مشاهدة النسخة كاملة : ألقاب الشريف والسيد... والعودة للجاهلية.
الطاهري
21 Apr 2008, 01:13 AM
مقال جميل منشور في الشبكة العنكبوتية، أدعو الإخوة إلى قراءته والتأمل فيه، والاستفادة منه:
الجاهلية حالة وليست مرحلة مضت وانقضت، وهذا يعني أنها توجد بوجود علاماتها ومظاهرها، وتنتفي بانتفائها. وقد ترجع الجاهلية ومعها كلُّ مظاهرها، فتكون جاهليةً كاملةً لها نفسُ حكمِ الجاهليةِ الأولى! وقد تتكررُ ببعض مظاهرها وقِيمها، فتأخذُ كلُّ حالة حكمَها الخاص بها.
ثم قد تكون الجاهلية ظاهرةً اجتماعيةً عامةً، وقد توجد بعضُ علاماتها في بعض الأفراد! كلُّ هذا والناس في هذا المجتمع "الجاهلي" مسلمون! والفردُ الذي يحمل صفةً أو أكثر من صفات الجاهلية، فيه من الجاهلية بقدر ما فيه من هذه الصفات وهو مسلم! أرأيت إلى أبي ذر رضي الله عنه سادس من أسلم، الذي ما أظلَّت الخضراء، وما أقلَّت الغبراء أصدقُ لهجةً منه، والذي لم تتحمل حساسيته الإيمانية أن يعيش في دنيا الناس! حتى لو كان هؤلاء الناس هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال فيه من لا ينطقُ عن الهوى إنَّه سيعيش وحيداً، ويموت وحيداً، ويُبعث يوم القيامة وحيداً. ومع كلِّ هذا عندما صدر عنه ما يدلُّ على بقية قيمة من قيم الجاهلية فيه صَدَمه عليه الصلاة والسلام بِ " إنك امرؤ فيك جاهلية".
إنَّ الإسلام لم يأت ليحارب الشرك في صورته الساذجة، المُكوَّنة من صنم، وكاهن، ومعبد، بل جاء لينقل البشرية تلك النقلة الهائلة في التصورات ؛ تصور الإنسان عن الحياة، وتصوره عن الكون، وتصوره عن الإنسان نفسه، وتصوره عن مجموعة القيم التي تضبط حياته وتُوجهها، وغيرها من التصورات، وهي في حقيقتها أثر من آثار الشرك، ولا أبالغ إذا قلت: بل إنَّ الشرك من آثارها، ذلك أنه من آثار النفس الجاهلة، المتبعة لشهوات النفس في كل أبعادها، النفس التي تضيق بمقاييس الإسلام فتحاول التفلُّت منها، أو من بعضها بحسب ميولها، يقول مالك بن نبي رحمه الله: "إذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإنَّ الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرِسُ أفكاراً، بل ينصِب أصناماً؛ وهذا هو شأن الجاهلية" (شروط النهضة: 3).
إن الوثنية وليدةُ حالةٍ معرفيةٍ ونفسيةٍ، وما الصنم إلا أحد أبسط انعكاسات تلك الحالة! وإنَّ الوثنية بهذا الفهم ضِيق، والتوحيد سَعة، أليس هذا هو فهم الصحابة لدينهم الذي عبَّر عنه ربعيُّ بن عامر رضي الله عنه:"جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة..".
لقد جاء الإسلام ليُسقط النُّظم القائمة على الطبقية الوراثية، التي تميز فئة على أخرى، لا لسبب منطقي، ولكن لاختلاف الفراش الذي وُلد عليه الإنسان! وليعلي من شأن الإنسان لإنسانيته أولاً، ثم لما يكتسبه من سعيه ثانياً. فإذا أردت أن تعرف رُقيَّ مجتمع ما، فعليك بمعرفة طريقته في تقييم أفراده، وعلى أي أساس يُقدِّم بعضهم على بعض ! فإذا رأيته يُقدِّم" و"يشرِّف" واحداً على الآخر بناءً على دمه ونسبه، وما يرثه من ألقاب، فاعلم أنه مجتمع متخلف ظالم، يعيش حالة الشرك والجاهلية في أوضح صورها!
جاء الإسلام ليقرر أعظم مبدأ، وأهم قيمة لحفظ المجتمع، وتكريم الإنسان فقال مبيناً مقياس تفضيل الإنسان: "... إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم ..." أتقاكم، ولا شيء غير التقوى، يقول: "إن أكرمكم أيها الناس عند ربكم، أشدكم اتقاء له بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لا أعظمكم بيتاً ولا أكثركم عشيرة" (الطبري).
وعاش المسلمون في الصدر الأول على هذا زمناً رغداً، حتى بدأت عرى الإسلام تنقض عروة عروة! وبدأ المجتمع المسلم يسترجع قيم الجاهلية ويجعلها تحكم حياته السياسية والاجتماعية. ففي السياسة تحول الحكم ـ منذ منتصف القرن الأول ـ إلى وراثة! يرث فيها الابن أباه! ولماذا؟! لأنه ابنه فقط! مما يعني أنه أفضل من عليها، وأفقه وألطف وأعظم من دفعته الأرحام! و
من يريد أن يجمع بين الضحك، والبكاء فليقرأ عجائب انتقال الحكم في تاريخنا من الآباء إلى الأبناء، وكيف كان يضيق الأمر أحيانا فيُولون من لم يبلغ الحلم بعد، يأتون به على أعين الناس فيبايعونه وهو لا يعلم لم جيء به، ولا عجب فهو لا يعرف من دحاها، ولا من طحاها!
أما في الحياة الاجتماعية، فسننتظر إلى القرن الثالث الهجري ليُنقض المبدأ العظيم الذي أكد عليه الإسلام، وهو مبدأ تفضيل الناس بأعمالهم. تأسست في هذا القرن أول نقابة للأشراف، وصار المجتمع المسلم مكوناً من طبقة الأشراف والسادة المنتسبين إلى آل البيت، ومن طبقة أخرى هي باقي الأمة! أما لماذا هؤلاء أشراف وسادة؟! هل لعمل قاموا به ؟ أم تراهم وقفوا موقفاً نصروا به الإسلام والمسلمين؟ وهل اكتسبوا هذين الوصفين اكتساباً؟ الجواب: كل هذا لم يكن! بل يولد الواحد منهم ـ ضربة لازب على عباد الله ـ سيدا وشريفا! بالدم والنسب! ويا ضيعة الجهود، ويا ضيعة النصوص، كلها ذهبت أدراج الرياح، من أجل شهوات من يريد التفاخر على الخلق!
نعم لا بد من المحافظة على أنساب آل البيت لأحكام خاصة بهم، لكن إلى هنا وحسب! ونعم نحن نحبهم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عند الحب وفقط. ولست أعرف نصاً صحيحاً صريحاً يعطيهم أكثر من هذا! على أن النصوص القطعية والتي تشكل قواعد الشريعة تنصُّ على عدم تمييز أحد على أحد إلا بعمله هو في الدنيا والآخرة، وكثيرة هي النصوص التي تقول "بما كسبتم" و"بما عملتم". ولست أعرف كذلك أنهم أُعطوا هذه الألقاب على عهد الصحابة رضوان الله عليهم.
وإنني في عجب لا ينتهي ممن يلقب نفسه بالسيد أو الشريف، ويطلب من الناس ذلك، ويغضب إن لم يفعلوا! ويزداد عجبي وقهري عندما يكون طالبَ علم يوقع على غلاف كتابه: الشريف الفلاني!!! من أين جاءوا بهذه الفرية؟ أمن قوله صلى الله عليه وسلم عن الحسن رضي الله عنه: "إن ابني هذا سيد وسيصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين"؟ لا دليل في هذا النص على ما يريدون، فهو رضي الله عنه سيد لا لأنه الحسن ابن بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكن بعمل عظيم سيقوم به وهو الإصلاح بين المسلمين.
ثم إن هذه السيادة لا تورث فلا تنتقل إلى نسله. أم تراهم جاءوا بها من قوله صلى الله عليه وسلم: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"؟! نعم هما كذلك لإيمانهم وأعمالهم التي لا تنتقل آثارها إلى ذريتهما بالجينات! ولو كان كذلك فهلا كان نسل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما سادةً لقوله صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر وعمر سيدا كهول الجنة.."؟ أم تراهم أخذوها من آية الأحزاب: "... إنما يريد الله لِيُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"؟! وسأغض الطرف عن الخلاف فيمن هم أهل البيت، وسأقول ـ تنزلاً ـ هم علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، ولا أحد معهم.
فهل يُستفاد من الآية أن هذه الطهارة تنتقل بالوراثة؟ وقبل هذا هل تعني الآية أن تطهير المخاطبين في الآية تطهير كوني، بمعنى أنهم مطهرون من الله، لأنه سبحانه أراده؟! والجواب قطعاً لا، فالإرادة في قوله سبحانه "يريد" ليست كونية وإنما شرعية، فهي تعني أن الله يريد منكم شرعا أن تكونوا طاهرين، وذلك بإتباعكم لأوامره السابقة للآية واللاحقة لها . والدليل على ذلك من القرآن قوله تعالى في سورة المائدة وهو يتحدث مع المؤمنين: "... ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون" (الآية: 6). فالإرادة في قوله تعالى: "ولكن يريد ليطهركم" إرادة شرعية لا كونية، أي أن الله سبحانه يطلب منكم أن تتبعوا أحكامه لتنالوا الطهارة، ولتتم عليكم النعمة.
وغير هذا يلزم منه أن يكون كلُّ المؤمنين مطهرين طهارة كونية! ولا أحد يقوله. أما حديث: "كلُّ نسبٍ وسببٍ ينقطعُ يوم القيامة إلا نسبي وسببي"، فهو حديث فيه مقال، ولو قبلناه سنداً، فمتنه يخالف قواعدَ الدين، إذ كيف يكون النسبُ سبباً من أسباب النجاة في الآخرة؟! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "يا فاطمة بنت محمد اعملي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا .."، ويقول أيضا عليه الصلاة والسلام:" إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء ..." (رواه أبو داود وسكت عنه، وما سكت عنه صالح كما في رسالته لأهل مكة، والترمذي وقال: حسن صحيح).
ويقول صلى الله عليه وسلم: "أبغضُ الناس إلى الله ثلاثة: ملحدٌ في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه". وهذه الألقاب من سنة الجاهلية.
إنَّ الإنسان هو الذي يصنعُ جاهَه، ويبني مجدَه وشرفَه، ويتقدمُ قومَه بحكمته وتجربته، ويسودُ عليهم بمواقفه ومآثره. وإنَّ المجتمع هو الذي يفرز أشرافه وسادته نتيجة لما يراه منهم، وبسبب ما يقدمونه له. وإنَّ من الحمق، كلِّ الحمق، أن يُقدم الإنسانُ نفسَه على الناس بشيءٍ لا يدَ له فيه، ولم يكتسبه بجهده. إنه نوعٌ من التعالي الفارغ يُفسد الحياةَ لأنه يزرع بذور الانقسام في المجتمع، فيقطع الصلات، ويغرس الأحقاد، ويثير أعاصير الكيد والانتقام.
وهو شكل من أشكال الظلم، لأنه اعتداء على كرامة الإنسان، وإلغاء لعقله وإدراكه. وهؤلاء الذين "يُشرِّفُون" أنفسهم لمجرد الدم والنَّسب معتدون على عقيدة التوحيد، ومخالفون لمقاصد بعثة الرسل، وإنزال الشرائع! وهو بدعة ضلالة لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا على عصر صحابته رضوان الله عليهم. وما تسربت هذه الآفة على الدين الصحيح إلا من خرافات التشيع ذلك الإسفين الذي دُقَّ في جسم الأمة فلم يُخلِّف إلا الويل والثبور.
وها هي الخرافة تستحوذ على عقول المسلمين، فيُقبل بعضُهم على شراء أنساب الأشراف، وهناك من يبيع، فقد نقل موقع كفاية عن الأمين العام للمجلس الأعلى لآل البيت في مصر، أنه قد بيع نسب الأشراف بـ 5 ألف جنيه! إنها الخرافة التي تدفع الناس للدفع كي يستعلوا على الناس بالوجاهة الفارغة! وينالوا الأفضلية ـ بظنهم ـ، وليتحللوا من المسؤولية، وليتسلطوا على رقاب الناس، ولقد صدق من وصف الأمة بأنها:
تعشقُ الألقابَ في غير العُلى *** وتُفدِّي بالنفوس الرُّتبا
وأخيراً، وبعد ما سبق، أسألُ من يُطلق على نفسه لقب: الشريف! هل يسوغ لكل من صح نسبه أن يلقب نفسه به؟ كيف ونحن نشاهد منهم من لا يصلي، ومن يشرب الخمر، ومن .... فإن كان لا! فلا بد من امتحان يُعرف به من يستحق ممن لا يستحق! وعلى نقابات "الأشراف" أن تُعين من يراقب ويتابع قبل الامتحان وبعده! ... وآمنت بمن قال: " فـلا تُزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى"، وصدق الله العظيم.
مشكور الله يجزيك الخير ويبارك فيك.
اليمني2
21 Apr 2008, 05:29 PM
المقال مهم ويحتاج إلى نقاش حوله..
لأن كثير من علمائنا لا يرون بأسا ًبهذه التمسية للتمييز.
نيران صديقة
21 Apr 2008, 06:02 PM
هناك بحث للشيخ حاتم العوني عن حكم التلقب بالشريف
سوف أبحث عنه وأرفقه هنا لإثراء النقاش في المسألة.
الوابل
22 Apr 2008, 08:32 AM
منتظرون للبحث الآخر
المسألة فعلا مهمة.
الطاهري
22 Apr 2008, 03:01 PM
من الأمور المهمة في المسألة أن من يسمون أنفسهم الأشراف أو السادة ويصرون على هذه التسمية بحجة أنهم من بني هاشم، ينسون أن بني هاشم أنفسهم في أيام النبي صلى الله عليه وسلم لم يسموا أنفسهم بهذا الاسم، ولا كان من عادة الصحابة تسمية أحد من الهاشميين أو غيرهم سادة أو أشراف، حتى ولا الحسن أو الحسين أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الصحابة يقولون لأحدهم الشريف الحسن أو الشريف الحسين، أو السيد، رغم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ان ابني هذا سيد، ويقصد به الحسن رضي الله عنه، ولكنها كانت سيادة العمل العظيم الذي قام به، والذي لم يعجب الشيعة طبعا، وهم أصحاب هذه الألقاب البدعية من ناحية الأصل، وليست سيادة النسب...
وهذا كله لا ينفي وجود أحكام شرعية خاصة لآل البيت، ولكن ألقاب السيد والشريف ليست منها، ففيهم من شرف نفسه بالانتساب لأهل السنة والجماعة والعمل الصالح، ومنهم من جعل نفسه من الأراذل بالبدعة والمعصية والغفلة...
نيران صديقة
23 Apr 2008, 12:04 PM
مشروعيّة التلقُّب بالشريف [1/2]
د. الشريف حاتم بن عارف العوني 29/10/1427
20/11/2006
المقدمة
النصوص الدالة على فضل آل البيت
من هم آل البيت؟
حق المقصر من آل البيت
"وأهل بيتي"
المقدمة
الحمد لله ذي الجلال، والصلاة والسلام على النبيّ وأزواجه والآل.
أما بعد: فهذه مقالةٌ رجوتُ فيها بيان حكم التلقّب بـ(الشريف) لمن كان من آل بيت النبوّة، والذي حثّني على كتابته هو: أن أُبرز فيه الحجّة الشرعيّة على جواز هذا اللقب، ولكي أردَّ على ما قد يُثَار عليه من شُبَهٍ، ولبيان أحكام أهل العلم وأقوالهم فيه مما يدلّ على أنّهم يرون جوازه وأنهم لم يكونوا ينكرونه.
وحرصتُ في هذا المقال على الاختصار؛ لأنه أدعى لتيسير الاستفادة منه، ولأنّ الأمر لا يستلزم أكثر من هذا المقال. وإلا فالاستطرادُ إلى جوانب الموضوع المتعدّدة، ومحاولة الجواب عن كل شُبهةٍ بعيدةٍ وفكرةٍ طريدة = بابٌ لا ينغلق، ومساحةٌ واسعةٌ للقلم والقرطاس. وهذا التطويل ليس هذا الموضوعُ مكانَه، ولا يستوجبه مثلُ هذا المقال.
النصوص الدالة على فضل آل البيت
وألجُ هذا الموضوع بالتذكير بشيء من النصوص الدالّة على فضل آل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم-:
فقد قال الله تعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً" [الأحزاب:33]. وقد فسّر النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- هذه الآية فيما صحّ عنه عند الإمام مسلم (صحيحه رقم 2424) وغيره (انظر الدر المنثور 12/37-42)، بما لا يجوز مخالفته، ولا يعارض سياقَ الآية(1). ولذلك ذهب جمهور المفسّرين والمحقّقون منهم: كالواحدي، وابن عطية، وابن كثير: أن المقصود بالآل: الذين حُرموا الصدقة من آل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم- ، مع أزواجه –صلى الله عليه وسلم- أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فجمعوا بهذا التفسير بين: الخبر الوارد عن النبي –صلى الله عليه وسلم-، ولفظ الآية الدال على عدم تخصيص الأزواج وحدهن، وسياق الآية الوارد في الأزواج. والمقصود بالإرادة هنا: الإرادة الشرعيّة، لا القدريّة. والمعنى: إنما يحبّ اللهُ لكم التنزّه عن الذنوب وأن تَطَهّروا منها تطهيرًا كاملاً. وَوَجْهُ التفضيل لهم بذلك: تخصيصُهم بالذكر من دون بقيّة الناس، مع أنّ التنزّه من الذنوب محبوبٌ إلى الله تعالى من الناس كلّهم، ليدلّ هذا التخصيص أن تنزُّهَ آل البيت من الذنوب أحبّ إلى الله تعالى، ممّا يدل على ما لهم عند ربّهم –عز وجل- من المكانة. مع ما في الآية من دلائل الإكرام الأخرى، ومنها: وَصْفُهُم بأنهم أهل البيت، وما في ذلك الوصف من التكنية عن أسمائهم بهذا اللقب الشريف المنسوب إلى بيت النبوّة، ومجيئه منصوبًا على وجه المدح. ومنها: ما بدأ الله تعالى به الآية بالفعل المضارع "إِنَّمَا يُرِيدُ" الذي يدلّ على أنّ هذه الإرادة متجدّدةٌ مستمرّةٌ لن تنقطع(2)، ويدلّ عليه أيضًا كون (أهل البيت) لفظًا عامًّا يشمل كل من صحّ شرعًا إطلاقه عليه إلى قيام الساعة.
وقد خَصَّ الله تعالى آل بيت النبيّ –صلى الله عليه وسلم- بأحكام شرعيّة: كتحريم الزكاة عليهم تكريمًا، وفَرْضِ جزءٍ من المغانم الجهاديّة تشريفًا لهم. وقد قال السيوطي في الخصائص الكبرى (2/405-406): «لـمّا كانت الصدقةُ أوساخَ الناس، نُزّهَ منصبُه الشريف عن ذلك، وانجرَّ إلى آله بسببه. وأيضًا: فالصدقةُ تُعْطَى على سبيل الترحُّمِ المَبْني على ذُلِّ الآخِذ، فأُبْدِلوا عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العزّ والشرف المُنْبِيء عن عزّ الآخِذ وذُلّ المأخوذ منه».
وهذان الحكمان الشرعيّان اللذان شرَّفا آلَ بيتِ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- ، وبَيَّنَا اختصاصهم بمزيد الإعزاز في دين الله تعالى = حكمان باقيان إلى قيام الساعة ما بقي هذا الدين، ليكونا تشريفًا وإعزازًا لآل بيت النبوّة إلى قيام الساعة ما بقي هذا الدين أيضًا؛ ليدلّ ذلك على أن تشريفهم وإعزازهم مقصدٌ شرعي دائمٌ ما بقي الشرع الحنيف !!
كما أنه قد جاءت نصوصٌ كثيرة صريحةٌ على بيانِ: فَضْلِهم نسبًا ونَفْسًا، وعلى ما لهم عند الله تعالى من المكانة.
فمن النصوص الدالّة على شرف نسبهم حديث واثلة بن الأسقع –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)) (صحيح مسلم رقم 2276).
ففي هذا الحديث الصحيح دليل على شرف نسبهم، وأنّ الله تعالى اصطفى هذا النسب من بين سائر الأنساب.
ومن النصوص الدالّة على مكانتهم عند الله تعالى حديثُ أنس –رضي الله عنه-: ((أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، فقال: اللهم إنّا كُنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا، فاسْقنا. قال: فيُسْقَوْن)) (صحيح البخاري رقم 1010).
ولا خلاف أن في المسلمين في حياة العباس –رضي الله عنه- من هو أفضل من العباس، كعمر بن الخطاب –رضي الله عنه- ، وعثمان –رضي الله عنه- ، فما وَجْه تخصيص عمر العباسَ –رضي الله عنه- بالتشفُّع بدعائه إلى الله تعالى؟ لقد جاء الجواب في كلام عمر –رضي الله عنه- ، وهو أن العباس –رضي الله عنه- (( عمّ نبيّنا )) –صلى الله عليه وسلم- . وهذا يعني أن القربى من النبيّ –صلى الله عليه وسلم- (مع الإسلام) سببٌ عظيمٌ من أسباب استجابة الدعاء، وأنّ دعاء المسلم من أهل بيت النبوّة قد يكون أولى بالإجابة من دعاء المسلم من غيرهم، ولو كان المسلم من غير ذوي القربى أفضلَ وأتقى من ذي القربى !!
وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2/577): «ويُستفاد من قصّة العباس: استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوّة ..».
وهذه منقبةٌ عظيمةٌ لأهل بيت النبوّة، تدل على أن فضلهم ليس قاصرًا على حقوقهم الدنيويّة من الإجلال والمحبّة والإكرام، بل إن لهم مكانةً عند ربهم عز وجل، وهي مكانةٌ نالوها بمكانتهم من النبي –صلى الله عليه وسلم- مع إسلامهم؛ ولذلك فقد يكون الرجل من آل البيت في جيله وأهل زمانه أولى إجابةً للدعاء من الأتقى ممن سواهم.
فإن قيل: لـمَ لم يتوسّل عمر –رضي الله عنه- بدعاء علي بن أبي طالب، وهو من آل البيت، وهو أفضل من العباس إجماعًا؟ فأقول: هذا مما يؤكّد أن الدعاء يَكون أولى إجابة بمزيد القربى من النبيّ –صلى الله عليه وسلم-، ولا شكّ أن العباس وهو عَمُّ النبي –صلى الله عليه وسلم- أقربُ إلى النبيّ –صلى الله عليه وسلم- من ابن عمّه علي بن أبي طالب. وهذا يعني أن الأقرب إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- أولى بإجابة الدعاء من الأتقى ولو كان من ذوي القربى، وهذا قاطعٌ في بيان سبب الإجابة للدعاء من ربّنا –عز وجل-، وأنها القربى من النبيّ –صلى الله عليه وسلم- مع الإسلام.
وفي الحديث الصحيح الآخر عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي)). (صححه الحاكم 3/142، 158، والضياء المقدسي 1/398 رقم 281، وغيرهما، فانظر: البدر المنير لابن الملقن 7/487-490، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم 2036، ومسند الإمام أحمد رقم 11138، 18907).
ولذلك فقد اتّفق أهل السنة والجماعة على تفضيل آل البيت، وعلى أن لهم حقوقًا من الإكرام والتقدير الواجب، لقرابتهم من النبيّ –صلى الله عليه وسلم- . وللعلماء من أئمة السنة كلامٌ طويلٌ في بيان ذلك، ولهم مؤلفاتٌ كثيرةٌ فيه، وكُتبت رسائلُ جامعيّةٌ في توضيح هذا المعتقد القلبي في آل البيت، وفي بيان لوازمه العمليّة، وفي الحثّ على تحقيق شعبة من شعب الإيمان المتعلقّة بآل البيت، وهي حبّهم وتعظيمهم ظاهرًا وباطنًا، بغير غلو ولا جفاء. (وانظر: شعب الإيمان للبيهقي 3/156).
من هم آل البيت؟
ومن المعلوم أن آل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم- هم من تحرم عليهم الزكاة، واتفق أهل العلم على ذلك، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيميّة في كتابه منهاج السنة النبويّة (4/594-595). وهذا يعني أنه من الخطأ الشائع (بين بعض أهل العلم! فضلاً عن طلبته) قولهم: إن آل البيت لهم حقٌّ بشرط أن يكونوا مسلمين، ويضربون مثلاً بأبي لهب عمّ النبيّ –صلى الله عليه وسلم-. وكان هذا القول خطأً؛ لأنّ أبا لهب وغيره من قرابة النبي –صلى الله عليه وسلم- الكفار ليسوا ممن تحرم الزكاة عليهم تكريمًا لهم لأنهم من آل بيت النبوّة، فـ(آل البيت) لفظ شرعي لا يُطلق إلا على من يستحق ذلك التكريم من آله –صلى الله عليه وسلم-، وهم المسلمون فقط(3). فلا داعي لذلك القيد: (إذا كانوا مسلمين)، ولا داعي لضرب المثل بأبي لهب؛ لأنه لا مدخل له في هذا السياق أصلاً.
حق المقصر من آل البيت
وأمّا المقصّر والعاصي من آل البيت، فله حقّ الإسلام الذي يشاركه فيه كل مسلم، وله حقّ القربى من النبي –صلى الله عليه وسلم- الذي أجمع عليه علماء أهل السنة، فيُحَبُّ لإسلامه، كما يُحبّ أيضًا لقرابته من النبيّ –صلى الله عليه وسلم-، وتُبْغَضُ معصيتُه، ويُبْغَضُ بقدر ما فيه من ظلم أو إفساد. وكما لا يُلغي الفسقُ الحقَّ العامَّ للإسلام للمسلم على المسلم؛ لأن الفسق لم يُخرج صاحبه عن دائرة الإسلام، فكذلك لا يُلغي الفسقُ حقَّ القرابة من النبي –صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه ما زال من آل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم-. ولذلك ما زال العاصي من آل البيت مكرَّمًا بتحريم الزكاة، مشرَّفًا بحقّه من المغانم؛ مع عصيانه؛ لأن عصيانه لا ينفي قرابته بالنبيّ –صلى الله عليه وسلم-، ما دام لم يصل إلى حدّ الخروج من الملّة إلى الكفر.
وقد قرّر العلماء -كشيخ الإسلام ابن تيميّة في مجموع الفتاوى (28/208-209)- أن الشخص الواحد قد تجتمع فيه أمور، يُحَبُّ ببعضها من وجوه، ويُبْغَضُ ببعضها من وجوه أُخَر. وهذا أمرٌ مشاهَدٌ:
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها *** كفى المرءَ نُبلاً أن تُعَـــدَّ معايبــُـه
وهذا سببٌ آخر يبيّنُ خطأ العبارة المذكورة آنفًا، والتي تسلب آل البيت حقَّ القربى إذا لم يَثْبت لهم (عند سالبِهم حقَّهم) وَصْفُ التقوى والإيمان، وإن كانوا مسلمين. ولذلك فقد يتجاوز بعضُ أصحاب هذا المذهب قيدَ اشتراط الإسلام إلى قيد اشتراط الإيمان، بقولهم في تقرير مذهبهم هذا: لا يجب لآل البيت حقٌّ إلا إذا كانوا مؤمنين؛ فيتوهّمُ الناس بذلك أن الفسق يُسقط حقّ ذوي القربى! فقد بيّنّا بهذا التقرير أن هذا هو الخطأ الثاني الذي وقعوا فيه؛ لأن حقّ آل البيت المشروع ثابتٌ لهم، حتى مع العصيان، كما سبق.
وقد بيَّنَ النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- ما اجتمع لآل البيت من استحقاقهم لحقّين، هما: حق الإسلام، وحق القرابة منه –صلى الله عليه وسلم-. وذلك في حديث العباس بن عبدالمطلب –رضي الله عنه-، وأنه شكا إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- تغيُّرَ قريشٍ على بني هاشم، فقال –صلى الله عليه وسلم-: ((والله لا يدخل قلبُ امرئٍ إيمانٌ، حتى يحبّكم: لله، ولقرابتي)). (وهو حديث صحّحه الترمذي وابن تيميّة في اقتضاء الصراط المستقيم (1/378)، وهو كما قالا، كما تجده في تخريجي لأحاديث الشيوخ الثقات لأبي بكر الأنصاري: رقم 11).
ولابن حجر المكي (ت974هـ) فتوى عن الشريف الذي وقع في الفسق، أجاب فيها بما مُحَصَّله: أن عصيان الشريف لا يُسقط حق قُرباه من النبي –صلى الله عليه وسلم-، كما لا يُحرَمُ الولد العاق من ميراث والده. وشدّدّ (رحمه الله) في ذلك، كما تجده في فتاواه الحديثية (294 رقم 128).
وقال اللقاني (ت1041هـ) : "ويجبُ إكرام الأشراف، ولو تحقّق فسقُهم؛ لأنّ فرع الشجرة منها، ولو مال". (حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح 1/8).
وهذا أمرٌ واضح وضوحَ عدم إسقاط الفسق لحق الإسلام، بل أشدّ وضوحًا؛ لكونه أشدّ انْفِكاكًا في جهته، حيث إنه حقٌّ نسبيٌّ متعلّقٌ بالقرابة من النبيّ –صلى الله عليه وسلم-.
وهذا كُلّه لا يبيح للرجل من آل البيت ما حَرّم الله (ولا شك)، ولا يغنيهم عن العمل الصالح وتقوى الله تعالى. كما أن المعاصي منهم مستقبحةٌ عند الناس أكثر من غيرهم؛ لقربهم من النبيّ –صلى الله عليه وسلم-. وأيضًا فإن خلوص التوحيد شرطٌ لبقاء حقوقهم ووجوب تكريمهم ومحبّتهم؛ فبالكفر والشرك لا يكون لهم أيّ حق من ذلك.
وفي عدم نفع القرابة مع عدم الإسلام جاء حديثُ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- ، أنه عند نزول قوله تعالى: "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" [الشعراء:214] قال –صلى الله عليه وسلم- : ((يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباسُ بنَ عبدالمطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفيّة عمةَ رسول الله، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا)). (أخرجه البخاري: رقم 2753، 3527، 4771، ومسلم: رقم 204، 206).
أمّا من جعل هذا الحديث حجّةً في نفي مكانة آل البيت عند ربّهم –عز وجل-، التي شرفوا بها من مكانة النبي –صلى الله عليه وسلم- عند ربه عز وجل = فقد أخطأ؛ أولاً: لمعارضة هذا النفي للنصوص الأخرى الثابتة المبيّنة لما لآل البيت من المنزلة عند ربهم عز وجل، والتي سبق منها حديثان صحيحان. وثانيًا: الحديثُ واردٌ في الدعوة إلى الدخول في الإسلام، كما هو ظاهر من سبب وروده (وانظر رواياته الأخرى في صحيح مسلم رقم 205، 207، 208)، ولا شك أنه بغير الإسلام لا يكون لأحد مكانة عند الله تعالى. وثالثًا: أن عبارة (( لا أغني عنك من الله شيئًا )) يصح أن يقولها النبي –صلى الله عليه وسلم- حتى للتقي النقي من آل البيت وغيرهم كالخلفاء الأربعة، فمن ذا الذي يغني عن الخلق شيئًا دون الله تعالى؟! فالمعنى: لا أغني عنكم شيئًا إلا بإذن الله تعالى. ولئن صحّ أن غير النبيّ –صلى الله عليه وسلم- يشفع يوم القيامة لقراباته المسلمين(4)، وأن المؤمن يرفع الله آله المسلمين إلى درجته في الجنة، كما قال تعالى: )وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ "[الطور:21]، فكيف يُتَصَوَّر أن يُمنع النبيّ –صلى الله عليه وسلم- من ذلك، وهو سيد المؤمنين، وصاحب الشفاعة العظمى، وهو الذي شفع في عمّه الكافر أبي طالب حتى كان أهون أهل الخلود في النار عذابًا؟!!!
فالمسلم من آل البيت، ولو كان قليل التقوى كثير العصيان، فإسلامه يجعله أحبّ إلى الله تعالى وإلى رسوله –صلى الله عليه وسلم- من العمّ الكافر !!!
وأعود مؤكدًا على ضرورة أن يكون آل البيت قدوة للناس في العمل الصالح، وأن لا يتكلوا على الأنساب ويتركوا العمل. فهذا شيء، وإثبات حق ذوي القربى شيء آخر.
وللعاصي من آل البيت حقٌ آخر، داخلٌ ضمن حقّ القرابة النبويّة، وهو أن يكون الحرص على هدايته أكبر، والشفقة عليه من عذاب الله أعظم؛ إذا صدق حب المرء للنبي –صلى الله عليه وسلم-، وقدّمَ محبّته على محبّة أهله وماله والناس أجمعين، وعلى نفسه التي بين جنبيه. وهذا شأن المحبّ الصادق المحبّة، كما قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- للعباس بن عبدالمطلب –رضي الله عنه-، في دفاع العباس عن أبي سفيان يوم الفتح، فقال له عمر –رضي الله عنه-: (( مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامُك يوم أسلمتَ كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب، لو أسلم، ما بي إلا أني قد عرفتُ أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من إسلام الخطاب، لو أسلم )). (سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم 3341).
هكذا يكون صادق المحبّة للنبيّ –صلى الله عليه وسلم- في حرصه وشفقته على العاصي من آل البيت النبويّ، وليستحضر المسلمُ تجاه العاصي من آل البيت لو أن النبيّ –صلى الله عليه وسلم- كان أمام وجهه، أكان يقدر على أن لا يحرص على هداية ذريته غاية الحرص؟!!! ألا إن ما نعلم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سيبغضه لو كان حيًّا، كما علمناه أبغضه وهو حي. وما نعلم أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سَيُحبُّهُ لو كان حيًّا، كما علمناه أحبّه وهو حيّ.
وقد جاء بإسناد حسن إلى عروة بن الزبير: أن رجلاً وقع في علي بن أبي طالب بمحضرٍ من عُمر، فقال له عمر: تعرف صاحب هذا القبر؟ هو: محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، وعلي بنُ أبي طالب: ابنُ عبدالمطلب، فلا تذكر عليًّا إلا بخير، فإنك إن أبغضتَه آذيت هذا في قبره. (فضائل الصحابة للإمام أحمد، زوائد القطيعي رقم 1089). ولم يقف الأمر عند السلف في مراعاة النبيّ –صلى الله عليه وسلم- بعد موته في ذريته إلى حدّ مراعاته –صلى الله عليه وسلم- وحده، بل راعوا فاطمة ابنته < بعد موتها! فقد صحّ أنّ الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بعث إلى المِسْوَر بن مخرمة الزهري –رضي الله عنه- يخطب ابنتَه، فلقيه مسور، وقال له: « والله ما من نسب ولا سبب ولا صهر أحبّ إليّ من سببكم وصهركم، ولكن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: فاطمة مضغةٌ مني، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما بسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصِهْري. (ثم قال مسور للحسن بن الحسن:) وعندك ابنتُها، ولو زوجتُك لقبضها ذلك. فانطلق الحسن بن الحسن عاذرًا له. (أخرجه الإمام أحمد رقم 18907، وابنه عبدالله رقم 8930، والحاكم 3/158 وصححه). هذه آثار الحبّ الحقيقي، أن تراعي من الميت ما تظنّ أنه لو كان حيًّا لراعاه !!
وبذلك يتبيّن أن الحرص على هداية ضالّ آل البيت وإرشاد عاصيهم ينبغي أن يكون أكبرَ من هداية وإرشاد غيرهم، وأن الشفقة عليهم من عذاب الله تعالى ينبغي أن تكون أعظم من الشفقة على غيرهم؛ لأنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لو كان حيًّا لساءه ضلال ضالهم أكثر من ضلال غيرهم؛ لأنهم ذريته، ولأنهم أوّل من أُمر بتبليغهم دعوة الإسلام "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" [الشعراء:214]؛ ثم هُمْ المحبوبون إليه، بدليل الوصيّة بهم، وبدليل بيانه –صلى الله عليه وسلم- لفضلهم، وبدليل تخصيصهم بأحكام التشريف ... ويكفي أنهم آلهُ وذريته!
ألا إن آل بيت النبيّ –صلى الله عليه وسلم- قد رضوا من الناس -مع ضعف الإيمان الذي ابتُليت به الأمّة المحمّدية- بأن يُنزلوهم قريبًا من منزلة أهاليهم الأبعدين في الحقّ! وما كان هذا سيحصل لو كانوا كالفاروق –رضي الله عنه- (كما سبق عنه)، ولكانوا -لو اقتَدَوْا بسلفهم- مُعَظِّمين لآل بيت نبيهم –صلى الله عليه وسلم-، كما كان الصّدّيقُ أبو بكر –رضي الله عنه-، عندما قال: (( والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أحبّ إليّ أن أَصِلَ من قرابتي )). (أخرجه البخاري: رقم 3712).
وهذا الحق لذوي القربى لا يحتاج إلى كثرة استدلال، لكونه عقيدةً ثابتةً عند أهل السنة والجماعة، ولكونه مقتضى الفطرة في المحبوب، فكيف إذا كان هذا المحبوب هو أعظم محبوب من الخَلْق، وهو رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؟! إن تمام محبّة النبيّ –صلى الله عليه وسلم- تستلزم محبّة ذريّته، وهذا من طبيعة الناس التي لا ينازع فيها إلا مكابر. فكم من أسرة يعظمها الناس لأنها من ذرية عالم من العلماء، وكم أحبّ الواحد منا شخصًا لقرابته من محبوب لديه.
وهذا إمام الدعوة النجديّة التجديديّة محمد بن عبدالوهاب (رحمه الله)، يعاتب بعض أتباعه؛ لأنهم أنكروا على أحد الأشراف من آل البيت تقبيلَ الناس ليده ولكونه كان يلبس عمامةً خضراء، فقال في رسائله الشخصيّة (1/284) : «فقد ذُكر لي عنكم أن بعض الإخوان تكلَّم في عبدالمحسن الشريف، يقول: إن أهل الحسا يحبُّون على يدك [أي يقبّلونها]، وأنك لابسٌ عمامةً خضراء. والإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة؛ فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالفٌ لأمر الله. وأمّا تقبيل اليد فلا يجوز إنكار مثله، وهي مسألةٌ فيها اختلافٌ بين أهل العلم، وقد قبّل زيد بن ثابت يد ابن عباس، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا. وعلى كل حال: فلا يجوز لهم إنكار كل مسألة لا يعرفون حكم الله فيها. وأما لبس الأخضر: فقد أُحدثت قديمًا، تمييزًا لأهل البيت؛ لئلا يظلمهم أحدٌ أو يقصّرَ في حقّهم من لا يعرفهم، وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على الناس حقوقًا، فلا يجوز لمسلم أن يُسقط حقَّهم ويظنّ أنه من التوحيد، بل هو من الغلو...».
وقال رحمه الله في المسائل التي لخصها من كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة (51) :
« لآله –صلى الله عليه وسلم- على الأمة حق لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبّة والموالاة ما لا يستحق سائر قريش، وقريش يستحقون ما لا يستحق غيرهم من القبائل...».
وكذلك كان الإمام أحمد بن حنبل يعظّم آل بيت النبيّ –صلى الله عليه وسلم- ، فقد قال عبدالله بن الإمام أحمد: "رأيتُ أبي إذا جاءه الشيخُ والحَدَثُ من قريش أو غيرهم من الأشراف، لا يخرج من باب المسجد حتى يخرجهم، فيتقدّمونه، ثم يخرج بعدهم". (الجامع للخطيب رقم 801). بل لقد عمل الإمام أحمد بهذا التقديم لآل البيت على غيرهم حتى في كتابه (المسند)، فبدأ بهم بعد مسانيد العشرة المبشرين بالجنة مباشرة.
ولما مرض الإمام أحمد مرض وفاته، وكثُر الناس عليه، ردّ كثيرًا من زوّاره، وفيهم الأمراء والقضاة، إلا بني هاشم، فقد أدخلهم عليه. (مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي 543).
ولـمّا أتاه طبيبٌ لينتزع قطعةً من جسده ماتت من أثر ضرب جلّادي المعتصم، وآلمه مبضع الطبيب، وضع يده على رأسه، وجعل يقول: «اللهم اغفر للمعتصم»، وكرّرها، حتى انتهى الطبيب، فقال الطبيب: «إن الناس إذا امتُحنوا محنة دعوا على من ظلمهم، ورأيتك تدعو للمعتصم! قال: إني فكّرتُ فيما تقول، وهو ابن عمّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فكرهتُ أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة، هو منّي في حلّ». (روضة العقلاء لابن حبان: 165).
وانظر إلى دقّة فهم الإمام أحمد لمداخل النَّصْب والانتقاص من آل البيت في القصّة التالية، فقد ذكر عبدالله بن أحمد أنه مَرَّ وهو صغير مع أبيه بجامع الرُّصافة، وعنده خدمٌ معهم طاسات، يسقون الناس من طيّب الشراب وبارده، وهم يقولون للناس: اشربوا على حُبّ معاوية بن أبي سفيان! فسأل عبدالله أباه: يا أبة، من معاوية؟ فقال الإمام أحمد: «هؤلاء قومٌ أبغضوا رجلاً لم يكن لهم إلى الطعن إليه سبيل، فأحبّوا أعداءه». (ذيل ابن النجار 4/63). فالإمام أحمد لا ينكر حب معاوية –رضي الله عنه-، لكنه ينكر تخصيصه دون من هو أولى منه بهذا البرّ.
والقصص في ذلك أكثر من أن تُحصى، وقد ألّف علماء السنّة في هذا الباب مؤلفات مستقلّة عديدة، وبوّبوا له في مصنفاتهم أبوابًا كثيرةً.
"وأهل بيتي"
ولو لم يكن في آل البيت إلا أنهم وصيّة النبيّ –صلى الله عليه وسلم- المؤكّدة العظيمة في أواخر حياته –صلى الله عليه وسلم-، حيث قام خطيبًا، فقال –صلى الله عليه وسلم-: ((أمّا بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب. وأنا تاركٌ فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به))، وحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: (( وأهلُ بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)). وقد سئل زيد بن أرقم –رضي الله عنه- راوي هذا الحديث بعد روايته: مَن أهلُ بيته؟ فقال –رضي الله عنه- : ((من حُرِمَ الصدقة بعده: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس)). (أخرجه مسلم في صحيحه رقم 2408).
والثقلان هما: كتاب الله وأهل البيت النبوي، سُمّيا بذلك -كما قال العلماء- : لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل، والعرب تقول لكل شيء خطير نفيس: ثقيل.
وقد قال الإمام القرطبي (ت656هـ) بعد الكلام السابق: « فكأنه إنما سمَّى كتاب الله وأهل بيته ثقلين: لنفاستهما، وعظم حرمتهما، وصعوبة القيام بحقّهما ». (المفهم للقرطبي 6/303).
كما أن القرطبي عَلّق على الوصيّة النبويّة بأهل بيته بقول قال فيه: « هذه الوصيّة، وهذا التأكيد العظيم يقتضي: وجوبَ احترام آل النبيّ –صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبّتهم = وجوبَ الفروض المؤكّدة، التي لا عذر لأحدٍ في التخلّف عنها. هذا مع ما عُلم من خصوصيتهم بالنبيّ –صلى الله عليه وسلم-، وبأنهم جزءٌ منه، فإنهم أصوله التي نشأ منها، وفروعُه التي تنشأ عنه...». (المفهم 6/304).
ولو لم يكن في آل البيت إلا أنهم هم الذين أُمرتَ بالصلاة والتبريك عليهم في كل صلاة، وكلّما صليتَ على النبيّ –صلى الله عليه وسلم- أفضل صلاة، لكفى في الدلالة على فضلهم وحقهم. فآل محمد الواردون في الصلاة التي علَّمَنَاها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هُمْ أزواجه وذريّته، كما جاء في اللفظ الصحيح الصريح الآخر، في حديث أبي حميد الساعدي عن النبيّ –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)). (أخرجه البخاري: رقم 3369، ومسلم: رقم 407). وهذا حديثٌ صريحٌ صحيحٌ في تفسير الآل، ما كان ينبغي لمن علمه أن يخالفه، فيدّعي أن آله –صلى الله عليه وسلم- هم أتباعه أو الأتقياء من أتباعه! فما حجّة من خالف هذا التفسير النبويّ الصريح؟! ولذلك كان جمهور أهل العلم (ومنهم فقهاء المذاهب الأربعة كلهم) على أن المقصود بالآل: من تحرم عليهم الصدقة. حتى إن ابن قيّم الجوزية (ت751هـ) لـمّا تكلّم عن هذه المسألة بكلام طويل في كتابه جِلاء الأفهام (236-251)، وصف قول من قال بأن المقصود بالآل الأتباع، أو الأتقياء من الأتباع، بأنهما: «قولان ضعيفان؛ لأنّ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- قد رفع الشبهة ...»، إلى أن قال: « فأولى ما حُمِل عليه الآل في الصلاة: الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك ».
وذهب بعضهم مذهبًا آخر في إخراج من شاء من آل البيت، باقتصاره في فهم وتفسير آل البيت: بأهل الصلاح منهم؛ لكي يتسنّى له التشكيك فيمن أراد أن يشكك في دخوله في الآل، كما سبق نقله والردُّ عليه سابقًا. والغريب أن هؤلاء قد شابهوا غلاة الشيعة، عندما زعموا أن الصلاة على الآل تقتضي عصمتهم، فردّ عليهم شيخ الإسلام ابن تيميّة، بما ينفع أن يكون ردًّا على الطائفتين، حيث قال: « فهذه الصلاة لجميع آل محمد، لا تختصّ بصالحيهم، فضلاً عن أن تختصَّ بمن هو معصوم، بل تتناول كل من دخل في آل محمد. كما أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات يتناول كل من دخل في الإيمان والإسلام. ولا يلزم من الدعاء للمؤمنين عمومًا ولا لأهل البيت عمومًا أن يكون كلُّ منهم برًّا تقيًّا، بل الدعاء لهم طلبٌ لإحسان الله تعالى إليهم وتفضّله عليهم، وفضل الله وإحسانه يُطلب لكل أحد. لكن يُقال: إن هذا حقٌّ لآل محمد، أمر الله تعالى به. ولا ريب أن لآل محمد –صلى الله عليه وسلم- حقًّا على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقّون من زيادة المحبّة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش. كما أن قريشًا يستحقون من المحبّة والموالاة ما لا يستحقه غير قريش من القبائل ...». (منهاج السنة النبوية 4/598-599).
أرأيتم هذا التشريف: الأمّة كلّها مأمورة بالدعاء لآل بيت النبوّة، وفي أشرف عبادة، وكلّما ذُكر النبيّ –صلى الله عليه وسلم- وأحبّ المصلّي عليه أن يصلي عليه أفضل صلاة صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثمّ ما ظنّكم بأهل بيت صَلّت عليهم .. وسوف تُصلّي عليهم خيرُ أمة أُخرجت للناس، بمن فيها من الصِّدّيقين والشهداء والصالحين؟!!!
وكل ما سبق إنما هو غيضٌ من فيض النصوص الواردة في فضل آل بيت النبوّة والدلائل عليه، وإنما أوردت منها هذا القليل ليطمئن الناس، وليعلموا أن أئمة الدين وعلماء الملّة عندما أجمعوا على أن لآل البيت فضلاً وحقًّا على الأمّة يجب به تفضيلهم وتحقيق حقّهم بالعمل الدال على المحبّة والإجلال، إنما أجمعوا على ذلك لورود ما يدل عليه في الكتاب والسنة.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) وفي لفظ الآية ما يدلّ على أنه ليس في النساء خاصّة، لقوله تعالى: "عَنْكُمُ" ، فلو كان في النساء خاصة لجاء بنون النسوة (عنكن). وانظر: إعراب القرآن للنحاس (3/314).
(2) انظر: التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (22/15).
(3) قال السيوطي في الحاوي للفتاوى: في العجاجة الزرنبيّة في السلالة الزينبيّة (2/31): «آله –صلى الله عليه وسلم- هم المؤمنون من بني هاشم وبني المطلب».
(4) انظر: صحيح ابن حبان (رقم 4660)، ومسند الإمام أحمد وحاشية تحقيقه (رقم 11148، 17858، 17859)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (رقم 2178).
نيران صديقة
23 Apr 2008, 12:15 PM
مشروعيّة التلقُّب بالشريف [2/2]
د. الشريف حاتم بن عارف العوني 6/11/1427
27/11/2006
حكم التلقب بالشريف:
تفضيل نسب على نسب!
سبب مكانة آل البيت؟
لماذا التلقب بالشريف؟
بعض أقوال أهل العلم في لقب "الشريف"
حكم التلقب بالشريف: ومن هنا أدخل في المسألة التي من أجلها كتبتُ هذه المقدّمة، وهي حكم تلقّب آل البيت بالأشراف في الشرع المطهّر:
وتلقُّبُ آل البيت بالأشراف قديمٌ، لا يُعلم متى بدأ؛ إلا أنه كان معروفًا من القرن الهجري الثالث. وليس في ذلك ما له علاقة بالحكم الشرعي لهذا اللقب، إلا لمن أدخل التلقّب به في باب البدع! فإنه إن قصد البدعة الشرعيّة التي شَرْطُها أن تكون أمرًا في الدين وبقصد التعبُّد، فهو مخطئ خطأ واضحًا؛ لأن التلقّب بالشريف من أمور الأعراف والعادات الدنيويّة التي ليست من الدين، ولا هو عبادةٌ ولا يُقصد به العبادة. ولذلك لم يقل أحدٌ (لا عالم ولا جاهل) إنه لا يجوز إحداث ألقابٍ أو أسماءٍ إلا لقبًا أو اسمًا كان على زمن النبي –صلى الله عليه وسلم-، وما زال الناس يتلقَّبون وتتجدّد لهم ألقابٌ وأسماءٌ لأنسابٍ لم تكن في زمن السلف الصالح، ولا نكير عليهم من أهل العلم، بل يشاركهم في ذلك أهل العلم أنفسهم، ولا وُصفت بالبدعة لذلك. فإنكار التلقّب بالشريف بدعوى البِدْعِيّة، هو البدعةُ في الفتوى، والتي لم تكن في زمن السلف ولا الخلف. وأمّا إن أراد الواصف لهذا اللقب بالبدعة البدعة اللغويّة، فمعلوم أنّ ذلك لا علاقة له ببيان الحكم الشرعي.
وبناءً على ذلك، من أن باب الألقاب الأصل فيه الإباحة، كما هي القاعدة في الأمور الدنيويّة، حتى يقوم الدليل على التحريم = يكون التلقّب بالشريف مباحًا حتى يقوم الدليل على التحريم.
ومع وجود الممتعضين الكارهين لهذا التلقّب، إلا أنّي لم أقرأ بحثًا علميًّا مؤصّلاً يستدلّ لتحريمه بغير ما سبق. وهذا الإفلاس في الاستدلال على التحريم، وشحّة الأدلّة إلى درجة عدم الوجود، ممّا يكفي لبيان ضعف هذا الرأي، وعدم صحّة ذلك الموقف.
إلا أني قد سمعتُ وقرأت قليلاً من المقالات الصحفيّة، وليست بحوثًا شرعيّةً علميّة، لبعض الكارهين لهذا التلقّب، فوجدتُهم يحومون في كراهيتهم حول معاني، بنوا عليها موقفهم القلبي تجاه هذا اللقب وتجاه المتلقّبين به.
المعنى الأول (وهو أظهر هذه المعاني) : إنكار فضل آل البيت جملةً وتفصيلاً، وأنهم كبقيّة الناس، لا حقّ لهم إلا حق الإسلام وحده. ولذلك تجدهم يحتجّون بمثل قوله تعالى: "ا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" [الحجرات:13]، وبمثل قوله –صلى الله عليه وسلم-: ((لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)) (أخرجه الإمام أحمد: رقم 22978)، على أنه لا فضل لآل البيت على غيرهم، وأن اعتقاد فضلهم نعرةٌ عرقيّة ودعوةٌ جاهليّة.
ونسي هؤلاء أنّ ما يقولونه مخالفٌ لما عليه أهل السنّة والجماعة، وقد نقلنا سابقًا قول إمامين منهم، وهما: محمد بن عبدالوهاب، وأحمد بن حنبل؛ وإلا فالأمر محلّ إجماع عند أهل السنة. فكيف يجيز مسلمٌ لنفسه أن يدّعي فهمًا في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يخالف إجماع الأمّة؟! ألم يكن يكفيهم أن يعلموا أنهم مخالفون للإجماع عندما نفوا فضيلة آل بيت النبوّة، احتجاجًا بتلك النصوص؟!
أَوَنسي هؤلاء أيضَا النصوصَ الأخرى الكثيرةَ الدالّةَ على فضل العرب على العجم، حتى عُدَّ منكر فضل العرب من الطوائف المبتدعة، وسُمُّوا عند أهل السنة بالشعوبيّة؟! (1).
أَوَنسي هؤلاء ما عقده أئمة السنة والدين من أبواب في كتب الصحاح وغيرها، وما ألّفوه من مؤلفات مفردة في فضل قريش وغيرها من قبائل معيّنة من قبائل العرب، وأوردوا في تلك الأبواب والكتب الأحاديث النبويّة الصحيحة الدالّة على ذلك؟!
أَوَنسي هؤلاء ما صحّ في فضل آل البيت النبويّ من الكتاب والسنة، والذي سبق شيءٌ يسيرٌ منه؟!
ألا يخشون على أنفسهم الدخول في قوله تعالى: "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"[البقرة:85].
كان الواجب على هؤلاء الرجوع إلى أهل العلم ليبيّنوا لهم كيف يفهمون نصوص الوحيين بما لا يعرّضها للتكاذب والتعارض، ولكي لا يقعوا في الهوى المهلك بالإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض.
تفضيل نسب على نسب!
ولكي أُقرّبَ لهؤلاء فكرة تفضيل نسب على نسب، وعلاقة ذلك بالفضيلة الأخرويّة، دون أن يكون لهذا التفضيل معنى الطَّبَقيّة المقيتة التي حاربها الإسلام، ودون أن يؤدّي ذلك إلى تَوَهُّمِ تشريع العنصريّة التي نفاها وضادّها الشرعُ المطهَّر؛ فإني أقول:
أولاً: إن الإسلام لم يفرّق بين الناس في الفروض من الأوامر والنواهي، ولا أباح على شعب ما حرّمه على شعب، ولا استعبد أمّةً لأُمّة. بل ليس في الإسلام تقريرُ إذلال إنسان لجنسه أو عرقه أو لونه، ولا يستجيز دينُ الله تعالى أن يعتديَ أحدُ على أحد، ولا أسقط الإسلام حقًّا لشخص لأنه غير شريف النسب، ولا أجاز التغاضي عن معاقبة الشريف إذا ظلم أو اعتدى أو أتى حدًّا من حدود الله تعالى.
ثانياً: إن شرف النسب، والذي يبدأ من تفضيل العرب على العجم، وينتهي بتفضيل نسب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على سائر الأنساب = هو هِبةٌ ربّانيّة، كبقيّة الهبات الإلهيّة: كالغِنَى، وقوّة البدن، وجمال الصورة، وطول العمر، ونحوها من النِّعَمِ والأقسام الربّانيّة. ولا شك أن الناس يتفاوتون في هذه الهبات تفاوتًا كبيرًا، وربّما توارث جنسٌ من البشر شيئًا منها: كالجمال، أو قوّة الأبدان. فكما لا يصح الاعتراضُ على هذه الهبات الربّانيّة والأقسام الإلهيّة، كذلك لا يصحّ الاعتراض على شرف النسب: لِـمَ أُعْطيَ فلانٌ ولمْ يُعْطَ فلان ؟!!
ولا شك أن تلك الهبات الربّانيّة الظاهرة، كالغنى، وقوّة البدن، وطول العمر = ممّا يُعينُ على فِعْل الخَيرات والاستكثار من الحسنات، وهي بذلك تكون سببًا في رفعة الدرجات في الآخرة، وإلى أن تعلوا بصاحبها في جنّات النعيم. فالغنى: عونٌ لصاحبه في الخير، ويَفْتَحُ له أبوابًا في الإنفاق في سبيل الله تعالى لا تُفْتَحُ للفقير: ((ذهب أهل الدثور بالأجور)) (2). وقوّة البدن: تجعل صاحبها أقوى على جهاد أعداء الله تعالى، وأقدر على نصرة الإسلام، وأقوم في مواطن الصدع بالحق: ((المؤمن القويّ خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)) (3). وطول العمر: سببٌ في الاستكثار من زاد الآخرة: صلواتٍ، وأذكارٍ، وأعمالٍ صالحة: ((ألا أخبركم بخياركم؟! أَطْوَلكم أعمارًا، وأحسنكم أخلاقًا)) (4).
فأنت ترى أن هذه الهباتِ الربّانيّةَ الدنيويّةَ قد صارت أخرويّةً أيضًا، عندما أعانت المُنْعَمَ عليه بها في فعل الخير واكتساب الثواب. فالهبة الربّانيّة أصلها دنيوي، لكنّها عندما أحسنَ صاحبُها عَمَلَه فيها أصبحت أخرويّة، ونفعت صاحبها في النجاة من عذاب الله تعالى والفوز بجنّاته.
فكما تحقّق ذلك الفضل الأخروي بسبب تلك النّعم والهبات الربّانيّة، فكذلك الشأن في النسب الشريف، بجامع أنّ هذه الهبات جميعها (بما فيها النسب الشريف) عونٌ لصاحبها على الخير. فإنّ الله تعالى قد جعل في طباع صاحب النسب الشريف ما يُيسِّرُ عليه حَمْلَ هذا الدين، ويكون بذلك الطبع أقدر على إقامة شرع الله تعالى من غيره. ولذلك فإن الله تعالى عندما اصطفى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- اصطفاه من أصرح العرب نسبًا، بل هو –صلى الله عليه وسلم- أفضلهم على الإطلاق نسبًا، واختار لوحيَيْه (الكتاب والسنّة) أن يكونا بلغة العرب، وتعبّد الناس بهذه اللغة في القرآن والصلوات والأذكار والتفقُّه في دين الله تعالى، وَحَبَا العربَ بأن جعل القبلة والمحجّة والمشاعر ومسجد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في بلادهم، وما كان ذلك الاصطفاءُ والاختيارُ والحِباءُ إلا لحكمةٍ بالغة، منها: أن أداء واجب حَمْل هذه الشريعة الخاتمة العالميّة كان العربُ أقدرَ الشعوب عليها جِبِلّةً وطبيعة (5) ، ولذلك كانوا هم أول من حمل راية الإسلام، ففازوا بأن نالوا أجر من دخلوا في دين الله تعالى بدعوتهم وفتوحهم التي كسروا بها أسوار الطواغيت الصادّة عن سماع دعوة الحق. وهذا ما قرّره علماء المسلمين، كشيخ الإسلام ابن تيميّة، في بيان فضل العرب وسبب هذا الفضل، وأنه بسبب ما حباهم الله تعالى به: في العقول والألسن والأخلاق والطباع. (انظر: اقتضاء الصراط المستقيم: 1/447، ومن أوّل هذا الفصل: 1/419-461).
ومن ثَمَّ يكون شرفُ النسب سببًا لرفعة الدرجات في الجنّة، من جهة أنه أعون لصاحبه على العمل الصالح، كما أنّ الغنى وطول العمر وقوّة البدن عونٌ على العمل الصالح أيضًا. وكما وجب على الناس الرضا بقَسْمِ الله تعالى في الغنى وقوّة البدن وطول العمر وجمال الصورة، وجب عليهم ذلك في شرف النسب "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" [الجمعة:4].
وبذلك يتّضحُ أن العطاء الربّاني المحض، قد يرفع مؤمنًا على مؤمن في الآخرة. وكما نطالب الناس أن يرضوا بعطاء الله الدنيوي، نطالبهم بالرضى بعطاء الله الأخروي، بجامع كونها كلها عطاءات ربّانية، ولعلاقة العطاء الدنيوي بالأخروي كما قدمناه!
وفي الحديث الصحيح: ((إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم: كما بين صلاة العصر وغروب الشمس. أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها، حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأُعطُوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأُعْطُوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأُعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتابين: أيْ ربَّنا، أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنّا أكثر عملاً! قال الله: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشا)). (صحيح البخاري: رقم 557).
فنقول لمن لم يؤتَ النسبَ الشريف أو الغنى أو قوّة البدن أو طول العمر: لن يظلمك ربك من عملك شيئًا، وسيجازيك ربك بإحسانك وإساءتك، وأمّا فضله سبحانه: فهو حقٌّ له تعالى يؤتيه من يشاء.
ثالثـاً: أنّ من تمام حبّ الله تعالى لعبده المؤمن، أن يكون عند حُسْنِ ظن العبد به سبحانه، فيحفظه في عقبه، ويَـخْلُفُه فيهم بخير، ويشفّعه فيهم يوم القيامة، ويرفعهم إلى درجته في الجنّة. وقد سبق الاستدلال على ذلك بالكتاب والسنّة، ومن الأدلّة عليه أيضًا ما جاء في قصّة الخضر –عليه السلام - مع موسى –عليه السلام- : "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً" [الكهف:82]. فصحّ عن ابن عباس (أنه قال في تفسيرها: ((حُفِظا بصلاح أبيهما، وما ذُكر منهما صلاح)). [أخرجه ابن جرير في تفسيره: 15/366، والحاكم وصححه: 2/369]. فعلّق الحافظ ابن كثير على ذلك بقوله في تفسيره (5/186-187) : «فيه دليلٌ على أن الرجل الصالح يُـحْفَظُ في ذُريّته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنّة، لِتَقَرَّ عَيْنُهُ بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنّة. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: حُفظا بصلاح أبيهما، ولم يُذكر لهما صلاحٌ. وتقدّم أنه كان الأب السابع».
سبب مكانة آل البيت؟
وبهذا يتبيَّن أن مكانةَ آل بيت النبيّ –صلى الله عليه وسلم- عند ربهم –عز وجل- هي بسبب مكانة النبيّ –صلى الله عليه وسلم- من ربّه –عز وجل-، وأن هذه المكانة لآل البيت هي من تمام جزاء الله تعالى ومكافأته لحبيبه المصطفى –صلى الله عليه وسلم-، ومن عظيم ما قضى له ربّه –عز وجل- من الكرامة والإعظام والإحسان والتقريب والتشريف!!
وهنا يتّضح أن هذا التقرير لا يعارض قول الله تعالى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" [الحجرات:13]، ولا قوله –صلى الله عليه وسلم- : ((لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ))؛ لأن معنى هذين النصين وما في معناهما: أن الذي ينفع الإنسان من جهة نفسهِ تقواه، وأن ما يستحقّه من رفعة المكانة عند ربه –عز وجل- من كَسْبه هو ما عمل من الباقيات الصالحات. ولا ينافي ذلك وجود أسباب للثواب الأخروي وللرعاية والحفظ الدنيوي غير عمل المرء نفسه، كدعاء الناس له، والولد الصالح خاصّة (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: ... أو ولد صالح يدعو له )). [مسلم:1631].
فهذان النصّان جاءا إذن ليبيّنا وَجْهَ التفضيل الذي يستحقّه الإنسان من جهة نفسه، دون أن يكون لأحدٍ عليه فيه فضل. ولا ينافي ذلك أن يكون من بقيّة ثواب المؤمن نَفْعُ من رغب المؤمنُ وأحبّ من ربّه –عز وجل- أن يعاملهم بعفوه وغفرانه وفضله وإحسانه، ويكون هذا حينها من تمام جزاء المؤمن على إيمانه. وكما لا يُعترضُ على أن يُثاب المسلم بدعاء غيره له، وأنه يُرفع فوق منزلة عمله بغفران الذنوب ومضاعفة الأجور الذي تفضّل به ربُّه عليه بسبب ذلك الدعاء = لا يُعترض أيضًا على أن يُثاب المؤمن بثواب جدّه الصالح، الذي حُفظت ذريّتُه بسبب صلاحه، ورُفعوا إلى درجته في الجنة بسببه أيضًا.
كما أنّ هذين النصين جاءا ليبيّنا أيضًا السبب الأكبر لرفعةِ المكانة عند الله تعالى، والسبب الذي جعله الله تعالى برحمته حقًّا للعبد يجازيه به في الآخرة: ألا وهو التقوى والعمل الصالح. أمّا ما يحقّقه الله تعالى للعبد الصالح في أصوله أو فروعه من ثواب دنيويّ أو أخرويّ، فهذا مَحْضُ تَفَضُّلٍ من الله تعالى وإنعام، فلا يصح أن يكون سببًا للتواكل عليه من أحد من أصوله أو فروعه.
وبهذا الجمع بين النصوص، وبعد هذا التأليف بين معانيها: لا يبقى هناك وَجْهٌ لادّعاء أنّ إثبات فضل آل البيت وحقوقهم الذي جاءت به النصوص، ينافي محاربةَ الإسلام للعنصريّة وإنكاره للطبقيّة العرقيّة المذمومة الذي جاءت به النصوص أيضًا؛ لا يبقى لهذا الادّعاء وَجْهٌ بعد هذا التقرير، الذي جمع بين النصوص، فلم يُبْقِها وكأنّ بعضها يكذّب بعضًا.
كما أن إثبات هذا الفضل الأخروي لآل البيت، وبيان عدم تعارضه مع نصوص الشريعة ومقتضيات الإيمان بحكمة الله تعالى وعدله، يدل على أن إثبات الفضل الدنيوي لآل البيت أولى بالقبول وأحرى بالتسليم، ويدل على أنّ تقديمهم وإجلالهم في الدنيا ممّا لا يعارض أيضًا نَفْيَ الإسلام للطبقيّة ومُحَارَبَتَهُ للعُنْصريّة.
لأقول بعد هذا البيان:
فالذي لا يعترف بشرف نسب الأشراف الذي أجمع عليه أهل السنة بعد ذلك كلّه، والذي يعارض في إثبات ما لهم من حقوق على أمّة محمد –صلى الله عليه وسلم- وفضائل يجعلها أهل السنة إحدى شعب الإيمان = لا نناقشه في هذا المقال، حتى نعرف: من أي الطوائف هو؟ إن رضي أن يخرج عن دائرة أهل السنة، وعن دائرة الشيعة أيضًا!!!
وأمّا إن وجد باب إنكار شرفِ النسب وإنكار حقوقهم وفضائلهم بابًا مغلقًا، لكونه سيخرج بذلك عن معتقد أهل السنة، فلجأ إلى الطعن في الأنساب والتشكيك فيها؛ فإنا نقول له: هل تشكّ في كل أنساب آل البيت؟ أم في بعضهم؟ إن كان في البعض، فأثبت شرف نسب البعض الآخر الذي لا تشك فيه: واعترف لهم بحقوقهم، وقُمْ بما يُوجبُه عليك فَضْلُهم. وإن كنتَ تشكُّ في الكل، قلنا لك: لا يحقّ لك أن تشك لمجرّد الجهل بأنسابهم وطريقة حفظها وتوارثها، ولا يحق لك الشك لمجرّد الشكّ؛ لأنك لا تريد إلا الشكّ. فعليك أن تتعلَّم علم الأنساب من أهله، لتعلم كيفيّة التحقق من النسب الأصيل من النسب الدخيل؛ إلا إذا كنت تحب أن تجعل الجهل حجةً على العلم!
ومثل من يشك في أنساب آل البيت بدعوى أنه قد اختلطت عليه أنساب الأصلاء منهم بالدخلاء، وأنه لذلك لا يميز بينها، مثله كمن يشك في السنة النبوية بدعوى أنه قد اختلط عليه صحيحها بضعيفها بموضوعها، وأنه بسبب عدم قدرته هو على التمييز شك في السنة كلها. ومثله أيضاً كمثل من يدعي عدم معرفته للحق، بحجة اختلاف الفرق والنحل، وأنه ما عاد يعرف كيف يميز بين الحق والباطل، والذي يجمع هؤلاء جميعاً: أنهم قد جعلوا الجهل حجة على العلم، وأنهم جميعاً لم يرجعوا إلى أهل العلم والاختصاص لمعرفة الحق فيما خفي عليهم.
وأقول لهؤلاء المشكّكين: لولا أن أنساب آل البيت ستبقى ظاهرةً بيّنةً، وعَلَماً لا يخفى عند الناس، لما جعل الشارع الحكيم على لسان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أهمَّ علامةٍ للمهدي المنتظر: أنه من آل النبي –صلى الله عليه وسلم-! فلو كانت أنساب آل البيت ستندثر، أو سيختلط فيها الصادق بالكاذب بغير تميُّزٍ، لما صحَّ أن تكون علامةً لمن لم يظهر حتى الآن.
فدعوا التشكيك، فإن الأمة لا تُصغي إلى من يعارض يقينيّات التواتر، كأنساب آل البيت المحفوظة المشهورة.
وبذلك يندفع المعنى الأول الذي يستند إليه من ينكر لقب (الشريف) لآل البيت، وأحسب الملبَّس عليه به سيترك إنكاره، إذا ماكان مبتغيًا للحق الواضح.
أما المعنى الثاني: فهو أنّ في هذا اللقب تزكيةً للنفس، وقد نهى الشارع عن تزكية النفس.
ومن المعلوم أن لقب (الشريف) هو لقبٌ متعلّقٌ بالنسب، والمقصود به بيان انتساب صاحبه إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-، فالمقصود بلقب (الشريف) : أي صاحب النسب الشريف. وهذا لا خلاف فيه، أن صاحب هذا النسب قد أنعم الله تعالى عليه بأشرف الأنساب الشريفة من بني آدم –عليه السلام-.
فإذا تبيَّنَ هذا، يكون التلقُّبُ بالشريف ليس من باب تزكية النفوس في شيء؛ لأن تزكية النفس التي جاء النهي عنها هي تزكيتها من الذنوب والمعاصي، أي هي ادّعاء الإيمان والتقوى والقيام بحق الله تعالى.
فانظر كلام محمد بن جرير الطبري في تفسيره (22/70-71)، عند قوله تعالى: "فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى"[النجم:32]، مع أن الآية وخاتمتها واضحةٌ في بيان التزكية المنهي عنها، وأنها التزكية بالتقوى.
وانظر كلام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (5/246)، عند قوله تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً" [النساء:49].
وانظر كلام محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان (6/177-178 من الطبعة الجديدة)، عند قوله تعالى: "وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ" [النور:21].
إذن فتزكية النفس المنهي عنها لا علاقة لها بلقب (الشريف)؛ لأنّ هذا اللقب ليس فيه تزكية لإيمان المتلقّب به، وإنما هو تزكية لنسبه. فلا يصحّ ادّعاء عدم مشروعيّة التلقّب بـ(الشريف) بحجّة أنها تزكيةٌ للنفس؛ لأن (الشريف) تزكيةٌ للنسب الزاكي حقًّا.
ومن المعلوم أن لقب (الشريف) لقبٌ لآل البيت النبويّ، فلو تلقّب الشريف بـ(النبوي) لصحّ ذلك؛ لأنّه من ذريّة النبيّ –صلى الله عليه وسلم-. وعندها سأسأل: أي اللقبين أكثر بعدًا عن تزكية النفس: (الشريف)؟ أم (النبوي)؟!
وبذلك ننتهي من السبب الثاني الذي يمتعض لأجله مُنْكرُ لقبِ (الشريف)، بما أرجو أن يزول معه امتعاضُه، وأن تسخو نفسُه لغيره بهذا الوصف الموافق للحقيقة: أن الشريفَ شريفُ النسب حقًّا.
وأمّا المعنى الثالث: فهو أنّ تلقُّبَ المتلقبين به فيه تعالٍ وتكبُّرٌ على الناس، وأنه ضربٌ من الافتخارِ المتضمّنِ احتقارَ الآخرين. وأدلّة تحريم التكبُّر والتعالي ... وتلك الأخلاق الذميمة أشهر من أن تُورَدَ للاستدلال بها على ذلك.
والجواب عن هذا المعنى يكون بعد تقرير المسألة علميًّا، بعيدًا عن هذه الإجمالات والإسقاطات غير العلميّة.
فهل مجرّد التلقّب بـ(الشريف) يُوجب التكبّر والتعالي على الناس؟ ما دليل هذا الإيجاب؟
إنّ ذكر المرء ما أنعم الله تعالى عليه من النعم، كأن يقول: أنا غنيّ، أو قويّ، أو نسيب، أو غيرها = لا يكون بمجرّده تكبّرًا وتعاليًا؛ إلا إذا كان قد قصد بالذكر التكبّرَ والتعالي. أما إذا قصد بهذا الذكر معنىً آخرَ غيرَ مذموم، فلا يكون ذكره لتلك النِّعَم بمجرّده ممنوعًا، كما قال –صلى الله عليه وسلم- : (( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ...)).
وكذلك التلقّب باللقب الذي فيه تشريف، إذا كان بحقّ، كلقب الأمير لمن كان أميرًا حقًّا، والمدير لمن كان مديرًا، ومفتي القطر الفلاني لمن كان مفتيَه، والدكتور لمن نال شهادة الدكتوراه (بغض النظر عن أي وجه آخر لكراهية هذا اللقب) = كلّها ألقابٌ لا يلزم من التلقّب بها أن يكون صاحبها متكبّرًا متعاليًا، ولا يلزمُ أن يكون مقصوده من التلقّب بها الفخر والخيلاء. لقد تلقّب عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- بـ(أمير المؤمنين)، وقبله أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- بـ(خليفة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-)، وهما لقبان تشريفيّان. وتلقّب الأوس والخزرج بالأنصار، وما زال الرجلُ مِنْ ذريتهم يتلقّب (ممّن صحّت نِسْبَتُهُ إليهم) بالأنصاري، وهي نسبة تشريفٍ لعمل أخروي، هو مناصرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. وقبل ذلك تلقّب سيدُ الأولين والآخرين برسول الله ونبي الله –صلى الله عليه وسلم-، ولا كان في ذلك إلا الحق، ولا كان ذلك من الكبر والتعالي في شيء. فلمَ كان (الشريف) وحده الذي يقتضي التكبّر والتعالي؟!!!
وهذه الألقاب التي لم ينكرها أحد، مع تضمّنها معنى التشريف لصاحبها، عامّتُها إنما تلقّب بها صاحبها ابتداءً. بخلاف لقب (الشريف)، الذي تلقّب به آل البيت من قرون طويلة، فأصبح عَلَماً لهم، ولقبًا يدل على قبيلٍ من الناس، كما تلحقُ ألقابُ الأجدادِ الأحفادَ، وكما يرث الخلفُ لقب السلف في أنساب القبائل والبلدان والصنائع. وهذا التوارث للقب (الشريف) يجعله أولى قبولاً من لقب حادث؛ لأن تقصُّدَ التعالي والتفاخر فيه أبعد من اللقب الذي يستحدثه المرء لنفسه؛ من جهة أن اللقب الموروث ينشأ صاحبه وهو ملازمٌ لاسمه، ويشاركه فيه غيره من أبناء قبيلته الكبيرة، فلا يكون له في نفسه ما للقب الذي ينفرد به ويبتدئه هو دون من سبقه من آبائه وأجداده.
المقصود: أن لقب (الشريف) لا يلزم منه التكبّر والتعالي، ولا دليل على أن كل تلقّب به لا بُدّ أن يكون محتقرًا لعباد الله مستخفًّا بغيره.
لماذا التلقب بالشريف؟
فإن سألت: لماذا إذن يتلقّب به آل البيت؟
فإنِّي أُجيب بسؤال: ألا تجد للتلقّب به معنى إلا معنى التكبّر والتعالي؟! فإن وجدتَ معنى آخر حسنًا غير مذموم، فالأصل حَمْلُ حال المسلم على المعنى الحسن ما دام محتملاً، ولا يجوز الدخول في النوايا، فضلاً عن وصف عشرات الألوف من المسلمين من (الأشراف) بالكبر والتعالي لمجرّد تلقّبهم بهذا اللقب!!! وعلى مَنْ بَهَتَ هذه الأمة الكبيرةَ من المسلمين (من أَوّليهم وآخريهم) بالكبر والتعالي، لمجرّد تلقّبهم بلقبٍ يحتمل غير معنى التكبر والتعالي = عليه أن يستعدّ للقصاص من حسناته وذنوبهم يوم القيامة !!!
فإن لم يجد صاحبُ ذلك السؤال إلا معنى التكبّر والتعالي للتلقّب بـ(الشريف)، سُئل: ألم تجد في الأشراف المتلقبين بالشريف رجلاً صالحًا قطّ ؟! ألم تجد فيهم حسنَ الأخلاق كريمَ الشّيَم ليّنَ الجانب أبدًا ؟! فإن لم تجد (تنزُّلاً)، أيحق لك أن تحكم على من لم تعرفه من (آل البيت) قياسًا على من عرفتَه منهم. وإن وجدتَ في آل البيت شريفًا صالحًا ومَنْ ظاهره التقوى وخوف الله تعالى، أفلم يكن ذلك كافيًا ليدلّك على تقصيرك الشديد في عدم رؤيتك في لقب (الشريف) إلا معنى التكبر والتعالي؟! وإلا فكيف وجدتَ من تلقّب بالشريف، وهو مسلمٌ صالحٌ ليّنُ الأكنافِ طيّبُ الأعطافِ؟!! وجودُ من تلقّب بـ(الشريف)، ولو آحاد منهم، وهو بعيدٌ في خُلُقه عن التكبّر والتعالي، يدلّك على عدم التلازم بين: لقب (الشريف)، والكبر والتعالي، ويدلّك على عدم جواز توهُّم ذلك التلازم، وأنه توهّمٌ باطل، ظلمَ به صاحبُه فئامًا كبيرًا من المسلمين بوصفهم بما ليس فيهم !!!
ووجود من تلقّب بـ(الشريف) قديمًا وحديثًا وهو من أهل الصلاح والفضل، وهو وجودٌ متيقَّنٌ، لا يكابر في إنكاره إلا من لا يستحقّ إلا أن يُذكّر بعاقبة البغي وبطر الحقّ وغمط الناس = وجودٌ يقطعُ بوجود معانٍ صحيحة صالحة للتلقّب بـ(الشريف)، غير معنى التكبّر والتعالي المتوهَّم.
ومن هذه المعاني الصحيحة:
(1) أنه لقبٌ لقبيلة، التدخُّل في استبداله من دون سبب مقنع لا يقبله أحدٌ من الناس. فليس هذا اللقب وليدَ العصر الحاضر، ولا القرن الماضي، بل له قرونٌ متطاولة.
(2) أنه شكرٌ لنعمةٍ لا يَدَ للمُنْعَمِ عليه بها، فهي نعمةٌ محضة. وأوّل درجات شكرِ النعمة ذِكْرُها والتنويهُ بها، كما جاء عن بعض السلف في تفسير قوله تعالى: "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ"[الضحى:11].
وقد علّق أبو بكر الجصّاص في أحكام القرآن (2/199) على قوله تعالى: "وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"[النساء:37] بقوله: «الاعتراف بنعم الله تعالى واجب، وجاحدها كافر، وأصل الكفر إنما هو تغطية نعم الله تعالى وكتمانها وجحودها. وهذا يدل على أنه جائزٌ للإنسان أن يتحدّث بنعم الله عنده، لا على جهة الفخر، بل على جهة الاعتراف بالنعمة والشكر للمنعم، وهو كقوله تعالى: "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ... ".
وقد قال ابن قيم الجوزيّة في مدارج السالكين (3/442): «فالافتخار نوعان: محمود، ومذموم. فالمذموم: إظهار مرتبته على أبناء جنسه ترفُّعًا عليهم، وهذا غير مراد. والمحمود: إظهار الأحوال السنيّة، والمقامات الشريفة، بوحًا بها، أي تصريحًا وإعلانًا، لا على وجه الفخر، بل على وجه: تعظيم النعمة، والفرح بها، وذِكرها ونَشْرِها، والتحدّث بها، والترغيب فيها، وغير ذلك من المقاصد في إظهارها. كما قال –صلى الله عليه وسلم- : ((أنا سيّد ولد آدم ولا فخر...)).
وذكر الخطابي في إصلاح غلط المحدثين (62 رقم 103) حديث: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))، ثم قال شارحًا له: «يريد أنه يذكر ذلك على مذهب الشكر والتحدّث بنعمة الله، دون مذهب الفخر والكبر».
وعقد شمس الدين ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعيّة بابًا عن هذا الموضوع، بعنوان: فصلٌ في تزكية النفس المذمومة ومدحها بالحق للمصلحة أو شكر النعمة. (الآداب الشرعية: 3/464-466).
وانظر كتب التفسير عند قوله تعالى حاكيًا قول يوسف –عليه السلام- : "قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]. وقوله تعالى عن داود وسليمان عليهما السلام: "وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ" [النمل:15]. وقوله تعالى عن سُليمان: "وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ" [النمل:16]. وقوله تعالى حاكيًا قول يعقوب –عليه السلام- : "وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" [يوسف:86].
وهي ثناءٌ من النفس للنفس، من هؤلاء الأنبياء الصفوة عليهم السلام! وهي بين ثناء لمصلحة، وشكرٍ على النِّعَمِ، وفرحٍ بالفضل الإلهي.
(3) أنه فرحٌ بالنعمة الربّانيّة، وهذا الفرح هو الذي يسمّيه الناس اعتزازًا، ويفرّقون بينه وبين الفخر المذموم. وأيّ الناس يخلو من فرح بنعم الله تعالى عليه، ويذكرها من باب الرضى عن ربه والحُبّ لعطائه –عز وجل-.
وانظر قول الله تعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ" [يونس:58]، وشَرْحَ ابن القيم لهذا الفرح، وأنه إظهار للنعمة من دون افتخار، وإن كان ظاهره الافتخار المذموم، حتى قال في آخر كلامه عن كلمة الفرح بالنعمة: «فمصدر الكلمة والحامل عليه يُحسّنُها أو يُهجِّنُها، وصورته واحدة». (مدارج السالكين 3/90).
(4) أنه علامةٌ تُذَكّر بحقّ صاحبه، وأنه من آل بيت النبوّة، ليقوم الناس بواجبهم الذي أجمع عليه أهل السنة تجاههم.
وقد سبق كلام العالم المجدّد محمد بن عبدالوهاب في العمامة الخضراء، وهي أوضح في ظهور هذا السبب، وأنه سبب مطلوب شرعًا.
(5) أنه سبب لحفظ هذا النسب، الذي تتعلَّقُ به أحكام شرعيّة خالدةٌ خُلودَ دين الإسلام؛ حيث إن إظهاره بهذا الإظهار أدعى لحرص المنتسبين إليه على التمسُّك به، حتى بعد هذه القرون المتطاولة، ولذلك انقطعت عامّةُ الأنساب إلا أنساب آل البيت. كما أن إظهاره بهذا الإظهار يساعد على حمايته من الدخلاء عليه؛ لأنه علامةٌ بارزةٌ لدعوى النسب، فما إن يذكره أحدٌ لَقَبًا له كذبًا وادّعاءً، حتى يُعرف ويُشتهر بين الناس وعند حَمَلة هذا اللقب بحقّ أنه دعيٌّ كاذب.
وما دام لهذا اللقب مثل هذا العمل المطلوب شرعًا، وهو أنه يساعد على حفظ النسب المطلوب حفظه شرعًا، فهو لقبٌ مطلوب شرعًا أيضًا.
وهنا: أذكّر أن الحميّة للقبيلة وأبناء العمومة فطرةٌ في الناس جميعًا، وهي ظاهرةٌ في عموم العرب كلهم. وما دامت هذه الحميّة فطرةً في الناس، فلا يمكن أن يعارضها دينُ الفطرة (الإسلام)، ولكنه هذّبها ووجّهها التوجيه النافع. وهذا التوجيه (لا الإلغاء) للحميّة القبليّة ظاهرٌ في نصوص عديدة وأحكام مختلفة، في مثل نصوص فضائل بعض قبائل العرب، وفي مثل قوله –صلى الله عليه وسلم- : (( ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا ))، وفي مثل دية القتل الخطأ وأنه على العاقلة، وهم أقارب القاتل خطأً وأبناء عمومته، إلى غير ذلك من نصوص وأحكام وقصص في سيرة النبي –صلى الله عليه وسلم- وسيرة خلفائه من بعده –رضي الله عنهم - .
أقول هذا لأذكر أن لقب (الشريف) أَوْجَدَ حميّةً بين المنتسبين إليه، أدّت إلى حفظ النسب المطلوب حفظه، لتعلُّقِه بأحكام شرعيّة منوطةٍ بالعلم به. وغلا بعض آل البيت في حميّته كما غلا غيرهم فيها، وتجاوزوا حدَّ تهذيب الشريعة لها. لكن هذا الغلو المذموم لا علاقة له باللقب، وإنما يتعلّق بالمتلقّب به وبكونه أخطأ في الوقوف بحميّته عند الحدّ المستحسن. ولذلك كان في المتلقبين بالشريف من لا يُتّهم في دينه أو خُلُقه، ولا يرى الناسُ منه بَطَرًا ولا أَشَرًا، مما يدل على عدم التلازم بين هذا اللقب الشريف وأن يكون المتلقِّبُ به بَطِرًا متكبّرًا.
هذه كلها مقاصد مشروعةٌ وحميدة للتلقّب بالشريف، وهي تبيّن أن لهذا التلقّب معانيَ غير المعنى المذموم، وهو التعالي والتكبر. ومعنى واحدٌ من هذه المعاني كافٍ لردّ التصوّر الخاطئ الذي توهّمه (أو أوهمه) بعضُ الناس، من أن هناك تلازمًا بين التلقّب بهذا اللقب وكون صاحبه متفاخرًا الفخر المذموم.
ويبقى أن هناك أسبابًا قد تخصّ بعض المتلقّبين بهذا اللقب دون بقيّتهم: كأن يكون صاحب هذا اللقب عالماً من أهل السنّة، فيريد بإظهار هذا اللقب أن يبيّن أن معتقد أهل السنّة لا يعارض الاعتراف بحق آل البيت، من خلال اعتناق واحدٍ من آل البيت لهذا المعتقد السُّنِّي. وفي هذا من الردّ العملي القويّ، وله من الدلالة الصحيحة السريعة، ما لا يكاد يوجد مثله في غيره نقضًا على المخالفين لأهل السنة ودفعًا لباطلهم.
أفيصحّ بعد هذا كلّه أن يُصرّ بعض الناس على إنكار التلقّب بهذا اللقب، دون أن يتثبّتوا من دواعي هذا الإنكار في أنفسهم، ودون خشية الجَوْر في الأحكام وعدم الإنصاف، الذي ظهر من ذلك التسرّع في التصوّر الخاطئ الذي قدحوه في عقولهم لمعنى هذا اللقب وللازمه.
إنّ الذين تلقّبوا بهذا اللقب ألوفٌ من الناس، بل مئاتُ الألوف قديمًا وحديثًا، وهم من أهل الشهادتين. فما أعظم وزر من ظلم هؤلاء جميعًا بأنهم أصحاب تكبّر وتعالي! وما أشدّ مناقضته لوصيّة النبي –صلى الله عليه وسلم- فيهم!! وما أبعده من رعاية حقّ النبيّ –صلى الله عليه وسلم- في ذريته!!!
ألم يستوقف هؤلاء المنكرين لهذا التلقّب، أن إنكارهم هذا مُحْدَث، وأن هذا اللقب مع تقادم زمانه، لم ينكره أئمة الدين على مَرّ العصور. بل كانوا يستخدمونه ويطلقونه هم بأنفسهم على آل البيت، دون أي تحرّز في مشروعيّته أو تردّد فيها.
وذكر أمثلةٍ على ذلك مما لا داعي له؛ لأنه أوضح من أن يحتاج إلى مثال، وأسهل من أن يحتاج إلى عناء الاستدلال.
ولكن لا بأس من ذكر مقتطفات من كلام أهل العلم في ذلك:
بعض أقوال أهل العلم في لقب "الشريف"
قال السيوطي في فتواه المسمّاة بـ(العجاجة الزرنبيّة في السلالة الزينبيّة): « اسم الشريف كان يُطلق في الصدر الأول على من كان من أهل البيت، سواءً كان: حسنيًّا، أم حسينيًّا، أم علويًّا من ذرية محمد بن الحنفيّة وغيره من أولاد علي بن أبي طالب، أم جعفريًّا، أم عقيليًّا، أم عباسيًّا. ولهذا تجد تاريخ الحافظ الذهبي مشحونًا في التراجم بذلك، يقول: الشريف العباسي، الشريف العقيلي، الشريف الجعفري، الشريف الزينبي. فلما ولي الخلفاء الفاطميون بمصر، قصروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين فقط، فاستمرّ ذلك بمصر إلى الآن. وقال الحافظ ابن حجر في كتاب الألقاب: الشريف ببغداد لقب لكل عبّاسيّ، وبمصر لقب لكل علوي، انتهى. ولا شك أن المصطلح القديم أولى، وهو: إطلاقه على كل علوي، وجعفري، وعقيلي، وعباسي؛ كما صنعه الذهبي، وكما أشار إليه الماوردي من أصحابنا، والقاضي أبو يعلى الفراء من الحنابلة، كلاهما في الأحكام السلطانية...»، إلى آخر الفتوى (الحاوي للفتاوي 2/32-33).
وواضح من هذه الفتوى أنه يرى مشروعيّة هذا اللقب، هو ومن سمّاهم من العلماء.
وأمّا ما جاء فيها نقلاً عن الحافظ ابن حجر، من أن لقب (الشريف) كان ببغداد يخص العباسيين، فليس بصحيح. فما زال الطالبيّون بالعراق وببغداد يتلقّبون بالشريف، ولهم نقابة الأشراف. وليس هذا مجال الاستدلال لذلك، لكن مما يدل عليه، ويدل على استخدام العلماء لهذا اللقب، قولُ القاضي أبي الحسين بن أبي يعلى الفرّاء الحنبلي (ت526هـ) في طبقات الحنابلة (3/456): «وحضر جنازته خلقٌ كثيرٌ من أرباب الدين والدنيا، وأصحاب المناصب، ونقيب العباسيين، ونقيب الأشراف الطالبيين...».
وقال شهاب الدين القرافي (ت684هـ) في كتابه الذخيرة (10/413)، وهو يضرب مثالاً لكتابة محضر في إثبات نسب: « تكتب في نسب الشرفاء: ويشهدون بالاستفاضة الشرعيّة بالشائع الذائع، والنقل الصحيح المتواتر، أنه شريف النسب، صحيح الحسب، شريف من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-، وأن نسبه صريح صحيح، متّصلٌ بنسب الحسين –عليه السلام-، من أولاد الصُّلب، أبّا عن أب، إلى أن يرجع نسبه إلى أصل نسب الحسين –عليه السلام-».
وقال أبو بكر ابن المقريء (ت381هـ) في معجم شيوخه: «حدثنا أبو محمد الشريف العلوي، ولم تر عيناي في الأشراف مثله: يحيى بن محمد بن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب» (رقم 1367).
وقال الحاكم أبو عبدالله (ت405هـ): «وممن يجمعهم ورسولَ الله صلى الله عليه وآله هذا النسب من التابعين، بعد الأشراف العلويّة ...». (معرفة علوم الحديث 496).
ولمـّا ذكر الآجري (ت360هـ) في كتاب الشريعة له أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما مدفونان بقرب النبيّ –صلى الله عليه وسلم-، ذكر أن بعض أهل البدع يُشكّكون في ذلك، ثم قال: «فإن قال قائل: فإن فيهم أقوامًا من أهل الشرف يعينونهم على هذا الأمر القبيح في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. قيل له: معاذ الله! قد أجلَّ الله الكريمُ أهلَ الشرف من أهل بيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وذريّته الطيّبة من أن يُنكروا دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبي –صلى الله عليه وسلم-، هم أزكى وأطهر، وأعلم الناس بفضل أبي بكر وعمر، وبصحّة دفنهما مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وما ينبغي لأحد أن ينحلَ هذا الخلق القبيح إليهم، هم عندنا أعلى قدرًا وأصوب رأيًا ممّا يُنْحَل إليهم.
فإن كان قد ظهر إنسانٌ منهم مثلما تقول، فلعلّه أن يكون سمع من بعض من يقع في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويذكرهما بما لا يحسن، فظنّ القول كما قال.
وليس كل من رفعه الله الكريمُ بالشرف وبقرابته من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عُني بالعلم، فَعَلِمَ ما له ممّا عليه، إنما يُعَوّل في هذا على أهل العلم منهم.
والذي عندنا أن أهل البيت –رضي الله عنهم- الذين عُنُوا بالعلم يُنكرون على من يُنكر دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مع النبي –صلى الله عليه وسلم- ... (إلى أن قال:) فنحن نقبل من مثل هؤلاء الذريّة الطيّبة المباركة ما أتوا به من الفضائل في أبي بكر وعمر، وهل يروي أكثر فضائل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- وولده من بعده؟! يأخذه الأبناء عن الآباء، إلى وقتنا هذا.
نحن نُجل أهل البيت –رضي الله عنهم- أن يُنحل إليهم مكروه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أو تكذيب لدفنهما مع النبي –صلى الله عليه وسلم- .
(إلى أن قال عن الرجل من آل البيت يُنكر فضل الشيخين:) بل إذا سُمع منه ما لا يَحْسُنُ، وُقفَ على ذلك، ووُعِظَ، ورُفِقَ به. وقيل له: أنت وسلفُك أجلّ عندنا من أن نظنّ بك أنك تجهل فضل أبي بكر وعمر، أو تنكر دفنهما مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ...». (الشريعة للآجري 5/2375-2381).
وفي هذا النقل فوائد جليلة، غير استعمال لقب الشريف لآل البيت، ومنها: إجلالهم وتوقيرهم، والرفق بجاهلهم، ودفع قالة السوء عنهم ما أمكن ذلك، والحرص على هداية ضالهم.
وقال المرداوي الحنبلي (ت885هـ) في الإنصاف: « الثامنة: الأشراف: وهم آل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم-. ذكره الشيخ تقيّ الدين، واقتصر عليه في الفروع. قال الشيخ تقيّ الدين: وأهل العراق كانوا لا يسمّون شريفًا إلا من كان من بني العباس، وكثيرٌ من أهل الشام وغيرهم لا يسمّونه إلا إذا كان علويًّا. قال: ولم يُعلّق عليه الشارع حكمًا في الكتاب والسنة، ليُتلقَّى حَدُّه من جهته. والشريف في اللغة: خلاف الوضيع والضعيف، وهو الرياسة والسلطان. ولمـّا كان أهل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم- أحقَّ البيوت بالتشريف، صار من كان من أهل البيت شريفًا». (الإنصاف -بحاشية الشرح الكبير- 16/512).
وهذا كلام صريح في مشروعيّة هذا اللقب لآل البيت، وأن هذا اللقب من أمور العادات التي لا يُتطلّبُ معناها وحدُّها من نصوص الشرع، فلمّا وافقت حقيقةُ نسب آل البيت الدلالة اللغوية لهذا اللقب، كانوا أحقّ من خُصُّوا به.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة: «عن الوقف الذي أُوقف على الأشراف..؟ »، فأجاب عن السؤال، إلى أن قال: «وكذلك من وقف على الأشراف، فإن هذا اللفظ في العُرف لا يدخل فيه إلا من كان صحيح النسب من أهل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم-...». (مجموع الفتاوى 31/93-94).
ووصف شيخُ الإسلام ابن تيميّة عبدَالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بأنه: «أحد الأشراف الحَسَنين، بل أجلهم قدرًا في عصر تابعي التابعين». (مجموع الفتاوى 27/383).
وفي حاشية ابن عابدين الحنفي: «الشريف، كل من كان من أهل البيت: علويًّا، أو جعفريًّا، أو عباسيًّا، لكن لهم [أي للجعفري والعباسي] شرف الآل الذين تحرم الصدقة عليهم، لا شرف النسبة إليه –صلى الله عليه وسلم- ...». (حاشية ابن عابدين 6/685).
وقال اللقاني في شرح جوهرة التوحيد له: «يُطلق على مؤمني بني هاشم: أشراف، والواحد: شريف، كما هو مصطلح السلف. وإنما حدث تخصيص الشريف بولد الحسن والحسين في مصر خاصّة في عهد الفاطميين. ويجب إكرام الأشراف، ولو تحقّق فسقُهم؛ لأن فرع الشجرة منها، ولو مال». (حاشية الطهطاوي على مراقي الفلاح 1/8).
وقال المناوي في فيض القدير (1/522): «عدّوا من خصائص آل المصطفى –صلى الله عليه وسلم- إطلاق (الأشراف) عليهم، والواحد: شريف».
وهذه النقول غيضٌ في فيض إطلاقات العلماء للقب الشريف على آل البيت، دون نكير منهم، بل مع الإقرار، وربما صرّحوا بما يدلّ على المشروعيّة كما رأيتَ آنفًا.
أفيكون هؤلاء جميعًا -وغيرهم كثير- غافلين عن تحريم هذا اللقب؟!
ألا فليتق اللهَ مستحلُّ أعراض المؤمنين، وليَسْتَحْيِ راغبٌ في شفاعة النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يقابله يوم القيامة وقد آذى آله بالسبّ والشتم، أو الغمز واللمز. وقد قال القاضي عياض في الشفا (5/518): «وسب آل بيته وأزواجه وأصحابه –صلى الله عليه وسلم- وتنقُّصُهم حرامٌ ملعونٌ فاعله». وقال ابن قيم الجوزية في حاشيته على سنن أبي داود (3/17): «أنّ أذى أهل بيته –صلى الله عليه وسلم- وإرابتهم أذًى له».
وكيف يجتمع حبّ النبي –صلى الله عليه وسلم- وبُغْضُ آله في القلب ؟!
وكيف تجتمع الصلاة على النبيّ وآله صلى الله عليهم وسلم وشَتْمُهم وتنقُّصهم؟!
وكيف يجتمع ائتمارٌ بأمر النبي –صلى الله عليه وسلم- وطاعةٌ له مع مخالفة وصيّة النبي –صلى الله عليه وسلم- في آل بيته؟!
وأما إن لم يبق للمتردد في مشروعية هذا اللقب إلا مسألة صحة تقديمه على الاسم لغة أو تأخيره، فالأمر سهل؛ لأنه لا يحتاج ذلك إلا إثبات صحته في اللغة.
ويكفي لإثبات صحته لغة أن يرد تقديم اللقب على الاسم في كتاب الله تعالى: قال الله تعالى: "إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ" [النساء:171]، وقال تعالى: "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ" [النساء:157].
وبهذا تندفع الاعتراضات التي وجدتها على لقب (الشريف)، ولا أعرف للمعترضين غير ما سبق مما رددته وبينت سقوطه.
عفا الله عن الجميع ما أسرفوا فيه، وغفر لهم ظلمهم، وهداهم إلى رشدهم.
--------------------------------------------------------------------------------
(1) انظر كلام حرب الكرماني في مسائله للإمام أحمد وإسحاق (361، 365)، وكلام شيخ الإسلام ابن تيميّة في اقتضاء الصراط المستقيم (1/419-461).
ولابن قتيبة الدِّيْنَوري (ت276هـ) كتابٌ مفردٌ مطبوع في بيان فضل العرب والردّ على الشعوبية، وهو كتاب (فضل العرب والتنبيه على علومها)، وللحافظ زين الدين العراقي (ت806هـ) كتاب مطبوع: (محجّة القُرَب في فضل العرب).
(2) صحيح البخاري (رقم 843)، وصحيح مسلم (رقم 595).
(3) صحيح مسلم (رقم 266)، وصحيح ابن حبان (رقم 5721، 5722).
(4) صحيح ابن حبان (رقم 484، 2981). وانظر أيضًا: مسند الإمام أحمد (رقم 1534)، وتهذيب الآثار لابن جرير الطبري - الجزء المفقود - (678-684)، وصحيح ابن حبان (رقم 2982).
(5) لقد أراد الله تعالى لدين الإسلام أن يكون دينًا خالدًا باقيًا إلى قيام الساعة، كما أراد الله تعالى له أن يكون أيضًا دينًا عالميًّا غير قوميّ. والخلود والعالميّة خصيصتان لم توجد في دين من الأديان قبل الإسلام، فكل الأديان -ما عداه- محدودة الزمن بالنسخ أو التحريف والضياع، ومحدودة المدعوين بها، فهي أديانٌ لأقوامٍ مخصوصين بها، لا تتجاوزهم إلى غيرهم، فضلاً عن أن تكون أديانًا عالميّة.
وكون الإسلام عالميًّا خالدًا يستدعي أن لا يكون اختيار أول المدعوين به مبنيًّا على قصد إصلاحهم به فقط؛ لأنَّ هذا المقصد هو نفسه الذي كان يُقصد من الأديان القوميّة والمحدودة الزمن، ولذلك كان الرسل الأُوَل عليهم السلام (قبل رسولنا –صلى الله عليه وسلم-) كالأطباء للمرضى، يُبعثون لأحوج الأمم للعلاج وأشدّهم داءً، وإن كانت تلك الأمم ليست مؤهلة لحمل الشريعة، ولذلك يُبعث النبيّ يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان، ويُبعث النبيّ وليس معه أحد؛ لأن غرض إرسال الرسل هو إصلاح الفساد، أو إعذارٌ وإقامةٌ للحجّة. فقصد الإصلاح وحده هو القصد الأكبر من بعثة الرسل قبل نبينا عليهم الصلاة والسلام بالأديان القوميّة غير الخالدة، فلا يمكن أن يكون قصد الإصلاح وحده سببًا لاختيار الأمة التي ستكون أوّل حامل للدين العالمي الخالد وهو دين الإسلام، بل لابُدّ أن يكون اختيارُ هذه الأمة التي ستتولى أمانة نشر هذا الدين دالًّا على أنها هي التي سيتحقق على لديها تمكينه في الأرض على وجه الخلود والعالميّة، وهذا لن يتحقق إلا إذا كانت هي أولى الأمم بحمل الدين وأحقّها بتولّي قيادة الناس فيه، وهذا لا يكون إلا إذا كان نجاحُ دعوة الدين الأولى في تلك الأمّة أعظمَ نجاحٍ وأقواه. ولو كان في الأمم سوى تلك الأمّة من هي أقوم بهذا الدين منها، للزم من واجب تمكينه (خالدًا وعالميًّا) أن تكون هي حاملةَ الدين وقائدةَ الناس إليه دون غيرها.
فلمّا اصطفى الله تعالى خاتمَ الرسل من أصرح نَسبٍ في العرب وأفضلهم فيه، ولمـّا جعل الله تعالى مصدريه التشريعيين (الكتاب والسنة) على لغة العرب، وجعل القبلة والمحجّة ومسجد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في بلاد العرب، وغير ذلك من وجوه الاصطفاء الدالّة على قَصْد التشريف والتكليف = دلّ ذلك على أنهم أولى الأمم بحمل هذا الدين، وهذا لا يكون إلا إن كان العربُ أقدرَ الأمم على حَمْله، وهذا ما لن يحصل إلا إذا كانوا أكثر الأمم قبولاً لتعاليمه جبلّةً وطبيعة، وقد أثبتوا ذلك بتمكينهم للدين، ونشره في الخافقين، وبكونه سيبقى خالدًا عالميًّا تحقيقًا لموعود الله تعالى فيه، وتحقيقًا لأحقّيّة العرب بالاختيار الإلهي لهم ليكونوا هم أول حامليه، ولاستمرارِ ارتباط هذا الدين بالعرب لغةً وبلادًا.
قال الله تعالى عن القرآن الكريم: "وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ"[الزخرف:44]. أي: إن القرآن لَشرَفٌ لك يا رسولنا وشرفٌ لقومك أيضًا. (تفسير الطبري: 20/602-603).
الطاهري
23 Apr 2008, 03:41 PM
جهد مميز للشيخ حاتم العوني وفقه الله...
ولكن عليه ملاحظتين رئيستين، قبل الدخول إلى التفاصيل...
الأولى أن الشيخ من المبتلين بهذا البلاء، فهو يسمي نفسه شريفا!! فدفاعه عن هذا الأمر كدفاع الشيعة على تفضيل علي على غيره، له منطلق شخصي يضعف موقف المدافع، بخلاف ما لو كان من غير المنتسبين لهذا النسب الشريف...
والثانية أن الشيخ تجاهل في مبحثه المسألة الأساسية والتي يبني عليها غيرها، وهو بدعية هذا اللفظ أصلا وأنه حادث، وأن الناس يتعبدون به بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم وذريته، رغم وعدم وروده في أيام الصحابة وأبنائهم وخير قرون الأمة، لا من الصحابة والتابعين من غير آل البيت، ولا من الذين من آل البيت أنفسهم، فلم يكونوا يسمون أنفسهم وإخوانهم الشريف أو السيد، هذا كله فضلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي لم يرشدنا لهذه المزية ولم يطلق على أحد من الأشراف!! الهاشميين حينذاك لقب الشريف العباس أو السيد حمزة أو الشريف علي أو السيد جعفر أو غيرها، بينما أطلقها على الأنصاري سعد بن معاذ (قوموا إلى سيدكم) وعلى الحسن بن علي لعمل يقوم به...
فيبقى التلقب بهذه الألقاب بدعة، ومن أمور الجاهلية...
والله أعلم...
راكان
23 Apr 2008, 05:27 PM
قولكم:
والثانية أن الشيخ تجاهل في مبحثه المسألة الأساسية والتي يبني عليها غيرها، وهو بدعية هذا اللفظ أصلا وأنه حادث
بل تكلم الشريف العوني عن ذلك فقال:
وليس في ذلك ما له علاقة بالحكم الشرعي لهذا اللقب، إلا لمن أدخل التلقّب به في باب البدع! فإنه إن قصد البدعة الشرعيّة التي شَرْطُها أن تكون أمرًا في الدين وبقصد التعبُّد، فهو مخطئ خطأ واضحًا؛ لأن التلقّب بالشريف من أمور الأعراف والعادات الدنيويّة التي ليست من الدين، ولا هو عبادةٌ ولا يُقصد به العبادة. ولذلك لم يقل أحدٌ (لا عالم ولا جاهل) إنه لا يجوز إحداث ألقابٍ أو أسماءٍ إلا لقبًا أو اسمًا كان على زمن النبي –صلى الله عليه وسلم-، وما زال الناس يتلقَّبون وتتجدّد لهم ألقابٌ وأسماءٌ لأنسابٍ لم تكن في زمن السلف الصالح، ولا نكير عليهم من أهل العلم، بل يشاركهم في ذلك أهل العلم أنفسهم، ولا وُصفت بالبدعة لذلك. فإنكار التلقّب بالشريف بدعوى البِدْعِيّة، هو البدعةُ في الفتوى، والتي لم تكن في زمن السلف ولا الخلف. وأمّا إن أراد الواصف لهذا اللقب بالبدعة البدعة اللغويّة، فمعلوم أنّ ذلك لا علاقة له ببيان الحكم الشرعي.
وبناءً على ذلك، من أن باب الألقاب الأصل فيه الإباحة، كما هي القاعدة في الأمور الدنيويّة، حتى يقوم الدليل على التحريم = يكون التلقّب بالشريف مباحًا حتى يقوم الدليل على التحريم.
وأظن أن كلامه سديد.. وعلى كلّ؛ لي سؤال مهمّ لمن يرى تحريم هذا التلقب وأنه من عادات الجاهلية:
لقد انتشر هذا اللقب واشتهر بين القاصي والداني من علماء المسلمين.. فمن منهم أنكره ؟!
الطاهري
24 Apr 2008, 01:57 AM
قلبتم السؤال علي بشكل لا يجوز...
السؤال المطروح: من يتبع الذي يأخذ بهذا اللقب ويقول به؟؟
هل يتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة والتابعين الذين لم يقل أحد به ولم يخرج من ألسنتهم ولا كان من أفعالهم وأعمالهم بل كانوا سواسية لا فرق لأحد منهم على غيره إلا بالتقوى والسابقة...
أم يتبع الصوفية والشيعة الذين أنشأوا هذا اللقب ونشروه وحافظوا عليه، وتفرع عنه بلاء مستطير في الأمة فكان أكثر أئمة الضالين والمنحرفين في تلك الطوائف من ضلال آل البيت أبعدهم الله، وتقبل الله من صالحي أهل البيت تمسكهم بالسنة وحسن دينهم...
وكلام الشيخ حاتم -وفقه الله- في هذه الجزئية ليس سديدا ولا صحيحا، بل يظهر فيه التعسف الواضح ولي الحقائق...
فكيف يحاول ربط جواز تلقب أي إنسان بأي لقب في أي وقت، بمسألة إطلاق لقب تعبدي ناشئ عن مسألة شرعية في تعظيم آل البيت ومحبتهم والتي هي عبادة شرعية وليست عادة...
هل إطلاق لقب الأشراف والسادة على طائفة ذرية النبي صلى الله عليه وسلم من باب الحب والتعظيم الذي هو عبادة، أمر خارج عن إطار العبادات، ومن جنس إطلاق الألقاب الخاصة على أعيان الناس نسبة إلى بلادهم وأعمالهم ومهنهم وصفاتهم وغيرها؟ أم هو عبادة مقترنة بأصل يتفرع منه مسائل متعددة، وهو محبة صالحي أهل البيت؟؟
راكان
24 Apr 2008, 08:26 AM
لم ينقلب السؤال
فأنا أوردتُ من كلامه ما يرد على سؤالك،
نعم أنت لا توافقه في رأيه.. لكنني لن أخوض للفصل بين رأيكما في كون اللقب عبادة أم عادة..
بل أحببت أن أنوّهك لأمرٍ لازمه فصلٌ بين القولين، وهو الطريق الأقرب لمعرفة الصواب.. لا ينكر ذلك منصف.
ألا ترى أن اللقب اشتهر وانتشر وأقرّه الموافق والمخالف، وقد علمنا ضرورةً وجود أهل الحق والصدق ممن لا تأخذه في الله لومة لائم.. ولم تذكر لنا إلى الآن احداً من أؤلئك قام لله بحجته في العصور المنقرضة..
فإما أن يوجد من أنكر هذه البدعة المشتهرة، فتعود المسألة إلى الاجتهاد، ويكون للرأيين محل من النظر والاعتبار.
وإما أن لا يوجد من أنكرها، فيصير التوجيه إلى أن اللقب ليس من البدع المنهي عنها، فيشذّ مع ذلك القائلون بالنهي..
ويسهل بعد ذلك توجيه إشكالك في التعبد باللقب.
ولا وسط بين الأمرين ، فتدبر..
محمد أنور
24 Apr 2008, 07:24 PM
نعم
مما يدعو إلى التأمل كثيراً في هذه المسألة :
هل أنكر هذا اللقب أحدٌ من أهل العلم..
الطاهري
24 Apr 2008, 10:57 PM
الأخ راكان...
ما أزال أرى في السؤال قلبا لا يصح...
والسؤال هو: هل يقصد بهذه التسمية التعبد أم لا؟؟
وبشكل آخر التقرب إلى الله بمحبة آل البيت أم لا؟؟
فإن كان: نعم (كما أراه الواقع)، فالمطالب بالدليل هو المثبت لها كعبادة تحتاج أصلا ودليلا، وليس الذي على أصل أن كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد، وهذا ما أقول به...
وإن كان: لا، فلا تحتاج دليلا وتبقى مسألة فعل لا علاقة له بالتدين، وهذا ما يزعمه الشيخ حاتم -وفقه الله- وأراك تذهب إليه معه...
ولكن بتأمل قليل في المسألة سنرى أن التعبد حاضر وبقوة، ولا يمكن فكه عن اللقب...
أما سؤالك الذي كررته فلا أعلم ولم أتتبع ما قاله العلماء في هذه التسمية والتلقيب، ولكنني على اصل أصيل في لزوم صاحب العمل التعبدي بالدليل...
والمطلوب منكم إثبات أن هذه التسمية لا علاقة لها بالتعبد وأنها من جنس الألقاب والأسماء العادية كما زعم الشيخ حاتم!!
ألا ترى أنك حين تقول: سيدي الشريف فلان، فإنك تتعبد بهذا اللقب وترى أنك تتقرب إلى الله به...
فلم لم يرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى هذه العبادة الطيبة، ولم يفعلها الصحابة ولا التابعون؟؟
وأنا أقر أن جزءا من كلام المؤرخين في تعميم الخبر عن الأشراف الفلانيين والسادة بني فلان وأخبارهم وتواريخهم خارج هذا التعبد، ولكن مبحثنا عن المخاطب المعظم، وعن التقرب إلى الله بتعظيمهم ومحبتهم كما يراه بعض الناس بألقاب ياسيدي ويا شريف، فأنا أرى أنه لا ينفك عن العبادة الحادثة التي تندرج في مدارج البدع...
والمطالب بالدليل هو المقر للمحدث ما دام في الدين وتعبدا، فإن لم يكن فحرر لنا مكان النزاع وهو عدم التعبد بهذا اللقب، ونفي الإيراد الذي جئت أنا به...
والله المستعان...
الطاهري
24 Apr 2008, 11:23 PM
نعم
مما يدعو إلى التأمل كثيراً في هذه المسألة :
هل أنكر هذا اللقب أحدٌ من أهل العلم..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (35|230): «إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل. فإن الله تعالى قال: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب". ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها احد بنسبه ولا يذم أحدا بنسبه، وإنما يمدح بالإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان. وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يَدَعوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم". فجعل الفخر بالأحساب من أمور الجاهلية.
وسُئِل الشيخ عبد الله بن جبرين: "ما حكم قول عبارة <السيد> لمن ثبت لدينا نسبه إلى آل البيت الأطهار"؟ فأجاب: «أرى أنه لا يصح إطلاق هذه اللفظة على كل هاشمي أو مُطَلِبيَ وذلك لان نسبهم قد بعد كثيراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تكاثر عددهم. وقد علم أن فيهم المطيع والعاصي والبر والفاجر كما هو الواقع غالباً في أكثر القبائل. ولفظ السيادة يقتضي التعظيم والتفضيل والولاية والاحترام. ولا يصح ذلك لكل أحد منهم. وقد ثبت عن الإمام موسى الكاظم رحمه الله انه قال بما معناه" "إن من كان تقياً مؤمناً فهو ولي الله ولو كان عبداً حبشياً، ومن كان عاصياً فاسقاً فهو عدو الله ولو كان شريفاً قرشياً"».
راكان
25 Apr 2008, 05:23 PM
يمكن أن يقال:
- لا نقصد باللقب هذا التعبد به في حدّ ذاته، بل نقصد به التمييز فقط .. فقولنا سيد وشريف كما نقول عالم ومقرئ ونحو ذلك لمن هو أهله..
- إن قصد صاحبه التعبد جاز ولم يكن بدعةً، والدليل أن النبيّ (ص) حثنا على تعظيم أهل بيته ورعايتهم وذكرنا الله فيهم ( أذكركم الله في أهل بيتي ) ولا خلاف بين أهل العلم أن المؤمن من أهل البيت يُحبّ ويعظّم أكثر من مثله من غير أهل البيت..
إذا تقرر هذا؛ فإن الأمر بالمحبة والتذكير والتعظيم عام يصح في الامتثال به دخول كل ما يمسى محبة وتعظيماً تحت هذا العموم ما لم يرد نهيٌ في الشرع عن ذلك الشيء بخصوصه.. ولا شك أن تسمية المؤمن من أهل البيت سيداً وشريفاً فيه تعظيمٌ ومحبة وتقديرٌ، فهو داخل تحت العموم وعلى من أخرجه الدليل الخاص به.
ألا ترى أننا أُمرنا بتعظيم العلماء ومحبتهم وتقديرهم، وأن الناس يختلفون ويتنوعون في تعظيم العلماء ومحبتهم وتقديرهم، ولا ينهى أحدٌ من أهل العلم عن شيءٍ من ذلك إلا ما خالف فيه الشرع بدليلٍ منفصل..فهذا هذا..
وإذا كنتَ لا تعلمُ أحداً نهى عن هذا اللقب، فاعتبر ذلك في نفسك، ولا تكن بدعاً فيه.. حتى تجد لك سلفاً.
أما فتوى ابن تيمية وابن جبرين فلا تساعدك .. لكنني أترك ذلك للأخ محمد .. وإلا بينتُ لك أنا وجه الافتراق، مع كونه ظاهراً.. فتأمله.
الطاهري
27 Apr 2008, 12:15 AM
يمكن أن يقال:
- لا نقصد باللقب هذا التعبد به في حدّ ذاته، بل نقصد به التمييز فقط .. فقولنا سيد وشريف كما نقول عالم ومقرئ ونحو ذلك لمن هو أهله..
.
لا يوجد شيء اسمه التعبد في حد ذاته، إما قصد التعبد أو لا...
والقياس قياس مع الفارق، فألفاظ عالم وقارئ وصف مجرد له أصل في القرآن الكريم وفي السنة النبوية والأمثلة كثيرة، بخلاف سيد وشريف فلا أصل لها لسلالة محددة كما هو معروف...
- إن قصد صاحبه التعبد جاز ولم يكن بدعةً، والدليل أن النبيّ (ص) حثنا على تعظيم أهل بيته ورعايتهم وذكرنا الله فيهم ( أذكركم الله في أهل بيتي ) ولا خلاف بين أهل العلم أن المؤمن من أهل البيت يُحبّ ويعظّم أكثر من مثله من غير أهل البيت..
.
على كلامك هنا أكثر من ملاحظة:
الأولى: هات الدليل على تجويز هذه العبادة المحدثة التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا صحابته، وإنما نشأت بعدهم، أما مازعمته دليلا هنا فعلينا أن نلتزم به بدون زيادة، فقد حثنا النبي على زيارة القبور فهل ترى التمسح بقبره مثلا بناء على ذلك الأمر، أم أن للأمر حدودا...
الثانية: كلمة تعظيم أهل بيته لا أعرف دليلا شرعيا عليها، فإن كان لديك فدلني فالتعظيم مسألة تزيد على التذكير بهم في حسن التعامل والصبر على أخطائهم ومزيد محبة الصالح منهم...
الثالثة: قولك أن لا خلاف بين أهل العلم أن المؤمن منهم يحب ويعظم أكثر من مثله من غير أهل بيته، دونه خرط القتاد....
فالخلاف وارد وكثير...
خلاف في تحديد من هم آل البيت، حيث ذهب بعض أهل السنة والجماعة وخاصة من الشافعية إلى أن آل البيت هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وليست سلالة معينة، وذهب غيرهم إلى أن آل البيت هم صالحو الأمة، فأصحاب هذه الأقوال لا يقولون -بداهة- بما تقول أنه لا خلاف فيه بينهم، فآل البيت عندهم شيء آخر...
وخلاف ثان في تحديد من يستحق المحبة من آل البيت في حال حمل المعنى على الذرية الهاشمية، وهل هم مجرد المسلمين منهم، أم المسلمين الصالحين؟؟
وخلاف ثالث بيني وبينك في كلمة تعظيم الذي أظفتها إلى المحبة، وأنا محتاج إلى الدليل الشرعي فيها منقاد له إن جاء، والذي أعرفه وسمعته وقرأته أن مذهب كثير من أهل السنة والجماعة مزيد المحبة للصالح من آل البيت، أما التعظيم فأخاف أن يكون من التشيع المذموم...
إذا تقرر هذا؛ فإن ...
لم يتقرر...
وإذا كنتَ لا تعلمُ أحداً نهى عن هذا اللقب، فاعتبر ذلك في نفسك، ولا تكن بدعاً فيه.. حتى تجد لك سلفاً.
أما فتوى ابن تيمية وابن جبرين فلا تساعدك .. لكنني أترك ذلك للأخ محمد .. وإلا بينتُ لك أنا وجه الافتراق، مع كونه ظاهراً.. فتأمله.
بل تساعدني كثيرا، وأظنها في صلب الموضوع...
ولم يبن لي وجه الافتراق، فالفتاوى فيها نهي عن لفظ سيد وشريف لمجرد النسب...
فإن كنت ترى وجه افتراق فأتحفني به...
ولعلي أتحفك برد وتعليق على كلام الشيخ حاتم العوني وفقه الله، قبل أن تتحفني بما أنتظره منك...
الطاهري
27 Apr 2008, 12:26 AM
بدعة التلقـُّب بالشريف وعدم مشروعية ذلك - الرد على الشيخ حاتم العوني للشيخ محمد الأمين
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى أتباعه أجمعين.
أولاً: تاريخ هذين اللقبين:
أول من تسمى بالشريف هم العباسيون، ومن ثم تبلور هذا الاسم وغيره في عصري كل من الدولة الفاطمية الباطنية في مصر والزيدية الشيعية في اليمن، وأصبح يطلق على ذريتي الحسن والحسين كي يستغل بعض أهل البيت السُذج من المسلمين ليحققوا بعض الأمور السياسية أو حتى الدينية. ففي القدم كان أهل البيت قلة ومعروفين. والكل على علم بما فعله الهالك يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي من نشر للمذهب التضليلي الزيدي ذو العرق المعتزلي البِدعي. قـال السيوطي: « لما ولي الفاطميون أمر مصر قصـروا اسم الشريف على ذرية الحسن والحسين فقط». وصار اليوم لقب "السيد" يطلق على من انتسب إلى الحسين t، و "الشريف" على من انتسب إلى الحسن t. إذاً فأصل هذين اللقبين ليس السلف الصالح أصحاب المنهج القويم بل هم أهل البدع والخرافات وما جاء من باطل فهو باطل لا محالة .
ثانياً: حكم التلقب بهذين اللقبين:
بعد أن علمنا ألا أصل شرعي في هذين اللقبين نأتي إلى نقدهما تحت ظل الشريعة الإسلامية. فالشريف من الشرف، وهو ذو المكانة. والسيد هو قائد القوم وزعيمهم والمقدم فيهم. وقد كان كبار القوم في الجاهلية يلقبون بهذه الألقاب كأشراف قريش وسادات تميم وغيرهما. فهل يجوز الفخر بالأحساب؟ وأي شريعة هذه التي تحكم على شخص بالشرف لأن أجداده كانوا أبناء أنبياء؟ إذاً فعلى هذا تكون ذرية إبراهيم عليه السلام أشراف كلهم، ولكنه تعالى يقول: {ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين}، وقد جاء في حديث عائشة t الذي أخرجه مسلم في الصحيح، قالت: لما نزلت {وأنذر عشيرتك الأقربين} قام رسول الله r على الصفا، فقال: «يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم». ويقول الرسول r: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب». إذاً فالفخر بالحسب هو أمر مذموم شرعاً، فمن أين أتى حاتم العوني بالتأصيل الشرعي له؟ كل ما فعله هو ذكر فضائل أهل البيت، وفضلهم لا يعطيهم الحق بالتلقب بما لا يشرع. نعم، لقد قال النبي r في الحسن بن علي رضي الله عنهما: «إن ابني هذا سيد». ولكن لماذا؟ هو سيد لأنه حفيد خاتم الأنبياء؟ بل هو سيد لأن الله سيصلح على يديه بين طائفتين عظيمتين من المسلمين. هو سيد بعمله، لا بحسبه ولا بنسبه. جاء في لسان العرب لابن منظور (4|741): «وفي الحديث: "إن ابني هذا سيد"، قيل أراد به الحليم لأنه في تمامه "وأن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين"». ولا يحق أبداً لذريته بتوارث لقب ليس ملكهم أصلاً. فهذا داخل بالتفاخر بالأحساب.
ثالثاً: موقف آل البيت من التفاخر بالنسب:
وكان أهل البيت في الماضي يأنفون من أن يفتخروا بنسبهم. وهذا سيدهم الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب يؤكد ذلك ويبين أن النسب لا ينفع. قال الزبير بن بكار: «كان الحسن بن الحسن وصي لأبيه، وولي صدقة علي بن أبي طالب في عصره". روى مصعب الزبيري في كتابه "نسب قريش" عن الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن الحسن قول لرجل يغلو فهم: «ويحكم! أحبونا لله! فإن أطعنا الله، فأحبونا، وإن عصينا الله، فأبغضونا! فلو كان الله نافعاً أحداً بقرابة من رسول الله r بغير طاعة، لنفع بذلك أباه وأمه! قولوا فينا الحق؛ فإنه أنفع فيما تريدون، ونحن نرضى به منكم». وروى أبو نعيم الأصبهاني في كتاب "الإمامة" من طريق شبابة عن الفضيل عن الحسن قال: «ويحكم أحبونا لله، فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا. قال: فقال له الرجل: «إنكم قرابة رسول الله r، وأهل بيته». فقال: «ويحكم لو كان الله نافعا بقرابة من رسول الله r، بغير عمل بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا، أباه وأمه. والله إني لأخاف أن يضاعف للعاصي منا العذاب ضعفين. والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين». قال المزي في تهذيب الكمال (6|88): «وهذا من أصح الأسانيد وأعلاها».
رابعاً: لفظ الشريف عند السلف:
لفظ "الشريف" لم يكن خاصاً -عند السلف- بالهاشميين. ومن أكثر من النظر في كتب الرجال جزم بذلك. وكان هذا اللفظ يطلق على كـل ماجد نبيل له شأن كريم الأصـل. قال ابن السكيت عن هـذا اللفظ : «ولا يكون إلا لمن له آبـاء يتقـدمونه في الشـرف». وكـان هـذا اللفظ لا يختص بقـوم دون قـوم ولا بقبيلة دون أخـرى، بل ربمـا أطلق على صاحب مزية إمـا نسبا أو علما أو جاهـا أو سلطانا ونحو ذلك؛ وإن كان إطلاقها على ذوي النسب الرفيـع أكثر وأشهـر كما قال جبلة بن الأيهـم:
تنصرت الأشراف من عـار لطمة *******وما كـان فيهـا لو صبرت لهـا ضرر
ففي القرون المفضلة لم يكن يطلق هذا اللقب عليهم، أي في عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم. وأقدم من وجدته يطلق هذا اللقب عليه بالشكل الاصطلاحي هما الأخوان الرافضيان الشريف الرضي و الشريف المرتضى. فجاء العبيديون الرافضة وقصروه على نسب الحسب والحسين فقط. ولا يزيد أهل البيت أو ينقصهم قدرهم، لفظة لم يتحلى بها سلفهم. وعلى العلوي أن يكتفي بنسبه الحسني أو الحسيني، ولا يضع لفظاً لم يضعه سلفه الأخيار في القرون الثلاثة الأولى.
وتجد ذلك المعنى أيضاً مبثوثاً في الكتب والتصانيف. فقد ألف البلاذري كتاباً سمّـاه "أنسـاب الأشـراف". ومن نظر فيه فهم المراد بلفظ: "الشريف" عند المتقدمين. ولابن أبي الدنيا "الإشـراف في منازل الأشـراف". وللحسن بن عتيق القسطلاني كتاب عنوانه "الإشراف على مناقب الأشراف". و ليست هذه الكتب مقصورة على آل البيت النبوي فضلاً عن أن تكون مقصورة على ذرية علي أو الحسن و الحسين أو أحدهما. و تجد في "عيون الأخبار" : "أفعال من أفعال السادة والأشراف"، وعند ابن عبد ربه في "العقد الفريد": "مراثي الأشراف"، و "أشراف كتاب النبي r" ، "ونوكى الأشراف" ، "ومن حد من الأشراف". وهناك كتاب: "النكت الظراف فيمن ابتلي بالعاهات من الأشراف". وسرى هذا إلى بعض كتب الفقه، فتجد عند الأحناف مثلاً في: "باب التعزير" ذكر من كان له شرف، كالعلماء والفقهاء ونحوهم، وإن لم يكونوا من آل البييت النبوي. ونفذ ذلك أيضاً إلى علماء الجرح والتعديل، فإذا أرادوا تعديل رجل، قالوا في ضمن ألفاظ التعديل: "فلانٌ شريف"، أو "هو من أهل الشرف". قال شعبة : "حدثوا عن أهل الشرف فإنهم لا يكذبون". و قال أبو عثمان البرذعي: "سالت أبا زرعة عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فقال: رجلٌ شريف. وحدثني محمد بن إدريس، عن آخر، عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: قلت لابن أبي نجيح: ما تقول في عمرو بن شعيب؟ فقال: شريف. فقلت : ما تقول في عمرو بن سعيد؟ -هو الأشدق-. قال: رجلٌ شريف". وكان الأعمش إذا مدح شيوخه و أصحابه يقول: "كان أصحابي أشرافاً لا يكذبون" . وقال شعبة: "اكتبوا عن أبي أمية إسماعيل بن يعلى، فإنه رجلٌ شريف لا يكذب".
خامساً: أقوال العلماء:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (35|230): «إن تعليق الشرف في الدين بمجرد النسب هو حكم من أحكام الجاهلية الذين اتبعتهم عليه الرافضة وأشباههم من أهل الجهل. فإن الله تعالى قال: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. وقال النبي r: "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب". ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يمدح فيها احد بنسبه ولا يذم أحدا بنسبه، وإنما يمدح بالإيمان والتقوى ويذم بالكفر والفسوق والعصيان. وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: "أربع من أمر الجاهلية في أمتي لن يَدَعوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والنياحة والاستسقاء بالنجوم". فجعل الفخر بالأحساب من أمور الجاهلية. فإذا كان المسلم لا فخر له على المسلم بكون أجداده لهم حسب شريف فكيف يكون لكافر من أهل الكتاب فخر على كافر من أهل الكتاب بكون أجداده كانوا مؤمنين؟ وإذا لم تكن مع التماثل في الدين فضيلة لأحد الفريقين على الآخرين في الدين لأجل النسب، عُلِم أنه لا فضل لمن كان من اليهود والنصارى آباؤه مؤمنين متمسكين بالكتاب الأول قبل النسخ والتبديل على من كان أبوه داخلا فيه بعد النسخ والتبديل. وإذا تماثل دينهما تماثل حكمهما في الدين. والشريعة إنما علقت بالنسب أحكاما مثل كون الخلافة من قريش وكون ذوى القرب لهم الخمس وتحريم الصدقة على آل محمد ونحو ذلك، لأن النسب الفاضل مظنة أن يكون أهله أفضل من غيرهم، كما قال النبي "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". والمظنة تعلق الحكم بما إذا خفيت الحقيقة أو انتشرت، فأما إذا ظهر دين الرجل الذي به تتعلق الأحكام وعرف نوع دينه وقدره، لم يتعلق بنسبه الأحكام الدينية. ولهذا لم يكن لأبى لهب مزية على غيره لما عرف كفره كان أحق بالذم من غيره. ولهذا جعل لمن يأتي بفاحشة من أزواج النبي r ضعفين من العذاب كما جعل لمن يقنت منهن لله ورسوله أجرين من الثواب. فذوا الأنساب الفاضلة إذا أساؤا كانت إساءتهم أغلظ من إساءة غيرهم وعقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم. فكفر من كفر من بني إسرائيل إن لم يكن أشد من كفر غيرهم وعقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم، فلا أقل من المساواة بينهم. ولهذا لم يقل أحد من العلماء أن من كفر وفسق من قريش والعرب تخفف عنه العقوبة في الدنيا أو في الآخرة. بل إما أن تكون عقوبتهم أشد عقوبة من غيرهم في أشهر القولين، أو تكون عقوبتهم أغلظ في القول الآخر. لأن من أكرمه بنعمته ورفع قدره إذا قابل حقوقه بالمعاصي وقابل نعمه بالكفر كان أحق بالعقوبة ممن لم ينعم عليه كما أنعم عليه».
و قال في موضع آخر: «وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال "اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله". ودين الإسلام إنما يفضل الإنسان بإيمانه وتقواه لا بآبائه ولو كانوا من بني هاشم أهل بيت النبي. فإن الله خلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبدا حبشيا وخلق النار لمن عصاه ولو كان شريفا قرشيا وقد قال الله تعالى {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وفى السنن عنه أنه قال "لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا أسود على أبيض ولا لأبيض عل أسود إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب", وفي الصحيحين عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه (قلت: هم آل أبي طالب): "إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين". فأخبر النبي أن موالاته ليست بالقرابة والنسب بل بالإيمان والتقوى. فإذا كان هذا في قرابة الرسول فكيف بقرابة جنكسخان الكافر المشرك؟ وقد أجمع المسلمون على أن من كان أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى وإن كان الأول أسود حبشيا والثاني علويا أو عباسيا».
و قال في المنهاج (4|376): «وأما أهل السنة فإنما يعظمون بالتقوى لا بمجرد النسب، قال تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم». و قال في كلام طويل في المنهاج (4|601): «وأما نفس القرابة فلم يعلق بها ثوابا ولا عقابا ولا مدح أحدا بمجرد ذلك. وهذا لا ينافى ما ذكرناه من أن بعض الأجناس والقبائل أفضل من بعض. فإن هذا التفضيل معناه كما قال النبي r: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا". فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة كان معدن الذهب خيرا لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فيه. فإن قدر أنه تعطل ولم يخرج ذهبا كان ما يخرج الفضة أفضل منه. فالعرب في الأجناس وقريش فيها ثم هاشم في قريش مظنة أن يكون فيهم من الخير أعظم مما يوجد في غيرهم. ولهذا كان في بني هاشم النبي r الذي لا يماثله أحد في قريش فضلا عن وجوده في سائر العرب وغير العرب وكان في قريش الخلفاء الراشدون وسائر العشرة وغيرهم ممن لا يوجد له نظير في العرب وغير العرب وكان في العرب من السابقين الأولين من لا يوجد له نظير في سائر الأجناس. فلا بد أن يوجد الصنف الأفضل مالا يوجد مثله في المفضول. وقد يوجد في المفضول ما يكون أفضل من كثير مما يوجد في الفاضل. كما أن الأنبياء الذين ليسوا من العرب، أفضل من العرب الذين ليسوا بأنبياء. والمؤمنون المتقون من غير قريش أفضل من القرشيين الذين ليسوا مثلهم في الإيمان والتقوى. وكذلك المؤمنون المتقون من قريش وغيرهم أفضل ممن ليس مثلهم في الإيمان والتقوى من بني هاشم. فهذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب، دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا، ودون من ظن أن الله تعالى يفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في الإيمان والتقوى فضلا عمن هو أظم إيمانا وتقوى. فكلا القولين خطأ وهما متقابلان. بل الفضيلة بالنسب فضيلة جملة وفضيلة لأجل المظنة والسبب والفضيلة بالإيمان والتقوى فضيلة تعيين وتحقيق وغاية فالأول يفضل به لأنه سبب وعلامة ولأن الجملة أفضل من جملة تساويها في العدد والثاني يفضل به لأنه الحقيقة والغاية ولأن كل من كان أتقى لله كان أكرم عند الله والثواب من الله يقع على هذا لأن الحقيقة قد وجدت فلم يعلق الحكم بالمظنة ولأن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فلا يستدل بالأسباب والعلامات ولهذا كان رضا الله عن السابقين الأولين أفضل من الصلاة على آل محمد لأن ذلك إخبار برضا الله عنهم فالرضا قد حصل وهذا طلب وسؤال لما لم يحصل ومحمد صلى الله عليه وسلم قد أخبر الله عنه أنه يصلي عليه هو وملائكته بقوله إن الله وملائكته يصلون على النبي فلم تكن فضيلته بمجرد كون الأمة يصلون عليه بل بأن الله تعالى وملائكته يصلون عليه بخصوصه وإن كان الله وملائكته يصلون على المؤمنين عموما كما قال تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور ويصلون على معلمي الناس الخير كما في الحديث إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير». وله كلام آخر في مواضع أخرى كثيرة و الله الموفق .
قال أبو حامد الحضرمي في جزء من حديثه: حدثنا محمد بن عمرو بن العباس قال سمعت ابن عيينة يقول: قال هارون أمير المؤمنين لأبي إسحاق الفزاري: «أيها الشيخ، إنك في موضع من العرب» (يشير إلى شرف نسبه) فقال : «إن ذلك لا يغني عني من الله يوم القيامة شيئا».
وقد سُئِل الشيخ عبد الله بن جبرين: "ما حكم قول عبارة <السيد> لمن ثبت لدينا نسبه إلى آل البيت الأطهار"؟ فأجاب: «أرى أنه لا يصح إطلاق هذه اللفظة على كل هاشمي أو مُطَلِبيَ وذلك لان نسبهم قد بعد كثيراً عن النبي r وقد تكاثر عددهم. وقد علم أن فيهم المطيع والعاصي والبر والفاجر كما هو الواقع غالباً في أكثر القبائل. ولفظ السيادة يقتضي التعظيم والتفضيل والولاية والاحترام. ولا يصح ذلك لكل أحد منهم. وقد ثبت عن الإمام موسى الكاظم رحمه الله انه قال بما معناه" "إن من كان تقياً مؤمناً فهو ولي الله ولو كان عبداً حبشياً، ومن كان عاصياً فاسقاً فهو عدو الله ولو كان شريفاً قرشياً"».
سادساً: خاتمة:
والعجيب أن الشيخ حاتم العوني، مع تخصيصه للقب شريف بذرية الحسن والحسين، فهو دوماً ما يتلقب بالشريف حاتم، مع أنه ليس هاشمياً، وإنما عوني أي ينتمي لرجل يسمى جدعون. وجدعون هذا رجل تركي ينحدر من أم يهودية، ويزعم الانتماء إلى رجل هاشمي منفي في تركيا اسمه محسن، لكن هذا الادعاء لم يكن صحيحاً. وقام أعضاء المحفل الماسوني بالضغط على السلطان لتعيينه حاكماً لمكة، وهناك تلقب بالشريف عون. لكن ما لبث السلطان عبد الحميد أن عزله بعد أن ثبت أنه كان يقوم بسرقة قوافل الحج والاعتداء على النساء، وفرض الإتاوات على أهل الحجاز وتحويل مكة المكرمة إلى وكر للدعارة. وقد وجه الخليفة جيشاً جراراً إلى الحجاز قام بمطاردة عون وعصابته ، وتم إلقاء القبض على عون وتسفيره إلى اسطنبول، إلى أن قام ضباط حزب الاتحاد والترقي التركي (وأكثرهم من اليهود) بانقلابهم العسكري، وأرجعوا عائلة عون إلى الحجاز، وعينوا حفيده حسين بن علي أميراً على مكة. هذا والله أعلم.
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]
الطاهري
27 Apr 2008, 02:10 AM
فتوى للشيخ ابن باز من موقعه:
أسمع بعض الناس يقولون: مولانا، وسيدنا، هل لذلكم من حكم؟
نعم ترك مولانا أولى فقد جاء في الأحاديث النهي عن ذلك, وجاء في بعضها في حق العبد وليقل سيدي ومولاي, فالأولى والأحوط للمؤمن أن لا يقولها إلا إذا كان مملوكاً يقوله للسيد, وإلا فالأفضل والأحوط ترك ذلك فلا يقول سيدي, ولا يقول مولاي, ولما قال بعض الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنت سيدنا, قال السيد الله-تبارك وتعالى-: (يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني لله-عزوجل-مع أنه-عليه الصلاة والسلام- هو سيد ولد آدم, فقد صح-عليه الصلاة والسلام-أنه قال : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) هذا معروف, وبعد وفاته لابأس أن يقال هو سيدنا؛ لأنه غير مخاطب بها-عليه الصلاة والسلام- بعد وفاته, وإذا قيل له سيد ولد آدم, أو سيدنا محمد لا بأس بذلك, أما الشخص الذي يخاطب يقال يا سيدي فينبغي ترك ذلك؛ لأن العلة التي قالها النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقه قد توجد في حق غيره, فقد يجر هذا إلى الغلو في الشخص وقد يضره هو أيضاً فيعجب بنفسه ويتكبر, فلا ينبغي للإنسان أن يرفعه أنت سيدنا أنت مولانا, فليستعمل معه شيئاً آخر يا أبا فلان, أو يا فلان بلقبه, أو باسمه, أو بكنيته, ويكفي ذلك هذا هو الذي ينبغي للمؤمن, أما إذا قيل فلان سيد بني فلان فلا بأس كما يقال: فلان سيد تميم, فلان سيد قحطان, فلان سيد قريش, لرئيسهم وكبيرهم, ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ لما جاء للحكم من بني قريظة قال: (قوموا إلى سيدكم), وكان يسأل الناس يسأل القبائل من سيد بني فلان, من سيد بني فلان يعني من رئيسهم, وقال في حق الحسن-رضي الله عنه-:( إن ابني هذا سيد) الحسن بن علي-رضي الله تعالى عنه-هذا لا بأس به, أنما المكروه أن يخاطب بها أنت سيدنا أو ياسيدي يخاطب بهذا؛ لأن هذا قد يكسبه شيئاً من الترفع, والعلو, والتعاظم, وقد يكسب القائل شيء من الذل, والغلو, ولهذا كره النبي ذلك من الناس وهو-عليه الصلاة والسلام-معصوم أن يرضى بالشرك-عليه الصلاة والسلام-؛ لكن خاف عليهم من الغلو .
راكان
27 Apr 2008, 08:34 AM
ابن تيمية لم يكن يتكلم عن وصف الرجل المؤمن من آل البيت بالسيد أو الشريف..
وإنما تكلم عن تعليق الشرف بمطلق النسب.. بمعنى ليس كل هاشميٍ مثلاً شريف لكونه هاشمي فقط.. وهذا ما نوافقه عليه..
لكن لو ضمّ الرجل إلى نسبه الإيمان والعمل الصالح فهو خير على خير بلا شك، ولذا ابن تيمية يرى تفضيل جنس العرب على العجم فتأمل ذلك.
ابن جبرين فتواه على النقيض من مطلوبك ، فهو يرى أن لا يطلق هذا اللفظ على كل هاشمي أو مطلبي لأن الأنساب ابتعدت وتكاثر عددهم، ومفهوم كلامه أنه لو ثبت النسب فلا محظور. أو لو علمنا صلاح الرجل فلا محظور.
ولذا قال:
أرى أنه لا يصح إطلاق هذه اللفظة على كل هاشمي أو مُطَلِبيَ وذلك لان نسبهم قد بعد كثيراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تكاثر عددهم. وقد علم أن فيهم المطيع والعاصي والبر والفاجر كما هو الواقع غالباً في أكثر القبائل. ولفظ السيادة يقتضي التعظيم والتفضيل والولاية والاحترام. ولا يصح ذلك لكل أحد منهم.
وفتوى ابن باز غاية ما فيها الكراهة وأنه لا ينبغي، على أن الكراهة معللة ، فلو انتفت العلة وأمن الشخص الغلو أو العجب ونحوها من العلل فلازم كلامه أنه عند ذاك يجو.
وعلى كلّ حال، فأنت ترى أن اللقب من أعمال الجاهلية وظاهر هذا الكلام الحرمة .. ولم تجد إلى الآن من يوافقك على هذا الرأي المحدث .. وهو كافٍ في إبطاله.
وأما كلامك عن تعظيم آل البيت ومحبتهم، فهو أمرٌ لن أناقشك فيه أبداً .. بل أكله إلى الله تعالى فمن شاء أضلّ اللهُ ومن شاء هدى.
الطاهري
28 Apr 2008, 12:39 AM
الأخ راكان....
يظهر أنك لم تقرأ المنقولات التي أتيتك بها...
أو أنك قرأتها بنفسية الباحث عن الرد والمعارضة، وليس المطلع على مافيها من أقوال وبحثها وترجيح ما صح منها..
فكله غير صحيح ولا يوافق وليس في الموضوع ولا دلالة فيه، وأعتقد أنك لو أنصفت قليلا لوجدت مافيه دلالة على الموضوع ولو قليلا...
أما ما تكله إلى الله فلا أعتقد أن فيه ما تزعم من هدى وضلال فالمسألة أهون من هذا بكثير، إلا عند الشيعة الذين يعتبرونه الأصل الأصيل عندهم والمرتكز الأساس للولاء والبراء...
وعموما فأحب أن أشعرك أنني أحب من كان منتميا لهذا النسب الشريف من الصالحين الأتقياء المنتمين لعقيدة أهل السنة والجماعة، مثلما أحب باقي المسلمين وزيادة قليلة لقربهم من النبي صلى الله عليه وسلم...
وأكثر من هذه المحبة الخاصة لا يوجد، لا ألقاب مخصصة، ولا أحقية في حكم وولاية وخلافة أكثر من باقي الناس، ولا أعتقد أنهم مظلومون من الأمة، ولا مضطهدون، ولا يجب تعظيمهم، ولا مساواة السني منهم بغير السني في المحبة والتقديم، ولا الصبر على أخطاء وأفعال أهل البدع والضلال منهم...
وأسأل الله أن يهدينا وإياكم لما فيه الخير والصلاح، ويدفع عنا الغلو والجفاء، والبدع ما ظهر منها وما بطن...
راكان
28 Apr 2008, 10:55 AM
حتى نعلم الإنصاف منك
رد على توجيهنا للفتاوى المذكورة .. وبين لنا من يوافقك على رأيك الذي لا تفسير للانفراد به إلا التحامل على كل ما هو متعلق بالآل.
الطاهري
28 Apr 2008, 11:20 PM
الأخ راكان...
ما دام حكمك جاهزا بما تسميه التحامل على آل البيت، فلا يمكنك أن ترى الإنصاف مني...
وأعتقد أنني أوضحت رأيي بجلاء في هذه المسألة، وأنت كذلك أدليت بدلوك، وأتمنى ألا ندخل في المراء المذموم الذي لا فائدة منه ولا طائل سوى الانتصار للنفس...
وما تسميه توجيهك للفتاوى أخالفك فيه جذريا وأرى فيه تعسفا واضحا من جهة الإجمال...
وأدعوك لإعادة قراءة الموضوع الذي في أصل المادة والرد على الشيخ حاتم العوني مرة أخرى، لترى لماذا نرفض هذه العنصرية المقيتة القائمة على السلالية وليست على الدين أو التقوى....
وأعود لأؤكد لك ما تحاول تجاهله من محبتنا للصالحين لآل البيت من أهل السنة والجماعة، بخلاف ما زعمته مؤخرا من تحامل على كل ما يمت لآل البيت...
صلاح الدين الشريف
04 Nov 2010, 04:32 AM
سؤال للطاهري:
مَنْ قال من أهل العلم من السلف أو الخلف أن ألقاب الشريف والسيد عودة للجاهلية؟
وإلى الآن لم تجب على تساؤل الأخ راكان
راكان
حتى نعلم الإنصاف منك
رد على توجيهنا للفتاوى المذكورة .. وبين لنا من يوافقك على رأيك الذي لا تفسير للانفراد به إلا التحامل على كل ما هو متعلق بالآل.
وتصحيحا للمفاهيم فإنَّ ألقاب السيد والشريف استعملها العلماء والفضلاء من السلف والخلف دون نكير أو " غضاضة " على سبيل المثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال في الفتاوى الكبرى (5/336):
وَآلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ، فَمِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَفِي بَنِي الْمُطَّلِبِ الرِّوَايَتَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَفِي دُخُولِ أَزْوَاجِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَتَانِ، وَالْمُخْتَارُ الدُّخُولُ. وَأَفْضَلُ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ الَّذِينَ أَدَارَ عَلَيْهِمْ الْكِسَاءَ وَخَصَّهُمْ بِالدُّعَاءِ.ا.هـ
وقال في الصارم المسلول على شــــــاتــم الرســـــول:
وقال في (1/98):
الحديث الرابع : ما روي [ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من سب نبيا قتل و من سب أصحابه جلد ] رواه أبو محمد الخلال و أبو القاسم الأزرجي و رواه أبو ذر الهروي و لفظه [ من سب نبيا فاقتلوه و من سب أصحابي فاجلدوه ]
و هذا الحديث قد رواه عبد العزيز بن الحسن بن زبالة قال : حدثنا عبد الله ابن موسى عن جعفر عن علي بن موسى عن أبيه عن جده عن محمد بن علي ابن الحسين عن أبيه عن الحسين بن علي عن أبيه و في القلب منه حزازة فإن هذا الإسنادالشريف قد ركب عليه متون بكرة و المحدث به عن أهل البيت ضعيف.....انتهى .
فوصف رحمه الله رجال السند ( وهم من آل البيت ) بالشريف .
كما أن أحد أصحاب الحافظ ابن حجر العسقلاني اسمه الشريف مرتضى ، ذكر ذلك ابن حجر في كتابه الدرر الكامنة فقال :
ابراهيم بن حمزة الحسيني عماد الدين بن صدر الدين أصله من بغداد وقدم مصر واستوطنها وحصل له بها وجاهة ثم اتصل بيلبغا الكبير فأقبل عليه ولم يزل وجيهاً عنده حتى مات في رجب سنة 764 وهو والد صاحبنا الشريف مرتضى.ا.هـ
وقال الحافظ الذهبي في سير الأعلام في ترجمة ابن طباطبا:
278 - ابن طباطبا * الشريف الكبير، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي بن حسن بن الشريف طباطبا ، واسمه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن.....
وقال في ترجمة الحسين بن علي رضي الله عنهما :
48 - الحسين الشهيد * الامام الشريف الكامل، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته من الدنيا، ومحبوبه.
أبو عبد الله الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي.ا.هـ
واعلم هداك الله بصحة مشروعية هذه الألقاب ، فقد ذكرالقرطبي رحمه الله في تفسيره(8/595) لقوله تعالى : (ولاتنابزوابالألقاب)
وعلى هذا المعنى ترجم البخاري رحمه الله في (كتاب الأدب)من الجامع الصحيح في باب :" ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير لا يرادبه شين الرجل " قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يقول ذو اليدين " .
قال أبوعبد الله بن خويز منداد: تضمنت الآية المنع من تلقيب الإنسان بما يكره،ويجوزتلقيبه بما يحب، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لقب عمربالفاروق،وأبا بكر بالصديق، وعثمان بذي النورين، وخزيمة بذي الشهادتين، وأبا هريرةبذي الشمالين وبذي اليدين، في أشباه ذلك،الزمخشري: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من حق المؤمن على المؤمن أن يسميه بأحب أسمائه إليه ".
ولهذاكانت التكنية من السنة والأدب الحسن،قال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكني فإنها منبهة.
ولقدلُقب أبو بكر بالعتيق والصديق، وعمربالفاروق،وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله،وقلَّ من المشاهير في الجاهليةوالإسلام من ليس له لقب ، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها - من العرب والعجم - تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.
قال الماوردي:
فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره ، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عددا من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجلِّ الألقاب.اهـ
هدانا الله وإياكم ورزقنا الحبّ والاتباع
الحالي قوي
04 Nov 2010, 09:28 AM
للشوكاني - رحمه الله - رسالة في مجموع فتاواه في جواز اطلاق السيد على شريف النسب رد فيها على بعض من كتب إليه من تهامة، وفيها تأصيل مغني .
صنعانيه
04 Nov 2010, 08:46 PM
سؤال للطاهري:
مَنْ قال من أهل العلم من السلف أو الخلف أن ألقاب الشريف والسيد عودة للجاهلية؟
وإلى الآن لم تجب على تساؤل الأخ راكان
وتصحيحا للمفاهيم فإنَّ ألقاب السيد والشريف استعملها العلماء والفضلاء من السلف والخلف دون نكير أو " غضاضة " على سبيل المثال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال في الفتاوى الكبرى (5/336):
وَآلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ، فَمِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَفِي بَنِي الْمُطَّلِبِ الرِّوَايَتَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَفِي دُخُولِ أَزْوَاجِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَتَانِ، وَالْمُخْتَارُ الدُّخُولُ. وَأَفْضَلُ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ، وَحُسَيْنٌ الَّذِينَ أَدَارَ عَلَيْهِمْ الْكِسَاءَ وَخَصَّهُمْ بِالدُّعَاءِ.ا.هـ
وقال في الصارم المسلول على شــــــاتــم الرســـــول:
وقال في (1/98):
الحديث الرابع : ما روي [ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من سب نبيا قتل و من سب أصحابه جلد ] رواه أبو محمد الخلال و أبو القاسم الأزرجي و رواه أبو ذر الهروي و لفظه [ من سب نبيا فاقتلوه و من سب أصحابي فاجلدوه ]
و هذا الحديث قد رواه عبد العزيز بن الحسن بن زبالة قال : حدثنا عبد الله ابن موسى عن جعفر عن علي بن موسى عن أبيه عن جده عن محمد بن علي ابن الحسين عن أبيه عن الحسين بن علي عن أبيه و في القلب منه حزازة فإن هذا الإسنادالشريف قد ركب عليه متون بكرة و المحدث به عن أهل البيت ضعيف.....انتهى .
فوصف رحمه الله رجال السند ( وهم من آل البيت ) بالشريف .
كما أن أحد أصحاب الحافظ ابن حجر العسقلاني اسمه الشريف مرتضى ، ذكر ذلك ابن حجر في كتابه الدرر الكامنة فقال :
ابراهيم بن حمزة الحسيني عماد الدين بن صدر الدين أصله من بغداد وقدم مصر واستوطنها وحصل له بها وجاهة ثم اتصل بيلبغا الكبير فأقبل عليه ولم يزل وجيهاً عنده حتى مات في رجب سنة 764 وهو والد صاحبنا الشريف مرتضى.ا.هـ
وقال الحافظ الذهبي في سير الأعلام في ترجمة ابن طباطبا:
278 - ابن طباطبا * الشريف الكبير، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن علي بن حسن بن الشريف طباطبا ، واسمه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن.....
وقال في ترجمة الحسين بن علي رضي الله عنهما :
48 - الحسين الشهيد * الامام الشريف الكامل، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وريحانته من الدنيا، ومحبوبه.
أبو عبد الله الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي.ا.هـ
واعلم هداك الله بصحة مشروعية هذه الألقاب ، فقد ذكرالقرطبي رحمه الله في تفسيره(8/595) لقوله تعالى : (ولاتنابزوابالألقاب)
وعلى هذا المعنى ترجم البخاري رحمه الله في (كتاب الأدب)من الجامع الصحيح في باب :" ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم الطويل والقصير لا يرادبه شين الرجل " قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يقول ذو اليدين " .
قال أبوعبد الله بن خويز منداد: تضمنت الآية المنع من تلقيب الإنسان بما يكره،ويجوزتلقيبه بما يحب، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لقب عمربالفاروق،وأبا بكر بالصديق، وعثمان بذي النورين، وخزيمة بذي الشهادتين، وأبا هريرةبذي الشمالين وبذي اليدين، في أشباه ذلك،الزمخشري: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :" من حق المؤمن على المؤمن أن يسميه بأحب أسمائه إليه ".
ولهذاكانت التكنية من السنة والأدب الحسن،قال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكني فإنها منبهة.
ولقدلُقب أبو بكر بالعتيق والصديق، وعمربالفاروق،وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله،وقلَّ من المشاهير في الجاهليةوالإسلام من ليس له لقب ، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها - من العرب والعجم - تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.
قال الماوردي:
فأما مستحب الألقاب ومستحسنها فلا يكره ، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عددا من أصحابه بأوصاف صارت لهم من أجلِّ الألقاب.اهـ
هدانا الله وإياكم ورزقنا الحبّ والاتباع
جزاك الله خيراً
ابو يعقوب
04 Nov 2010, 09:11 PM
الامر اسهل من ذلك في نظري والله اعلم
انكار اهل العلم للاسم هو انكار للمتخذين له للاستعلاء على الناس والتكبر عليهم بسبب النسب وفي ذلك قوله عليه الصلاة والسلام (من بطىء به عمله لم يسرع به نسبه) .
ومن اثبته منهم رحمهم الله تعالى فهم الجم الغفير في كتبهم ومقالاتهم للتميز وللمحبة وليس ادل على ذلك من اختلافهم رحمهم الله تعالى في جواز الصلاة والسلام عليهم فهو اعظم من قولنا الشريف او السيد والله الموفق
النقاش لا يلزم احد ان يلتزم بقول الاخر وحسب المسلم ان يعرف عذر اخيه ووجه استدلاله ويصدق البحث والتحري والله الهادي الى سواء السبيل
صلاح الدين الشريف
05 Nov 2010, 01:32 AM
الأخت الصنعانية
وجزاكم خيرا بمثله وزيادة
صلاح الدين الشريف
05 Nov 2010, 02:23 AM
الأخ الفاضل أبويعقوب ...بارك الله فيكم ووفقكم لكل خير ، وليت الأمر كما قلتَ: انكار اهل العلم للاسم هو انكار للمتخذين له للاستعلاء على الناس والتكبر عليهم بسبب النسب .
فهذا مجمع على إنكاره لقبح الكبر والاستعلاء فهذه إساءة لآل البيت ولمن ينتمي إليهم. ولكن مما يؤسف له أن البعض بالغ في هذا الإنكار حتى قال : " ما فيه شيء اسمه سادة وأشراف "!
شاهد الرابط :
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar] ([Link nur für registrierte Benutzer sichtbar])
يقول عثمان الخميس في المادة الصوتية :
ما فيه شيء اسمه سادة وأشراف . هذه ـ يعني ـ كلمة مستحدثة السادة والأشراف .
يقول إن السادة هم أولاد الحسين والأشراف أولاد الحسن ، ذرية الحسين يقال لهم سادة وذرية الحسن يقال لهم أشراف ، هذا كلام باطل ......
الأمر الثاني: انه ليس بالظرورة أنه إذا كان الحسن سيداً أن تكون كل ذريته سادة .. هذا غير صحيح.. فيه من ذرية الحسن من لايصلي ومن ذرية الحسين من لا يصلي ومن لايعبد الله تبارك وتعالى ، هل يلزم أن يكون جميع الذرية يكونوا صالحين ليس بالضرورة ، هذا الأمر لايؤخذ بالوراثة.....
فقضية أولاد الحسين أو نسل الحسين يقال لهم سادة أو نسل الحسن يقال لهم أشراف هذا كلام باطل غير صحيح أبداً . بل الصحيح أن السيادة وصف وليست نسباً ، وقد يكون سيداً وليس من آل البيت.....
ولكن قضية أن السادة هم نسل الحسين والأشراف هم نسل الحسن هذا كلام باطل.
أو البعض يقول:
السادة هم نسل الحسن والحسين ، والأشراف هم بقية قريش هذا كله كلام أيضاً غير صحيح .لكن هذا في استعمال الناس الان صار يكثر كذلك....لكن على كل حال هذا الكلام غير صحيح.
......................
ولا عزاء لآل البيت لانتفاء لقب السادة والأشراف عنهم لأنها من أمور الجاهلية .
الطاهري
05 Nov 2010, 02:53 AM
أنا أرى أن محاولة ذرية أهل البيت التميز عن بقية الناس بألقاب معينة لم يكن يتلقب بها علي بن أبي طالب والحسنان وغيرهم من أوائل أهل البيت، هي من الجاهلية المحضة، ومن تأثيرات أهل البدع من الشيعة والصوفية، وأول من تلقب بالشريف هو الشريف الرضي الشيعي، فإن كان حقا فلم لم يتلقب به الحسن فيقولون السيد الحسن رغم أنه جاء في خصوصه حديث صحيح...
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.