أبو رزان
15 Apr 2008, 01:04 PM
الروافض قادمون
قصة الغزو الاثنى عشري للفكر الزيدي
بقلم عبدالفتاح البتول
مجلة المنتدى اليمنية العدد 87/88 سبتمبر /أكتوبر 2004
كانت التيارات الشيعية في عهد الإمام زيد بن على رضي الله عنه متعددة ومختلفة ومتباينة وغير واضحة، حيث لم تتبلور بعد نظرية شيعية،وكثر أدعياء التشيع، واختلفت أسباب التوجه نحو التشيع لتحقيق مصالح شخصية، أو بدوافع انحرافية، لهدم الإسلام من داخله.
فقد استطاع بعض الخبثاء استغلال قضية الخلافة بعد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحرب بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ بالإضافة إلى فضل الإمام الحسين، والعلاقة العدائية بين الدولة الأموية ـ غالبية ـ وآل البيت. كل ذلك تم استخدامه واستغلاله باسم التشيع ومحبة آل البيت، وفي المقابل سب وتجريح أبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ والطعن بخلافتهم، وأنها باطلة. وفي هذه الأثناء، جاءت ثورة الإمام زيد لتشكل علامة فاصلة ولحظة حاسمة وتمايزات واضحة بين اتجاهين، وتيارين، ومدرستين تمثلان التشيع الحقيقي والامتداد الطبيعي، والتشيع المزيف والمنحرف...
· بداية الأحداث وظهور الرفض:
عندما دعا الإمام زيد أنصاره وشيعته للخروج معه ضد هشام بن عبد الملك، طلب منه البعض البراءة من أبي بكر وعمر شرطاً للخروج معه، حيث أكد هؤلاء المنحرفون أهمية تحديد موقف سلبي من أبي بكر وعمر وخلافتهما، وقالوا له: إن برئت منهما وإلا رفضناك!! فرفض طلبهم، وأكد لهم على موقفه الثابت والمبدئي من الشيخين أبي بكر وعمر، ووضح لهم عقيدته ومنهجه في ذلك فقال: رحمهما الله وغفر لهما، وما عسيت أن أقول فيهما وقد صحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحسن الصحبة، وهاجرا معه، وجاهدا في الله حق جهاده، وما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلى خيراً، فقد ولوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة...
قالوا: إن برئت منهما وإلا رفضناك!! فقال الإمام زيد، بل أتولاهما. قالوا: إذن نرفضك!! ففارقوا زيداً وخذلوه، وعرفوا بالرافضة.
وورد في رسائل العدل والتوحيد للإمام الهادي يحيى بن الحسين: فلما كان فعلهم على ما ذكرنا، سماهم حينئذ زيد روافض، ورفع يديه فقال: اللهم اجعل لعنتك ولعنة آبائي وأجدادي، ولعنتي على هؤلاء الذين رفضوني، وخرجوا من بيعتي، كما رفض أهل حرورا ـ الخوارج ـ علي بن أبي طالب عليه السلام حتى حاربوه. فهؤلاء الروافض.
وأما الزيدية، فقالوا بقول الإمام زيد وحاربوا معه، وهم الذين تمسكوا بعقيدته في الشيخين، هذه العقيدة التي أعلنها بوضوح وجلاء، لأنه يتقي الله حق تقاته، ويخشاه أشد الخشية... وآثر التمسك بالحق الذي يجب أن يتبع ذلك لأنه المنهج الذي كان عليه والده زين العابدين بن علي، وجده الحسين بن علي، ثم جده علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهم ـ في حبهم الصادق لأبي بكر وعمر وعثمان([1]).
وعلى ذلك، وبعد ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام أطلق على الشيعة التي بايعته: الزيدية. فصارت الزيدية علماً على من يقول بقيادة الإمام من أهل البيت المستحق لها بالعلم والفضل، وتميزت عن تلك الفرقة التي تقول بالوراثة، حيث أن الإمامة عند الاثنى عشرية، لم تكن تتطلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا جانب من جانب آخر، فقد بدأ الخلاف بين الزيدية يأخذ منحنى اقتصادياً دنيوياً كبيراً آنذاك،مما جعل حرص الأدعياء على المحافظة كبيرا، والناظر للأحوال المادية لمن كان يدعي النيابة عن الإمام سيدرك هذا الوضع ([2]).
· الزيدية والاثنا عشرية.. وجها لوجه:
منذ ذلك التاريخ أصبح التمايز بين المدرستين واضحاً، والتباين جلياً، والاختلاف عميقاً، والعداء مستمراً؛ فهذا الإمام الهادي ـ يحيى بن الحسين، مجدد المدرسة الزيدية، ومؤسس الدولة الهادوية ـ يخصص كتاباً من مؤلفاته للرد على الروافض. فقد ذكر العلامة المؤرخ محمد بن محمد زبارة ـ رحمه الله ـ في كتابه (أئمة اليمن) أن للإمام الهادي كتاب الرد على الروافض، ومن ذلك قول الإمام الهادي يصف الاثنى عشرية: "هذه الفرقة شرذمة مخالفة للحق في كل المعاني في الكتاب والسنة. هذه الإمامية حزب الشيطان الرافضين للحق والمحقين".
بالإضافة إلى الإمام الهادي، فقد كان لابنه الإمام المرتضى محمد كتاباً يرد فيه على الروافض. وكذلك فعل الإمام القاسم العياني، وسار على هذا النهج غالب أئمة وعلماء الزيدية في اليمن طوال ألف سنة: الرد على الروافض والتحذير من عقائدهم الباطلة وآرائهم الفاسدة، وخاصة في سب الصحابة والطعن في الخلافة، بما في ذلك فرقة الجارودية التي هي أقرب إلى غلو الاثني عشرية منها إلى الزيدية، وهذا ما دفع الإمام يحيى بن حمزة للقول: "أنه ليس أحد من فرق الزيدية أطول لساناً ولا أكثر تصريحاً بالسوء في حق الصحابة من هذه الفرقة: الجارودية".
· رؤية الاثني عشرية للزيدية:
وفي المقابل، كانت رؤية الاثني عشرية للزيدية عدائية، بل وتكفيرية، بما في ذلك تكفير الإمام زيد، كونه ادعى الإمامة وهو غير مستحق لها. وقد وردت في كتب الاثني عشرية روايات في تكفير من ادعى الإمامة لنفسه حتى ولو كان علوياً فاطمياً: "من ادعى الإمامة وليس بأهلها فهو كافر". وهذا شيخ الإسلام عندهم يقول: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية، وغيرهم من الفرق المضلة المبتدعة، ومذاهبهم السخيفة الضعيفة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" ([3]).
· شهادات على تأثير الرافضة في الزيدية:
وهكذا كان منهج الزيدية: الترضي على عثمان وطلحة والزبير وعائشة، فضلاً عن الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ كما ذكر ذلك العلامة صالح بن مهدي المقبلي في (العلم الشامخ) حيث يؤكد على أن الزيدية ليسوا من الرافضة، بل ولا من غلاة الشيعة. إلا أن المقبلي يؤكد ـ في موضع آخر ـ على أنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية، في هذه الأمصار، حتى تظهر جماعة منهم بتكفير الصحابة، والقول بالنص، والوصية، وعصمة فاطمة وعلي والحسن والحسين.
وكما يذكر ـ المؤرخ الزيدي (المنصف) يحيى بن الحسين: والرافضة الذين في الزيدية هذا الزمان كثير، إلا أن منهم من يستر مذهبه.
ويعتبر يحيى بن الحسين بن المؤيد محمد ابن الإمام القاسم، أول من جاهر بالرفض والسب في اليمن علنية، وكان غالياً في رفضه، متحاملاً على الصحابة رضي الله عنهم، مبالغاً في إحصاء عثراتهم، معرضاً عن فضائلهم.
ويؤكد يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم، أن يحيى بن الحسين ابن الإمام المؤيد كان يطعن في مذهب الهادوية والمعتزلة وأهل السنة، وينتصر للإمامية والأثنى عشرية. وقد مشى على طريقه تلاميذه: الحسن بن علي الهَبَل، وأحمد بن أحمد الآنسي، وأحمد بن ناصر المخلافي. كما اشتهر بالرفض والسب: الفقيه أحمد عبد الحق الحيمي، وإسماعيل النعمي، الذي كان رافضياً جلداً مع كونه جاهلاً جهلاً مركباً، وفيه حدة تفضي به إلى نوع من الجنون ([4]). ومنهم الفقيه السماوي، المشهور بابن حريوة، والذي عرف بنزقه ومغالاته في التشيع ([5]).
ومن الروافض الذين عاصروا الإمام الشوكاني: السيد يحيى بن محمد الحوثي، الذي كان يصرخ باللعن وسب الصحابة. ولما بلغ الأمر الإمام المنصور علي، أمر بنقل الحوثي من الجامع الكبير، فقام بعض انصار الحوثي برفع أصواتهم باللعن والسب في الجامع الكبير بصنعاء، ومنعوا إقامة الصلاة العشاء، وخرجوا من الجامع يصرخون في الشوارع بلعن الأموات والأحياء، ورجموا البيوت، وأفرطوا في ذلك حتى كسروا كثيراً من الطاقات ([6]). (أي النوافذ) .ونتيجة لذلك، فقد قام الإمام المنصور علي بحبس الحوثي والمشاركين معه باللعن والرجم، وتم البحث عن بقية المشاغبين والمباشرين للرجم. وكان بينهم من ثبت تلبسهم بالسرقة من بعض البيوت، فضربوا وعزروا بضرب المرافع على ظهور جماعة منهم. وبعد أيام أرسل بجماعة منهم مقيدين بالسلاسل إلى حبس جزيرة زيلع، وآخرين إلى حبس (كمران) وكان من بينهم السيد إسماعيل النعمي؛ لتجاوزه الحد في تعصبه ([7]).
· تجاوز التعصب الرافضي إلى التفريق بين المسلمين:
وهكذا لم يقتصر نشاط المتعصبين من دعاة الرافضة الإمامية على مجرد استثارة العامة أو ثلب كبار علماء الزيدية، بل العمل على التفريق بين الإخوة في الإسلام، يشجعهم في ذلك بعض ذوي الأهواء من المتنفذين في الدولة، فقد وجد في مختلف مراحل التاريخ بعض المتعصبين والمتزمتين من الزيدية، الذين كان علماء الزيدية ومجتهدوها ينعتونهم بالرافضة؛ لرفضهم خلافة الشيخين، وتطرف بعضهم، وبلغوا في تطرفهم إلى إغماط حق كبار الصحابة، بل وحتى ثلب أعراضهم، وهم بهذا وغيره ينسبون إلى الإمامية والجارودية. وكثيراً ما كان يحدث بينهم وبين علماء الزيدية في صنعاء وبعض الحواضر، مجادلات وخلافات كانت تتطور في بعض الأحايين إلى احتكاكات ومشاغبات بين غلاة الروافض والمعتدلين من الزيدية، فقد واجه العلماء المجتهدون ـ أمثال: الإمام الشوكاني، ومن قبله ابن الأمير، وكبار العلماء ـ أولئك المتعصبين الذين يقحمون معهم جهلاء الناس والعامة منهم([8]).
وهكذا سارت العلاقة في المراحل السابقة: خلاف واختلاف، فلا يوجد توافق بين الزيدية والإمامية الاثنى عشرية، بل إن كثيراً من الناس ـ كما يذكر أحد الباحثين الزيود ـ ينفر من مذهب أهل البيت؛ لاقترانه بالإمامية التي فيها الكثير مما لا يقبله العقل. ولأن (الإمامية) يرون بأن أئمة أهل البيت وشيعتهم من الزيدية ـ بل كل الأمة الإسلامية ـ كفاراً، فقد صدر في الآونة الأخيرة كتاب، نقل فيه مؤلفه اتفاق الإمامية في كفر وفسق أئمة أهل البيت. والكتاب بعنوان (النصب والنواصب) ([9])، وقد قدم لهذا الكتاب الدكتور عبد الهادي الفضلي، مبدياً إعجابه به وبالمؤلف الذي نقل قول السيد الخوئي: جميع المخالفين للشيعة الاثنى عشرية في الحقيقة كافرون، وهم الذين سميناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة!([10]).
· الثورة الإيرانية والغزوة الاثنى عشرية
ومع كل المحاولات التي قام بها الروافض في غزو الزيدية، فقد فشلوا في تأسيس تيار وتشكيل مدرسة اثنى عشرية، حيث ظلت الأفكار الإمامية طارئة ومرفوضة، والحاملون لها موضع سخط ونقمة عموم الزيدية، وخاصة كبار العلماء المجتهدين والمراجع المجددين. وكما يقول الكاتب والباحث الزيدي، الأخ عبد الله محمد إسماعيل، فإن العلاقة بين الزيدية والإمامية لم تكن جيدة فيما مضى، إلا أنها شهدت تحسناً ملموساً بعد الثورة الإسلامية في إيران. ومنذ مدة قصيرة، بدأ الإمامية محاولة جادة في نشر مذهبهم بين صفوف الزيدية في اليمن، وقد نجحوا نجاحاً ملموساً أثره، ولكنه كان محدوداً في انتشاره([11]).
والحق أن الاثنى عشرية قد نجحوا خلال ربع قرن من الزمن (من 1979م ـ2004م) من تحقيق نجاح ملموس في غزو الفكر الزيدي، وخاصة خلال الأربعة عشر عاماً الماضية، منذ قيام الوحدة اليمنية 1990م وإعلان التعددية السياسية التي استفاد منها الاثنا عشرية بصورة واضحة وجلية، حيث برزت أنشطتهم وتوسعت حركاتهم، وظهرت شعائرهم.
· انشقاق الشباب المؤمن عن حزب الحق:
ويمكن اعتبار بداية تاريخ شق الصف الزيدي في اليمن ببداية انشقاق جماعة الشباب المؤمن عن حزب الحق، هذا الانقسام الذي اعتبره البعض سياسياً، بينما هو انشقاق فكري، وانقسام منهجي بين علماء الزيدية، وفي مقدمتهم العلامة مجد الدين المؤيدي، ودعاة الاثنى عشرية، وعلى رأسهم العلامة بدر الدين الحوثي. وبين هذين التيارين والمدرستين غابت معالم المذهب الزيدي، وبرزت أفكار الاثنى عشرية؛ نتيجة الدعم المادي والتشجيع المعنوي من جمهورية إيران، ونشر الكتب الاثنى عشرية، وإقامة الشعائر في ظل صمت وسكوت علماء الزيدية، باستثناء العلامة مجد الدين المؤيدي، الذي أصدر فتاوى بانحراف وضلال جماعة الشباب المؤمن، الذي انحرفوا عن المذهب الزيدي، واعتنقوا الفكر الاثنى عشري، وخاصة سب ولعن الصحابة، والقول ببطلان خلافة أبي بكر وعمر عثمان.
وهذا العلامة بدر الدين الحوثي يقول في رسالته (إرشاد الطالب): "الولاية بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعلي عليه السلام... ولم تصح ولاية المتقدمين عليه: أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يصح إجماع الأمة عليهم. والولاية من بعده لأخيار أهل البيت: الحسن و الحسين وذريتهما الأخيار أهل الكمال منهم. والولاية لمن حكم الله بها له في كتابه وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رضي الناس بذلك أم لم يرضوا فالأمر إلى الله وحده، وليس للعباد أن يختاروا، ولا دخل للشورى في الرضا؛ لأنه لا خيار للناس في أمر قد قضاه الله ورسوله" ([12]).
وفي هذه الرسالة التي صدرت سنة (1414هـ = 1994م) والتي أعدها وقدم لها محمد يحيى سالم عزان، تجد بصمات التشيع الاثنى عشري الإمامي، حيث يؤكد الحوثي الأب بصريح العبارة بطلان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وان الولاية منصب ديني قد قضاه الله ورسوله، وليس للعباد أن يختاروا. وهذا يعني أن أبا بكر وعمر وعثمان قد خالفوا المشيئة والإرادة الإلهية، واغتصبوا حق الإمام علي في الولاية. وهذا هو مذهب الاثنى عشرية الذين وجدوا في الحوثي وجماعة الشباب المؤمن بيئة خصبة لنشر مذهبهم وانتشار أفكارهم، عبر كتب ورسائل بدر الدين الحوثي، الذي يبشر بالفكر الانثى عشري تحت ستار المذهب الزيدي، ومعه عدد من الباحثين والمحققين، أمثال: محمد يحيى سالم عزان، الذي قام بتحقيق ونشر عدد من الكتب والرسائل التي تخدم الفكر الاثنى عشري. وعزان من قيادات الشباب المؤمن، ومن الموجهين الفكريين. ومن أهم أعماله تحقيق كتاب (الغطمطم الزخار) لابن حريوة السماوي، المعروف في غلوه في التشيع والرفض والطعن والسب. وللأسف الشديد أن هذا الكتاب ـ الذي حققه عزان ـ قدم له القاضي أحمد بن محمد الشامي، وأمين عام حزب الحق!! وقامت صحيفة الأمة بإعادة نشر هذه المقدمة التي فيها تحامل وتجريح للإمام الشوكاني، ومدح وإطراء للعلامة ابن حريوة السماوي ـ الرافضي!!
· استخدام الاثنا عشرية لصحيفة الأمة:
وهذا من المفارقات، حيث استخدم الاثنا عشرية صحيفة الأمة الناطقة باسم حزب الحق؛ لنشر أفكارهم وانحرافاتهم، وساعدت كثيراً على نمو وتوسع هذا التيار السرطاني في معظم مناطق اليمن، حيث تمدد هذا التيار وتطور من زيدية متشددة إلى اثنى عشرية منحرفة!!
· التحول من الزيدية إلى الرفض شاهد خطر:
ويمكننا القول أن الفكر الاثني عشري حقق خلال السنوات السبع الماضية، من (1997م ـ 2004م) حضوراً واضحاً، وانتشاراً متميزاً، سواء تحت غطاء جماعة الشباب المؤمن، أو تحت لافتات أخرى!! وخاصة بعد خروج عدد من الناشطين والباحثين من المذهب الزيدي علانية، واعتناقهم الفكر الاثني عشري، وتصريحاتهم وكتاباتهم التي يعلنون من خلالها بوضوح وجلاء أنهم اهتدوا إلى الحق المبين، وعرفوا الصراط المستقيم، واستمسكوا بالعروة الوثقى.ويؤكد هؤلاء على بطلان المذهب الزيدي، ومن أقدمهم (المهتدي والمستبصر) أحمد بن علي محمود شرف الدين، من أهالي صنعاء، والذي أكد على أن المذهب الاثني عشري ليس فيه عوجاً ولا أمتا، أما المذاهب الأخرى، وفي مقدمتها الزيدية، فهم ظلام دامس، يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ويضيف شرف الدين، في أحد مواقع (الإنترنت) أنه اعتنق الاثني عشرية سنة 1985م، وانتقل إلى عالم النور، واستمسك بالعروة الوثقى. بينما يذكر (يحيى طالب) من مواليد الجوف سنة 1974م أنه وبعد بحث طويل وعناء كبير، توصل مع أحد أصدقائه إلى حقائق خطيرة، حيث ثبت لديهما في نهاية المطاف بطلان المذهب الزيدي، وأن الاثني عشرية هي الأقرب إلى الحق. وهكذا يسير العشرات، بل المئات من الشباب في هذا الاتجاه: اعتناق الاثني عشرية كعقيدة حق، وترك الزيدية كمدرسة باطل. وقد استهدف الروافض هؤلاء الشباب الباحثين عن جهة تشيع حبهم لآل البيت، تملأ فراغهم الفكري والعقائدي.
ويذكر الأخ حميد محمد رزق في صحيفة الأمة: بدأ الكثيرون من الزيدية العدول إلى مذهب الاثني عشري، لما رأوا فيه من المعاني والأداء الذي يلبي طموحا وحاجة في نفوسهم([13]).
· الغزو الإلكتروني للرافضة:
في إطار التبشير بمعتقداتهم، يستخدم الروافض شبكة المعلومات (الإنترنت) استخداماً جيداً في نشر أفكارهم وتسويق آرائهم وجذب أنصارهم، وخاصة في اليمن، حيث أصبح للعديد، من الذين اعتنقوا الاثني عشرية، مواقع في الشبكة العنكبوتية، ومن أبرزهم: الدكتور عصام علي العماد، وشقيقه حسن العماد، والأخ محمد العمري. فقد ذكر أحد مواقع الإنترنت، أن الشيعة الإمامية الاثني عشرية في اليمن تعتبر إحدى الفرق المميزة في الساحة، ويبلغ عدد أتباعها نسبة 2 بالمائة تقريباً. وأن نسبة معتنقي هذا المذهب يزدادون سنوياً، وخاصة أيام محرم وصفر وشهر رمضان المبارك.
ومن أهم الأسباب ـ التي ذكرها الموقع ـ لاعتناق الزيدية مذهب الاثني عشرية: الفراغ العقائدي القاتل، وعدم تلبية متطلبات الروح في عصر المادية العمياء، هذه المتطلبات التي من أهمها الغذاء الروحي متمثلا في مجالس الدعاء، ومجالس العزاء، والاهتمام بقضية الإمام الحسين، وتخليد ذكرى عاشوراء، وغيرها من الأنشطة التي يقوم بها الاثنا عشرية في الديار اليمنية لنشر المذهب، باعتبار أن المستقبل للشيعة الاثني عشرية([14]). وللدكتور عصام العماد بحث بعنوان: (المستقبل للتشيع) يثبت فيه أن القرن الحادي والعشرين هو قرن التشيع، بعد أن كان القرن العشرين قرن الاعتراف بالتشيع كمذهب رسمي، بعد محاربة طويلة دامت أكثر من ثلاثة عشر قرناً!!
ومن أبرز المتحولين إلى الاثني عشرية، ولهم موقع إلكتروني وأنشطة مختلفة، محمد حمود العمري، الكاتب والباحث الذي اعتنق الاثني عشرية بعد عناء طويل وبحث وتحقيق، وله كتاب (واستقر بي النوى) وموسوعة (رحلة عقل) وله كتابات في صحيفة الأمة وأنشطة متنوعة؛ لنشر الحق المتمثل بالفكر الاثني عشري ـ حسب اعتقاده ـ ومع دعائنا لعودة هؤلاء إلى الفهم الحق، فلا شك أن الصدق والصراحة في إعلان المعتقد، أفضل من الكذب والتقية، واستخدام المذهب الزيدي ظاهراً لنشر الاثني عشري باطناً، والخلط بين المدرستين، كما يفعل بعض الباحثين والمحققين الزيدية، أمثال: محمد يحيى سالم عزان، وعبد السلام الوجيه، الذي خدم الروافض الاثني عشرية خدمة كبيرة في كتابه (أعلام المؤلفين الزيدية).
· جناية عبد السلام الوجيه على المذهب الزيدي
لا أكون مبالغاً إذا قلت أن من أهم عوامل انتشار المذهب الاثنى عشري في الفكر الزيدي، كتاب (أعلام المؤلفين الزيدية) للكاتب والباحث المعروف عبد السلام بن عباس الوجيه، حيث قام بقلب الحقائق وتغيير الوقائع، وخلط الحابل بالنابل والحق بالباطل؛ فقد ترجم لعدد كبير من الروافض الاثني عشرية على أنهم من الزيدية.
قصة الغزو الاثنى عشري للفكر الزيدي
بقلم عبدالفتاح البتول
مجلة المنتدى اليمنية العدد 87/88 سبتمبر /أكتوبر 2004
كانت التيارات الشيعية في عهد الإمام زيد بن على رضي الله عنه متعددة ومختلفة ومتباينة وغير واضحة، حيث لم تتبلور بعد نظرية شيعية،وكثر أدعياء التشيع، واختلفت أسباب التوجه نحو التشيع لتحقيق مصالح شخصية، أو بدوافع انحرافية، لهدم الإسلام من داخله.
فقد استطاع بعض الخبثاء استغلال قضية الخلافة بعد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والحرب بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنهما ـ بالإضافة إلى فضل الإمام الحسين، والعلاقة العدائية بين الدولة الأموية ـ غالبية ـ وآل البيت. كل ذلك تم استخدامه واستغلاله باسم التشيع ومحبة آل البيت، وفي المقابل سب وتجريح أبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ والطعن بخلافتهم، وأنها باطلة. وفي هذه الأثناء، جاءت ثورة الإمام زيد لتشكل علامة فاصلة ولحظة حاسمة وتمايزات واضحة بين اتجاهين، وتيارين، ومدرستين تمثلان التشيع الحقيقي والامتداد الطبيعي، والتشيع المزيف والمنحرف...
· بداية الأحداث وظهور الرفض:
عندما دعا الإمام زيد أنصاره وشيعته للخروج معه ضد هشام بن عبد الملك، طلب منه البعض البراءة من أبي بكر وعمر شرطاً للخروج معه، حيث أكد هؤلاء المنحرفون أهمية تحديد موقف سلبي من أبي بكر وعمر وخلافتهما، وقالوا له: إن برئت منهما وإلا رفضناك!! فرفض طلبهم، وأكد لهم على موقفه الثابت والمبدئي من الشيخين أبي بكر وعمر، ووضح لهم عقيدته ومنهجه في ذلك فقال: رحمهما الله وغفر لهما، وما عسيت أن أقول فيهما وقد صحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحسن الصحبة، وهاجرا معه، وجاهدا في الله حق جهاده، وما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما ولا يقول فيهما إلى خيراً، فقد ولوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة...
قالوا: إن برئت منهما وإلا رفضناك!! فقال الإمام زيد، بل أتولاهما. قالوا: إذن نرفضك!! ففارقوا زيداً وخذلوه، وعرفوا بالرافضة.
وورد في رسائل العدل والتوحيد للإمام الهادي يحيى بن الحسين: فلما كان فعلهم على ما ذكرنا، سماهم حينئذ زيد روافض، ورفع يديه فقال: اللهم اجعل لعنتك ولعنة آبائي وأجدادي، ولعنتي على هؤلاء الذين رفضوني، وخرجوا من بيعتي، كما رفض أهل حرورا ـ الخوارج ـ علي بن أبي طالب عليه السلام حتى حاربوه. فهؤلاء الروافض.
وأما الزيدية، فقالوا بقول الإمام زيد وحاربوا معه، وهم الذين تمسكوا بعقيدته في الشيخين، هذه العقيدة التي أعلنها بوضوح وجلاء، لأنه يتقي الله حق تقاته، ويخشاه أشد الخشية... وآثر التمسك بالحق الذي يجب أن يتبع ذلك لأنه المنهج الذي كان عليه والده زين العابدين بن علي، وجده الحسين بن علي، ثم جده علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهم ـ في حبهم الصادق لأبي بكر وعمر وعثمان([1]).
وعلى ذلك، وبعد ثورة الإمام زيد بن علي عليه السلام أطلق على الشيعة التي بايعته: الزيدية. فصارت الزيدية علماً على من يقول بقيادة الإمام من أهل البيت المستحق لها بالعلم والفضل، وتميزت عن تلك الفرقة التي تقول بالوراثة، حيث أن الإمامة عند الاثنى عشرية، لم تكن تتطلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا جانب من جانب آخر، فقد بدأ الخلاف بين الزيدية يأخذ منحنى اقتصادياً دنيوياً كبيراً آنذاك،مما جعل حرص الأدعياء على المحافظة كبيرا، والناظر للأحوال المادية لمن كان يدعي النيابة عن الإمام سيدرك هذا الوضع ([2]).
· الزيدية والاثنا عشرية.. وجها لوجه:
منذ ذلك التاريخ أصبح التمايز بين المدرستين واضحاً، والتباين جلياً، والاختلاف عميقاً، والعداء مستمراً؛ فهذا الإمام الهادي ـ يحيى بن الحسين، مجدد المدرسة الزيدية، ومؤسس الدولة الهادوية ـ يخصص كتاباً من مؤلفاته للرد على الروافض. فقد ذكر العلامة المؤرخ محمد بن محمد زبارة ـ رحمه الله ـ في كتابه (أئمة اليمن) أن للإمام الهادي كتاب الرد على الروافض، ومن ذلك قول الإمام الهادي يصف الاثنى عشرية: "هذه الفرقة شرذمة مخالفة للحق في كل المعاني في الكتاب والسنة. هذه الإمامية حزب الشيطان الرافضين للحق والمحقين".
بالإضافة إلى الإمام الهادي، فقد كان لابنه الإمام المرتضى محمد كتاباً يرد فيه على الروافض. وكذلك فعل الإمام القاسم العياني، وسار على هذا النهج غالب أئمة وعلماء الزيدية في اليمن طوال ألف سنة: الرد على الروافض والتحذير من عقائدهم الباطلة وآرائهم الفاسدة، وخاصة في سب الصحابة والطعن في الخلافة، بما في ذلك فرقة الجارودية التي هي أقرب إلى غلو الاثني عشرية منها إلى الزيدية، وهذا ما دفع الإمام يحيى بن حمزة للقول: "أنه ليس أحد من فرق الزيدية أطول لساناً ولا أكثر تصريحاً بالسوء في حق الصحابة من هذه الفرقة: الجارودية".
· رؤية الاثني عشرية للزيدية:
وفي المقابل، كانت رؤية الاثني عشرية للزيدية عدائية، بل وتكفيرية، بما في ذلك تكفير الإمام زيد، كونه ادعى الإمامة وهو غير مستحق لها. وقد وردت في كتب الاثني عشرية روايات في تكفير من ادعى الإمامة لنفسه حتى ولو كان علوياً فاطمياً: "من ادعى الإمامة وليس بأهلها فهو كافر". وهذا شيخ الإسلام عندهم يقول: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية، وغيرهم من الفرق المضلة المبتدعة، ومذاهبهم السخيفة الضعيفة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" ([3]).
· شهادات على تأثير الرافضة في الزيدية:
وهكذا كان منهج الزيدية: الترضي على عثمان وطلحة والزبير وعائشة، فضلاً عن الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ كما ذكر ذلك العلامة صالح بن مهدي المقبلي في (العلم الشامخ) حيث يؤكد على أن الزيدية ليسوا من الرافضة، بل ولا من غلاة الشيعة. إلا أن المقبلي يؤكد ـ في موضع آخر ـ على أنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية، في هذه الأمصار، حتى تظهر جماعة منهم بتكفير الصحابة، والقول بالنص، والوصية، وعصمة فاطمة وعلي والحسن والحسين.
وكما يذكر ـ المؤرخ الزيدي (المنصف) يحيى بن الحسين: والرافضة الذين في الزيدية هذا الزمان كثير، إلا أن منهم من يستر مذهبه.
ويعتبر يحيى بن الحسين بن المؤيد محمد ابن الإمام القاسم، أول من جاهر بالرفض والسب في اليمن علنية، وكان غالياً في رفضه، متحاملاً على الصحابة رضي الله عنهم، مبالغاً في إحصاء عثراتهم، معرضاً عن فضائلهم.
ويؤكد يحيى بن الحسين ابن الإمام القاسم، أن يحيى بن الحسين ابن الإمام المؤيد كان يطعن في مذهب الهادوية والمعتزلة وأهل السنة، وينتصر للإمامية والأثنى عشرية. وقد مشى على طريقه تلاميذه: الحسن بن علي الهَبَل، وأحمد بن أحمد الآنسي، وأحمد بن ناصر المخلافي. كما اشتهر بالرفض والسب: الفقيه أحمد عبد الحق الحيمي، وإسماعيل النعمي، الذي كان رافضياً جلداً مع كونه جاهلاً جهلاً مركباً، وفيه حدة تفضي به إلى نوع من الجنون ([4]). ومنهم الفقيه السماوي، المشهور بابن حريوة، والذي عرف بنزقه ومغالاته في التشيع ([5]).
ومن الروافض الذين عاصروا الإمام الشوكاني: السيد يحيى بن محمد الحوثي، الذي كان يصرخ باللعن وسب الصحابة. ولما بلغ الأمر الإمام المنصور علي، أمر بنقل الحوثي من الجامع الكبير، فقام بعض انصار الحوثي برفع أصواتهم باللعن والسب في الجامع الكبير بصنعاء، ومنعوا إقامة الصلاة العشاء، وخرجوا من الجامع يصرخون في الشوارع بلعن الأموات والأحياء، ورجموا البيوت، وأفرطوا في ذلك حتى كسروا كثيراً من الطاقات ([6]). (أي النوافذ) .ونتيجة لذلك، فقد قام الإمام المنصور علي بحبس الحوثي والمشاركين معه باللعن والرجم، وتم البحث عن بقية المشاغبين والمباشرين للرجم. وكان بينهم من ثبت تلبسهم بالسرقة من بعض البيوت، فضربوا وعزروا بضرب المرافع على ظهور جماعة منهم. وبعد أيام أرسل بجماعة منهم مقيدين بالسلاسل إلى حبس جزيرة زيلع، وآخرين إلى حبس (كمران) وكان من بينهم السيد إسماعيل النعمي؛ لتجاوزه الحد في تعصبه ([7]).
· تجاوز التعصب الرافضي إلى التفريق بين المسلمين:
وهكذا لم يقتصر نشاط المتعصبين من دعاة الرافضة الإمامية على مجرد استثارة العامة أو ثلب كبار علماء الزيدية، بل العمل على التفريق بين الإخوة في الإسلام، يشجعهم في ذلك بعض ذوي الأهواء من المتنفذين في الدولة، فقد وجد في مختلف مراحل التاريخ بعض المتعصبين والمتزمتين من الزيدية، الذين كان علماء الزيدية ومجتهدوها ينعتونهم بالرافضة؛ لرفضهم خلافة الشيخين، وتطرف بعضهم، وبلغوا في تطرفهم إلى إغماط حق كبار الصحابة، بل وحتى ثلب أعراضهم، وهم بهذا وغيره ينسبون إلى الإمامية والجارودية. وكثيراً ما كان يحدث بينهم وبين علماء الزيدية في صنعاء وبعض الحواضر، مجادلات وخلافات كانت تتطور في بعض الأحايين إلى احتكاكات ومشاغبات بين غلاة الروافض والمعتدلين من الزيدية، فقد واجه العلماء المجتهدون ـ أمثال: الإمام الشوكاني، ومن قبله ابن الأمير، وكبار العلماء ـ أولئك المتعصبين الذين يقحمون معهم جهلاء الناس والعامة منهم([8]).
وهكذا سارت العلاقة في المراحل السابقة: خلاف واختلاف، فلا يوجد توافق بين الزيدية والإمامية الاثنى عشرية، بل إن كثيراً من الناس ـ كما يذكر أحد الباحثين الزيود ـ ينفر من مذهب أهل البيت؛ لاقترانه بالإمامية التي فيها الكثير مما لا يقبله العقل. ولأن (الإمامية) يرون بأن أئمة أهل البيت وشيعتهم من الزيدية ـ بل كل الأمة الإسلامية ـ كفاراً، فقد صدر في الآونة الأخيرة كتاب، نقل فيه مؤلفه اتفاق الإمامية في كفر وفسق أئمة أهل البيت. والكتاب بعنوان (النصب والنواصب) ([9])، وقد قدم لهذا الكتاب الدكتور عبد الهادي الفضلي، مبدياً إعجابه به وبالمؤلف الذي نقل قول السيد الخوئي: جميع المخالفين للشيعة الاثنى عشرية في الحقيقة كافرون، وهم الذين سميناهم بمسلم الدنيا وكافر الآخرة!([10]).
· الثورة الإيرانية والغزوة الاثنى عشرية
ومع كل المحاولات التي قام بها الروافض في غزو الزيدية، فقد فشلوا في تأسيس تيار وتشكيل مدرسة اثنى عشرية، حيث ظلت الأفكار الإمامية طارئة ومرفوضة، والحاملون لها موضع سخط ونقمة عموم الزيدية، وخاصة كبار العلماء المجتهدين والمراجع المجددين. وكما يقول الكاتب والباحث الزيدي، الأخ عبد الله محمد إسماعيل، فإن العلاقة بين الزيدية والإمامية لم تكن جيدة فيما مضى، إلا أنها شهدت تحسناً ملموساً بعد الثورة الإسلامية في إيران. ومنذ مدة قصيرة، بدأ الإمامية محاولة جادة في نشر مذهبهم بين صفوف الزيدية في اليمن، وقد نجحوا نجاحاً ملموساً أثره، ولكنه كان محدوداً في انتشاره([11]).
والحق أن الاثنى عشرية قد نجحوا خلال ربع قرن من الزمن (من 1979م ـ2004م) من تحقيق نجاح ملموس في غزو الفكر الزيدي، وخاصة خلال الأربعة عشر عاماً الماضية، منذ قيام الوحدة اليمنية 1990م وإعلان التعددية السياسية التي استفاد منها الاثنا عشرية بصورة واضحة وجلية، حيث برزت أنشطتهم وتوسعت حركاتهم، وظهرت شعائرهم.
· انشقاق الشباب المؤمن عن حزب الحق:
ويمكن اعتبار بداية تاريخ شق الصف الزيدي في اليمن ببداية انشقاق جماعة الشباب المؤمن عن حزب الحق، هذا الانقسام الذي اعتبره البعض سياسياً، بينما هو انشقاق فكري، وانقسام منهجي بين علماء الزيدية، وفي مقدمتهم العلامة مجد الدين المؤيدي، ودعاة الاثنى عشرية، وعلى رأسهم العلامة بدر الدين الحوثي. وبين هذين التيارين والمدرستين غابت معالم المذهب الزيدي، وبرزت أفكار الاثنى عشرية؛ نتيجة الدعم المادي والتشجيع المعنوي من جمهورية إيران، ونشر الكتب الاثنى عشرية، وإقامة الشعائر في ظل صمت وسكوت علماء الزيدية، باستثناء العلامة مجد الدين المؤيدي، الذي أصدر فتاوى بانحراف وضلال جماعة الشباب المؤمن، الذي انحرفوا عن المذهب الزيدي، واعتنقوا الفكر الاثنى عشري، وخاصة سب ولعن الصحابة، والقول ببطلان خلافة أبي بكر وعمر عثمان.
وهذا العلامة بدر الدين الحوثي يقول في رسالته (إرشاد الطالب): "الولاية بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعلي عليه السلام... ولم تصح ولاية المتقدمين عليه: أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يصح إجماع الأمة عليهم. والولاية من بعده لأخيار أهل البيت: الحسن و الحسين وذريتهما الأخيار أهل الكمال منهم. والولاية لمن حكم الله بها له في كتابه وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رضي الناس بذلك أم لم يرضوا فالأمر إلى الله وحده، وليس للعباد أن يختاروا، ولا دخل للشورى في الرضا؛ لأنه لا خيار للناس في أمر قد قضاه الله ورسوله" ([12]).
وفي هذه الرسالة التي صدرت سنة (1414هـ = 1994م) والتي أعدها وقدم لها محمد يحيى سالم عزان، تجد بصمات التشيع الاثنى عشري الإمامي، حيث يؤكد الحوثي الأب بصريح العبارة بطلان خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وان الولاية منصب ديني قد قضاه الله ورسوله، وليس للعباد أن يختاروا. وهذا يعني أن أبا بكر وعمر وعثمان قد خالفوا المشيئة والإرادة الإلهية، واغتصبوا حق الإمام علي في الولاية. وهذا هو مذهب الاثنى عشرية الذين وجدوا في الحوثي وجماعة الشباب المؤمن بيئة خصبة لنشر مذهبهم وانتشار أفكارهم، عبر كتب ورسائل بدر الدين الحوثي، الذي يبشر بالفكر الانثى عشري تحت ستار المذهب الزيدي، ومعه عدد من الباحثين والمحققين، أمثال: محمد يحيى سالم عزان، الذي قام بتحقيق ونشر عدد من الكتب والرسائل التي تخدم الفكر الاثنى عشري. وعزان من قيادات الشباب المؤمن، ومن الموجهين الفكريين. ومن أهم أعماله تحقيق كتاب (الغطمطم الزخار) لابن حريوة السماوي، المعروف في غلوه في التشيع والرفض والطعن والسب. وللأسف الشديد أن هذا الكتاب ـ الذي حققه عزان ـ قدم له القاضي أحمد بن محمد الشامي، وأمين عام حزب الحق!! وقامت صحيفة الأمة بإعادة نشر هذه المقدمة التي فيها تحامل وتجريح للإمام الشوكاني، ومدح وإطراء للعلامة ابن حريوة السماوي ـ الرافضي!!
· استخدام الاثنا عشرية لصحيفة الأمة:
وهذا من المفارقات، حيث استخدم الاثنا عشرية صحيفة الأمة الناطقة باسم حزب الحق؛ لنشر أفكارهم وانحرافاتهم، وساعدت كثيراً على نمو وتوسع هذا التيار السرطاني في معظم مناطق اليمن، حيث تمدد هذا التيار وتطور من زيدية متشددة إلى اثنى عشرية منحرفة!!
· التحول من الزيدية إلى الرفض شاهد خطر:
ويمكننا القول أن الفكر الاثني عشري حقق خلال السنوات السبع الماضية، من (1997م ـ 2004م) حضوراً واضحاً، وانتشاراً متميزاً، سواء تحت غطاء جماعة الشباب المؤمن، أو تحت لافتات أخرى!! وخاصة بعد خروج عدد من الناشطين والباحثين من المذهب الزيدي علانية، واعتناقهم الفكر الاثني عشري، وتصريحاتهم وكتاباتهم التي يعلنون من خلالها بوضوح وجلاء أنهم اهتدوا إلى الحق المبين، وعرفوا الصراط المستقيم، واستمسكوا بالعروة الوثقى.ويؤكد هؤلاء على بطلان المذهب الزيدي، ومن أقدمهم (المهتدي والمستبصر) أحمد بن علي محمود شرف الدين، من أهالي صنعاء، والذي أكد على أن المذهب الاثني عشري ليس فيه عوجاً ولا أمتا، أما المذاهب الأخرى، وفي مقدمتها الزيدية، فهم ظلام دامس، يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ويضيف شرف الدين، في أحد مواقع (الإنترنت) أنه اعتنق الاثني عشرية سنة 1985م، وانتقل إلى عالم النور، واستمسك بالعروة الوثقى. بينما يذكر (يحيى طالب) من مواليد الجوف سنة 1974م أنه وبعد بحث طويل وعناء كبير، توصل مع أحد أصدقائه إلى حقائق خطيرة، حيث ثبت لديهما في نهاية المطاف بطلان المذهب الزيدي، وأن الاثني عشرية هي الأقرب إلى الحق. وهكذا يسير العشرات، بل المئات من الشباب في هذا الاتجاه: اعتناق الاثني عشرية كعقيدة حق، وترك الزيدية كمدرسة باطل. وقد استهدف الروافض هؤلاء الشباب الباحثين عن جهة تشيع حبهم لآل البيت، تملأ فراغهم الفكري والعقائدي.
ويذكر الأخ حميد محمد رزق في صحيفة الأمة: بدأ الكثيرون من الزيدية العدول إلى مذهب الاثني عشري، لما رأوا فيه من المعاني والأداء الذي يلبي طموحا وحاجة في نفوسهم([13]).
· الغزو الإلكتروني للرافضة:
في إطار التبشير بمعتقداتهم، يستخدم الروافض شبكة المعلومات (الإنترنت) استخداماً جيداً في نشر أفكارهم وتسويق آرائهم وجذب أنصارهم، وخاصة في اليمن، حيث أصبح للعديد، من الذين اعتنقوا الاثني عشرية، مواقع في الشبكة العنكبوتية، ومن أبرزهم: الدكتور عصام علي العماد، وشقيقه حسن العماد، والأخ محمد العمري. فقد ذكر أحد مواقع الإنترنت، أن الشيعة الإمامية الاثني عشرية في اليمن تعتبر إحدى الفرق المميزة في الساحة، ويبلغ عدد أتباعها نسبة 2 بالمائة تقريباً. وأن نسبة معتنقي هذا المذهب يزدادون سنوياً، وخاصة أيام محرم وصفر وشهر رمضان المبارك.
ومن أهم الأسباب ـ التي ذكرها الموقع ـ لاعتناق الزيدية مذهب الاثني عشرية: الفراغ العقائدي القاتل، وعدم تلبية متطلبات الروح في عصر المادية العمياء، هذه المتطلبات التي من أهمها الغذاء الروحي متمثلا في مجالس الدعاء، ومجالس العزاء، والاهتمام بقضية الإمام الحسين، وتخليد ذكرى عاشوراء، وغيرها من الأنشطة التي يقوم بها الاثنا عشرية في الديار اليمنية لنشر المذهب، باعتبار أن المستقبل للشيعة الاثني عشرية([14]). وللدكتور عصام العماد بحث بعنوان: (المستقبل للتشيع) يثبت فيه أن القرن الحادي والعشرين هو قرن التشيع، بعد أن كان القرن العشرين قرن الاعتراف بالتشيع كمذهب رسمي، بعد محاربة طويلة دامت أكثر من ثلاثة عشر قرناً!!
ومن أبرز المتحولين إلى الاثني عشرية، ولهم موقع إلكتروني وأنشطة مختلفة، محمد حمود العمري، الكاتب والباحث الذي اعتنق الاثني عشرية بعد عناء طويل وبحث وتحقيق، وله كتاب (واستقر بي النوى) وموسوعة (رحلة عقل) وله كتابات في صحيفة الأمة وأنشطة متنوعة؛ لنشر الحق المتمثل بالفكر الاثني عشري ـ حسب اعتقاده ـ ومع دعائنا لعودة هؤلاء إلى الفهم الحق، فلا شك أن الصدق والصراحة في إعلان المعتقد، أفضل من الكذب والتقية، واستخدام المذهب الزيدي ظاهراً لنشر الاثني عشري باطناً، والخلط بين المدرستين، كما يفعل بعض الباحثين والمحققين الزيدية، أمثال: محمد يحيى سالم عزان، وعبد السلام الوجيه، الذي خدم الروافض الاثني عشرية خدمة كبيرة في كتابه (أعلام المؤلفين الزيدية).
· جناية عبد السلام الوجيه على المذهب الزيدي
لا أكون مبالغاً إذا قلت أن من أهم عوامل انتشار المذهب الاثنى عشري في الفكر الزيدي، كتاب (أعلام المؤلفين الزيدية) للكاتب والباحث المعروف عبد السلام بن عباس الوجيه، حيث قام بقلب الحقائق وتغيير الوقائع، وخلط الحابل بالنابل والحق بالباطل؛ فقد ترجم لعدد كبير من الروافض الاثني عشرية على أنهم من الزيدية.