المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أزمة صعدة اليمنية.. والحرب التي لا تنتهي!


أبو عمر اليمني
10 May 2008, 10:19 AM
أزمة صعدة اليمنية.. والحرب التي لا تنتهي!

صنعاء/ محمد سيف حيدر 3/5/1429
08/05/2008



ليس من السهل أبدًا توقّع المسار الذي ستئول إليه الأمور في أزمة صعدة؛ فالمشهد الوعر في هذه المنطقة الطّرفية البائسة بشماليّ اليمن ينتظر عود - (أو أعواد)-ثقاب [لكن من عيار أثقل وأكثر حُرقةً من حادثةِ المسجد المُشينة الأخيرة] حتى يستعيد دراميته وحيويته السابقتَيْن، وتنفجر على إثره المواجهة الشاملة في جنبات ذلك المشهد التراجيدي مرةً أخرى. وإذا ما اندلعت حربٌ جديدة بين طرفيِ الصراع، فإنها ستكون الأعنف والأكثر دموية مما سبق من حروب ومواجهات عسكرية، وستأخذ أبعادًا أكثر تعقيدًا من كل المرات/ الحروب السابقة. لماذا؟ ببساطة؛ لأنّ كثيرًا من الأمور في البلاد - كما في محيطها الجواري والإقليمي - طرأ عليه تغيير مهم على نحو أو آخر:
- فالوضع في جنوب اليمن ما فتئ يزداد توترًا وصخبًا، وتأزّمًا بالتالي. والتصعيد الكلامي، بشأنه، بدأ يخرج عن السيطرة، كما المسئولية الوطنية لذويه، وأخَذَ إِناءُ كل الأطراف - لاسيما القوى الاحتجاجية في الجنوب - ينضح بما فيه من سخطٍ ومرارةٍ وغِلّ.
- والوضع المنسجم نسبيًّا للطبقة/ النخبة الحاكمة في البلد آخذٌ - بفعل الإفراط في الأنانية، والانتهازية، والجشع بين مختلف مكوناتها- في التشظّي والتمزّق على نحوٍ غير مسبوق، وبعكس كل الأزمات السابقة التي مرّ بها نظام الرئيس على عبدالله صالح، الذي بدأ يفقد بوصلته نحو السياسة والطريقة المثلى التي يمكن من خلالها إعادة زمام الأمور إلى نصابها وسالف عهدها من الثبات والاستقرار، بعد أن أصاب الإنهاك والإعياءُ تكتيكَه السياسيَّ المعهودَ، القائمَ على إدارة الأزمات المستعصية في البلد بتوليد المزيد منها؛ حتى يُصاب "المتربصون" بالنظام بالغثيان، والارتباك، وانعدام القدرة على المبادرة، نتيجةَ السرعة التي تتوالى بها الأحداث والمتغيرات على الأرض، ولا يجدوا بُدًّا في النهاية من دعوة "المُخلِّص" الرئاسي، الذي لا يأتي وحده لكي تنحلّ العُقدة على يديه الساحرتين!
- كما أن الإعصار الاقتصادي الصامت- الذي يضرب المواطنين اليمنيين ووضعَهُمُ المعيشيَّ بكل ضراوةٍ وقسوة- لم يعد يُحتمل أو يُطاق. وهناك مخاوف حقيقية من إمكانية تحوله - بشكل ارتدادي - إلى عواصف سياسية واجتماعية جامحة، ذاتِ موجات متعاقبة الشِّدة، تطال الجميع بلا استثناء.
- وزاد الوضع الإقليمي المُحيطُ الحافلُ بالاستقطابات السياسية والطائفية (المفتعلةِ في غالبيتها) الطّينَ اليمنيَّ - المُبلَّلَ بما يكفي - بلِّةً، لاسيما وأنّ اليمن لم تعُدْ طرفًا أصيلًا – رغم مكانتها الجيوسياسية الضّحلة إقليميًّا - في مشهد الاستقطاب الراهن وحسب، بل تحولت - بقدرة أطراف عدة – إلى إحدى الساحات الأساسية لصراعٍ شرس حدَّ الوحشية (رغم ضبابية وغموض طبيعة مخرجاته ونتائج جولاته الكثيرة والمتكررة) على النفوذ الإقليمي، والعمق الاستراتيجي، وتصفية الحسابات الأيديولوجية (بما هي رافعةٌ للمكانة الدولية) بين اللاعبين الكبار في الإقليم والمنطقة، وهو صراعٌ أدى فيه اليمنيون -للأسف الشديد- الدورَ ذاته – مع بعض الاختلاف في التفاصيل - الذي أداه- (ولا يزال)- أشقاؤهم اللبنانيون، الذين أدمنوا - على ما يبدو - دورَ الوكيل الحاضر أبدًا لأطراف غائبة - وإن كانت معروفةً هناك تمامًا، كما هي معروفةٌ هنا، وهو دورٌ لم يُشفوا بعدُ من أعراضه الضاربة بقوة في أرض الملل والطوائف، والمال السياسي.
صورة المشهد اليمني إذن باتت مختلفة كليًّا عن مّا كانت عليه قبل سنوات أربع أو خمس، عندما نشبت الحربان الأولى والثانية في صعدة، والوضع تاليًا لم يعد يحتمل المزيد من المقامرات (والحروب) العبثية الخالية من المعنى، بل يستدعي لعبًا من نوع مختلف؛ لعبًا مُحْكَمًا يُفضي إلى التعادل بين النظام و"الحوثيين" وَفْق القاعدة الذهبية (لا غالب ولا مغلوب).
وعليه، فإن الخيار الذي يكاد يكون وحيدًا أمام الجميع ("حوثيين" وحكومة) هو المزيد من السياسة، والقليل من الرصاص! قد يبدو هذا الخيار صعبًا ومبتذلًا في اعتقاد بعض قِصَارِ النَّظر بالجانبين، لكنه في المُحصِّلة يظل الخيار/ الحلّ المُجديَ، والأرخصَ كُلفةً حتمًا، خاصةً أنّ الوسيط في هذه الأزمة [= دولة قطر] قد أبدى استعداده التامَّ للدَّفع نيابةً عن الجميع، وتحمَّل وزر أعباء الاتفاق المأمول المادية، مقابل حصوله على نصرٍ دبلوماسي ومعنوي مُهم، هو في أشدّ الحاجة إليه هذه الأيام.
لكن مَن يضمن التعقّل – والأهم استمراره – في (ومن قِبَل) طَرَفَيِ الصراع؟ سؤالٌ وجيهٌ ولا شك! والإجابة عليه تكمن في حسابات الربح والخسارة عند كُلٍّ منهما، وهي حسابات أخذت تفقد كثيرًا من قيمتها وحرارتها بمرور الزمن، في ظل (وبسبب) تعقُّد الأوضاع في داخل اليمن كما خارجها. على أنّ مجرد قبول الطَّرَفَيْن بالاحتكام لطرفٍ ثالثٍ ما - وعلى نحوٍّ خاصٍّ دولة عربية صغيرة كقطر - (وإن جلب نوعًا من "التدويل" للمشكلة، والمرفوض مبدئيًّا من دُعاة السيادة وعُشّاقها المُتيمين) يُعد أمرًا مُشجِّعًا للغاية، ويسمح بالكثير من التوقعات، التي إن لم تكن جيدة تمامًا، فلن تكون سيئةً بحالٍ من الأحوال.
غير أن للربح والخسارة في أزمة صعدة حساباتٍ أخرى قد لا تحددها حصريًا أجندة المتخاصمين و/ أو الوكلاء المحليين، وإن حَدَتْهم الرغبة في ذلك؛ فللعواصم الإقليمية والدولية المتورطة – بشكل أو آخر - في الصراع، كلمتُها وحساباتها أيضًا، وهنا تكمن المشكلة الأخطر والأكثر حساسية. مَن بإمكانه أن يضمن رضا واشنطن، أو الرياض، أو طهران، أو طرابلس، أو القاهرة، أو أسمره -(مجتمعين، أو كُلًّا على حدة)- على "النهاية السعيدة" للأزمة المُمسرحة دمًا ونارًا في شمال دولةٍ فاشلةٍ لا حول لها أو قوة؟ لا أحد بالتأكيد.
الاتفاق بين طرفَيِ الصراع ما لم يضمن رضا جميع اللاعبين الإقليميين عنه ومباركتهم له، فمصيرُه الطبيعي - في ظل الاختلال الحالي لموازين القوى إقليميًّا، وهشاشة الوضع الداخلي اليمني وتداعيه- التعثُّرُ والإخفاق، والمزيد من العنف والوحشية. ومتى حدث هذا، فإن صندوق باندورا اليمني سيفتح مصراعيه من جديد على كل الشرور والاحتمالات الكارثية للأسف الشديد.