المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تمرد الحوثي في الحسابات الأمريكية، الإيرانية، السعودية


الراصد
07 Sep 2009, 05:26 PM
ناس برس 7/9/2009: عبد الله السالمي
على احتمال الأخذ بإعلان تعليق العمليات العسكرية في صعدة من قبل طرفي القتال ولو لساعات فلست متأكدا إن كانت هذه السطور ستنشر ولم يزل العمل به ساريا أم لا.. وعلى كلٍ فهذه ليست المشكلة الحقيقية، إذ أن تعليق الحرب مع استمراره حتى الوصول إلى الوقف الكامل أو الاستئناف من جديد بعيدا في الحالتين عن الوقوف على الوجهة التي تهب منها رياح الحرب، ومن ثم ردمها، لن يكون مجديا، بقدر ما يضيف دليلا آخر إلى تأكيد فرضية أن أحد الطرفين يخوض حربا بالوكالة عن جهة، أو جهات، قد يعلمها أو تخفى عليه.
وبصرف النظر عن ما ساقته اللجنة الأمنية العليا في إعلانها لتعليق العمليات العسكرية من حيثيات لا يمكن التقليل من أفضلية أبعادها الإنسانية والأخلاقية، وكذلك الحال في ما اسماه الحوثي من قبل مبادرة لإيقاف الحرب من جانب واحد.. فان السؤال عن البعد المجهول في مسمى المبادرة وإعلان التعليق يكشف كم أن اليمن – الدولة ومن ثم الوطن كلازمة طبيعية – هو المنكوب برزيّة الحوثية، سواء علقت اللجنة الأمنية العليا عملياتها العسكرية في صعدة ومديرية حرف سفيان من محافظة عمران أو أوقفتها، أو استأنفت الحرب على المتمردين الحوثيين.
المؤكد أن الحوثي قد استمرأ لعبة القوة الهوجاء، وبقدر ما يرى فيها مداراً لاستمرارية وجوده كندٍ في مواجهة شرعية الدولة فإن إمكانية تنازله عن عتاده الحربي وفض تماسك جماعته من حوله، وطي وجوده عن الأرض التي بسط عليها نفوذه أمور لم تعد واردة على الإطلاق.. أما الدولة فإنها في ترك الحوثي وشأنه أو مواجهته بقوة السلاح أشبه بمن يحتار بين خيارين أحلاهما مر.
وعن مرارة ترك الحوثي وشأنه فإنها مما لا يحتاج إلى توضيح، إذ أية دولة تستحق هذه التسمية وهناك في ترابها الوطني أجزاء كبيرة لا تستطيع السيطرة عليها، بل وتعجز عن محاصرة التمرد ضمن دائرة المقتطع من الأرض حتى لا يسري فيما سواه. وأما مرارة مواجهة الحوثي بقوة السلاح فذلك في كون الدولة ستدرك – إن لم تكن قد أدركت – أنها لا تحارب المتمردين الحوثيين وحدهم، وأن من كانت ترجو منهم شد أزرها في حربها هم إلى خصومها أقرب، وليس أشد مرارة من ظلم ذوي القربى، ورصاصة انطلقت من حيث يأمن المحارب وأصابت ظهره.
سذاجة دولة وذكاء عصابة
مشكلة اليمن المنكوب بأزمة الحوثية – حكومة وشعباً – أن أوضاعه المتدنية أمنيا واقتصاديا سهلت اختياره ساحة لصراع إقليمي التقت أطرافا دولية متعددة على تصفية حساباتها فيه، وفيما أثبت المتمرد الحوثي قدرته على مجاراة أطراف الصراع الدولي في أخذه من كلٍ منها بنصيب يتوافق ونقائضها مجتمعة فيستفزها ببعض ويضمن في اتصال دائرة الصراع تلقيه الدعم من كافة أطرافها، وبما أظهره غاية في المراوغة وأكثر استطالة في التمرد.. فإن الدولة بدت في كل ذلك بريئة ساذجة حدّ ذهابها إلى استعداء المحايد، ووضع ثقتها في يد الجاني لثمار تمرد خصمها، ثم فوق هذا عدم مسايرة تقلبات موجة المتحكم الرئيس في اللعبة، أو الحكم فيها.. الأمر الذي أظهرها ظالمة وهي المظلومة، وفي مواجهة عدو صغير جدا وهو في الحقيقة – بالنظر إلى الجهات التي تسنده – يكبرها عشرات المرات، ومأخوذ عليها اللجوء إلى الحسم العسكري مع أنه في الأصل من أولى أولوياتها وأوجب واجباتها..
لنأخذ الحكاية من آخر ما ارتسم في فصولها.. لقد تزامن تعليق اللجنة الأمنية العليا للعمليات العسكرية مع تواجد أمين عام مجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن العطية في صنعاء للتشاور مع الحكومة اليمنية بعد أن كلفه بذلك المجلس الوزاري الخليجي على مستوى وزراء الخارجية في ختام دورته الـ "112" المنعقدة بجدة مطلع الشهر الجاري، وفي السياق ذاته لا يمكن الفصل بين إيفاد العطية وتصريح الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى الذي نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط بخصوص ما أسفر عنه لقاؤه وأبو بكر القربي وزير خارجية اليمن في العاصمة الليبية طرابلس المتزامن مع موعد المجلس الخليجي.
مسودة سيناريو الصراع
ومن خلال تكرار مفردة الحوار كآلية لتجاوز الخلافات سواء فيما تحدث به العطية بعد إعلان التعليق، أو قبله على لسان رئيس دورة مجلس التعاون سالفة الذكر يوسف بن علوي في مؤتمره الصحفي، أو عمرو موسى بتقارب مخطط له، فإن نفي تورط أكبر دول المجلس الخليجي في أزمة صعدة مما تتزايد الأدلة على إثبات عكسه، ولكن ليس بما يخادع به الحوثي من محاولة الاستدلال على دعم المملكة العربية السعودية للحكومة اليمنية في مواجهتها لتمرده، وإنما استغلال الجارة الشقيقة للمتمردين الحوثيين لتكسب بوجودهم المتمرد حربها الباردة في مواجهة إيران، بغية إثبات تورط الأخيرة في مستنقع تحريض الأقليات الشيعية الإثنى عشرية في شبه الجزيرة وبعض الدول العربية للتمرد على حكوماتها، وبما يؤكد عودة مخاوف تصدير الثورة الخمينية على أساس طائفي يتماهى والمشروع الإيراني إلى الواجهة وبخطورة أكثر من ذي قبل.
وبين إثبات تورط إيران في فتنة الحوثي وحتى وقوعها في الشرك، من المسودة الأولى للصراع الإقليمي وحتى تفاصيل السيناريو كما تجلى في أحدث المشاهد يمكن التقاط مفردتي "الشيعة الاثناعشرية" كمرتكز يتوقد الصراع بحضوره ولا ينطفئ بإقصائه، وقد فطن كثيرون إلى أن إيران لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي عن مد يد العون لأية جماعة اثنى عشرية بمجرد سماعها بها وأنى كانت، وعلى هذا الأساس نجحت خطط جهات عديدة – في الداخل والخارج – لإيقاع إيران في شرك دعم الحوثيين وتأجيج تمردهم، وذلك من خلال الإصرار على تبعيتهم للاثني عشرية في وقت يقولون فيه إنهم على المذهب الزيدي، مع أنهم عن المذهبين، وبالذات الزيدي، أبعد.
حسابات الحكم
وهكذا كان يمكن للسيناريو أن يستمر لولا أن للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط حساباتها الخاصة، فإيران وان كان حبل الود بينها وأمريكا في الظاهر مقطوعا إلا أن اجتماعهما في لعبة العراق الجديد خلق لدى البيت الأبيض قناعة بان اشتراك اثنى عشرية العراق مع إيران في الولاء للإمام الغائب ونائبه الولي الفقيه وراء تسليمهم لطهران راية تمثيلهم في لعب دور ظهرت فيه مع أمريكا على قدر من المرونة لم يكن متوقعا، وهذا ما دفع بصناع القرار في واشنطن إلى اعتقاد إمكانية خلق مناخات واسعة للتفاهم مع الاثنى عشريين والتحالف معهم بما يفوق غيرهم من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، لاسيما في الحرب على الإرهاب وتقبل مخرجات ما بعد الحداثة، السياسية منها على وجه الخصوص..
وكما لا يمكن إغفال حقيقة أن أمريكا على علم قاطع بأن شعار الحوثي الذي يعلن فيه لها الموت ليس فيه من الصدق إلا خضوع اختياره لقدرته على استثمار العاطفة الدينية وخداع الذهنية الجماعية المتبلدة عربيا وإسلاميا فإن خروجها على لسان نائب مساعد وزير دفاعها للحديث عن عدم وجود دليل عملي يثبت تورط إيران في دعم الحوثي، على الأقل بالشكل الذي كان منها في فلسطين ولحزب الله اللبناني، وبقدر ما ينبئ هذا التصريح عن استخفاف أمريكا بمخاوف العرب من تصدير إيران لنموذج ثورتها إليهم، بالإضافة إلى أنه يفصل بين إيران والحوثيين، ومن ثم يسلب عن السعودية الضوء الأخضر في مواصلة خطتها لتضخيم البعبع الشيعي وخنقه في شمال اليمن، فإنه كذلك يؤكد حرص أمريكا على إلصاق تهمتين بإيران تدرك واشنطن أنها كلما ربطتهما بطهران – وذلك في تأكيد دعمها لحماس وحزب الله - أذكت لها في قلوب الكثير من العرب والمسلمين تعاطفا وتشجيعا كبيرين، فهل من المعقول أن أمريكا غبية عن تبعات كل ذلك؟!
توقعات عديدة وحقيقة واحدة
وبين توقع إما أن تكون الجارة السعودية قد اكتفت من جر إيران لمستنقع تمرد الحوثي بإثبات انحيازها إلى جانبه إعلاميا على الأقل، أو أن هذا القدر من التورط يكفيها لبلوغ أهدافها في الداخل، أو أن شوك شجرة تمرد الحوثي استطال على ثمارها وبات يؤذي قاطفها أو لا يمكنه منها إلا مع الكثير من الألم، أو أن إيران وقد ضاقت بها أزماتها الداخلية تتحفز لاتخاذ - بمعية انحياز وسائل إعلامها - متنفسا عمليا لن تسلم المنطقة كلها من آثاره الكارثية، أو أن صفارة حكم اللعبة بين طرفي السجال الإقليمي قد أعلنت من واشنطن انتهاء جولة من الصراع تاركة تاريخ التي تليها غير محدد، أو أن أمريكا لم تعد راضية عن صخب المراهنين على تمرد الحوثي وربما بدا لها أن انفرادها باستغلال كسب المراهنة عليه أولى.. وبين كل تلك التوقعات وأخرى غيرها يمكن إدراج تكرار مفردة الحوار لدى عبدالرحمن العطية وعمرو موسى.
ويبقى التأكيد على أن تمرد الحوثي في مواجهة الدولة يعني اليمن أولا وأخيرا، وبالقدر الذي تتأكد فيه حقيقة ما يمثله التمرد من خطورة على اليمن فإن ذهابها منفردة إلى اختيار أنجع وسيلة للخلاص منه بعيدا عن حسابات أطراف الصراع الإقليمي هو ما ينبغي أن يكون. وقد يكون لهذا الحديث صلة، وقد في مثل هذا الاستخدام أبعد عن التحقيق كحال الخطاب السياسي في هذا البلد!!
[Link nur für registrierte Benutzer sichtbar]مقالات%20وتحليلات&article=939