (العواصم) ومختصره (الروض الباسم). وأما الصنعاني الأمير فكلامه مبثوث في نثره وشعره وفي رسائله؛ وهما من آل بيت النبوة. وأما الشوكاني فكلامه طويل الذيول، ولو لم يكن له إلا (إرشاد الغبي إلى مذهب آل البيت في صحب النبي) لكفى.
وكم في الزيدية عبر التاريخ من محطمين للرفض والجارودية،كيحيى بن الحسين بن القاسم في مؤلفاته، مثل الرد على الإمامية، والرد على من زعم أن القرآن ذهب بعضه، والإمام المرتضى محمد بن الهادي يحيى بن الحسين الذي ألف كتاباً سماه (الرد على الرافضة)، و(روضة المشتاق فيما بين الزيدية والإثنى عشرية من الافتراق) لأبي القاسم الحميري، و(الرد على الرافضة من أصحاب الغلو) للإمام القاسم الرسي، و(الرد على الرافضة) للإمام القاسم العياني، و(الصراط المستقيم في تمييز الصحيح من السقيم) و(الفوارق بين الزيدية والإثنى عشرية) لجعفر بن عبد السلام، و(صيانة العقيدة والنظر عن سبر صحابة سيد البشر) لأحمد السباعي.([32])
وأما المعاصرون: كأحمد سلامة، ويحيى الفسيل، وحمود الذارحي، والقاضي محمد بن إسماعيل العمراني، والقاضيين محمد وإسماعيل ولدي علي الأكوع، والدكتور عبد الوهاب الديلمي، وغيرهم، فكلامهم في متناول اليد، وهؤلاء الأصل فيهم أنهم زيود، ولكن خرجوا عن دائرة التعصب، وعرفوا خطر المذهب الإمامي الإثنى عشري، واتبعوا ما عرفوا من الدليل. وعلى هذا فالزيدية مجمعون على ذم الرفض إلا من ابتلي منهم، فهو المدافع عنه.
وأكتفي هنا بنقل جزء من كلام المقبلي -رحمه الله- يكشف فيه عن خبث الرافضة وتسامح الزيدية، وعليه فقس جميع المجتهدين من الزيدية.
قال -رحمه الله-: "رجعنا إلى ذكر الرافضة، قال الإمام الأعظم زيد بن علي: "الرافضة حربي وحرب أبي في الدنيا والآخرة، مرقت الرافضة علينا كما مرقت الخوارج على علي".
ثم رأيناهم إذا وفد إمامي على هذه الدولة المباركة في اليمن الآن هشوا إليه، وأجهشوا وعشعشوا، وانتعشوا، وقلت للخطيب - المشار إليه في خطبة هذه الأبحاث؛ لأنه الذي استقر عليه أساس ذلك المعنى فيما لغيره من المغنى- أراكم يفد على هذه الدولة المباركة الرجل من الإمامية، فكأنما وفد عليكم ملك، ومن أصولهم البراءة منكم ومن سائر الفرق الإسلامية، المنكرين للنص على أئمتهم؛ لأنهم أنكروا ما علم من الدين ضرورة بزعمهم، وأن أئمتكم من زيد بن علي إلى يومنا هذا رؤساء الضلال والكفر -صانهم الله تعالى- ويسمون من خالفهم كافراً ومنافقاً. وإذا جاءكم الرجل من أهل المذاهب الأربعة، فكأنما رأيتم شيطاناً، ومن أصولهم وأمهات المسائل عندهم ألا يكفّر أن من أهل القبلة، فأخبرني ما هذا؟ فما وجد من الجواب إلا أن قال: الإمامية لم يشتغلوا بنا ولا بأذيتنا، وهؤلاء يرمونا بالابتداع. فقلت: أيهما أعظم الرمي بالبدعة مع الشهادة لكم بالإسلام أم الرمي بالكفر واستحلال دمائكم وسبي نسائكم وأبنائكم واغتنام أموالكم؟ فألجم.
ثم قال: ولقد يسري داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار حتى تظهر جماعة مذهب الإمامية وهو تكفير الصحابة ومن تولاهم -صانهم الله- وانتموا إلى بعض أولاد الدولة؛ لأنه لا اعتراض عليه، وترى ذلك هيناً عند مدعي الفضل، وما هو بهين -والله- بل تراهم من ذَكَر الصحابة عندهم بخير، وإن لم يتظاهروا بكراهيته، يلوح عليهم ذلك كما يفعله مقابلهم من سائر المذاهب في حق أهل البيت -عليهم السلام- فإن الشيطان وجدها فرصة إلى التفريق بينهم، ونقَّص فضلاء الأمة من الصحابة والقرابة، حتى قل الجمع بينهم بخالص الولاء، وهذا في الفضلاء، وأما الحمقى فيصرحون، ويجعلون النصب تولي الصحابة، كما جعل أولئك الرفض تولي أهل البيت" ا.هـ كلام المقبلي -رحمه الله- في ص(106) من (العلم الشامخ).
تعليق على كلام المقبلي:
1- يذكّر كلامه بالعداء التاريخي بين الزيدية والرافضة من أيام الإمام زيد ومن بعده من آل البيت، فقد ذكر بقول الإمام زيد في الرافضة: الرافضة حربي وحرب أبي في الدنيا والآخرة وأن الرافضة كالخوارج في المروق.
2- وضوح منهج الرافضة في الحكم على الإمام زيد وأتباعه أنهم من أئمة الكفر والضلال.
3- تعاطف بعض الزيدية مع الإمامية، ولعل هؤلاء المتعاطفين من الزيدية ممن مردوا على الجارودية والرفض، لا ممن سار على منهج زيد -رحمه الله. وقد وجد من وقع في الرفض من أدعياء الزيدية قوم لهم في العلم والأدب نصيب، كالقاضي أحمد المسوري، والحسن الهبل، والمخلافي، ويحيى بن الحسين بن المؤيد، ومحمد بن صالح السماوي الملقب بابن حريوه.
4- إن جواب الزيدية المتعاطفين مع الإمامية أن الرافضة لم يصيبوهم بأذى، وإنما الأذى من غيرهم هي تقية من الرافضة لسحب البساط من تحت المسلمين سنة وزيدية.
وهذا وللأسف هو جواب بعض الزيدية اليوم، تغافلاً أن الرافضة يكذبون تديناً، ولكن مذهبهم هو هدم المذهب الزيدي والسني، ولأن هناك من أهل السنة من يرد على الزيدية مع عدم شكه في إسلامهم.
وجواب المقبلي قديماً هو جوابنا حديثاً أن الرافضة يكفرون الزيدية وأهل السنة يحكمون لهم بالإسلام وإن انتقدوهم في مسائل.
5- أن داء الرفض إذا أصاب عبداً لا يكاد يطيق سماع الأصحاب إلا وغشي عليه.
6- وكذلك النواصب إذا ذكر لهم أهل البيت امتعصوا ودارت عليهم الدوائر.
7- ومذهب الفريقين حمق وفضاضة، فقد قنع الجهال وهم الروافض أن ولاء الأصحاب نصب، كما فهم النواصب أن ولاء آل البيت رفض، والحق هو ولاء الصحابة والقرابة -رضي الله عنهم أجمعين-
رقدة زيدية ودهاء رافضي:
وعلى الرغم مما سبق بيانه إلا أن الروافض استطاعوا اختراق الصف الزيدي على حين غفلة من أهل السنة والزيدية في اليمن واشتغال الناس بمعاشهم، وما بقي من وقت عند الصادقين منهم صرفوه في مواجهة الشيوعية والمخربين وصنوف المشككين في الشريعة، ثم تعليم الأمة أمور دينها. استغل الرافضة أسلوب الخداع عندهم "التقية" والطيب عند الآخرين فما أن نجحت ثورتهم حتى أخذوا يصدرون خرافاتهم إلى الآفاق باسم الثورة الإسلامية.
والحق أنه تأثر بها بعض أهل السنة فضلاً عن الزيدية.فقد اختلطت الأوراق في الأوساط الزيدية وعلى مستوى كثير من الأسر الهاشمية، فصار مفهوماً عند البعض أن هناك تلازماً بين حب الآل وبغض الأصحاب، وأن التشيع ليس فيه أقل من سب الأصحاب وبغض أهل السنة والمسلمين عموماً.
واستغلت هذه الغفلة سفارات الدولة المصدرة لثورتها وملحقاتها الثقافية ومراكزها الطبية في عدة دول، واستغلت المحتاجين فساعدتهم واستدعت الطلاب إلى جامعاتها وحوزاتها، ودرستهم مذهبها. واستغل أئمة الرفض في أكثر من بلد من عرب وعجم شباب الزيدية المهاجرين، فعادوا من رحلاتهم من تلك الديار كالعراق ولبنان، بل وفي أمريكا وأوروبا داعين إلى ولاية الفقيه والإثنى عشر والعصمة لهم والتقية... الخ تلك الضلالات، وهي مصطلحات غريبة عن الفكر الزيدي فضلاً عن الكفر السُّني.
لقد نجح ذلك الاختراق نجاحاً ملموساً أثره باعتراف الزيدية أنفسهم.([33]) وتجلى ذلك الاختراق في مظاهر متعددة في أوساط الزيدية، وللأسف ومنها:
1- تفشي الغلو في سب الصحابة والسلف، وقد أشار قديماً إلى هذا المقبلي في (العلم الشامخ)، وأما حالاً فهناك غلو عجيب في جرح الصحابة والسلف.
2- دعوى حصر الإمامة في الإثنى عشر، ونسف التاريخ الزيدي في الإمامة، وإلغائه تماماً.
3- إنكار قصة عبد الله بن سبأ في أوساط الزيدية، اتباعاً لمنكريها من الرافضة، ومن نحى نحوهم، مع أنها ذكرت في مصادر أهل السنة والزيدية والإمامية، وما ذلك إلا عندما شعر الرافضة بأن عبد الله بن سبأ هو قدوتهم، وبئس القدوة، فقام المتأخرون منهم ينكرون ما أثبته المتقدمون، فتأثر بعض الزيدية([34]) بذلك، فأنكروا وجود عبد الله بن سبأ اليهودي.
4- إنكار دفاع الإمام زيد عن الشيخين حتى حكم بعض الكتاب الزيود على القصة التي وردت في ذلك بالوضع.([35])
5- التمجيد الزائد لأئمة الرفض قديماً وحديثاً من آيات الكيد والمكر المدعوين بآيات الله، والثناء المستمر على الخميني الذي لا شك في تكفيره للمسلمين من السنة والزيدية كغيره من أئمة الرفض، ويكفي في ذلك الرجوع إلى كتابه (الأربعون حديثاً)، الذي ذكر فيه أن الإيمان بإمامة الإثنى عشر شرط في قبول الإيمان حيث يقول: "والأخبار في هذا الموضوع، وبهذا المضمون كثير، ويستفاد من مجموعها أن ولاية أهل البيت -عليهم السلام- شرط في قبول الأعمال عند الله، بل هو شرط في قبول الإيمان بالله والرسول الأكرم. ولا يستفاد كونها شرطاً في صحة الأعمال. كما يستفاد ذلك من الروايات المذكورة في باب عدم وجوب قضاء المخالف عبادته إذا استبصر. عن أبي عبد الله -عليه السلام- في حديث قال: "كل عمل عمله وهو في حالة نصبه وضلالته، ثم من الله عليه وعرف الولاية، فإنه يؤخر عليه إلا الزكاة فإنها يعيدها؛ لأنه وضعها في غير موضعها؛ لأنها لأهل الولاية، وأما الصلاة والحج والصيام، فليس عليه قضاء".
وفي رواية أخرى عن محمد بن حكيم قال: "كنت عند أبي عبد الله -عليه السلام- إذ دخل عليه كوفيان كانا زيديين فقالا: إنا كنا نقول بقول وإن الله منّ علينا بولايتك فهل يقبل منا شيئاً من أعمالنا فقال أما الصلاة والصوم والصدقة، فإن الله يتبعكما ذلك، ويحلق بكما، وأما الزكاة فلا؛ لأنكما أبعدتما حق امرئ مسلم وأعطيتماه غيره"([36])، والشاهد اشتراط الإيمان بالإثنى عشر في قبول العمل، والزيدية والسنة يرون صحة الإمامة في غير الإثنى عشر فما حكم أعمالهم الصالحة. وليس هذا فحسب بل الإيمان بالإثنى عشر شرط عندهم لقبول الإيمان، ويعني هذا عدم صحة الإيمان بغير الإثنى عشر، وفي خبرهم الثاني رجوع رجلين زيديين عن اعتقاد إمامة الإمام زيد -رحمه الله- هذا هو حكم الخميني في الزيدية وفي غيرهم.
والحقيقة أن نظرة أئمة الرافضة إلى الزيدية في هذا العصر لا تختلف عن نظرة غلاتهم وقدمائهم، وليس الخميني هو المنفرد بذلك من المعاصرين، بل يشاركه علماؤهم وآياتهم فها هو "المولى الحاج ميرزا عبد الرسول الأحقاقي الحائري -دام ظله العالي-" يقول في (أحكام الشريعة -المجلد الأول في العبادات- الطبعة الثانية، لجنة النشر والتوزيع، جامع الإمام الصادق -عليه السلام-، دولة الكويت ص(223): "الغسل: مسألة (1127): يجب على المسلمين سيما على من هو أولى بالميراث كفاية تغسيل المؤمن الإثنى عشري، ومن بحكمه من الأطفال والمجانين.
مسألة (1128): ليس على المسلمين تغسيل الكفار بجميع أقسامهم ومنهم الغلاة والنواصب.
مسألة (1129): المخالف وسائر الفرق الباطلة من الشيعة كالزيدية والواقفية والفطحية والكيسانية وغيرهم فهم كالكفار، لكن الأحوط وجوب غسلهم".
وها هو "الحاج ميرزا حسن الحائري الأحقاقي -دام ظله العالي-" يقول في (أحكام الشيعة- المجلد الأول- الجزء الأول والثاني في العبادات، لجنة النشر والتوزيع، جامع الإمام الصادق -عليه السلام-، دولة الكويت ص(181)) نفس الكلام السابق إلا أنه قال عن الفرق المخالفة الذي عدده صاحبه "... فالأظهر أنهم كالكفار... ".
6- انحدار الصحيفة المعبرة عنهم إلى حضيض الإسفاف في الهجوم الذي لا يشبهه إلا هجوم الرافضة على علماء المسلمين، ومصادرهم كـ (الصحيحين) وغيرهما. وهذه الصحيفة لو دعت إلى منهج الزيدية لقلنا معبرة عن المذهب، أما أن تتفق مع الرافضة ومع العلمانية ومع الصوفية بل ومع الباطنية في وقت واحد في عداء أهل السنة والجماعة فغير مفهوم لدينا.
فهل صار هذا هو المذهب الزيدي العقلاني الخارج على الظلمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!
هل صار عند إخواننا الحكم المسبق أن يتفقوا دائماً في مواجهة إخوانهم أهل السنة، ولو كان عدوهم عدواً للإسلام والمسلمين؟!
انظر كيف تتهم المسلمين بالإرهاب مجاراة للإعلام الغربي الذي لا يفرق بين سني وشيعي، وبالتطرف كما يقول الغرب وأعدادها مليئة بذلك.
إن الخرافة الصوفية، وأعظم من ذلك خرافات الروافض التي لا تحصى، وأشد من هذا وذاك مذهب الباطنية الذي لم يتردد حكام اليمن وعلماؤه الزيود في تكفير منتحليه وقتالهم -أصبحت تلك الخرافات مقبولة عند هذه الصحيفة عندما يكون هجوم الجميع على أهل السنة والجماعة، نرجوا الله أن يرد القائمين عليها إلى الصواب، وأن لا يجعل للرافضة عليهم سبيلاً.([37])
لقد حرضت هذه الصحيفة على الدعاة إلى الله كل القوى، حتى صارت مجلة (النور) الإمامية([38]) أرحم منها بأهل السنة، وفتحت صفحاتها لمنكري النسخ في القرآن ومنكري أحاديث الصحيحين، بل للمخالفين للمذهب الزيدي نفسه.
والعجب أنها تحاول الجمع بين خرافة الصوفية والإمامية وعقلانية المعتزلة والزيدية، وذلك شبه مستحيل إن لم يكن مستحيلاً.
إننا ندعو الإخوة القائمين عليها أن يرحموا أنفسهم ويتركوا هذا الشغب على الدعاة إلى الله إن كانوا كما نظن فيهم يعبرون عن مذهب الزيدية في اليمن، أو يعبرون عن الإسلام، وما هو التطرف؟! وما هي الأصولية؟! وما هو الإرهاب الذي يعنيه الغرب؟ هل هو إلا الإسلام فقط؟! ولماذا تدافع الصحيفة عن حزب الله اللبناني وهو إرهابي عند أمريكا؟!! وهل اتفقنا مع الغرب على مصطلح الإرهاب والأصولية والتطرف؟!!!
وأخيراً أذكر الأخوة في الصحيفة بقول الله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم".
6- الخلط في مسألة الصحابة بين الرافضة والزيدية، وطمس معالم المذهب الزيدي فيهم، وهم القائلون بعدم جواز سب الأصحاب، والشيخين بدرجة خاصة.
حتى عندما سئل الشيخ حمود عباس المؤيد نائب مفتي اليمن السابق -أحمد زباره- عن حكم سب الصحابة بمن فيهم أبو بكر وعمر وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنهم- فقال: إنه لا يعلم الحكم. مع وضوح كلام الإمام يحيى بن حمزة في (الرسالة الوازعة)([39]) وآل البيت من قبله في مدح الشيخين، وأن آل البيت لا يطعنون في الصحابة، وأنهم يعتقدون بصحة إمامة الشيخين مع تفضيل علي عليهما، وهذه مميزات الزيدية على غيرهم من الشيعة. فهل صار السيد حمود عباس المؤيد -وهو من أكبر المراجع الزيدية في اليمن- يجهل مذهب جده علي وإماميه الحسن والحسين وإمام مذهبه زيد في الشيخين وفي أمهات المؤمنين حتى يجهل تحريم الطعن فيهم.
وهذا السكوت خطوة خطيرة نحو الرفض، ولم يبق إلا خطوة اللعن والسب للحاق بالإمامية.([40])
يقظة زيدية محموده بعد طول رقاد:
وأخيراً وبعد كل ما حصل من اختراق نتج عنه مظاهر ذكرنا جانباً منها، تنبَّه عدد من العلماء والدعاة والشباب في أوساط الزيدية إلى خطورة الرفض في أوساطهم، وسرعة تأثر بعضهم بذلك فبدءوا ببيان معالم مذهبهم وإظهار مكامن الضعف في مذهب الإمامة. ولنترك أحد هؤلاء الزيدية يحدثنا عن الأمر، حيث يقول: "ولكن منذ فترة قصيرة بدأ الإمامية محاولة جادة في نشر مذهبهم بين صفوف الزيدية في اليمن، وقد نجحوا نجاحاً ملموساً أثره، ولكن محدود الانتشار".([41])
ثم بدأ يوضح حقيقة مذهب الرفض في الحكم على الزيدية، وغيرهم من المسلمين، فقال: "ثم إن غرورهم اقتصر على بعض الجهلة الذي لا يفقهون، ولعلمنا المسبق بأن الإمامية يرون بأن أئمة أهل البيت وشيعتهم من الزيدية، بل كل الأمة الإسلامية كفار... الخ".([42])
وهو بيان تأخر عن وقته، ولكن ذلك أهون من ترك البيان، واسمع إلى ما يعلم الزيدية عن الرافضة "لاسيما حينما يعلم أن الإمامية كانوا من أشد الناس على أهل البيت".([43])
استقر الاتفاق بين الإمامية على كفر وفسق الزيدية ومن معهم من آل البيت وبقية المسلمين... وجاء قول الخوئي إمام الرافضة في العراق في العقود الماضية: "وإن كانوا جميعهم في الحقيقة كافرين، وهم الذين سميناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة".([44])
ويتحدث آخر فيقول -أثناء سرده لما ألف في زيد بن علي -رحمه الله-: "6/ (زيد الشهيد) تأليف عبد الرزاق الموسوي المقرحم وهو كسابقه حاول أن يجعل الإمام زيد من الشيعة الإمامية، ومن عسكر جعفر الصادق، وهذا منطق المعتدلين من الإمامية أما قدماء الإمامية وغلاتهم فقد كفروا زيداً وأتباع زيد، وكل من قال بالخروج على الظالم، واتهموا كل أئمة الزيدية وأفاضل العترة النبوية الذين خالفوهم القول بإمامة الإثنى عشر.([45])
لقد تطاول الرافضة في اليمن - على قلتهم - على علماء الزيدية قديماً وحديثاً أحياءً وأمواتاً، حتى اضطر علماء صعدة للتحذير من اثنين من الشباب وصفا بنقض العهود، وتدريس كتب مخالفة وسب العلماء. وذانك الشابان زيديان، انتحلا الرفض في أوساط الزيدية في صعدة.([46])
وحتى طعن بعض من انتحل الرفض من بني الأكوع - في حوار له مع الشيخ عبد الله صعتر- بالمفتي زبارة والدكتور المرتضى المحطوري الزيديين.
لقد بدأت اليقظة في أوساط الزيدية مؤخراً، ولها مظاهر كثيرة منها:
1- إقامة المراكز العلمية.
2- نشاط مدارس التحفيظ.
3- تدريس الفقه.
4- إقامة الدورات الصيفية.
5- إنشاء المكتبات والتسجيلات الإسلامية.
6- تأليف الكتب لتبيين موقفهم من الفرق.
7- طبع كتب أسلافهم من الزيدية.
8- الرد على الرافضة رداً صريحاً أو مبطناً، وغير ذلك من مظاهر الصحوة الزيدية.
ونأمل أن لا تخترق هذه المحاضن وتلك الأنشطة من الإمامية. فلو فعلوا لملأوا القلوب أحقاداً وحولوها إلى أنشطة للرفض، ومحاضن للغلو، ومراكز فُرقة بين المسلمين.
دعوة الإخوة الزيدية إلى الحوار:
إننا بحكم قربنا من إخواننا الزيود، وبحكم دراستنا لمؤلفات محققيهم، قد تبين لنا أن عندهم صدقاً في الحوار، وبعداً عن التقية والكذب الموجود عند الروافض، لندعوا الإخوة أتباع المذهب الزيدية إلى فتح باب الحوار مع أهل السنة، وفي ذات الوقت أدعوا أهل السنة إلى التفريق بين الزيدية والرافضة في هذا الباب، فعند الزيدية كما أسلفنا صدق في الحوار، وبعد عن التقية، والكذب الذي خدع الروافض به قطاعاً من أهل السنة فترة تزيد على خمسين عاماً بما سمي بدار التقريب في القاهرة، والتي أطلق عليها العلامة محب الدين الخطيب "دار التخريب"، والتي لم يكن من ورائها طائل سوى تقريب بعض أهل السنة نحو الرافضة، مع حصول الروافض على فتاوى من شيخ الأزهر شلتوت -غفر الله له- ومن غيره بصحة التعبد على المذهب الجعفري.
بينما الرافضة لم يتزحزحوا خطوة واحدة عن مذهبهم، وما فتئوا ينشرونه في أوساط أهل السنة، ويصدرون الكتب القاتلة بتحريف القرآن، وتكفير السلف، وتمزيق الصفوف. أما الحوار مع الزيدية فلا خطر منه مع التزام الصراحة، وحصر المسائل المطلوب حلها، خاصة والجميع لا يرى التقية في هذا الموقف.
كما أنني أدعو الجميع إلى البعد عن الغلو، والجرح بدون مبرر، وإلى تحديد المسائل التي ينبغي الحوار حولها، وإلى الابتعاد عن الحكم المسبق، وإلى أن يتعالى الجميع عن أساليب التعالي والتجهيل، وأن يسمو عن الالتفاف الحزبي المهين، وأذكرهم بأن الحوار مشروع حتى مع غير المسلمين "وجادلهم بالتي هي أحسن... "، "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن..."، فمن باب أولى بين المسلمين بعضهم مع البعض الآخر. وذلك حتى تعود الرافضة إلى جحرها بعد هتك سترها.
الإثنى عشرية إلى الزيدية
بين حقيقة الأمس وتقية اليوم
تأليف/ محمد الخَضِر
تقديم الشيخ/ محمد بن محمد المهدي
الطبعة الأولى: 1423هـ
الناشر: مركز الإيمان الخيري للشريط الإسلامي
اليمن / إب
مقدمة لا بد منها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آل بيته وصحابته أجمعين وبعد: فهذه مقدمة كان لا بد أن تكون بين يدي هذا البحث المهم، الذي زبره يراع الأخ/ محمد الخضر -بارك الله فيه- والتي سنسلط فيها الضوء على جملة من الأمور، التي تتعلق بموضوع يهم أبناء هذا البلد، الذي يسعى أتباع الفرقة المنحرفة -وبخاصة الرافضة- إلى غرس مفاهيم تتنافى مع المعتقدات الراسخة والمبادئ التي سار عليها أهل اليمن-سواءً كانوا زيدية أو سنية- من التمسك بالكتاب والسنة.
ذلك أن أصحاب تلك الفرق وجدوا من يتلقاهم بالترحاب من بعض الزيدية، الذين خدعوا بزيف الشعارات التي يرفعها أولئك، كحب آل البيت وغيرها من الشعارات الخادعة، وفات هؤلاء حقيقة نظرة الروافض إليهم قديماً وحديثاً، وهو ما سيتحدث عنه أخونا في رسالته هذه التي نقدم لها.
كما أنه فاتهم حقيقة الصراع بين الفرقتين وبدايته وسببه، وحقيقة نظرة أئمة الزيدية إلى الروافض، وهو ما سنسلط عليه الضوء في هذه المقدمة.
بداية الصراع بين الفريقين:
بدأ الصراع بين جناحين شيعيين، أحدهما غال والآخر معتدل في حكمه على مخالفيه وفي نظرته إلى قضية الإمامة -قياساً على الجناح الآخر المتشدد والموغل في الخرافة- لقد وقع الانشقاق ثم طال الافتراق بعد رفض الإمام زيد -رحمه الله- البراءة من الشيخين -أبي بكر وعمر رضي الله عنهما-عندما اشترط عليه الغلاة شرطاً قاسياً لكيما يجاهدوا معه جيوش هشام بن عبد الملك.([1])
لقد طلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين وما كان لزيد ولا غيره من آل بيت النبوة أن ينسلخوا من حلف رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وصحبه وآله، فجده رسول الله، وجده علي -رضي الله عنه- وآل بيته- رضي الله عنهم- كانوا عنهما راضين ولهما موالين.
فمنذ أن رفضت تلك الفئة الحاقدة على الصحب والآل نصرة زيد، سموا الرافضة، ومنذ مرقت بعد النواصب، بدأت الأحكام تصدر منها على الأمة بالتكفير، ولم يسلم معتدلو الشيعة كالزيدية، بل لم يسلم زيد بن علي بن الحسين -رضي الله عنه- من تكفيرهم.
والكتاب الذي نقدمه يتولى نقل بعض تلك الأحكام الجائرة على الزيدية من الرافضة. فبعد أن فرغ الرافضة من تكفير الأصحاب والأمة كاملة، عادوا نهمين إلى زيد وأتباعه، فحكموا عليهم بصنوف من الأحكام القائمة على الظلم، فهم عندهم نواصب أو شبههم، ونزلوا فيهم النصوص التي ينزلونها على أهل السنة، وهي أدلة لا يجوز إنزالها على المسلمين من السنة والزيدية وغيرهم.
وأسرف الرافضة في الحكم على الزيدية ظلماً وعدواناً بصنوف من الأحكام.حتى أنكروا تشيعهم، وجرحوا رواتهم، ويكفي لجرح الراوي عند الرافضة كونه زيدياً. وحكموا عليهم بالكفر الصريح، حتى قال المجلسي: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم".([2]) وكفروهم مرات؛ لقولهم بصحة الإمامة في غير الإثنى عشري، وكفروا زيداً بخروجه مطالباً بالإمام لنفسه.
وسوف يقف القارئ في هذه الرسالة- التي نقدم لها- على طامات كثيرة من الحكم على الزيدية بشتى صنوف أحكام الظلم والجور من قبل الرافضة، وقد فعلوا ذلك مع أهل السنة وأعظم منه.
وأما كلام علماء الزيدية عبر العصور في الرافضة فأكثر من أن يحصر وسوف يرى القارئ بعض هذه النقولات عن الإمام زيد والهادي والمنصور بالله ويحي بن حمزة والمهدي أحمد بن يحي المرتضى وغيرهم من أئمة آل البيت رحمهم الله.
وأرى -والله أعلم- أن المطلع على كلام الرافضة في هذا الكتاب في الإمام زيد بن علي والزيدية، والناظر في هذه المقدمة على كلام الأئمة الزيدية في الرافضة سيدرك الهوة السحيقة بين المذهبين، وسلامة مذهب الزيدية من كثير من الافتراءات التي نسبت إليه بحجة أن الزيود روافض، وسيدرك بهتان أهل الرفض على المسلمين وفضيحة أتباع ابن سبأ في دعوى أن الخلاف بينهم وبين المذاهب الإسلامية إنما هو في الفروع.
أقوال أئمة الزيدية في الفرق الرافضية:
* كلام الإمام زيد بن علي -رحمه الله- (ت122هـ) في الرافضة:
"اللهم اجعل لعنتك ولعنة آبائي وأجدادي ولعنتي على هؤلاء القوم الذين رفضوني وخرجوا من بيعتي كما رفض أهل حروراء علي بن أبي طالب -عليه السلام- حتى حاربوه".([3])
والسبب في هذا اللعن هو أنهم طلبوا منه أن يتبرأ من أبي بكر وعمر فأبى ذلك فرضوه، فقال: "أنتم الرافضة، وقال: الرافضة مرقوا علينا".([4])
* كلام القاسم بن إبراهيم (ت 246هـ):
قال -رحمه الله- في معرض رده على الرافضة بشأن الوصية والأوصياء: "... وما قالت به الرافضة من هذا فقد تعلم أن كثيراً منها لم يقصد فيه لما قصد، أو يعتقد من الشرك بالله في قوله به ما اعتقد، إلا وأن كل ما قالوا به في الله، أشرك الشرك بالله، فنعوذ بالله من الشرك في ربوبيته، والجهل بما تفرد به من وحدانيته هذا، إلا ما أتوا به من الضلال، بقولهم في الوصية، وما أعظموا على الله ورسوله في ذلك من الدعوى والفرية، التي ليس بها في العقول حجة ولا برهان، ولم ينزل بها من الله وحي ولا فرقان. وما قالت به الرافضة من الأوصياء من هذه المقالة، فهو قول فرقة كافرة من أهل الهند يقال لهم البرهمية... ".([5])
* كلام الهادي يحيى بن الحسين (ت 298هـ):
أما كلام الإمام يحيى بن الحسين - الملقب بـ(الهادي)، وناشر المذهب الهادوي الزيدي في اليمن آخر القرن الثالث - فهو كثير وطويل في الرافضة إلى حد الحكم عليهم بالكفر والمروق واتباع الشهوات وأنهم حزب الشيطان.
فقد قال في مسألة من طلق ثلاثاً معاً، ومن طلق على غير السنة: إن طلاقه يقع بلا خلاف، ثم قال: "ثم اختلفوا في معنى الطلاق وكيفيته، فقالت شرذمة مخالفة للحق في كل المعاني من الكتاب والسنة، وهي هذه الإمامية الرافضة: من طلق زوجته على غير طهر من غير جماع، أو طلق ثلاثاً معاً؛ لم يكن ذلك طلاقاً، وكانت زوجته على حالهاً".([6])
وقال: "ولا أعلم أحداً يخالف ما روي وقيل به من ذلك غير هذا الحزب حزب الشيطان، الخاسر الهالك (الرافضة) عند الله، الجائز، المحل للشهوات، المتبع للذات، المبيح للحرمات، الآمر بالفاحشات، الواصف للعبد الذليل بصفة الواحد الجليل". وبعد وصفهم بالتشبيه وإنكار التوحيد وإبطال ما أثبته الله واتباع المثل والفسق قال: "حزب الإمامية الرافضة للحق والمحقين".([7])
والهادي -رحمه الله- يَسِم الرافضة بتعطيل الجهاد، وصدق فلا جهاد عندهم حتى يظهر مهديهم.
"وقول هؤلاء الإمامية الذين عطلوا الجهاد وأظهروا المنكر في البلاد والعباد".([8])
وقال: "وقول هذا الحزب الضال، مما لا يلتفت إليه من المقال لما هم عليه من الكفر والإيغال، والقول بالكذب والفسوق والمحال، فهم على الله ورسوله في كل أمر كاذبون، ولهما في أفعالهما مخالفون، وقد جاهروهما بالعصيان، وتمردوا عليهما بالبغي والطغيان، وأظهروا المنكر والفجور، وأباحوا علانية الفواحش والشرور، وناصبوا الآمرين بالحسنات المنكرين للمنكر والشرارات الأئمة الهادين من أهل بيت الرسول المطهرين.
وهتكوا -يا لهم الويل- الحرمات، وأماطوا الصالحات، وحرضوا على إماتة الحق وإظهار البغي والفسق، وضادوا الكتاب، وجانبوا الصواب، وأباحوا الفروج، وولدوا الكذب والهروج، وفيهم ما حدثني أبي وعماي محمد والحسن عن أبيهم القاسم بن إبراهيم -صلوات الله عليهم أجمعين- عن أبيه عن جده عن إبراهيم بن الحسن عن أبيه عن جده الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبيهم علي بن أبي طالب -عليهم وعليه السلام- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يا علي: يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يعرفون به يقال لهم الرافضة، فإن أدركتهم فاقتلهم، قتلهم الله؛ فإنهم مشركون)".([9])
وقال في تحريم المتعة في النكاح من كتابه (الأحكام):
"وأبطل الإمامية المستحلون للمتعة ذلك كله، وردوا كتاب الله سبحانه رداً، وعاندوا الله في حكمه عناداً، وقالوا شرط الإنسان أوجب من حكم الرحمن. فأبطلوا الأنساب بين الوالد والولد، والمواريث بينهما. وقالوا: لا يتوارث الوالد والولد، فأبطلوا بذلك حكم الواحد الأحد الصمد، ثم قالوا: لا تورث زوجة من زوجها إن نزل به موت، ولا يورث زوج من زوجته إن نزل بها موت. ولا يلزمها عدة تعتدها من ماء زوجها، كما حكم الله بذلك عليها، فنقضوا الكتاب، وخالفوا في كل الأسباب، فأحلوا ما حرمه الله، وحرموا ما أحله".([10])
وقال في بيان معتقده في رسالة بعثها إلى صنعاء: "وإلى الله أبرأ من كل ثنوي رافضي غوي، ومن كل حروري ناصبي، ومن كل معتزلي غال، ومن جميع الفرق الشاذة، ونعوذ بالله من كل مقالة غالية، ولا بد من فرقة ناجية، وهذه الفرق كلها عندي حجتهم داحضة".([11])
والحق أن الهادي -رحمه الله- أقوى وأصرح في الحكم على الرافضة - من أتباعه - بالمروق.
فهم -كما يرى- مستحلون الحرمات، كافرون، مشركون، خارجون على أئمة أهل البيت، مساعدون مناصرون لأئمة الجور، معطلون للجهاد، مفسدون في البلاد.
وهنا أُذَكِّر كل أخ زيدي خدعة الروافض بأساليب تقيتهم ومكرهم أن يراجع نفسه، ويعرف حقيقة أتباع (ابن سبأ) كما عرفهم الهادي -رحمه الله.
* كلام المنصور بالله عبد الله بن حمزة (ت 614هـ):
أما العلامة عبد الله بن حمزة فهو أطول نفساً من غيره في تضييق الخناق على الرافضة، فقد رد عليهم بالمئات من الصفحات، وناقش كل أباطيلهم وترهاتهم، وفند أساطير أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي([12]) وربطهم به.
وأبطل ادعاءهم بورود النص لتعيين أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- أميراً([13])، وفند أدلتهم في دعوى عصمة الأئمة الإثنى عشر.([14])
وكتاب "المجموع المنصوري" رقم (1) وهو يربوا على (400) صفحة كله يدور حول شذوذهم وانحرافهم، ورد ذلك بعلم وعقل، فقد أبان انحرافاتهم في شتى مسائلهم، ومنها:
دعوى الإمامة وحصرها في اثني عشر إماماً([15])، ودعوى العصمة([16])، ودعوى علم الغيب للأئمة([17])، ودعوى وجود مهدي في السرداب([18])، والتقية([19])، والبداء([20])، وزندقتهم في دعوى تحريف القرآن([21])، وتحريف معاني القرآن في تفاسير بعضهم، وبيان تناقضهم([22])، وغير ذلك.
ومما قاله في الرد على قولهم بالرجعة:
"وأما ما ذهبوا إليه من الرجعة فمما لا دليل عليه، ولا يجوز لمسلم اعتقاده، ولا يجدون عليه دليلاً يوصل إلى العلم، وأما الدليل على بطلانه فلأن المعلوم من دين النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن من مات فميعاده يوم البعث ولا حياة قبله إلا ما وردت به الآثار في عذاب القبر، فحكم ذلك حكم الآخرة، فإن المعلوم ضرورة من دين النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- خلاف ما ذهب إليه القوم في هذه المسألة، فلتحق بالكفريات، ويبعد أن يكون خلافاً بين أهل الإسلام".([23])
وقال في نفي نسبة تحريف القرآن إلى آل البيت:
"فإنهم رووا عن أهل البيت -عليهم السلام- الذين ادعوا أنهم أئمة سابقون، وأهل البيت -عليهم السلام- لذلك نافون، كما قدمنا أشياء تدل على التشبيه الذي نزههم الله عنه، وأشياء تدل على أنهم فسروا كتاب الله بما لا يوافق تحقيقه اللسان العربي، ولا بمجازه، ومثل ذلك يعجز العادلين عن الله، والمحرفين لكتابه، وإلى (مثل ذلك) ذهبت الباطنية الملاحدة، وكفّرها بذلك جميع الزيدية، وكافة الأمة".([24])
ثم ذكر نماذج من التحريف لمعاني القرآن الكريم عندهم فقال:
"قد صنف التريقي تفسيراً سماه كتاب (التحريف والتنزيل)، فكل ما في القرآن من ذكر الظالمين جعله على ظالمي آل محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- وكل خير جعله الولاية، وكل شر جعله أبا بكر وعمر إلا القليل. وكذلك في (نوادر الحكمة) لأبي جعفر القمي.
وما ينسب إلى رواية الجعابي يرويه بإسناده إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر -عليه السلام- وهذا التفسير الذي زعموا أنه يرويه المهلبي في قول الله تعالى: (فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون)، قال: نزلت في علي يوم بدر.
"ادخلوا هذه القرية" قال: يريد ولاية علي. "وإذا أخذنا ميثاقكم" قالوا أبو جعفر: هي الولاية. "ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة" قال: قد دعوناكم إلى ما دعاكم إليه الرسول، ورفعنا فوقكم العذاب لننظر طاعتكم، فإن لم يفعلوا قذفنا - يعني أمير المؤمنين - عليكم. "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً" يطيع غير علي. "قال عفريت من الجن" قال: عمر... الخ.
ثم رد عليهم وعلى تفاسيرهم التي تعني التحريف فقال:
"وهذا قليل من كثير مما هو مجود في تفاسيرهم المنسوبة إلى الأئمة -عليهم السلام-. والله تعالى ينزههم من هذه الأقوال الواهية، والترهات المتلاشية، فكيف يطعن في التفاسير المروية عن العلماء، المصححة بالأدلة، ويوجب الرجوع إلى التفاسير التي يضيفونها إلى الأئمة -عليهم السلام- ومعاذ الله أن تكون هذه أقوال أئمة الهدى ومصابيح الدجى".([25])
وعند الكلام على المهدي في عدة مواضع من كتابه أثبت خروجه في آخر الزمان من الأحاديث الواردة في السنة، وأنه سيأتي، وأنه يختلف عن مهدي الرافضة بالأوصاف، وأنه لا مكان له يعلم، كما يدعي الروافض، وهذا المسلك نفس مسلك أهل السنة في ظهور المهدي، ولكن دون تحديد زمن معين لخروجه، وهذا المهدي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، بخلاف مهدي الرافضة الذي يعيد الله له الصحابة ونساء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليقتلهم، والذي يهدم الكعبة، ويحكم بحكم داود -كما زعموا- وكلام المنصور بالله لا يختلف كثيراً عن كلام عامة أهل السنة في خروج المهدي آخر الزمان.([26])
* كلام الإمام يحيى بن حمزة (ت 749هـ) -رحمه الله-:
قال الإمام يحيى بن حمزة: "اعلم أن الناس مختلفون في حكم من خالف هذه النصوص الواردة على مذاهب خمسة أولها: من قال: إن قصد الرسول -صلى الله عليه وسلم- معلوم بالضرورة فالمخالف فيها يكفر، هذا رأي الإمامية والروافض".
ثم ذكر الأربعة الأقوال الأخرى، وبعضها أكثر رداءة من بعض، ثم قال: "فهذه الفرق كما ترى مختلفون في أمر الخلفاء، والذي يقضي به الشرع عندنا، ونحب أن نلقى الله تعالى عليه، ونأمر من وقف على كتابنا هذا، وهو طريق السلامة لكل منصف هو أن مخالفتهم لهذه النصوص، وإن كانت قاطعة لا توجب في حقهم كفراً ولا فسقاً ولا خروجاً عن الدين، ولا توجب قطع الموالاة، فإن إسلامهم صحيح، ويدل على صحة ما اخترناه في ذلك -وهو الذي عليه أكابر أهل البيت والمخلصين في أتباعهم وشيعتهم- مسالك".([27])
ثم ذكر مسالك تبرز اختياره لهذا المذهب الأسلم في أوساط الشيعة خلاصتها:
الأول: أن التكفير والتفسيق لا يكون إلا بدلالة قاطعة، والإجماع منعقد على ذلك، ولم يقم هنا برهان شرعي على ذلك التكفير والتفسيق.
الثاني: أننا نعلم بالقطع والضرورة صحة ديانتهم وسلامة إيمانهم واستقامته على الدين، ومحبتهم لله ورسوله وموالاتهم ونصرتهم.
الثالث: ما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- من الثناء عليهم وتبشيرهم بالجنة.
الرابع: ما كان في ثناء أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- عليهم، وزجر من تكلم فيه، ثم إن آل البيت من الحسن والحسين وزين العابدين وزيد والباقر والصادق وغيرهم لا يحصون كانوا يثنون عليهم.([28])
ثم قال الإمام يحيى مبيناً المراد الذي لأجله ذكر ما سبق فقال:
الغرض الأول: أن يعلم أمير المؤمنين وأكابر أهل البيت السابقين منهم والمقتصدين غير قائلين في أحد من الصحابة بكفر ولا فسق، مع مخالفتهم لهذه النصوص القاطعة، وأن مخالفتهم تقطع موالاتهم ولا تبطلها.
الغرض الثاني: أن يكون الناظر على فقه من أمره، وبصيرة من دينه في الإقدام على التكفير والتفسيق من غير بصيرة، فإن الخطأ في مثل هذا عظيم والإثم فيه كبير.
قال المؤيد بالله -عليه السلام-: ولو قيل لأحد من مدعي التكفير والتفسيق في حقهما أرني أحداً من أئمتنا أنه تبرأ من الشيخين لم يمكنه ذلك أصلاً ولا وجد إليه سبيلاً، فضلاً عن القول بالكفر والفسق.
(فحصل) من هذه الروايات التي نقلناها عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعن أمير المؤمنين وأولاده السابقين التولي والمحبة للصحابة -رضي الله عنهم-، وأن أحداً من أهل البيت لم ينقل عنهم بتكفير ولا تفسيق لهم -أي الشيخين- وهذا هو الأوثق من حال الأئمة السابقين أهل الآراء الصائبة، والأذهان الثاقبة، ثم إن لهم بعد القطع بعدم التكفير والتفسيق مذهبين.
الأول: من صرح منهم بالترحم والترضية عليهم، وهذا هو الأشهر من أمير المؤمنين كما حكيناه، ومن زيد بن علي، وجعفر الصادق، والناصر للحق، والسيد المؤيد وغيرهم -وهذا هو المختار عندنا ونرتضيه لأنفسنا مذهباً، ودللنا عليه، وهو أنا ذكرنا أن إسلامهم مقطوع به لا محالة، وإيمانهم، وعروض ما عرض من مخالفة النصوص ليس فيه إلا مجرد أنه خطأ في النص، فأما أن يكون هذا الخطأ كفراً وفسقاً فلم تقم عليه دلالة ولا برهان، فإن قيل: فأنتم تقطعون بأن هذا الخطأ كبيرة، أو تقطعون بكونه صغيرة، أو توجبون التوقف فيه، قلنا: المعاصي ثلاثة أوجه منها:
ما دل عليه الشرع بكونه كبيراً، وهذه هي المعاصي التي عليها الحدود. ومنها: ما لم يرد الشرع فيه بكونه صغيراً ولا كبيراً، فما هذه حالة يقطع بكونه خطأ ولا يقطع بكونه كفراً ولا فسقاً، ثم ما هذا حاله فإنه لا يقطع الموالاة ولا يطرق خللاً في أصل الدين والإسلام، بل الموالاة واجبة مع القطع بكونه خطأ... الخ.
الثاني: وذكر بعد ذلك مذهب من توقف عن الترضي والدعاء للخلفاء، وكذا من نهى عن تكفيرهم وتفسيقهم ونسب هذا المذهب إلى الهادي.([29])
وكلام الإمام طويل ومتين ويدل على ورع وعلى تبحر في العلوم الشرعية والعقلية، وقد عرفت عنه العدالة في حكمه.
وكلامه وهو الإمام الذي قل فن من الفنون إلا وصنف فيه في الرد على الرافضة، والجارودية، وغيرهما من الفرق ينأى بالمذهب الزيدي وآل البيت من تلك الأكاذيب المنسوبة إلى آل البيت من اللعن والتكفير لخيرة الأصحاب.
ولسنا معه -رحمه الله- في قطعية النصوص على إمامة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وكذلك لا صراحة في النصوص في اختيار أبي بكر -رضي الله عنه- وإنما اختاره المسلمون إماماً لهم.
فالإمام ابن حمزة أعرض صفحاً عن مذهب الرافضة في الأصحاب، والجارودية وغيرهما، وأخذ بمذهب آبائه الكرام، وصاحب البيت أدرى بما فيه.
* كلام مجد الدين المؤيدي (معاصر):
قال وهو يشرح خروج الإمام زيد بن علي بن الحسين على الأمويين: "ولم يفارقه إلا هذه الفرقة الرافضة التي ورد الخبر الشريف بضلالها".([30])
وقال: "فإن الأمة أجمعت على أن الرافضة هم الفرقة الناكثة على الإمام زيد بن علي".
وقال: "واقتدت هذه الفرق بسلفها المارقة الحرورية".([31])
أما كلام مجتهدي الزيدية من القدماء والمعاصرين فطويل جداً حول الرافضة والجارودية وانحرافهما.
وهناك آخرون من العلماء ردوا على الرافضة كابن الوزير، والأمير الصنعاني، والشوكاني، وغيرهم، ويكفي كتاب محمد بن إبراهيم الوزير (العواصم) ومختصره (الروض الباسم). وأما الصنعاني الأمير فكلامه مبثوث في نثره وشعره وفي رسائله؛ وهما من آل بيت النبوة. وأما الشوكاني فكلامه طويل الذيول، ولو لم يكن له إلا (إرشاد الغبي إلى مذهب آل البيت في صحب النبي) لكفى.
وكم في الزيدية عبر التاريخ من محطمين للرفض والجارودية،كيحيى بن الحسين بن القاسم في مؤلفاته، مثل الرد على الإمامية، والرد على من زعم أن القرآن ذهب بعضه، والإمام المرتضى محمد بن الهادي يحيى بن الحسين الذي ألف كتاباً سماه (الرد على الرافضة)، و(روضة المشتاق فيما بين الزيدية والإثنى عشرية من الافتراق) لأبي القاسم الحميري، و(الرد على الرافضة من أصحاب الغلو) للإمام القاسم الرسي، و(الرد على الرافضة) للإمام القاسم العياني، و(الصراط المستقيم في تمييز الصحيح من السقيم) و(الفوارق بين الزيدية والإثنى عشرية) لجعفر بن عبد السلام، و(صيانة العقيدة والنظر عن سبر صحابة سيد البشر) لأحمد السباعي.([32])
وأما المعاصرون: كأحمد سلامة، ويحيى الفسيل، وحمود الذارحي، والقاضي محمد بن إسماعيل العمراني، والقاضيين محمد وإسماعيل ولدي علي الأكوع، والدكتور عبد الوهاب الديلمي، وغيرهم، فكلامهم في متناول اليد، وهؤلاء الأصل فيهم أنهم زيود، ولكن خرجوا عن دائرة التعصب، وعرفوا خطر المذهب الإمامي الإثنى عشري، واتبعوا ما عرفوا من الدليل. وعلى هذا فالزيدية مجمعون على ذم الرفض إلا من ابتلي منهم، فهو المدافع عنه.
وأكتفي هنا بنقل جزء من كلام المقبلي -رحمه الله- يكشف فيه عن خبث الرافضة وتسامح الزيدية، وعليه فقس جميع المجتهدين من الزيدية.
قال -رحمه الله-: "رجعنا إلى ذكر الرافضة، قال الإمام الأعظم زيد بن علي: "الرافضة حربي وحرب أبي في الدنيا والآخرة، مرقت الرافضة علينا كما مرقت الخوارج على علي".
ثم رأيناهم إذا وفد إمامي على هذه الدولة المباركة في اليمن الآن هشوا إليه، وأجهشوا وعشعشوا، وانتعشوا، وقلت للخطيب - المشار إليه في خطبة هذه الأبحاث؛ لأنه الذي استقر عليه أساس ذلك المعنى فيما لغيره من المغنى- أراكم يفد على هذه الدولة المباركة الرجل من الإمامية، فكأنما وفد عليكم ملك، ومن أصولهم البراءة منكم ومن سائر الفرق الإسلامية، المنكرين للنص على أئمتهم؛ لأنهم أنكروا ما علم من الدين ضرورة بزعمهم، وأن أئمتكم من زيد بن علي إلى يومنا هذا رؤساء الضلال والكفر -صانهم الله تعالى- ويسمون من خالفهم كافراً ومنافقاً. وإذا جاءكم الرجل من أهل المذاهب الأربعة، فكأنما رأيتم شيطاناً، ومن أصولهم وأمهات المسائل عندهم ألا يكفّر أن من أهل القبلة، فأخبرني ما هذا؟ فما وجد من الجواب إلا أن قال: الإمامية لم يشتغلوا بنا ولا بأذيتنا، وهؤلاء يرمونا بالابتداع. فقلت: أيهما أعظم الرمي بالبدعة مع الشهادة لكم بالإسلام أم الرمي بالكفر واستحلال دمائكم وسبي نسائكم وأبنائكم واغتنام أموالكم؟ فألجم.
ثم قال: ولقد يسري داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار حتى تظهر جماعة مذهب الإمامية وهو تكفير الصحابة ومن تولاهم -صانهم الله- وانتموا إلى بعض أولاد الدولة؛ لأنه لا اعتراض عليه، وترى ذلك هيناً عند مدعي الفضل، وما هو بهين -والله- بل تراهم من ذَكَر الصحابة عندهم بخير، وإن لم يتظاهروا بكراهيته، يلوح عليهم ذلك كما يفعله مقابلهم من سائر المذاهب في حق أهل البيت -عليهم السلام- فإن الشيطان وجدها فرصة إلى التفريق بينهم، ونقَّص فضلاء الأمة من الصحابة والقرابة، حتى قل الجمع بينهم بخالص الولاء، وهذا في الفضلاء، وأما الحمقى فيصرحون، ويجعلون النصب تولي الصحابة، كما جعل أولئك الرفض تولي أهل البيت" ا.هـ كلام المقبلي -رحمه الله- في ص(106) من (العلم الشامخ).
تعليق على كلام المقبلي:
1- يذكّر كلامه بالعداء التاريخي بين الزيدية والرافضة من أيام الإمام زيد ومن بعده من آل البيت، فقد ذكر بقول الإمام زيد في الرافضة: الرافضة حربي وحرب أبي في الدنيا والآخرة وأن الرافضة كالخوارج في المروق.
2- وضوح منهج الرافضة في الحكم على الإمام زيد وأتباعه أنهم من أئمة الكفر والضلال.
3- تعاطف بعض الزيدية مع الإمامية، ولعل هؤلاء المتعاطفين من الزيدية ممن مردوا على الجارودية والرفض، لا ممن سار على منهج زيد -رحمه الله. وقد وجد من وقع في الرفض من أدعياء الزيدية قوم لهم في العلم والأدب نصيب، كالقاضي أحمد المسوري، والحسن الهبل، والمخلافي، ويحيى بن الحسين بن المؤيد، ومحمد بن صالح السماوي الملقب بابن حريوه.
4- إن جواب الزيدية المتعاطفين مع الإمامية أن الرافضة لم يصيبوهم بأذى، وإنما الأذى من غيرهم هي تقية من الرافضة لسحب البساط من تحت المسلمين سنة وزيدية.
وهذا وللأسف هو جواب بعض الزيدية اليوم، تغافلاً أن الرافضة يكذبون تديناً، ولكن مذهبهم هو هدم المذهب الزيدي والسني، ولأن هناك من أهل السنة من يرد على الزيدية مع عدم شكه في إسلامهم.
وجواب المقبلي قديماً هو جوابنا حديثاً أن الرافضة يكفرون الزيدية وأهل السنة يحكمون لهم بالإسلام وإن انتقدوهم في مسائل.
5- أن داء الرفض إذا أصاب عبداً لا يكاد يطيق سماع الأصحاب إلا وغشي عليه.
6- وكذلك النواصب إذا ذكر لهم أهل البيت امتعصوا ودارت عليهم الدوائر.
7- ومذهب الفريقين حمق وفضاضة، فقد قنع الجهال وهم الروافض أن ولاء الأصحاب نصب، كما فهم النواصب أن ولاء آل البيت رفض، والحق هو ولاء الصحابة والقرابة -رضي الله عنهم أجمعين-
رقدة زيدية ودهاء رافضي:
وعلى الرغم مما سبق بيانه إلا أن الروافض استطاعوا اختراق الصف الزيدي على حين غفلة من أهل السنة والزيدية في اليمن واشتغال الناس بمعاشهم، وما بقي من وقت عند الصادقين منهم صرفوه في مواجهة الشيوعية والمخربين وصنوف المشككين في الشريعة، ثم تعليم الأمة أمور دينها. استغل الرافضة أسلوب الخداع عندهم "التقية" والطيب عند الآخرين فما أن نجحت ثورتهم حتى أخذوا يصدرون خرافاتهم إلى الآفاق باسم الثورة الإسلامية.
والحق أنه تأثر بها بعض أهل السنة فضلاً عن الزيدية.فقد اختلطت الأوراق في الأوساط الزيدية وعلى مستوى كثير من الأسر الهاشمية، فصار مفهوماً عند البعض أن هناك تلازماً بين حب الآل وبغض الأصحاب، وأن التشيع ليس فيه أقل من سب الأصحاب وبغض أهل السنة والمسلمين عموماً.
واستغلت هذه الغفلة سفارات الدولة المصدرة لثورتها وملحقاتها الثقافية ومراكزها الطبية في عدة دول، واستغلت المحتاجين فساعدتهم واستدعت الطلاب إلى جامعاتها وحوزاتها، ودرستهم مذهبها. واستغل أئمة الرفض في أكثر من بلد من عرب وعجم شباب الزيدية المهاجرين، فعادوا من رحلاتهم من تلك الديار كالعراق ولبنان، بل وفي أمريكا وأوروبا داعين إلى ولاية الفقيه والإثنى عشر والعصمة لهم والتقية... الخ تلك الضلالات، وهي مصطلحات غريبة عن الفكر الزيدي فضلاً عن الكفر السُّني.
لقد نجح ذلك الاختراق نجاحاً ملموساً أثره باعتراف الزيدية أنفسهم.([33]) وتجلى ذلك الاختراق في مظاهر متعددة في أوساط الزيدية، وللأسف ومنها:
1- تفشي الغلو في سب الصحابة والسلف، وقد أشار قديماً إلى هذا المقبلي في (العلم الشامخ)، وأما حالاً فهناك غلو عجيب في جرح الصحابة والسلف.
2- دعوى حصر الإمامة في الإثنى عشر، ونسف التاريخ الزيدي في الإمامة، وإلغائه تماماً.
3- إنكار قصة عبد الله بن سبأ في أوساط الزيدية، اتباعاً لمنكريها من الرافضة، ومن نحى نحوهم، مع أنها ذكرت في مصادر أهل السنة والزيدية والإمامية، وما ذلك إلا عندما شعر الرافضة بأن عبد الله بن سبأ هو قدوتهم، وبئس القدوة، فقام المتأخرون منهم ينكرون ما أثبته المتقدمون، فتأثر بعض الزيدية([34]) بذلك، فأنكروا وجود عبد الله بن سبأ اليهودي.
4- إنكار دفاع الإمام زيد عن الشيخين حتى حكم بعض الكتاب الزيود على القصة التي وردت في ذلك بالوضع.([35])
5- التمجيد الزائد لأئمة الرفض قديماً وحديثاً من آيات الكيد والمكر المدعوين بآيات الله، والثناء المستمر على الخميني الذي لا شك في تكفيره للمسلمين من السنة والزيدية كغيره من أئمة الرفض، ويكفي في ذلك الرجوع إلى كتابه (الأربعون حديثاً)، الذي ذكر فيه أن الإيمان بإمامة الإثنى عشر شرط في قبول الإيمان حيث يقول: "والأخبار في هذا الموضوع، وبهذا المضمون كثير، ويستفاد من مجموعها أن ولاية أهل البيت -عليهم السلام- شرط في قبول الأعمال عند الله، بل هو شرط في قبول الإيمان بالله والرسول الأكرم. ولا يستفاد كونها شرطاً في صحة الأعمال. كما يستفاد ذلك من الروايات المذكورة في باب عدم وجوب قضاء المخالف عبادته إذا استبصر. عن أبي عبد الله -عليه السلام- في حديث قال: "كل عمل عمله وهو في حالة نصبه وضلالته، ثم من الله عليه وعرف الولاية، فإنه يؤخر عليه إلا الزكاة فإنها يعيدها؛ لأنه وضعها في غير موضعها؛ لأنها لأهل الولاية، وأما الصلاة والحج والصيام، فليس عليه قضاء".
وفي رواية أخرى عن محمد بن حكيم قال: "كنت عند أبي عبد الله -عليه السلام- إذ دخل عليه كوفيان كانا زيديين فقالا: إنا كنا نقول بقول وإن الله منّ علينا بولايتك فهل يقبل منا شيئاً من أعمالنا فقال أما الصلاة والصوم والصدقة، فإن الله يتبعكما ذلك، ويحلق بكما، وأما الزكاة فلا؛ لأنكما أبعدتما حق امرئ مسلم وأعطيتماه غيره"([36])، والشاهد اشتراط الإيمان بالإثنى عشر في قبول العمل، والزيدية والسنة يرون صحة الإمامة في غير الإثنى عشر فما حكم أعمالهم الصالحة. وليس هذا فحسب بل الإيمان بالإثنى عشر شرط عندهم لقبول الإيمان، ويعني هذا عدم صحة الإيمان بغير الإثنى عشر، وفي خبرهم الثاني رجوع رجلين زيديين عن اعتقاد إمامة الإمام زيد -رحمه الله- هذا هو حكم الخميني في الزيدية وفي غيرهم.
والحقيقة أن نظرة أئمة الرافضة إلى الزيدية في هذا العصر لا تختلف عن نظرة غلاتهم وقدمائهم، وليس الخميني هو المنفرد بذلك من المعاصرين، بل يشاركه علماؤهم وآياتهم فها هو "المولى الحاج ميرزا عبد الرسول الأحقاقي الحائري -دام ظله العالي-" يقول في (أحكام الشريعة -المجلد الأول في العبادات- الطبعة الثانية، لجنة النشر والتوزيع، جامع الإمام الصادق -عليه السلام-، دولة الكويت ص(223): "الغسل: مسألة (1127): يجب على المسلمين سيما على من هو أولى بالميراث كفاية تغسيل المؤمن الإثنى عشري، ومن بحكمه من الأطفال والمجانين.
مسألة (1128): ليس على المسلمين تغسيل الكفار بجميع أقسامهم ومنهم الغلاة والنواصب.
مسألة (1129): المخالف وسائر الفرق الباطلة من الشيعة كالزيدية والواقفية والفطحية والكيسانية وغيرهم فهم كالكفار، لكن الأحوط وجوب غسلهم".
وها هو "الحاج ميرزا حسن الحائري الأحقاقي -دام ظله العالي-" يقول في (أحكام الشيعة- المجلد الأول- الجزء الأول والثاني في العبادات، لجنة النشر والتوزيع، جامع الإمام الصادق -عليه السلام-، دولة الكويت ص(181)) نفس الكلام السابق إلا أنه قال عن الفرق المخالفة الذي عدده صاحبه "... فالأظهر أنهم كالكفار... ".
6- انحدار الصحيفة المعبرة عنهم إلى حضيض الإسفاف في الهجوم الذي لا يشبهه إلا هجوم الرافضة على علماء المسلمين، ومصادرهم كـ (الصحيحين) وغيرهما. وهذه الصحيفة لو دعت إلى منهج الزيدية لقلنا معبرة عن المذهب، أما أن تتفق مع الرافضة ومع العلمانية ومع الصوفية بل ومع الباطنية في وقت واحد في عداء أهل السنة والجماعة فغير مفهوم لدينا.
فهل صار هذا هو المذهب الزيدي العقلاني الخارج على الظلمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟!
هل صار عند إخواننا الحكم المسبق أن يتفقوا دائماً في مواجهة إخوانهم أهل السنة، ولو كان عدوهم عدواً للإسلام والمسلمين؟!
انظر كيف تتهم المسلمين بالإرهاب مجاراة للإعلام الغربي الذي لا يفرق بين سني وشيعي، وبالتطرف كما يقول الغرب وأعدادها مليئة بذلك.
إن الخرافة الصوفية، وأعظم من ذلك خرافات الروافض التي لا تحصى، وأشد من هذا وذاك مذهب الباطنية الذي لم يتردد حكام اليمن وعلماؤه الزيود في تكفير منتحليه وقتالهم -أصبحت تلك الخرافات مقبولة عند هذه الصحيفة عندما يكون هجوم الجميع على أهل السنة والجماعة، نرجوا الله أن يرد القائمين عليها إلى الصواب، وأن لا يجعل للرافضة عليهم سبيلاً.([37])
لقد حرضت هذه الصحيفة على الدعاة إلى الله كل القوى، حتى صارت مجلة (النور) الإمامية([38]) أرحم منها بأهل السنة، وفتحت صفحاتها لمنكري النسخ في القرآن ومنكري أحاديث الصحيحين، بل للمخالفين للمذهب الزيدي نفسه.
والعجب أنها تحاول الجمع بين خرافة الصوفية والإمامية وعقلانية المعتزلة والزيدية، وذلك شبه مستحيل إن لم يكن مستحيلاً.
إننا ندعو الإخوة القائمين عليها أن يرحموا أنفسهم ويتركوا هذا الشغب على الدعاة إلى الله إن كانوا كما نظن فيهم يعبرون عن مذهب الزيدية في اليمن، أو يعبرون عن الإسلام، وما هو التطرف؟! وما هي الأصولية؟! وما هو الإرهاب الذي يعنيه الغرب؟ هل هو إلا الإسلام فقط؟! ولماذا تدافع الصحيفة عن حزب الله اللبناني وهو إرهابي عند أمريكا؟!! وهل اتفقنا مع الغرب على مصطلح الإرهاب والأصولية والتطرف؟!!!
وأخيراً أذكر الأخوة في الصحيفة بقول الله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم".
6- الخلط في مسألة الصحابة بين الرافضة والزيدية، وطمس معالم المذهب الزيدي فيهم، وهم القائلون بعدم جواز سب الأصحاب، والشيخين بدرجة خاصة.
حتى عندما سئل الشيخ حمود عباس المؤيد نائب مفتي اليمن السابق -أحمد زباره- عن حكم سب الصحابة بمن فيهم أبو بكر وعمر وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنهم- فقال: إنه لا يعلم الحكم. مع وضوح كلام الإمام يحيى بن حمزة في (الرسالة الوازعة)([39]) وآل البيت من قبله في مدح الشيخين، وأن آل البيت لا يطعنون في الصحابة، وأنهم يعتقدون بصحة إمامة الشيخين مع تفضيل علي عليهما، وهذه مميزات الزيدية على غيرهم من الشيعة. فهل صار السيد حمود عباس المؤيد -وهو من أكبر المراجع الزيدية في اليمن- يجهل مذهب جده علي وإماميه الحسن والحسين وإمام مذهبه زيد في الشيخين وفي أمهات المؤمنين حتى يجهل تحريم الطعن فيهم.
وهذا السكوت خطوة خطيرة نحو الرفض، ولم يبق إلا خطوة اللعن والسب للحاق بالإمامية.([40])
يقظة زيدية محموده بعد طول رقاد:
وأخيراً وبعد كل ما حصل من اختراق نتج عنه مظاهر ذكرنا جانباً منها، تنبَّه عدد من العلماء والدعاة والشباب في أوساط الزيدية إلى خطورة الرفض في أوساطهم، وسرعة تأثر بعضهم بذلك فبدءوا ببيان معالم مذهبهم وإظهار مكامن الضعف في مذهب الإمامة. ولنترك أحد هؤلاء الزيدية يحدثنا عن الأمر، حيث يقول: "ولكن منذ فترة قصيرة بدأ الإمامية محاولة جادة في نشر مذهبهم بين صفوف الزيدية في اليمن، وقد نجحوا نجاحاً ملموساً أثره، ولكن محدود الانتشار".([41])
ثم بدأ يوضح حقيقة مذهب الرفض في الحكم على الزيدية، وغيرهم من المسلمين، فقال: "ثم إن غرورهم اقتصر على بعض الجهلة الذي لا يفقهون، ولعلمنا المسبق بأن الإمامية يرون بأن أئمة أهل البيت وشيعتهم من الزيدية، بل كل الأمة الإسلامية كفار... الخ".([42])
وهو بيان تأخر عن وقته، ولكن ذلك أهون من ترك البيان، واسمع إلى ما يعلم الزيدية عن الرافضة "لاسيما حينما يعلم أن الإمامية كانوا من أشد الناس على أهل البيت".([43])
استقر الاتفاق بين الإمامية على كفر وفسق الزيدية ومن معهم من آل البيت وبقية المسلمين... وجاء قول الخوئي إمام الرافضة في العراق في العقود الماضية: "وإن كانوا جميعهم في الحقيقة كافرين، وهم الذين سميناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة".([44])
ويتحدث آخر فيقول -أثناء سرده لما ألف في زيد بن علي -رحمه الله-: "6/ (زيد الشهيد) تأليف عبد الرزاق الموسوي المقرحم وهو كسابقه حاول أن يجعل الإمام زيد من الشيعة الإمامية، ومن عسكر جعفر الصادق، وهذا منطق المعتدلين من الإمامية أما قدماء الإمامية وغلاتهم فقد كفروا زيداً وأتباع زيد، وكل من قال بالخروج على الظالم، واتهموا كل أئمة الزيدية وأفاضل العترة النبوية الذين خالفوهم القول بإمامة الإثنى عشر.([45])
لقد تطاول الرافضة في اليمن - على قلتهم - على علماء الزيدية قديماً وحديثاً أحياءً وأمواتاً، حتى اضطر علماء صعدة للتحذير من اثنين من الشباب وصفا بنقض العهود، وتدريس كتب مخالفة وسب العلماء. وذانك الشابان زيديان، انتحلا الرفض في أوساط الزيدية في صعدة.([46])
وحتى طعن بعض من انتحل الرفض من بني الأكوع - في حوار له مع الشيخ عبد الله صعتر- بالمفتي زبارة والدكتور المرتضى المحطوري الزيديين.
لقد بدأت اليقظة في أوساط الزيدية مؤخراً، ولها مظاهر كثيرة منها:
1- إقامة المراكز العلمية.
2- نشاط مدارس التحفيظ.
3- تدريس الفقه.
4- إقامة الدورات الصيفية.
5- إنشاء المكتبات والتسجيلات الإسلامية.
6- تأليف الكتب لتبيين موقفهم من الفرق.
7- طبع كتب أسلافهم من الزيدية.
8- الرد على الرافضة رداً صريحاً أو مبطناً، وغير ذلك من مظاهر الصحوة الزيدية.
ونأمل أن لا تخترق هذه المحاضن وتلك الأنشطة من الإمامية. فلو فعلوا لملأوا القلوب أحقاداً وحولوها إلى أنشطة للرفض، ومحاضن للغلو، ومراكز فُرقة بين المسلمين.
دعوة الإخوة الزيدية إلى الحوار:
إننا بحكم قربنا من إخواننا الزيود، وبحكم دراستنا لمؤلفات محققيهم، قد تبين لنا أن عندهم صدقاً في الحوار، وبعداً عن التقية والكذب الموجود عند الروافض، لندعوا الإخوة أتباع المذهب الزيدية إلى فتح باب الحوار مع أهل السنة، وفي ذات الوقت أدعوا أهل السنة إلى التفريق بين الزيدية والرافضة في هذا الباب، فعند الزيدية كما أسلفنا صدق في الحوار، وبعد عن التقية، والكذب الذي خدع الروافض به قطاعاً من أهل السنة فترة تزيد على خمسين عاماً بما سمي بدار التقريب في القاهرة، والتي أطلق عليها العلامة محب الدين الخطيب "دار التخريب"، والتي لم يكن من ورائها طائل سوى تقريب بعض أهل السنة نحو الرافضة، مع حصول الروافض على فتاوى من شيخ الأزهر شلتوت -غفر الله له- ومن غيره بصحة التعبد على المذهب الجعفري.
بينما الرافضة لم يتزحزحوا خطوة واحدة عن مذهبهم، وما فتئوا ينشرونه في أوساط أهل السنة، ويصدرون الكتب القاتلة بتحريف القرآن، وتكفير السلف، وتمزيق الصفوف. أما الحوار مع الزيدية فلا خطر منه مع التزام الصراحة، وحصر المسائل المطلوب حلها، خاصة والجميع لا يرى التقية في هذا الموقف.
كما أنني أدعو الجميع إلى البعد عن الغلو، والجرح بدون مبرر، وإلى تحديد المسائل التي ينبغي الحوار حولها، وإلى الابتعاد عن الحكم المسبق، وإلى أن يتعالى الجميع عن أساليب التعالي والتجهيل، وأن يسمو عن الالتفاف الحزبي المهين، وأذكرهم بأن الحوار مشروع حتى مع غير المسلمين "وجادلهم بالتي هي أحسن... "، "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن..."، فمن باب أولى بين المسلمين بعضهم مع البعض الآخر. وذلك حتى تعود الرافضة إلى جحرها بعد هتك سترها.