شرم برم
11 Aug 2009, 07:31 AM
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد و آله وصحبه , أليكم آخوني هذا المبحث الخفيف اللطيف في مسائل حول القبور قام بكتابته بعض الأخوان فجزاه الله خير الجزاء وقد قمنا بإضافة إليه بعض المسائل التي يحتاج المبحث إليها و التي لا يستغني عنها وقد حاولنا فيه الاختصار الشديد ونسأل الله أن ينفع به ويشفي غليل كل من قام بإثارة هذه المسائل ونسال الله القبول والدعاء من الأخوان و جزاء الله الجميع خير الجزاء .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله واله وصحبه ومن والاه ..أما بعد : فأليك أيها الأخ الباحث عن الحقيقة الراغب في سلوك خير طريقة الصادق في اللحوق بخير الخليقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذا المبحث اللطيف حول بعض المسائل التي تثار حول زيارة القبور ليتضح الحق ويتبين السبيل .
الحكمة من زيارة القبور:- اعلم أن لزيارة القبور حكم عظيمة ومقاصد سامية من أهمها :-
• تذكر الآخرة كما دل عليه الحديث .
• الزهد في الدنيا .
• وكونها موضعا لاستجابة الدعاء .
• وكونها موضعا للدعاء للموتى واستنزال الرحمة من الله لهم .
حكم زيارة القبور
لو لم يكن في زيارة القبور إلا هذه الحكم التي جاء الشرع بطلبها وحث ورغب فيها لكفى ,كيف
والنصوص الدالة على الأ مر بزيارة القبور بلغت حد التواتر كما ذكر العلماء.انظر[نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص80ـ81 ],و[ إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة ص97 ],ومنها قوله صلى الله عليه وسلم {كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة },ومن ألفاظه {فمن أراد أن يزور فليزر ,ولا تقولا هجرا}أخرجه بهذا اللفظ النسائي في سننه 4/89 .والفعل في سياق الشرط يفيد العموم بل هو أعلى صيغ كما هو مقرر عند علماء الأصول فالأحاديث جاءت عامة ومطلقة و لا يوجد ما يخصها أو يقيدها وهي صريحة في جواز أو استحباب زيارة القبور في الحضر والسفر إليها [كشف الستور عما أشكل من أحكام القبور ص173 ].
إذا فخلاصة حكم زيارتها سنة ,والدليل عليها :حديث :{ قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ,فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه , فزوروها فأنَها تذكر الآخرة } رواه مسلم .
وحديث :{ زوروا القبور فأنَها تذكر الموت } رواه مسلم .
قال الإمام النووي في (المجموع) (5/285):
{اتفقت نصوص الشافعية والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور ,وهو قول العلماء كافة ,نقل العبد ري فيه إجماع المسلمين , ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة ,وكانت زيارتها منهيا عنها أولا ثم نسخ , ثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن بريدة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } .
وزاد أحمد ابن حنبل والنسائي في روايتيهما : {فزوروها ولا تقولوا هجرا }.
والهجر الكلام الباطل , وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية,
فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل فلما استقرَت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه واستشهرت معالمه أبيح لهم الزيارة وأحاط صلى الله عليه وسلم بقوله :{ ولا تقولوا هجرا }.اه(انظر نيل المقصود للعلامة للحبيب سالم الشاطري ص 101-102).
حكم زيارة المرأة للقبور :- فقد جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :{لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوارات القبور } رواه أحمد في مسنده و الترمذي في سننه وقال حديث حسن صحيح .
قال العلماء :هذا الحديث محمول على ما إذا كانت زيارتهم للبكاء والتعديد و النياحة ,وذلك كائن في زمنه صلى الله عليه وسلم قبل رسوخ الإيمان , أمَا بعد رسوخه فسنَ لهم صلى الله عليه وسلم الزيارة , وجاء النسخ بقوله :{ كنت نهيتكم عن زيارة القبور , فزورها فأنها تذكر الآخرة } رواه مسلم .
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري ) [3/191] :
(واختلف في النساء فقيل : دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر , ومحله ما إذا أمنت الفتنه ويؤيد الجواز حديث الباب , وموضوع الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها على القبر , وتقريره حجة . وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة رضي الله عنها فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن , فقيل لها أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ قالت نعم , كان نهي ثم أمر بزيارتها ) . وقيل الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور , و به جزم الشيخ أبو إسحاق في ( المهذب ) واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو الذي تقدمت الإشارة إليه في (باب إتباع النساء الجنائز ) وبحديث ( لعن الله زوارات القبور ) أخرجه الترمذي و صححه من حديث أبي هريرة , وله شاهد من حديث ابن عباس ومن حديث حسان بن ثابت . واختلف من قال بالكراهة في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه ؟ قال القرطبي : هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة , ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك , فقد يقال : إذا أمن ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال و النساء ). انتهى
وقال الإمام النووي في المجموع (5/285) : { والذي قطع به الجمهور أنها مكروهة لهن كراهة تنزيه , وذكر الروياني في البحر وجهين :{ أحدهما يكره كما قاله الجمهور} . والثاني { لا يكره , قال وهو الأصح إذا أمن عندي الافتتان } .(انظر نيل المقصود )
مسألة الدعاء عند القبور :ـ
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كهن يدعو للأحياء والأموات عند زيارة القبور ففي [صحيح مسلم رقم 974 ]
و[مسند أحمد6/221 ]أن النبي صلى الله عليه وسلم علَم السيدة عائشة رضي الله عنها أن تقول عند زيارة البقيع (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منها والمستأخرين وأنا إن شاء الله بكم للاحقون ) وفي [صحيح مسلم رقم 975] عن بريدة رضي الله عنه تعليمه صلى الله عليه وسلم للصحابة ذلك , وفيه ( أسأل الله لنا ولكم العافية ) . وعند الترمذي [رقم 1053] عن ابن عباس وفيه ( يغفر الله لنا ولكم ) . وفي [المسند 6/76 ] عن عائشة حديثا في زيارة البقيع في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم). وثبت أن عددا من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا حزَ بهم أمر أو نزلت بهم نازلة اتجهوا إلى القبر النبوي الشريف يدعونا لله تبارك وتعالى عنده ويستشفعون بالنبي صلى الله عليه وسلم ,فمن ذلك ما أخرجه أحمد في (المسند 5/422) من فعل أبي أيوب الأنصاري إذا أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال :أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال : نعم . جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم آت الحجر إلى أخر الحديث. ومنها ما أخرجه الدار مي في [ سننه 1/43] -باب ما أكرم الله نبيه بعد موته - فذكر حديث في التوسل بقبر النبي صلى الله عليه وسلم . ومنه ما أخرجه أبن أبي شيبه في [ المصنف 12/31-32] أن أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ) فأتى الرجل في المنام فقيل له :{ آت عمر فاقرأه السلام اخبره أنكم مسقيَون وقل له عليك الكيس عليك الكيس فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه } . وهذه الآثار ثابتة انظر تخريجها في (رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل والزيارة ).
وذكر العلماء رحمهم الله كثيرا من القبور مشهورة باستجابة الدعاء عندها انظر على سبيل المثال ( تهذيب التهذيب 7/388) واقعه ابن خزيمة معا على بن موسى الرضا بطوس و (كتاب الثقات لابن حبان 8/456-457) . و(سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي 9/343 في ترجمة معروف الكرخي ) , ( و10/107 في ترجمة السيدة نفيسة ) , (12/103 في ترجمة القاضي ابن بكار ) وغيرها من المواضع . قال الحافظ الذهبي (17/775) : {والدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والأولياء وفي سائر البقاع , لكن سبب الأجابه حضور الداعي وخشوعه وابتهاله وبلا ريب في البقعة في المسجد وفي السحر ونحو ذلك يتحصل ذلك للداعي كثيرا وكل مضطر فدعاؤه مجاب , انظر (كشف المستور من ص 215 إلى 228 ) .
مسألة مس القبور وتقبيلها:- لا يوجد دليل يفيد تحريم أو كراهة مس أي قبر سواء لنبي أو ولي أو صالح أو لعموم المسلمين ومن كره ذلك من العلماء فلأنه رأى فيه إساءة أدب فلذا أقتصر على الحكم على ذلك بالكراهة .
وتقدَم حديث أبي أيوب الأنصاري عند احمد ( 5/422) , وفي (شرح البخاري للعيني 9/241) قال الحافظ زين الدين العراقي :{وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك وأيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية ...}. وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء 11/212): {قلت ابن المتنطع المنكر على أحمد وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عن من يلمس رمانة منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويمس الحجرة النبوية فقال : لا أرى بذالك بأسا. أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع .. انتهى }.
وفي فتوى العلامة محمد بن سليمان الكردي مفتي الشافعية قال :{وأما التمسح بالقبور وبترابها فاختلف أئمتنا في ذلك فمنهم من أباح ذلك بل استحبه – كالإمام الرملي وغيره – ومنهم من منع منه – كابن حجر – والمانع منه قائل بكراهته لا بحرمته فضلا عن القول بكفره..انتهى المقصود منه }. وممن قال بجواز ذلك المحب الطبري وابن أبي الصيف كما نقله الحافظ في فتح الباري ,انظر (مصباح الظلام ,كشف الستور ص 289/301).
مسألة حكم البناء على القبر من قبة ونحوها :- قد علم الأول والأخر أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه دفنوا في حجرة وهي مسقوفة ولا فرق بين السقف والقبة فأن قلت هذه خاصية للنبي فنقول لك أين الخاصية لصاحباه ولذا اختلفت أنظار علماء المذاهب رحمهم الله في ذلك .
فمذهب الشافعية :الكراهة في غير المسبلة انظر (5/266)و (البيان للعمراني 3/210) .
ومذهب الأحناف :أنه يكره البناء على القبر ويحرم إن كان للزينة راجع (تبيين الحقائق 1/246) و(إعلاء السنن 8/312) .
ومذهب المالكية: مثله, انظر (الشرح الصغير 1/203).
ومذهب الحنابلة :كراهته مطلقا وعن صاحب المستوعب والمحرر :{لا بأس بقبة وبيت وحصيرة في ملكه لأن الدفن فيه مع كونه كذلك مأذون فيه } وقال صاحب المحرر :{يكره في صحراء للتضييق والتشبيه بأبنية الدنيا } وقال في المستوعب {يكره إن كان في المسبلة } انظر (الفروع لابن مفلح 2/272) .
والخلاصة في ذلك أن بناء القباب ونحوها لا يعد كونه مكروها إذا كان في غير مسبلة بل عند بعضهم جائز , وانظر تحقيق ذلك في ( كشف الستور ) و (إحياء القبور في جواز بناء المساجد و القباب على القبور للحافظ أحمد بن صديق الغماري .
(تنبيه ) :- على الزائر للقبور أن يحترز من المحرمات الشرعية كالسجود للقبر والقول بالهجر واختلاط الرجال بالنساء وغيرها من المحرمات التي قد تحصل من بعض العوام الجهَال البعيدين عن العلم وعن مجالس أهل الخير وصلاح فوجب التحذير من ذلك والتنبيه عليه .
و إذا أرادت الزيادة في هذه المسائل فعليك ب:-
كشف الستور عمَا أشكل من أحكام القبور للمحدث محمود سعيد ممدوح .
رفع المنارة في تخريج أحاديث التوسل والزيارةله أيضا.
نيل المقصود في مشروعيَة زيارة نبي الله هود عليه السلام للسيد العلامة سالم بن عبد الله الشاطري .
إحياء المقبور في جواز بناء المساجد والقباب على القبور للحافظ أحمد بن صديق الغماري .
شفاء السقام للإمام السبكي .
والعذر على التقصير و إنشاء الله سنلحقه ببعض المسائل المتعلقة به .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله واله وصحبه ومن والاه ..أما بعد : فأليك أيها الأخ الباحث عن الحقيقة الراغب في سلوك خير طريقة الصادق في اللحوق بخير الخليقة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هذا المبحث اللطيف حول بعض المسائل التي تثار حول زيارة القبور ليتضح الحق ويتبين السبيل .
الحكمة من زيارة القبور:- اعلم أن لزيارة القبور حكم عظيمة ومقاصد سامية من أهمها :-
• تذكر الآخرة كما دل عليه الحديث .
• الزهد في الدنيا .
• وكونها موضعا لاستجابة الدعاء .
• وكونها موضعا للدعاء للموتى واستنزال الرحمة من الله لهم .
حكم زيارة القبور
لو لم يكن في زيارة القبور إلا هذه الحكم التي جاء الشرع بطلبها وحث ورغب فيها لكفى ,كيف
والنصوص الدالة على الأ مر بزيارة القبور بلغت حد التواتر كما ذكر العلماء.انظر[نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص80ـ81 ],و[ إتحاف ذوي الفضائل المشتهرة ص97 ],ومنها قوله صلى الله عليه وسلم {كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة },ومن ألفاظه {فمن أراد أن يزور فليزر ,ولا تقولا هجرا}أخرجه بهذا اللفظ النسائي في سننه 4/89 .والفعل في سياق الشرط يفيد العموم بل هو أعلى صيغ كما هو مقرر عند علماء الأصول فالأحاديث جاءت عامة ومطلقة و لا يوجد ما يخصها أو يقيدها وهي صريحة في جواز أو استحباب زيارة القبور في الحضر والسفر إليها [كشف الستور عما أشكل من أحكام القبور ص173 ].
إذا فخلاصة حكم زيارتها سنة ,والدليل عليها :حديث :{ قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور ,فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه , فزوروها فأنَها تذكر الآخرة } رواه مسلم .
وحديث :{ زوروا القبور فأنَها تذكر الموت } رواه مسلم .
قال الإمام النووي في (المجموع) (5/285):
{اتفقت نصوص الشافعية والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور ,وهو قول العلماء كافة ,نقل العبد ري فيه إجماع المسلمين , ودليله مع الإجماع الأحاديث الصحيحة المشهورة ,وكانت زيارتها منهيا عنها أولا ثم نسخ , ثبت في صحيح مسلم رحمه الله عن بريدة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } .
وزاد أحمد ابن حنبل والنسائي في روايتيهما : {فزوروها ولا تقولوا هجرا }.
والهجر الكلام الباطل , وكان النهي أولا لقرب عهدهم من الجاهلية,
فربما كانوا يتكلمون بكلام الجاهلية الباطل فلما استقرَت قواعد الإسلام وتمهدت أحكامه واستشهرت معالمه أبيح لهم الزيارة وأحاط صلى الله عليه وسلم بقوله :{ ولا تقولوا هجرا }.اه(انظر نيل المقصود للعلامة للحبيب سالم الشاطري ص 101-102).
حكم زيارة المرأة للقبور :- فقد جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :{لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زوارات القبور } رواه أحمد في مسنده و الترمذي في سننه وقال حديث حسن صحيح .
قال العلماء :هذا الحديث محمول على ما إذا كانت زيارتهم للبكاء والتعديد و النياحة ,وذلك كائن في زمنه صلى الله عليه وسلم قبل رسوخ الإيمان , أمَا بعد رسوخه فسنَ لهم صلى الله عليه وسلم الزيارة , وجاء النسخ بقوله :{ كنت نهيتكم عن زيارة القبور , فزورها فأنها تذكر الآخرة } رواه مسلم .
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري ) [3/191] :
(واختلف في النساء فقيل : دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر , ومحله ما إذا أمنت الفتنه ويؤيد الجواز حديث الباب , وموضوع الدلالة منه أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها على القبر , وتقريره حجة . وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة رضي الله عنها فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن , فقيل لها أليس قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ قالت نعم , كان نهي ثم أمر بزيارتها ) . وقيل الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور , و به جزم الشيخ أبو إسحاق في ( المهذب ) واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو الذي تقدمت الإشارة إليه في (باب إتباع النساء الجنائز ) وبحديث ( لعن الله زوارات القبور ) أخرجه الترمذي و صححه من حديث أبي هريرة , وله شاهد من حديث ابن عباس ومن حديث حسان بن ثابت . واختلف من قال بالكراهة في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه ؟ قال القرطبي : هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة , ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك , فقد يقال : إذا أمن ذلك فلا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال و النساء ). انتهى
وقال الإمام النووي في المجموع (5/285) : { والذي قطع به الجمهور أنها مكروهة لهن كراهة تنزيه , وذكر الروياني في البحر وجهين :{ أحدهما يكره كما قاله الجمهور} . والثاني { لا يكره , قال وهو الأصح إذا أمن عندي الافتتان } .(انظر نيل المقصود )
مسألة الدعاء عند القبور :ـ
ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كهن يدعو للأحياء والأموات عند زيارة القبور ففي [صحيح مسلم رقم 974 ]
و[مسند أحمد6/221 ]أن النبي صلى الله عليه وسلم علَم السيدة عائشة رضي الله عنها أن تقول عند زيارة البقيع (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منها والمستأخرين وأنا إن شاء الله بكم للاحقون ) وفي [صحيح مسلم رقم 975] عن بريدة رضي الله عنه تعليمه صلى الله عليه وسلم للصحابة ذلك , وفيه ( أسأل الله لنا ولكم العافية ) . وعند الترمذي [رقم 1053] عن ابن عباس وفيه ( يغفر الله لنا ولكم ) . وفي [المسند 6/76 ] عن عائشة حديثا في زيارة البقيع في قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم). وثبت أن عددا من الصحابة رضي الله عنهم كان إذا حزَ بهم أمر أو نزلت بهم نازلة اتجهوا إلى القبر النبوي الشريف يدعونا لله تبارك وتعالى عنده ويستشفعون بالنبي صلى الله عليه وسلم ,فمن ذلك ما أخرجه أحمد في (المسند 5/422) من فعل أبي أيوب الأنصاري إذا أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال :أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال : نعم . جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم آت الحجر إلى أخر الحديث. ومنها ما أخرجه الدار مي في [ سننه 1/43] -باب ما أكرم الله نبيه بعد موته - فذكر حديث في التوسل بقبر النبي صلى الله عليه وسلم . ومنه ما أخرجه أبن أبي شيبه في [ المصنف 12/31-32] أن أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ) فأتى الرجل في المنام فقيل له :{ آت عمر فاقرأه السلام اخبره أنكم مسقيَون وقل له عليك الكيس عليك الكيس فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه } . وهذه الآثار ثابتة انظر تخريجها في (رفع المنارة بتخريج أحاديث التوسل والزيارة ).
وذكر العلماء رحمهم الله كثيرا من القبور مشهورة باستجابة الدعاء عندها انظر على سبيل المثال ( تهذيب التهذيب 7/388) واقعه ابن خزيمة معا على بن موسى الرضا بطوس و (كتاب الثقات لابن حبان 8/456-457) . و(سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي 9/343 في ترجمة معروف الكرخي ) , ( و10/107 في ترجمة السيدة نفيسة ) , (12/103 في ترجمة القاضي ابن بكار ) وغيرها من المواضع . قال الحافظ الذهبي (17/775) : {والدعاء مستجاب عند قبور الأنبياء والأولياء وفي سائر البقاع , لكن سبب الأجابه حضور الداعي وخشوعه وابتهاله وبلا ريب في البقعة في المسجد وفي السحر ونحو ذلك يتحصل ذلك للداعي كثيرا وكل مضطر فدعاؤه مجاب , انظر (كشف المستور من ص 215 إلى 228 ) .
مسألة مس القبور وتقبيلها:- لا يوجد دليل يفيد تحريم أو كراهة مس أي قبر سواء لنبي أو ولي أو صالح أو لعموم المسلمين ومن كره ذلك من العلماء فلأنه رأى فيه إساءة أدب فلذا أقتصر على الحكم على ذلك بالكراهة .
وتقدَم حديث أبي أيوب الأنصاري عند احمد ( 5/422) , وفي (شرح البخاري للعيني 9/241) قال الحافظ زين الدين العراقي :{وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك وأيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية ...}. وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء 11/212): {قلت ابن المتنطع المنكر على أحمد وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عن من يلمس رمانة منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويمس الحجرة النبوية فقال : لا أرى بذالك بأسا. أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع .. انتهى }.
وفي فتوى العلامة محمد بن سليمان الكردي مفتي الشافعية قال :{وأما التمسح بالقبور وبترابها فاختلف أئمتنا في ذلك فمنهم من أباح ذلك بل استحبه – كالإمام الرملي وغيره – ومنهم من منع منه – كابن حجر – والمانع منه قائل بكراهته لا بحرمته فضلا عن القول بكفره..انتهى المقصود منه }. وممن قال بجواز ذلك المحب الطبري وابن أبي الصيف كما نقله الحافظ في فتح الباري ,انظر (مصباح الظلام ,كشف الستور ص 289/301).
مسألة حكم البناء على القبر من قبة ونحوها :- قد علم الأول والأخر أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه دفنوا في حجرة وهي مسقوفة ولا فرق بين السقف والقبة فأن قلت هذه خاصية للنبي فنقول لك أين الخاصية لصاحباه ولذا اختلفت أنظار علماء المذاهب رحمهم الله في ذلك .
فمذهب الشافعية :الكراهة في غير المسبلة انظر (5/266)و (البيان للعمراني 3/210) .
ومذهب الأحناف :أنه يكره البناء على القبر ويحرم إن كان للزينة راجع (تبيين الحقائق 1/246) و(إعلاء السنن 8/312) .
ومذهب المالكية: مثله, انظر (الشرح الصغير 1/203).
ومذهب الحنابلة :كراهته مطلقا وعن صاحب المستوعب والمحرر :{لا بأس بقبة وبيت وحصيرة في ملكه لأن الدفن فيه مع كونه كذلك مأذون فيه } وقال صاحب المحرر :{يكره في صحراء للتضييق والتشبيه بأبنية الدنيا } وقال في المستوعب {يكره إن كان في المسبلة } انظر (الفروع لابن مفلح 2/272) .
والخلاصة في ذلك أن بناء القباب ونحوها لا يعد كونه مكروها إذا كان في غير مسبلة بل عند بعضهم جائز , وانظر تحقيق ذلك في ( كشف الستور ) و (إحياء القبور في جواز بناء المساجد و القباب على القبور للحافظ أحمد بن صديق الغماري .
(تنبيه ) :- على الزائر للقبور أن يحترز من المحرمات الشرعية كالسجود للقبر والقول بالهجر واختلاط الرجال بالنساء وغيرها من المحرمات التي قد تحصل من بعض العوام الجهَال البعيدين عن العلم وعن مجالس أهل الخير وصلاح فوجب التحذير من ذلك والتنبيه عليه .
و إذا أرادت الزيادة في هذه المسائل فعليك ب:-
كشف الستور عمَا أشكل من أحكام القبور للمحدث محمود سعيد ممدوح .
رفع المنارة في تخريج أحاديث التوسل والزيارةله أيضا.
نيل المقصود في مشروعيَة زيارة نبي الله هود عليه السلام للسيد العلامة سالم بن عبد الله الشاطري .
إحياء المقبور في جواز بناء المساجد والقباب على القبور للحافظ أحمد بن صديق الغماري .
شفاء السقام للإمام السبكي .
والعذر على التقصير و إنشاء الله سنلحقه ببعض المسائل المتعلقة به .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين