المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اسرائيل النووية بين الحماية الامريكية والصمت العالمي.


نهاية يوم
06 Jan 2010, 06:08 PM
الزوبعة الأميركية مستمرة بشأن امتلاك دول في الشرقالأوسط للأسلحة النووية، والوتيرة تتصاعد فيما يتعلق بامتلاك إيران للطاقة النووية. كل ذلك يمكن فهمه في سياق منع انتشار السلاح النووي في المنطقة، إلا أننا لا يمكنأن نفهم سكوت وكالة الطاقة الذرية وسكوت المجتمع الدولي عن القوة النوويةالإسرائيلية التي تمتلكها منذ سنوات طويلة. بل إنّ إسرائيل تعمل من أجل إعفائها منالقيود التي تمنع الدول المصدرة للتكنولوجيا النووية والوقود النووي من التعاملمعها، وذلك بهدف استيراد هذا الوقود بشكل قانوني.
إنّ جوهر الأمن الإسرائيلي فيغاية الوضوح، في حال السلم كما في حاله الحرب لا يتغيّر، هو التفوق العسكري علىالعرب مجتمعين، بالإضافة إلى استراتيجية الردع النووي التي يمكن استخدامهادائما.
ومما يجدر ذكره أنّ السياسة النووية الإسرائيلية تعتمد - أساسا - علىتفاهم تم التوصل إليه في العام 1969 بين الحكومتين الأميركية والإسرائيلية، ويتمثلذلك التفاهم بأن تحافظ إسرائيل على ‘’الغموض النووي’’ وأن تمتنع الإدارة الأميركيةعن ممارسة أي ضغط يهدف لحملها على التوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية،والتزمت الإدارات الأميركية المتعاقبة بذلك التفاهم الودي، غير المكتوب.
ولابدمن الإشارة هنا إلى أنّ دراسات وأبحاثا إسرائيلية وغربية كثيرة تؤكد أنّ إسرائيلتملك، وفقا لمقاييس قوة إقليمية، أعدادا كبيرة من الرؤوس النووية (تقدر بـ 200 رأسعلى الأقل) ونوعيات مختلفة لا يوجد لبعضها مبرر استراتيجي حقيقي لامتلاكه. وقدأشارت تلك الدراسات إلى أنّ الرؤوس النووية الإسرائيلية ‘’قابلة للاستخدام الفعليبمدى ونطاق تدميريين واسعين إلى حد كبير.


ولم تتوقف إسرائيل،منذ انشغال العالم بالمسألة النووية، عن محاولاتها تقديم مختلف المبررات الواهيةوالحجج غير الواقعية لامتناعها عن التوقيع على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي. ومن هذه الحجج أنها لن توقع ما لم يكن هناك اتفاق على سلام شامل، ولهذا فهي ترفضحتى إعطاء موعد مستقبلي للتوقيع على المعاهدة، مما دفع الخبير الإسرائيلي فيالعلاقات الدولية زئيف معوز، في سياق التوترات التي تشهدها المنطقة ، للقول ‘’إنّ قدرتنا النووية تشكل عاملا محفزا في سباق التسلح غير التقليدي الآخذ فيالتفاقم. وعلينا أن نأخذ في الحسبان أنه على المدى الطويل سيكون الخيار الحقيقيلإسرائيل بين شرق أوسط نووي وبين شرق أوسط نظيف من سلاح الدمار الشامل.
ومندون أي شك فإنّ السلاح النووي الإسرائيلي يشكل تهديدا خطيرا للمنطقة العربية كلها،وعامل خلل في استقرارها ومستقبلها. كما أنّ تجاهل المخاطر النووية الإسرائيليةيعرّض مصداقية السعي إلى السلام العادل والشامل والدائم إلى الخطر، إذ إنّ امتلاكإسرائيل للسلاح النووي وامتناعها عن الانضمام إلى معاهدة الحد من انتشاره يؤكدنواياها للهيمنة على المنطقة العربية ومقدراتها، وهو ما لا يمكن أن يكون عامل سلامواستقرار، بل هو عامل توتر دائم في المنطقة.
إنّ استثناء إسرائيل من الانضمامإلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية يعني -عمليا - السماح لها بالتفوقالاستراتيجي على العرب، وإطلاق يدها للهيمنة على المنطقة كلها، وإبقاء العالمالعربي تحت رحمة التهديد الإسرائيلي المستمر. والشيء الملفت للانتباه أنّ الإدارةالأميركية، التي تضغط على الدول العربية لمنعها من امتلاك أية إمكانية نووية، تجهدنفسها لتبرير عدم توقيع إسرائيل على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية،وبالتالي عدم إتلاف مخزونها من هذه الأسلحة.
وهكذا، غدت الصورة واضحة تماما،فالأسلحة النووية الإسرائيلية، الموجودة الآن، والتي تهدد أمن المنطقة واستقرارها،ينبغي أن تبقى، بينما مطلوب من العرب أن يتعهدوا - علنا - بعدم امتلاك مثل هذاالنوع من الأسلحة.
إنّ التهديد النووي الإسرائيلي ينبغي أن يوضع في سياق مجملالتطورات، التي عاشتها المنطقة العربية منذ حرب تحرير الكويت في العام 1991 إلىاليوم، فهو ليس إلا نتاج طبيعي للسياسات العربية الخاطئة، التي يتجلى اليوم عدمصوابها في هذا المأزق الذي يوجد فيه صانعو السياسات في العالم العربي. فوجود التفوقالعسكري الإسرائيلي الفعلي شيء والاعتراف به وتكريسه في التعامل الدولي شيء آخرتماما.


إنّ السيرورات الإقليمية نحو الشراكات، التي منشأنها بلوغ مرحلة النضج في المستقبل غير البعيد، تفرض إعادة النظر في هذه السياسةوفي تناقضاتها الداخلية. إذ يجب تفعيل التوجه العربي نحو المجتمع الدولي من أجل شرقأوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، وإجبار إسرائيل على فتح منشآتها النووية أماموكالة الطاقة الذرية، والانخراط الجدي في عملية السلام ، سلام يقوم على أسسالحق والعدل وعودة الأراضي العربية المحتلة إلى أصحابها في فلسطين وسوريةولبنان.
وهكذا، فالقبول، لأي سبب، بمعاملة استثنائية لإسرائيل في مجال القانونالدولي، والنزول عند الرغبة الأميركية ، ليس له أي أسس موضوعية سوى استخدام إسرائيلفي المستقبل كوسيلة لضمان خنوع العرب واستسلامهم، ولا يعني أقل من قبول الانتحارالذاتي من قبل جميع الدول العربية.